ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 إشارة إلى بعض مصادر الفرقة و الخلاف بين المسلمين (*)

ـ ١ ـ

ما أظن أن مرحلة من مراحل التاريخ هي أدعى إلى تضامن المسلمين وتعاضدهم، من هذه المرحلة، فقد اجتمع عليهم الناس كما لم يجتمعوا من قبل. يغريهم بالمسلمين ضعفهم وتفتتهم، وقلة إدراكهم لما يحاك لهم في الخفاء، وتفرد قوة هائلة من قوى العالم بالتسلط على مقدراتهم.

صحيح أن المسلمين وقعوا، في مرحلة أخرى من مراحل تاريخهم، بين شقي رحى التتار القادمين من الشرق، والصليبيين القادمين من الغرب، ولكنهم كانوا يقاتلون تحت راية موحدة جمعتهم، في معظم الأحيان، فاستطاعوا أن يزحزحوا صخرة الغزاة عن صدورهم، وأن ينقلوا إلى صفهم فئات كثيرة منهم.

فأما اليوم فقد اختلفت الرايات، واضطربت رؤى كثير من المسلمين، وتفرقت صفوفهم، وافتتنت فئات كثيرة منهم بمعطيات الحضارة الغربية افتتاناً بالغاً أصبح معه الانتساب إليها شرفاً فيهم، والولاء لحضارة الإسلام تهمة يدفعونها عنهم.

فأي زمان أولى من هذا الزمان بنهوض الواعين من المسلمين ومدركي خطر التحول عن خط هذا الولاء التاريخي، والاحتفاظ بهويته، والدفاع عن حصونه المتبقية؟ وأي زمان أولى من هذا الزمان بتجميع الرايات، وحصر مصادر الفرقة والخلاف، والرجوع في درسها إلى ينابيع الإسلام الصافية، حتى تعلو إرادة التقريب على نزعة التشرذم والفرقة وتزيين وهم انحصار الحقيقة في طرف واحد؟

إن ما يقع اليوم في ديارنا أخطر مما يظن بعض الناس. إنه يعني أن الجسد الواحد أصبح كل عضو فيه يعمل في اتجاه. فما الذي يمنع الطامعين فيه إذن أن ينتظروا انهياره، ويحصوا إرثه ويستهينوا بحقه في الحياة؟ وما العجب في أن نراهم يوادّون أديان العالم ومذاهبه كافة إلا الإسلام والمسلمين! ويهادنون الوثنيات، على اختلاف ألوانها ومعانيها، ثم لا يعملون على إنصاف هذا الدين الذي أقرّ ببتولة مريم، وآمن برسالة ابنها المسيح، وأخرج التوحيد من عباءة إبراهيم الخليل، وجعل الصلاة على نبي وآله مقرونة بالصلاة على إبراهيم وآله؟

ـ ٢ ـ

إن ما نريده لا يعني أكنز من الدفاع عن النفس. إننا لا نريد أن نعادي العالم من حولنا، فإن الإسلام، منذ بزوغه، دين الألفة والسلام وتحرير الفكر. والدعوة إلى التوحيد تعني، في صميمها، الدعوة إلى خلاص الإنسان من قيود اللون والجنس والعصبية وعزلة الثقافة. فنظرة الإسلام في نهاية الأمر نظرة توحيد خالصة:

إله واحد وإنسان واحد في كون واحد. وإذن فما نريده يجعل الصالح الخاص موصولاً بالصالح العام. إن من صالحنا وصالح الإنسانية معنا أن تستمع إلينا، فنحن دعاة خلاص إنساني ومُثُل روحية في عالم أعمته المادية وغرور العقل، فظن أن اكتشاف القوانين التي تحكم الطبيعة لا يفرُق عن إنشائها، وأن فتح مغاليق الكون لا يفرق عن خلقه، وأن البحث عن خالقه لا يفرق عن الحلول محله. وثنية جديدة وآلهة جديدة: الدولار وقوة السلاح والجنسُ وغرور العقل وتصلب النزوع العرقي، وحب السيطرة، وإذلال الإنسان واستغلاله لصالح الإمبراطوريات الغنية، على اختلاف مواقعها.

