ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 تراث الشيخ المفيد (*) (محمد بن محمد بن النعمان) من الوجهة الفنية (**)

- ١ ـ

إن ما نلتفت إليه، في هذه الندوة التي نتناول فيها بالبحث فكر هذا الرجل، وقد مضى على وفاتـه ألف عام، يقع بعضه في النقط التالية التي يجلوها تراثه (في شتى الموضوعات التي كتب فيها):

النقطة الأولى: سعة المخزون الفكري لديه، وإقامته على ركائز ومعايير ترفع النص الذي يعـود إليـه فوق كل نقاش، وتدين الخروج عنه إدانة قاسية. فالذي يبقى إذن أن يدور كلامنا على الوجهـة الـتي ينتهجها في تفسير النصوص، أو في توثيقها فحسب.

فها هنا موطن النظر في النقطة الأولى.

النقطة الثانية: حدّة إحساسه بمواطن الاتفاق أو مواطن الخلاف في مواقفه مـن الأحداث والنـاس والمذاهب، حدّة تبلغ حد القطع في أكثر الأحيان، وتستعين بقدرته الفائقة على تقليب وجـوه الكـلام وتفتيق معانيه، ليساير الوجهة التي يتولى إثباتها أو تقريرها فيه. فموطن النظر هنا يكون في فحص هـذا الأسلوب من أساليب التقرير.

النقطة الثالثة: قوة العارضة في الجدل والمناظرة. بما يكشف عن سطوة فكريـة واضحـة، وإيمـان لا يتزعزع بوجوب انتزاع الغلبة فيهما، وإملاء الهزيمة على الخصم. تقوّي هذا النزوع ثقة بالغة بـالنفس وبجدارة مذهبه في الفوز، على نحو انتهى به، في عصره، إلى رئاسة المرجعية العلمية للإمامية. ومن يقرأ جانباً كافياً مما كتب، في مختلف الموضوعات، يدرك أنه يتوجه إلى تعليم رجاله وتكوينـهم للرد على منتقديهم وتفنيد حججهم، على جميع جبهات الفكر. وموطن النظر هنا هو مـا يمكـن أن يصحب هذا النزوع إلى اكتساب الغلبة، من تغليب الجانب الذاتي على الجانب الموضوعـي في فـحـص وجهات النظر الأخرى. وقد رأيته، في بعض المواقف، يحسم القضايا حسماً لا رجوع فيه، على حين يكون الكلام، في رأيي، ما يزال يتسع للنظر، وما تزال جوانب أخرى فيه يعوزها البيان والدرس.

النقطة الرابعة: دور العقل في تقويم تراثه، وقبول كلامه أو رده. وفحص مقاييسه فيمـا يرتضيـه أو يرده من الأخبار والروايات، وما يذهب إليه من وجوه التأويل وحشد القرائن. إن في كتاب (الإرشاد) مثلاً صفحات لا يملك الإنسان نفسه أمامها، من استغراب ما يرد فيها أحياناً من الأخبار والروايات.

النقطة الخامسة: نزعة التعليم القوية المنتشرة في أنحاء تراثه، بمقتضى الدور الذي ندب نفسه لـه، في الدفاع عن المذهب وتكوين رجاله، وبما يحمل من أثر الوراثة فيه، (من أبيه المعلم). ومحط النظر هنـا يقع في استجلاء هذه الخصيصة من خصائص تكوينه وخصائص تراثه جميعاً، وأثرها في تقريب معانيـه، وتوضيح لغته، وانتظام تفكيره، وقوة حافظته، على النحو الذي انتهى به إلى مرتبة الأستاذية المطلقـة لمذهبه في العصر.

النقطة السادسة: حدّة النظر في الأشياء، والتفطن لدقائق الأمور في الأحداث والرجـال والنصـوص والمواقف، بما يمكنه من كشف السقطات والمفارقات، والغوص في الموضوعات، وتقويم المواقف مـن حوله، ووزن الروايات وتقليبها، على نحو ما لاحظه فيه بعض معاصريه (النديم صاحب الفهرسـت، وأبو حيان التوحيدي). ومحط النظر هنا يكون في استجلاء هذه الصفات في تراثه، ومواضـع تجلّيـها وتخفّيها في كتاباته على العموم، وفي مناظراته على وجه الخصوص، على نحو يمكّن من تمثّل شخصيته القوية المتفردة بخصائصها الفكرية والخلقية: صدق الالتزام بمذهبه، ووضوح موقفه فيه، بعيداً من المجاملة والمحاباة والمداراة، والزهد بما في أيدي الناس، وقطع الصلة بالدنيا ووصلها بالخالق، والانصراف التـام إلى العمل (خلّف كما أشرنا مالا يقل عن مائتي مصنّف).

