ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 حول فكر الإمام آية الله الخميني مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية (*)

مجموعة خطوط وملاحظات اجتمعت لدّي من قراءاتي في أدبيات الثورة الإسلامية التي قادها الإمام الخميني في إيران، يمكن أن تتصل في رؤية مكتملة للأصول الفكرية التي حكمت هذه الثورة المنتصرة، وتجلّت في واقعها السياسي والاجتماعي والثقافي القائم اليوم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ـ ١ ـ

دعا الإمام الخميني إلى الجمع بين مهام الفقيه ومهام السياسي، ورأى في الفصل بينهما تعطيلاً لأهم ركن من أركان الإسلام، ينتهي إلى تحويل الإسلام إلى كهنوتية مسيحية. ذلك أن الإسلام جعل السياسة من صلب قواعد عبادته (الحج، صلاة الجمعة، صلاة العيدين). والمساجد فيه ليست دوراً للعبادة فحسب، وإنما هي برلمانات، وثكنات، وخزائن لبيت المال، ومدارس، وجامعات، ومجالس قضاء، ومنتديات….

فالإمام يعدّ إذن (من هذا المنطلق) أول من تكلم على إمكان إنشاء حكومة إسلامية في هذا العصر، بتشريعها وجهازها التنفيذي.

ـ ٢ ـ

تبرز في فكر الإمام الخميني (القيادي - التنفيذي) جملة قواعد:

ـ وحدة القيادة أساس في كسب النصر.

ـ عدّة النصر: بناء النفس + التنظيم + إعداد العدّة.

ـ الأخذ بوسائل العصر في التنظيم والانضباط وإعداد العدّة.

ـ إعادة النظر في التقيّة وشروطها لتخليصها من السلبيّة، في مفهومها الشائع.

- توثيق صلة العلماء بالشعب (السوق والشارع). فالأمة هي الأصل في قوة العلماء ومراجع الدين الذين لم يتخذوا من الدين تجارة، ولم يتطفلوا على الدين، وجعلوا من الإسلام أمانة مقدسة في أعناقهم يجب حفظها والدفاع عنها.

ـ ٣ ـ

بهذه المثابة يكون الإمام الخميني صاحب مدرسة فكرية مكتملة، نشأ رجالها في الحوزات العلمية، فربطوا العلم بالعمل. ورجعوا إلى الأصالة في مواجهة حركة التغريب الفكري والحضاري، دون أن يقطعوا صلتهم بالعصر وحاجاته. وتسلحوا بفكر ثوري غير مهادن، يقف على الجبهتين الداخلية والخارجية، ويستمد من تراثه الأصيل والإيمان به دوافع الثقة والقوة والشموخ، إذ لاشيء يتعذر تحقيقه مع الإيمان الصحيح القوي. وماحققته ثورته كان يبدو قبل فوزها، أضغاث أحلام (تقويض سلطة الشاه بأجهزتها كلها وبارتباطاتها الخارجية).

ـ ٤ ـ

وهكذا قدمت هذه المدرسة الفكرية، إلى المسلمين وإلى العالم، مشروعاً حضارياً ملائماً لروح العصر ومتصلاً، في الوقت نفسه، بأصوله الإلهية. فهو في مبناه ومعناه، لغة جديدة تواجه ثقافة العصر العالمية التي قطعت صلاتها بالغيب، وربطتها بالمحسوس وحده. ويمكن أن نعدّها امتداداً أصيلاً وحياً لحركة الإحياء القائمة على أصولها العميقة من وحدة التراث الإسلامي، والنازعة إلى ربط صالحها بصالح الإنسانية كلها، على أساس أنها مكلّفة بحمل رسالة يمكن أن تعين على إنقاذ المدنية المعاصرة من الدمار (قلب مفهوم السياسة وغاياتها المنقولة عن كتاب الأمير (لمكيافيلى Machiavelli ت ١٥٢٧م) في الحضارة الغربية، إلى الرحمة ورد الظلم والمساواة بين الناس والانتصار للحق في المفهوم الإسلامي).

وهى رسالة ينبغي أن تتجند قوى الأمة كلها: الروحية والمادية والعلمية لإبلاغها والنضال في سبيلها. وعلى هذا النحو نفهم مؤدى الكتاب الذي كتبه الإمام الخميني إلى «غورباتشوف» [١].، فهماً سليماً، ونفهم البعد العالمي لثورته التي ربطت فكرة تحرير المسلمين بتحرير المستضعفين في الأرض، ووصلت قضايا المسلمين بقضايا التحرير العالمية.

