ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 السمات العامة لفكر المفكر الشهيد مرتضى المطهري (*)

ـ ١ ـ

القصد من هذا الحديث أن نلم بأبرز السمات الفكرية العامة التي تتجلى لقارئ هذا المفكر المؤمن (مرتضى المطهري).

وأحب أن أبدأه بأربع ملاحظات:

الأولى: هي هذه الجفوة المفتعلة التي تقارب الانقطاع بين مذاهب الفكر الإسلامي. فإن المثقفين من أهل السنة لا يكادون يلمون إلماماً سليماً بالفكر الإسلامي الشيعي، ولا يكادون يعرفون رجاله معرفة صحيحة. وقد نتج عن هذا إحساس عميق بالغربة، تحولت أحياناً إلى ما يشبه القطيعة الفكرية بين المذهبين. وتكونت لكل منهما مكتبة خاصة يكاد الناشئون من أهلها لا يعرفون شيئاً عن مكتبة المذهب الآخر، وكتبها ورجالها.

زرت يوماً داراً لنشر التراث الإسلامي، تراث أهل البيت، في مدينة قم، وتصفحت بعض ما تنشره، وراجعت مصادر تحقيقه، فرأيتها تقرب، في فتور كبير، من مصادر أهل السنة. إن مفكراً عظيماً من مفكري الإسلام، كالشهيد المطهري، استطاع أن ينقل الفكر الإسلامي إلى مستوى الدعوات العالمية في هذا العصر، يمكن أن يظل بعيداً عن مفكري أهل السنة. وإن مفكراً عظيماً من مفكري الإسلام كمالك بن نبي مثلاً، الذي تفحص واقع المسلمين وعرّاه تعرية جريئة، وعمّق درسه للركائز الفكرية في حضارة الغرب، يمكن أن يظل بعيداً عن مفكري الشيعة.

ثم إن الباحثين من الطرفين، نتيجة لهذا، أصبحوا، إذا نظروا في تراث الطرف الآخر، ضحايا الوقوع في أخطاء كبيرة، إذ يجدون أنفسهم يسبحون في مياه لايعرفون عمقها ولا يعرفون منابعها إلا بالقدر الذي أهّلتهم له معرفتهم بتراث الطرف الآخر.

والملاحظة الثانية: أن مثل هذه الندوات والبحوث والدراسات والأحاديث، ينبغي أن تفهم الغاية منها فهماً صحيحاً أيضاً. فالغاية أن يقترب بعضنا من بعض، ويطلع بعضنا على دخائل بعضنا الآخر، لنيسر السبيل إلى فهم أنفسنا فهماً أفضل، وتفحّص واقعنا، والوقوف على أدوائه وطبّه. ما أعتقد أن أناساً منا يمكن أن يظنوا أن في الإمكان أن ينتقل طرف منا إلى المواقع الفكرية للطرف الآخر. ولكن أحداً منا لا يظن أبداً أن الأقدار كتبت علينا أن نسير، إلى نهاية الزمان، في خطين متوازيين: فنحن، في النهاية، نؤمن بكتاب واحد. ونرجع، في الجملة، إلى مصادر تشريع واحدة. ويجمعنا تاريخ واحد، وواقع واحد. وينتظرنا، مهما تباعدنا، مصير واحد. إن كلّ من يسير في العالم الإسلامي، ويدخل مساجده، ويصلي مع المصلين فيه، ويطوف بأسواقه وحوانيته، ويزور بيوته، ويأكل طعامه، ويتحدث إلى أهله، يدرك، على نحو لا أستطيع وصفه، أنه لو مدّ يده أوشك أن يلمس جدران بيته الذي نشأ فيه.

فمن هنا يكون لهذه الندوة التي تتدارس أفكار الشهيد المطهري معناها الخاص. فهذا رجل أعلى الإسلام، في جملة دراساته، فوق المذاهب. وارتفع في درس مُثله وشرائعه وتعاليمه، ورفعنا معه، إلى مستوى إسلامي جامع يستشرف فيه الفرد المسلم أفق الإسلام الفسيح. يكفي أنه كان يدعو إلى أن تدخل إيران درس اللغة العربية، لغة القرآن، في مناهج الدراسة، منذ المدرسة الابتدائية. إذ كيف يتيسر، في رأيه، للمسلم الذي يريد أن يفهم روح الإسلام، أن يصل إلى مايريد، على غير معرفة بلغته التي أنزل بها كتابه؟

الملاحظة الثالثة: أن الرجل الذي نذكره اليوم، وندرس فكره، استطاع أن يرقى بسلوكه وفعله إلى مستوى المثال الذي تمثله، والمبدأ الذي آمن به. فهذا هو الامتحان العسير الذي يسقط فيه كثير من قادة الفكر، على مدى التاريخ. وهو المعيار الصحيح الذي يزن قدر رجاله في كل عصر. وهو الذي وصل به إلى مرتبة الأستاذية المطلقة، وانتهى به، آخر الأمر، إلى مرتبة الشهادة.