النقطة السابعة: وهي النقطة التي أجعلها محط النظر هنا. أقصد الوقوف على خصائص بيانـه، ممـا ينتهي إلى أن يكون مذهباً في الكتابة والحياة على حد سواء. ونعود إلى الكلام عليه بعد قليل.

ـ ٢ ـ

ولكن لا بد أن نشير إلى أن أناساً يستغربون أن نتناول الكلام، في هذه الندوة، على تراث الشيخ المفيد من هذه الزاوية الفنية التي اعتدنا أن نقصر الكلام فيها على الأدباء والشعراء، انسياقاً مع المفهوم الشائع الذي قصر الأدب على الكلام الذي يكتب لمقاصد أدبية صرف، تبدو أحياناً ضعيفة الصلة بـالفكر الخاص: التاريخي أو الجغرافي أو القضائي أو الفلسفي أو الاجتماعي أو المذهبي.

«فبموجب هذا المفهوم الشائع الذي ما يزال حياً إلى اليوم، غابت عن تاريخ الأدب العربي، كمـا قلت في غير هذا المكان [١]. صفحات لاتحصى من الأدب الحي الذي كتبه أو أملاه رجال الحكمة والفلسفة والكـلام، ورجال التاريخ والفقه والقضاء والسير والتراجم والطبقات والأسمار وغيرها. صرفته عنها أنواع الكتابة الـتي كتبت لأغراض أدبية خالصة».

«فعلى هذا النحو - وما أزال أقول الكلام الذي قلته من قبل [١] - لصق بأذهاننا أن النـثر العـربي تقلبت مذاهبه، وانتهت، في العصور المتأخرة، إلى ما سماه أستاذنا الدكتور شوقي ضيـف: "مذهب التصنع"، بعيداً من الكتابات الطلقة التي كانت الحياة، في هذه العصور المتأخرة نفسها، تمليها علـى لسان ابن حزم، مثلاً، أحد عباقرة الأندلس، وابن خلدون مفلسف التاريخ، ومحي الديـن ابـن عـربي المتوهج الروح، والنِفّري المتصوف، وابن جبير وابن بطوطة الرحالتين اللذين نقلا إلينا صورة الحياة الجاريـة في عصريهما.

وعلى هذا النحو أيضاً عُنينا، في تاريخ هذا الأدب، بالشريف الرضي وشعره، ولكنـا لم نُعـن العناية اللازمة بأخيه الشريف المرتضى وأماليه التي تشف عن قدرة بيانيه خارقة، يغذوها علـم غزيـر وذوق يبلغ الغاية في الرهافة وتلمس المفارقات الخفية. وعُنينا بابن العميد والصاحب بن عباد والقاضي الفـاضل، ولم نعن بالمسعودي والطبري وابن الجوزي والكناني (صاحب كتاب الحيدة) وغيرهم، فلم ننظر إليـهم، في تاريخ هذا الأدب، إلا من حيث هم أصحاب أخبار تنفع في الدراسات والبحوث.

ثم إننا من هذا الباب، ومن باب التضييق الذي عرفناه باسم صراع المذاهب، انطمست في تـاريخ هذا الأدبب صفحات متألقة موثوقة من كلام أئمة آل البيت ورجالهم ومفكريهم، في بحوثـهم وأماليـهم وخطبهم وأدعيتهم وحكمهم ومناظراتهم، فلم يكن الفريق الأكبر منا يعرف عنهم شيئاً، للأسف!