ـ ٥ -

يحمّل الإمام الخميني علماء الأمة تبعات كبيرة، فقد ألحّ على نظافة مسلكهم، وبعدهم عن إغراءات أصحاب السلطان، واستعلائهم على الدنيا، وزهدهم في زينتها وحطامها «فالدنيا - كما يقول - ليست شيئاً ذا بال». والعالِم المتقى يصلح مجتمعاً بأسره. وإذا فسد العالِم فسد العالَم. ولهذا كان يرى أن يدرّس علم الأخلاق في الحوزات العلمية، إذ لا قيمة للعلم إلا مع العمل واستقامة السلوك. فإن العمامة واللحية قد تحولان بين الإنسان وإصلاح نفسه في أحيان كثيرة، إذ تزيدان من التكبر والغرور، وتسوّغان طرق الضلال وتفرّعانها بالسعي إلى الجاه الكاذب والشهرة الفارغة. ومن هنا ضيق الإمام على العلماء مجال التوبة وأباحها للعامة «الذين يعملون السوء بجهالة». أما العلماء فلا تقبل توبتهم.

وهو يدعو العلماء، من ناحية أخرى، إلى التضامن والوفاق، فقوتهم في وقوفهم صفاً واحداً في مواجهة معسكر البغي. والمهم في هذا كله أن يحوّلوا ولاء الناس الكاذب للسلطة إلى ولاء روحي عميق للرسالة التي يجسدونها في أعين الناس. وبهذا يعيدون للجهاد معناه الحقيقي وللشهادة قيمتها الكبرى.

ـ ٦ -

لاشك أن الإمام الخميني قوّى عزائم الناس في مواجهة الأنظمة السياسية الظالمة في العالم الإسلامي. وعمل على تقويض نزعة الاستسلام التقليدية لأولي الأمر أياً كانوا، وهي النزعة التي شاع أمرها في حياة المسلمين بحكم بعدهم عن حقائق الحياة السياسية الديمقراطية السليمة، حتى قوي إحساسهم بفقد حريتهم الداخلية جراء ولائهم الكاذب للسلطة، وفقدوا صلتهم الروحية بها وشجاعتهم في مواجهتها، ونمت فيهم ظواهر الخنوع برذائلها كلها. فأصبحت، بعده، مفردات مقاومة الاستكبار والمستكبرين التي أطلقها، من شعارات الثورة.

ـ ٧ -

ولكن الإمام رمى، من وراء تطهير الساحة الداخلية، إلى أن يهيئ لنقل خط الصراع، في حياة المسلمين، من الداخل إلى الخارج، في مواجهة القوى التي تذلهم. ومن المحزن جداً أن تكون مأساة الحرب العراقية الإيرانية نكسة خطيرة في وجه هذا الجهد، إذ كانت حركته تدعو إلى أن يكون الولاء الروحي والسياسي والاجتماعي، عند الفرد المسلم، مهما يكن مذهبه، للإسلام وحده بثوابته التي ينبغي أن تحدد وتنفرد بالولاء. ولهذا دعا إلى مؤتمرات تعقد لزعماء المذاهب الإسلامية في أقطارها المختلفة، ليتعاونوا على فرز الثوابت وجمع القلوب عليها، ولينفوا عن أنفسهم ما علق بها، بعد هذا التاريخ الطويل، من الشكوك والظنون والتعادي، في الطريق إلى حسن الفهم المتبادل، وبناء الثقة المتبادلة.

ـ ٨ -

وهكذا خرج الإمام بثورته الإسلامية على التقليد القائم بانكفاء كل قطر إسلامي على همومه. فهو يهتم بكل حركة إسلامية، على امتداد ديار الإسلام. وخرج بها أيضاً على تقاليد الخلاف السني - الشيعي، على مدار التاريخ الإسلامي، فردّ بثورته على سلبيات هذا التاريخ كله، وعلى الواقع الإسلامي القائم (المذهبية، العرقية، الإقليمية، التقاطع السياسي في الداخل)، وعاد إلى التمسك بالخط الإسلامي الصافي الذي لمع نجمه مع ظهور الإسلام، في وجه القوى الخارجية: الثقافية والسياسية والعسكرية، متجاهلاً انشغال كل قطر إسلامي بنفسه، لبعد المسافات، واختلاف المشكلات التي تتعرض لها المجتمعات المختلفة، ولاختلاف ألوان الثقافات بحكم اختلاف الظروف. فأعاد، على نحو ما، طرح قضية المجتمع الإسلامي الواحد أو المتحد، من حيث يظن الناس أنها قضية قديمة عفّى عليها الزمن. وطرح، من ورائها، قضية الوحدة الإسلامية على صورة من الصور. ومن هذا المفهوم الجامع دعا إلى تخصيص أيام إسلامية يجتمع المسلمون في أقطارهم جميعاً على الاحتفال بها (آخر جمعة في رمضان: يوم القدس، وأسبوع ولادة الرسول (ص) من ٧ - ١٥ ربيع الأول) إيقاظاً لشعورهم بانتمائهم الواحد بدل انتماءائهم المختلفة.

ـ ٩ ـ

ولكن صلته بالعالم الحديث وحاجاته وحاجات الفرد المسلم منه كانت لا تغيب عنه. وكان يدرك إدراكاً قوياً حاجة هذا الفرد المسلم إلى أن يدرّب على الحياة فيه، وأن يتضح له موقف الإسلام من قضاياه الكبرى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، حتى يملك قدرة التحرر من التبعة للآخرين، كما يملك القدرة على التحرر من أدوائه في داخل الساحة الإسلامية، وهي الأدواء التي يجمعها التخلف بجوانبه المختلفة.