الملاحظة الرابعة: أن هذا الرجل انطلق، في دراساته كلها، من إيمان مطلق بكتاب الله، وحكّمه في قضايا الفكر التي عالجها. وجعله معيار كل حقيقة أقرّها، مهما يكن موضعها من مسائل الفكر الإنساني، وتاريخ شعوبه. ولكنه، مع هذا، كان يجهد أن يركن دائماً إلى العقل وينفذ إليه، بعيداً من المسلمات الدينية التي يختلف الناس فيها، ثم يعود في النهاية إلى كتاب الله، فتضيء آياته في يديه بنور جديد، ما أشد ما نفتقده في كثير من بحوث الفكر الإسلامي، في هذا العصر الذي نمت فيه الثقافات الإنسانية، على اختلاف علومها، وتدفقت على الناس كشوفها المذهلة. إن هذا لا يعني أبداً أن كثيراً مما أقرّه يمكن أن يقتنع به جميع الناس، على اختلاف مشاربهم ومواقفهم من الدين وأحكامه. ولكن المطهري يظل، في النهاية، مفكراً دينياً معاصراً، يجد فيه المثقفون المسلمون، على وجه الخصوص، ما يقوى به إيمانهم بالله الواحد، وبتراثهم الديني العريق، وبمثله وأهدافه الإنسانية، وينفي عنهم كثيراً من الأوهام التي دسّها المغرضون على الإسلام، وتقوى به ثقتهم بأنفسهم، وبما اختاروه لها، في مواجهة تيارات الثقافات العالمية، والأفكار التي تأتي بها فلسفاتها ومذاهبها الاقتصادية والاجتماعية

والسياسية، مثل المادية والوجودية والليبرالية وغيرها.

ـ ٢ ـ

لا يستطيع، في كل حال، من يرجع إلى التراث الذي خلفه المطهري، مهما يكن موقفه من الدين وأحكامه، ومن الإسلام خاصة، من أي مذهب كان، وعلى أي جبهة من جبهات الفكر الإنساني يقف، وإلى أي صف من صفوف السياسات والأنظمة المعاصرة، ينحاز، أن ينكر أن هذا المفكر الإسلامي صاحب ذهن خصب مولِّد، يفتق الأفكار، ويلقح بعضها ببعض، ويركب منها أبنية فكرية جديدة تدعم رأيه وتصوّب تحليله. وقد يبلغ من قوة التحليل أحياناً أن تتفرّع المسائل في يديه، في خطوط كثيرة يسوق القارئ سوقاً إلى تتبعها وملاحقة تفرّعها.

لقد استجلب، مثلاً، وهو يحلل أفكار الفيلسوف الألماني المادّي (فويرباخ Feuerbach - ت ١٨٧٢م) في نشأة الدين «بسبب تغرب الإنسان عن نفسه» كما يقول، استجلب استنتاجاً من القرآن الكريم يوحي «بأن الإنسان يعاني أحياناً من حالة يشعر فيها أن فاصلة تفصله عن نفسه». ويصل بينه وبين الآية الكريمة التي تقول: (قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم (. ويَرِد عليه هنا أن الفلاسفة المسلمين تنبهوا إلى هذا الموضوع، وتعمقوا بحثه. ويقوده هذا إلى مراجعة أساس التصوف والعرفان، المبني، كما يقول: على التفريق بين النفس الحقيقية والأنا الحقيقية وبين النفس والأنا الخياليتين، أي شقّ أستار النفس والأنا الخياليتين لبلوغ الأنا الحقيقية. ويذكّره هذا بالمثل الذي يضربه الشاعر الفارسي (مولوي) في بعض شعره، عن خطأ الإنسان في التمييز بين جانبه الروحي المعنوي، وهو جانبه الحقيقي، كما يقول، وبين جانبه المادي. ويردّه قول (مولوي)، من جديد، إلى القرآن وآيته الكريمة (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم (. ويولّد منها فكرة التلازم بين العثور على النفس والعثور على الله، ويصل بينها وبين الحديث القائل: (من عرف نفسه عرف ربه). ويقرر بعدها أن القرآن لا يفصل بين مع

رفة النفس ومعرفة الله، وأن قضية التغرب والغربة مع النفس، في نهاية المطاف، ليست جديدة على المسلمين والمعارف الإسلامية، بل هي، كما يقول: «تبدأ من القرآن وتسير، منذ أكثر من ألف سنة، في مسار خاص».