ولو أننا كسرنا هذا الخط في تاريخ أدبنا، لوجب أن تتغير كثير من الأحكام فيه، إبتداء من القـرن الرابع، عصر الشيخ المفيد، على الأقل، ولاغتنينا بنصوص أدبية عالية القيمة الفكرية والوجدانية والفنيـة، ولازددنا وعياً، من ناحية أخرى، بخصائص أنواع أدبية لم نعن بها العناية اللازمة، مثـل أدب الدعـاء، وأدب المناظرات والجدل اللذين تفرقت نصوصهما في كتب التراث، وألّفت فيهما كتب تجاهلها تـاريخ الأدب، مثل (كتاب الإهليلَجة) [٢] الذي اضطرب كلام المصادر في نسيته إلى الإمام الصادق، و (كتـاب الحيدة) الذي أشرت إليه منذ قليل، للكناني، في مناظرته بشر المرّيسي، من المعتزلة، حول قضيـة خلـق القرآن، ومثل (الصحيفة السجّادية) في أدب الدعاء، للإمام زين العابدين، و (كتـاب المـزار) و (كتـاب الفصول) للشيخ المفيد.

فهاهنا أدب ساطع الروح، عامر بالحياة، متين الصلة بهموم الإنسان الكبرى، كتبه أناس امتلؤوا بقوة العقيدة وصدوق الحافز، واتصف أدبهم بالقرب من الطبيعة، وبحسن الأداء ونفوذ الأثر.

ـ ٣ ـ

فالناظر في تراث الشيخ المفيد، حيثما اتجه فيه، طالعته غلبة الطبع غلبة مطلقة، يبعد فيها عن كـل افتعال. وهذه صفة الشيخ في كتابته وحياته معاً: البعد عن الصنعة والمصانعة جميعاً. فمن هـذه الصفـة يكون الترخص في اختيار المفردات الحادة في مواقف الجيشان النفسي الذي تسترسل فيـه النفس علـى سجيتها، وتستدعيه حرارة الروح، و امتلاك الثقة بالنفس وبقوة الحجة، والقدرة على التصـدي لكبـار رجال الفكر في عصره والعصور التي سبقته، من مختلف المذاهب والطرق.

على أن هذا لا يعني أنه لم تكن وراء هذا الاسترسال مع الطبع صنعة على الإطلاق، فإن أنضـج الصنعات الفنية أخفاها. والصنعة الفنية تبلغ أعلى مراتب النضج حين يتلبسها الطبع، فتبلغ الكتابة حينذاك ما نصطلح على تسميته "بالسهل الممتنع". والكاتب لا يبلغ هذه المنزلة، إذا تيسر له أن يبلغها، إلا بـالتمرس الطويل واختبار أساليب البيان عن النفس، لاختيار أقدرها على الإفصاح عنها. فذلك يعني أن أطول الطـرق هي الطريق إلى النفس. والعثور عليها في الكتابة هو غاية الغايات. وحينذاك يصـح ما تعنيه الكلمـة الشـائعة عن بوفون Buffon الفرنسي / «الأسلوب هو الرجل».

وقد بلغ الشيخ المفيد هذه المرتبة في الكتابة، حتى إنه تيسر له أن يطوّع الفكر الفقهي لأسـلوبه الخاص في تقرير الأحكام أو تصوير مواقف أصحاب المذاهب منها، في مجالس المحاورة والمداورة والجـدل، دون أن تقوى سطوة الفكر فيها وحدّة الذهن على إخفاء النزعة الفنية في تتبع حركات المتناظرين، وتصوير ردود الفعل النفسية في مجالس المناظرة.

يقول الشيخ (وهذا نص منتزع من كتاب الفصول) [٣]: «حضرت يوماً عند صديقنا أبي الهذيل سبيع بن المنبِّه المختاري رحمه الله وألحقه بأوليائه الطاهرين عليهم السلام، وحضر عنده الشيخان أبـو طاهر وأبو الحسن الجوهريان، والشريف أبو محمد بن المأمون.

فقال لي أحد الشيخين: ما تقول في طلاق الحامل إذا أوقع الرجل منه ثلاثاً في مجلس واحد [٤]؟

فقلت: إذا أوقعه بحضور مسلمَين عدلَين وقعت منه واحدة لا أكثر من ذلك. فسكت الجوهري هنيهة ثم قال: كنت أظن أنكم لا توقعون شيئاً منه بتّة !

فقال أبو محمد بن المأمون: أتقولون إنه يقع منه واحدة؟

فقلت: نعم إذا كان بشرط الشهود.

فأظهر تعجباً من ذلك وقال: ما الدليل على أن الذي يقع بها واحدة، وهو قد تلفظ بالثلاث؟

فقلت له: الدلالة على ذلك من كتاب الله عزّوجل، ومن سنة نبيه صلى الله عليه، ومن إجمـاع المسلمين، ومن قول أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام، ومن قول ابن عباس رحمه الله، ومن قول عمر بن الخطاب.