إننا إذن، ببساطة، ندعو إلى تغيير صورة الحياة على الأرض، وإعادة بناء الإنسان على قواعد جديدة تعيد للروح مكانه، وللقيم الإنسانية دورها، وتصحح المعادلة المنكسرة بين المادة والمثال في صياغة تفكيره وأسلوب حياته.

فمعاداتنا تنتهي في النهاية إلى معاداة النفس، وانتصارنا يعني انتصار من يخالفنا، وهزيمتنا ستكون شراً على الإنسانية كلها وعلى حضارتها التي افتتنت بها.

فمن هذه المنطلقات تكون الدعوة إلى تعاضد المسلمين وتضامنهم دعوة سلام ومحبة لشعوب العالم كلها. ولو تأملتْ الشعوب هذه الحقيقة لأدركت أن من صالحها أن تعمل معنا على لم الشّعث ودفن عفن الماضي وتجاوز أخطائه، ومعاونتنا على التفاهم بدلاً من دق الأسافين بيننا، وإثارة النّعرات وإفشاء المكائد والدسائس، وحرْث تاريخنا لالتقاط نقط الضعف في بنائنا الحضاري العام، وتضخيمها واستغلالها في إضعاف ثقتنا بأنفسنا، وتوهين عقيدتنا، وتجنيد الضعاف من أبنائنا في خدمة مخططاته، والعمل على إلحاقنا بأنماط تفكيره وتصوره ورغباته، وصهرنا في مصهره الحضاري المفتون بضخامته.

ـ ٣ ـ

ولكن، قبل هذا كله، لا بد أن نطرح هذا السؤال على أنفسنا: أيمكن - من جانبنا - أن يتحقق لنا هذا التضامن وسط هذا الركام الهائل من المطامع، وسيطرة النزعات الشريرة فينا إلى التحكم وفرض الإرادة الذاتية، والتعبد للمثال الغربي بسلبياته كلها، وعدم المبالاة بفقد الهوية وضياع ملامحنا الخاصة، والتضحية بمقدساتنا ورموزنا الروحية العامة؟

ذات يوم رأيت في دمشق جمعاً من إخواننا الإيرانيين المسلمين، وقد شبكوا أيديهم بعضها ببعض، وأخذوا يصرخون حتى انشقت مرائرهم، : «يامسلمي العالم اتحدوا !»، ورأيت الناس من حولهم ينظرون إليهم في صمت واستغراب، ثم ما لبثوا أن تفرقوا عنهم. يومها سألت نفسي هذا السؤال: هل يدرك هؤلاء الثائرون على الواقع الإسلامي المتردّي من زواياه كلّها، ضخامة ما تعنيه هذه الصيحة؟ ما تكلفهم من تضحيات؟ وما يواجهون بها من حواجز؟ وما تعرضهم له من أخطار؟

هل ذكروا، وهم يصيحون هذه الصيحة، ما تنطوي عليه نفوس أكثر المسلمين اليوم، خاصتهم وعامتهم، من ضعف الإيمان بمعانيها، وفشو الطمع والنفاق في صفوفهم وفي صفوف كثير من قادتهم؟ هل ذكروا، في وعي، أن ما يصرخون له لا ينفع فيه إلا إعادة بناء الإنسان المسلم بناء فكرياً ونفسياً وروحياً جديداً، على أساس أن الأصل في كل انتصار يبدأ من داخل النفس، وأن التغيير ينبغي أن يتم فيه قبل أن يتحقق في العالم الخارجي؟

هل وقفوا على الأخاديد التي حفرتها بعض وقائع التاريخ الإسلامي في نفوس المسلمين، وما ولّدت من صراع المذاهب والآراء؟ هل أدركوا أثر الغنى النفطي في بعض دول المسلمين دون بعضها الآخر [١]؟

هل ربطوا بين صيحتهم وبين وعيهم بما تثير فيهم تناقضات الواقع الإسلامي، على مختلف الصُّعُد الاقتصادية والسياسية والفكرية العامة والثقافية؟ هل عرفوا ما يعنيه خلاف المسلمين على اختيار الباب الذي يدخلون منه إلى ساحة العصر، بين النموذج الغربي الطاغي اليوم والنموذج الإسلامي القائم اليوم في أكثر ديار الإسلام، في الظاهر الذي لايعني شيئاً على الإطلاق: في الشعارات المرفوعة، وفي الألقاب أحياناً، وفي البيانات السياسية؟