ـ ١٠ -

وجوه التخلف الذي تعصف أدواؤه بالعالم الإسلامي، يمكن إجمالها في: الأمية والفقر، واستشعار الدونية الحضارية، لضعف الانتساب إلى العصر، وطغيان الفردية والمحسوبيات، وانحلال الرابط الاجتماعي، وفراغ المذاهب، والفرقة بينها، وضعف المناعة الذاتية، والحجر على الحريات الفردية والفكرية، وقفل باب الاجتهاد، والالتفات عن بناء نظام اقتصادي إسلامي معاصر، وسوء توزيع الثروة الإسلامية، واختلال التوازن بينها وبين عدد السكان (الانفجارات السكانية). وهكذا يجمع التخلف حقول الحياة بمجموعها: الاقتصادي و العلمي و الفكري العام (الثقافي) و الاجتماعي و السياسي.

ـ ١١ -

وقد واجهت مدرسة الإمام الفكرية هذا الواقع الإسلامي السيئ بالدعوة إلى إصلاح البيت الإسلامي، وإصلاح أساليب التربية، وبتكوين هيئة من رجال المذاهب الإسلامية للبحث في فرز نقاط الافتراق والاجتماع، وبث الوعي في النفوس، ومواجهة قضايا العصر الكبرى، مثل: التوفيق بين القومية والدين، ومواجهة الرجعية بمعناها الحقيقي، ومعالجة قضية المرأة والقضايا الاجتماعية الأخرى، وتحكم الطائفية في المجتمع الإسلامي، وتحكم الإقليمية والعنصرية.

ـ ١٢ -

ووقفت هذه المدرسة وقفة طويلة أمام القضية التي تواجه العالم الإسلامي منذ ظهور الإسلام، وهي عداء الغرب، على إطلاقه، لنا، على حين لم يقف موقف العداء من أديان أخرى مثل البوذية والهندوسية، ولم يُثر حولها مثل الضجة التي أثارها من حولنا.

والطريف أن الإمام رمى هنا إلى أن يعيد، إلى المسيحية أيضاً، وجهها الحقيقي، بعيداً من إرادة الإذلال التي تسلح بها معتنقوها في الميدان السياسي والعسكري. فكأنه، في مواجهة الغرب في عدائه للإسلام، سعى إلى أن يعيد إلى الدين في ذاته وجهه الحقيقي القائم على وحدة المصدر، ووحدة القيم، ووحدة المصير الإنساني.

ولكن ما السبب في عداء الغرب لنا؟ هل هو في اقتراب العالم الإسلامي من العالم المسيحي واحتكاكهما منذ ظهور الإسلام؟ أم لأن الإسلام، مثل المسيحية، دين سماوي؟ ولكن المسيحية لم تخاصم اليهودية مثل هذه الخصومة، وهو الدين الذي ثار السيد المسيح بواقعه الذي كان عليه في أيامه، ويُسأل أتباعه، في رأي المسيحيين أنفسهم، عما يقولون "بصلب" السيد المسيح!

لعل أسباب هذه الخصومة لم تحلل إلى اليوم تحليلاً علمياً يقربها من الفهم، فهي قائمة بالرغم من أن الثقافة الإسلامية (كما يقول الدكتور عبدالهادي أبو ريدة) نمت كلها تقريباً داخل العالم الإغريقي القديم، مما جعل المؤثرات الخارجية التي صاغت هذه الثقافة إغريقية وفارسية، وجعلها بهذا أقرب إلى أوربة من ثقافات الهند والشرق الأقصى!

لقد بلغت عداوة الغرب للإسلام أن عملوا على تفكيك العالم الإسلامي، وظنوا أن الدعوة إلى وحدته قضى عليها التأثر بالفكر الغربي وحضارته الحديثة، وما جاءت به من ثقافات وتجارب اجتماعية وسياسية. فهم ظنوا أنهم دفنوا الإسلام بصفته فكراً يعمل على تكوين المجتمعات الإسلامية الحديثة وسياسات دولها. وعملوا على إثارة النزعات "التاريخية" كنزعة الشعوبية التي أشار إليها رئيس جمهورية فرنسة، في بعض حديثه عن دوافع فرنسة إلى تسليح العراق! فقد جاء الإمام الخميني نفسه يبعث أفكار الوحدة الإسلامية، من البلد الذي تظن فرنسة أنه هو الذي صدرت عنه النزعة الشعوبية في القديم والحديث.

(*) نشرت في جريدة (كيهان العربي) بتاريخ ٢٨ / ٩ / ١٩٩٩ م = ١٤٢٠ هـ.

[١] - زعيم الاتحاد السوفييتي قبل انهياره.



[ Web design by Abadis ]