ويقف هنا ليتحول إلى بحث نقدي في مسألة الاغتراب عن النفس، في الفلسفات الغربية، منذ (هيجل Hegel - ت ١٨٣١)، فيأخذ على الماديين أنهم ينكرون وجود النفس من ناحية، ويتحدثون عن الاغتراب عنها من ناحية أخرى!

ثم يعود إلى «فويرباخ» فينقل رأيه في حتمية غروب شمس الدين، مع ازدياد معرفة الإنسان بنفسه، بعد أن جعلت اليهودية الإله شبيهاً بالإنسان، وجعلته المسيحية أقرب إلى الإنسان، وأظهرته للعيان بصورة الإنسان. ثم يأخذ في نقده مرحلة مرحلة، على أساس تاريخي أولاً، وعلى أساس فكري فلسفي من بعد، يُظهران تناقضه ونقصه في تفسير ثنائية الإنسان في فلسفة «فويرباخ». ويعود إلى واقع البشرية فيستشهد به في أن قسماً منها «ظل دائماً على نبله وشرف أصالته الإنسانية»، وهو القسم الذي ظل يؤمن بالله وبالدين وأصوله. ثم يطلق، في النهاية، حكمه على مجمل النظرية قائلاً: «تلك، على كل حال، نظرية منسوخة»، لينتهي في آخر الأمر، إلى إثبات أن الدين «هو فطرة الله التي فطر الناس عليها» [١].

الذي أريده من سوق هذا المثل الطويل أن أمثّل لخصوبة هذا الفكر وقدرته على التوليد واستجماع الأفكار في وقت واحد، للوصول، في النهاية، إلى أبنية فكرية (أحكام) جديدة ومتماسكة. وسينفعنا استذكار هذا المثل من بعد في استخلاص بعض السمات الأخرى في فكر المطهري.

فعلى هذه الشاكلة نجده يحلق، في بحوثه ودراساته، في آفاق الشرق والغرب. ويطوف بالفلسفات القديمة والحديثة. وينقل آراء رجالها. ويتصدى للأنظمة السياسية والاجتماعية المختلفة، ويواجهها بالنظام الإسلامي، ويثبت قدرته على توهينها أو نقضها، بما يحقق لهذا الفكر صفة العالمية، بمعنى اتصاله بالفكر العالمي شرقاً وغرباً، سعياً منه إلى وضع الإسلام، كنظام للحياة الكاملة، في مواجهة الأنظمة الأخرى في العالم.

وعلى هذه الشاكلة أيضاً تتحقق لهذا الفكر الإسلامي صفة المعاصرة التي يفتقدها، أحياناً كثيرة، دعاته من مختلف المذاهب، ويخسرون، في افتقادها، كثيراً من قدرتهم على إقناع الناشئة من المثقفين وطلاب المعرفة، على وجه الخصوص.

ـ ٣ ـ

وبهذه الصفة، في فكر المطهري، يتصل انفتاحه على الواقع الإسلامي، في شتى دياره، ووقوعه على أمسّ الموضوعات بمعاناته وإشكالاته، حتى لتسدّ كتبه ورسائله، في هذا الجانب منها، ثغراً ما تزال مفتوحة فيه، على نحو ما نجد في موقفه من مسألة الزهد، وتمتع المسلم بلذات الدنيا. فالزهد، كما يرى، من المفاهيم الإسلامية السامية البناءة التي انحرفت في أذهان المسلمين. والإسلام، كما يقول، «يرفض أي انفصال بين العمل الدنيوي والأخروي، ويُدخل نشاط الإنسان في الدنيا ضمن العبادات مادام صاحبه يستهدف فيه خدمة الصالح العام. وينفي أن تكون هناك لذة، محرمة مادام المتمتع بها يقف عند حدود الله». فدور الزهد في الإسلام هو في خلق روح التكافل الاجتماعي. فإذا أخذ به الحاكم المسلم خلق في المجتمع معايير لتقويم الأفراد، لا ترتبط بالمال والمتاع. وهذا الذي يحققه وصف نبي الإسلام بخفة المؤونة: «كان خفيف المؤونة». وعند هذه المعادلة بين التمتع والزهد، يلفت المطهري نظر الناس عن «الانغماس في تلبية حاجات الجسد المادية، لأنه يُغلظ الحس ويضخمه، ويغلق منافذ المشاعر الإنسانية»، إلى اللذات المعنوية مثل لذة الدعاء، ولذة الاتصال بالله، ولذة التضحية، ولذة طلب العلم وال

تفكير والعطاء [٢].