هل أدركوا أثر الفصل التام بين السياسة والدين في أكثر بقاع الإسلام: قطع الإسلام عن كل أثر فاعل في الحياة، والعودة فيه إلى الفهم القاصر لكلمة السيد المسيح: «أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله»؟

هل وعوا ما يعنيه تعطيل باب الاجتهاد في حياة أكثر فئات المسلمين انتشاراً في العالم: سيطرة الفهم القاصر في أخطر شؤونهم وأهونها على الإطلاق، مثل توحيد مواعيد أعيادهم ومواسمهم الدينية، وقدرتهم على فهم التاريخ وقوانينه وحقائقه على السواء؟

هل أدركوا ما يعنيه تعطيلُ معنى التطور، والإصرار على التعلق بأذيال الماضي، الوسخة أحياناً، من تفتيت النفوس وتمكين الخلاف؟

ـ ٣ ـ

على أن ما قلته تستلزم هذه الكلمةُ تحديدَه، عسى أن نفلح من بعد في تأمله وحصر أسبابه وتضييقها شيئاً فشيئاً، على أساسٍ من فهم الواقع، والاستجابة لحقائق العصر، ومعرفة ما نريد من أنفسنا وحياتنا.

لكن هذا لا يعني أبداً أننا غفلنا عن الحقائق الثابتة الأخرى: أننا جميعاً نقف على قاعدة فكرية وروحية واحدة، يمكن أن تدنينا، بعد جهاد طويل، من تثبيت أقدامنا فيها والتطلع إلى المستقبل. إن الذي يطوف في ديار المسلمين يجد صورة واحدة للحياة من الداخل والخارج: فتقاليدهم واحدة، وأسلوب حياتهم، على الإجمال، متشابه، وأصول ثقافتهم التاريخية موحدة، وهم يقرؤون، مهما شتّوا، كتاباً واحداً. ويؤمنون، مهما يكن واقع الحال، برسالة واحدة. ويتجهون في صلاتهم، إلى قبلة واحدة: ينهضون في وقت واحد، ويسجدون في وقت واحد. إن الذي يزور بقاع العالم الإسلامي، من المسلمين، يحسب، في كثير من الأحيان، كما نقول دائماً، أنه لم يغادر بلده !

فلنبن على هذه الأصول، دون أن ننسى حقائق الواقع المؤلمة التي لا يجدي انكارها في تلافيها. وأحسب أن التضامن، في الوقت الحاضر، أكثر ما نريده ونسعى إليه، دون أن يمنع ذلك من نُشدان ماهو أعلى وهو وحدة الصف.

على أن ما يقع اليوم في بعض ديار العرب المسلمين من خلاف على الحدود أو السيادة أو النزاع على السلطة، يفعل فيهم أكثر مما يفعل عدوهم، حتى ليظن الناظر فيهم أحياناً أنهم ما ينفكون أسرى غرائز التملك وفرض السلطان.

ثم إن ما يقع في أفغانستان، والسودان، والصومال، وما وقع في اليمن، وفي أمكنة أخرى من ديار المسلمين، لا يكاد العقل يسعه. فأي مثل نضربه للعالم على ما بلغنا من تعبد الذات وضيق النظرة وطغيان التسلط، أقوى من هذه الأمثلة؟

وكيف تفلح دعوة، مهما بلغت من الحرارة والصدق، تقوم إلى جانبها مثل هذه الصور الصارخة من صور التعارض؟

(*) - ألقى في أحد المؤتمرات الإسلامية في كيرلا بالهند أوائل سنة ١٤٠١هـ = ١٩٨٠م. ثم ألقي أيضاً في ندوة عامة أقيمت في طهران، حوالي سنة ١٤١٢ هـ / ١٩٩٢م.

[١] - لاحظ المؤرخ الانجليزي توينبي، في جملة محاضرات له ألقاها في القاهرة، حوالي سنة ١٩٥٧، أن ظهور النفط في بعض الدول العربية، كان من عوامل ضعف الدعوة إلى وحدة العرب.



[ Web design by Abadis ]