ومن هذه الوجهة يبدو فكر المطهري فكراً نقدياً جريئاً، لا يبالي أن يقتحم على المسلمين مواطن الضعف ويعرّيها، حاكمين ومحكومين على السواء. إن العيب في ما يعاني منه المسلمون اليوم - كما ينقل عن الشاعر الباكستاني محمد إقبال - يكمن في المسلمين لافي الإسلام: «الإسلام حي، بل هو مبعث حياة. والعيب في فكر المسلمين وفي فهمهم الجامد الميت للإسلام. إن الإسلام لم يمت، ولكن المسلمين هم الذين ماتوا. وهم في حاجة إلى نفحة قدسية تحييهم، وتعيد إليهم دورهم الرسالي على الساحة التاريخية».

«إن حياة المسلمين اليوم تبرز الصورة المشوّهة المضحكة للإسلام الممسوخ، فقد انقلبت فيها الموازين والمفاهيم والضمائر. فليس غريباً إذن أن يفتقد الإسلام قدرته على التأثير والعطاء، وعلى الدفع والتحريك والتوعية».

إن دعوة الإسلام، كما يقول المطهري، هي دعوة إلى الحياة، وإلى خلق المجتمع المترابط المتكافل المتضامن. فأين المسلمون اليوم، كما يقول، من هذا الترابط العضوي؟ هل يقف المسلمون اليوم، كما يقول «على مستوى المسؤولية من قضية فلسطين؟ هل يجسّدون، في موقفهم، قول رسول الله: من سمع مسلماً ينادي يا لَلمسلمين فلم يجبه، فليس بمسلم»؟ «إن كل إنسان مسلم واع (يقول المطهري) يرى أجزاء العالم الإسلامي تتعرض لأبشع أنواع المجازر الوحشية، ولأفظع انتهاكات الحرمات الإنسانية، دون أن تظهر على المسلمين آثار المواساة والتجاوب العاطفي والعملي! بل الذي يزداد ظهوراً فيهم: اتجاههم نحو المزيد من الشقاق والنفاق والعداء» [٣].

وقد وصل المطهري، في نقده، إلى أن يعمّ به المسلمين من مختلف المذاهب، وفيها مذهبه، فحقق هذا لفكره صفة النزاهة والموضوعية في أخص ما يؤخذ على كثير من الدعاة، في كثير من الأحيان.

ـ ٤ ـ

فكر المطهري إذن فكر إصلاحي، يرمي إلى النهوض بحياة المسلمين وبالمجتمع الإسلامي، على أساس التمسك بحبال العقيدة الصافية، عقيدة التوحيد المطلق، والعودة إلى جادة الإسلام الحي، ونفي مظاهر الموت التي رافقت مسخ المفاهيم الإسلامية الأصيلة في المجتمعات الإسلامية [٤]. لقد كان يدرك أن الدين على إطلاقه، وفي مجمل معانيه، يقابل في هذا العصر تحدياً صعباً. فاتجه في بحوثه الفلسفية إلى إثبات أن الدين الذي يعني، في نهاية أمره، الإخلاصَ لله والصدق في عبادته، هو غاية الحياة الإنسانية وهدفها السامي. ذلك أن الإيمان في ذاته هدف، لأنه يعني ارتباط الإنسان بالحق. والارتباط بالحق في نظر الإسلام كمال. والعبادة العليا هي وسيلة لارتباط الإنسان بالله. وليست وسيلة لارتباط الإنسان بالأشياء الأخرى. فمفهومها يساوي مفهوم العشق للحقيقة. وهذا يعني أن الله ليس وسيلة حتى لحياة الإنسان في الآخرة. بل هو، في ذاته حقيقة، وفي ذاته مطلوب حقيقي. «ليس الجمال هدفاً، كما يقول، ولا العدالة هدف، ولا المحبة هدف. بل الهدف هو الله والحقيقة لا غير ولاغير». ذلك هو هدف الحياة السامي ومعنى الكمال الإنساني في الإيديولوجية الإسلامية، كما يقول [٥].

ولهذا الغرض الإصلاحي أيضاً، اتجه في بعض بحوثه إلى الدفاع عن الإسلام، في وجه الدعوات الأخرى. وبحث في تخلف المسلمين وتصحيح المفاهيم السائدة في أذهانهم، مثل الاستهانة بالعمل، والركون إلى أوهام الاعتقاد بالحظ والعبثية، وإلى التواكل والتفريق بين الإيمان والعمل الذي نادت به المرجئة منذ العصر الأموي [٦].

وحفزه هذا المطلب العزيز إلى إلقاء الدروس والمحاضرات في جماهير الناس، على اختلاف مراتبهم الفكرية، حتى أصبح التعليم سمة ملازمة من سمات فكره أيضاً. وكان يستعين في بعض دروسه المبسّطة بالأمثلة الحية ينتزعها من واقع الناس، وبالحكايات الطريفة، وينوّع أساليب الخطاب، فيختار لكل جماعة اللغة التي تناسب مداركها العامة.

من هنا نجد في تراثه الخطبة والمحاضرة والمناقشة والتأليف. فمن يقرأ كتبه المؤلفة مثل (المجتمع والتاريخ) الذي نقد فيه النظرية الماركسية المادية في تفسير التاريخ، وكتابه الآخر (العدل الإلهي) الذي بسط فيه تفسير الإسلام للحياة والكون، والخير والشر، والثواب والعقاب، واختلاف الكائنات والموجودات، يدرك أي مرتقيات فلسفية عالية ارتقاها هذا الفكر.

ومن يقرأ كتاب (الفطرة) الذي انتهى فيه إلى أن الدين خالد لأنه مركب في الطينة المفطورة المتطلعة دائماً إلى المبدأ والمعاد، وكتابه (معرفة القرآن) الذي وقف فيه على كليات كتاب الله ومفاصل دعوته الموحّدة، وجنح فيه إلى تفسير الآيات التي اختارها، على نحو خاص متسق مع أغراض الكتاب. من يقرأ مثل هذه الكتب يدرك أن المطهري اتجه فيها إلى أوساط المثقفين.

ثم إن من يقرأ رسائله الصغيرة كرسالة (الدعاء) و (التفكير في التصور الإسلامي) و (إحياء الفكر في الإسلام)، يدرك أنه خاطب فيها جمهور المتعلمين والطلاب.

على أن المطهري، في هذه البحوث والدروس والمحاضرات والمناقشات، يظل يجول في أفقه الخاص، ويحتفظ بجلال فكره وقوته ونفوذه، وإن اختلفت أساليب التأدية، مما يمكن أن تستخلص منه سمة أخرى من سمات هذا الفكر، وهي صفة المرونة التي مكنته من الوصول إلى عقول الناس، بأرفع الأفكار، على اختلاف مراتبهم.

ـ ٥ ـ

مجمل ما ننتهي إليه في هذا الحديث: أن المطهري صاحب فكر إسلامي عميق متحرر، في بحوثه، من قيد الجنس أو المذهب، وإن لم يتخل عنهما. وهو يحتكم فيها إلى العقل وإلى الواقع وإلى مجموع مكونات الشخصية الإنسانية. وتردفه ثقافات إنسانية غنية ومنوعة: فلسفية واجتماعية ونفسية وتاريخية وفقهية ولغوية وأدبية، واطلاع على جملة من قوانين العلوم التجريبية كالفيزياء والفلك. وقد أحسن هضم هذه الثقافات وتسخيرها في الكشف عن قدرة الإسلام الخارقة على بناء الشخصية الإسلامية المكتملة، في نظرتها العامة إلى الكون وخالقه، والإنسان وغايته المثلى من الحياة، وعلى بناء المجتمع الإسلامي على أسس العدل الإلهي الذي يعني أن العلاقة بين الإنسان وأخيه هي علاقة الشركة والتعاون، وأن التدرج في مراتب الوجود يتطلب نوعاً من الاختلاف بينها في النقص والكمال، والشدة والضعف. وتعني أيضاً أن السيادة والملك في الأرض لله وحده، وأن الإنسان هو خليفته فيها وحامل أمانته إليها. وهي تعني العمل على إيصال الموجودات إلى كمالها وغاياتها، بعد أن دفعها الله من العدم إلى كمال الوجود [٧].

ثم هو فكر نقدي إصلاحي مخالط لواقع المسلمين، قريب جداً من أسباب معاناتهم وتخلفهم، متجه إلى تصحيح مناهج تفكيرهم، وتقويم المفاهيم الخاطئة فيه، ودرْس حركات الإصلاح الإسلامية ونقدها (كالوهابية والبهائية والأتاتوركية والدكتاتوريات العسكرية في بعض الأنظمة الإسلامية)، داع إلى الحركة ونفي السكونية، وإلى إعادة اللحمة بين الإيمان والعمل [٨]، وإلى الثقة بالنفس وبقدرات الثقافة الذاتية الأصيلة على النهوض بحياتهم إلى المرتبة الإنسانية اللائقة بموقع حضارتهم من حضارات العالم.

وهو، بهذه المثابة، فكر اقتحامي، ثوري في بعض جوانبه، لا يبالي أن يُعمل معوله في أكثر الأنظمة السياسية القائمة في العالم الإسلامي، وينال من الدائرين في فلكها، والناطقين بأهوائها، والمدافعين عن سياساتها، والساكتين المؤثرين للعافية، ممن يُسمّون رجال الدين. ففي دعوته إلى إحياء الفكر الإسلامي منهجان، كما يقول:

ـ منهج سلبي يقوم على اقتلاع المفاسد وإماتة البدع لتمهيد الأرض.

ـ ومنهج إيجابي يقوم على تقديم مفهوم الإسلام الصحيح للناس، في شتى مناحي الحياة، وإحياء لسننه.

وهو ما يجلوه تراث المطهري كله.

فهو إذن، في النهاية، فكر يؤمن بالإصلاح الشامل الذي يعيد تكوين الشخصية الإسلامية القادرة على تحقيق المثل الإسلامي، لا الإصلاح الترقيعي الذي يذهب، في النهاية، بحقائق الإسلام.

وغاية مايثير الإعجاب في هذا الفكر: اللحمة التي حققها صاحبه بين القول والعمل. فقد ظل يجاهد بهما معاً في الساحة حتى انتهى فيها إلى الشهادة. وهي، في النهاية، أقوى حجة يدلي بها الصادقون من رجال المبادئ.

وتبقى صفات أخرى لفكر الرجل يمكن أن تستخلص مما قدمناه، مثل الدقة التي تبين، أقوى ما تبين، في التمييز بين المصطلحات، وفي فهم النصوص وتقليبها واختيار المفردات المناسبة في شرحها وتوضيح مقاصدها. وصفة الوضوح التي تبين، أقوى ما تبين، في اختيار الأساليب المناسبة لتقديم أفكاره إلى الناس، حسب مراتبهم الفكرية، دون أن يضحي بجوهرها، أو يقع في ترقيقها أو تسطيحها، على نحو ما فعل في توضيح فكرة الجدلية بين الفكر والواقع [٩].

* * *

إن غاية ما أراده المطهري، في مجموع تراثه وعمله: أن ينتفض العالم الإسلامي عن حقائقه الراقدة في الأعماق، ويقدم للعالم أسلوباً آخر، غير أسلوب الغرب، في فهم الحضارة الإنسانية ومكان الإنسان منها ومن الكون جملة، على أساس إسلامي يعيد صلة الأرض بالسماء، ويقيم حكم الله فيها، ويوضح معنى خلافة الإنسان لله، ومعنى الأمانة التي حمّله إياها.

(*) - ألقيت في ندوة عامة، في مكتبة الأسد بدمشق سنة ١٤١٢هـ = ١٩٩١م.

[١] - كتاب (الفطرة) ص ص ١٢٨ - ٣٨.

[٢] - رسالته (إحياء الفكر في الإسلام) ص ص ٣٩ - ٤٧…

[٣] - انظر كتابه السابق ص ص ٢٠ - ٦.

[٤] - الكتاب السابق ص ٢٩.

[٥] - كتابه (الهدف السامي للحياة الإنسانية) ص ص ١١٥ - ٢٠.

[٦] - كتابه (إحياء الفكر في الإسلام) ص ص ٢٥ - ٦.

[٧] - كتابه (المفهوم التوحيدي للعالم) ص ٨٠.

[٨] - كتابه (إحياء الفكر في الإسلام) ص ص ٢٤ - ٥.

[٩] - انظر كتابه (إحياء الفكر في الإسلام) ص ١٤…



[ Web design by Abadis ]