فازداد الرجل تعجباً لـمّـا سمع هذا الكلام، وقال: أحب أن تفصّل لنا ذلك وتشرحه على البيان.

قلت: أمّا كتاب الله تعالى، فقد تقرر أنه نزل بلسان العرب وعلى مذاهبها في الكلام. قـال الله سبحانه: (قرآناً عربياً غير ذي عوج (وقال: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبيّن لهـم (. ثم قال سبحانه في آية الطلاق: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان (. فكـانت الثالثـة في قوله: (أو تسريح بإحسان (. وجدنا المطلّق إذا قال لامرأته: أنت طالق، أتى بلفظ واحد يتضـمن تطليقة واحدة، فإذا قال عقيب هذا اللفظ: ثلاثاً، لم يخلُ من أن تكون إشارته إلى طلاق وقع فيما سـلف ثلاث مرات، أو إلى طلاق يكون في المستقبل ثلاثاً، أو إلى الحال:

فإن كان أخبر عن الماضي فلم يقع الطلاق إذن باللفظ الذي أورده في الحال، وإنما أخبر عن أمر كان. وإن كان أخبر عن المستقبل فيجب ألا يقع بها طلاق حتى يأتي الوقت، ثم يطلقها ثلاثاً على مفـهوم اللفظ والكـلام.

وليس هذان القسمان مما جرى الحكم عليهما، ولا تضمنهما المقال.

فلم يبق إلا أنه أخبر عن الحال، وذلك كذب ولغو بلا ارتياب، لأن الواحدة لا تكون أبداً ثلاثاً، فلأجل ذلك حكمنا عليه بتطليقة واحدة من حيث تضمّنه اللفظ الذي أورده، وأسـقطنا مـا لنـا فيـه واطّرحناه، إذ كان على مفهوم اللغة التي نـطق بها القرآن فاسداً. وكان مضاداً لأحكام الكتاب».

ويتابـع الشيخ كلامه على هذا النسق، فينقل حديث النبي (ص) في التزام كـلام الله، وإجماع الأمة عليه، وقول الإمام علي بن أبي طالب (ع) من بعد: «إياكـم والمطلقات ثلاثاً في مجلس واحـد، فإنهن ذوات أزواج»، وقول ابن عباس بما يتفق وقول الإمام، وما انتهى إليـه عمـر بن الخطاب في رد المطلقة ثلاثاً إلى زوجها، على حكـم الكتاب.

ثم ختم الشيخ النص بقوله: «فلم ينطق أحد من الجماعة بحرف، وأنشؤوا حديثاً آخر تشـاغلوا به» !

على هذا النحو كان الشيخ المفيد يحكي وقائع مجالسه ومناظراته، ويصور ما يجري فيها، وينقـل أطرافاً من كلام المحاورين، فينفي عن الموضوعات الفقهية جفافها، ويبث فيها الحركة، وينقلها إلى سـاحة الحياة. ويصور بعض ما يثيره الكلام في أنفسهم من التعجب واللهفة، وما ينتهون إليه، في آخر المجلـس، من التشاغل عن متابعة الحوار، لعجزهم عن الرد.

وعلى هذه الصورة، من سهولة التعبير ومرونة اللغة، يسترسل في أحاديثه، بعيداً تماماً عن التزويق والتحسين والمهارات اللفظية المختلفة، إذ يشغله امتلاء النفس بفكرته وتشعبها، عن وجود الصنعة المتقصّدة، إلى الصنعة الخفية التي تلبستها الفكرة وجعلتها، مع التمرس، من تمام الطبع وجريان حركة النفس. فـإذا ذكرنا أن الكتابة في عصر الشيخ (القرن الرابع الهجري)، كانت بدأت تدخل عصر الصنعة اللفظيـة، في الموضوعات الأدبية الصرف، أدركنا قصور أحكامنا التي شملنا بها الكتابة كلها في العصر، عن أن تسـع كتّاب الميادين الواسعة الأخرى التي كانت تحتوي حركة الحياة اليومية الجارية، وحركة الفكر الحي الـذي يتتبعها.

ومن يتملّ النص تتضح له لمسات النزوع الفني لدى الشيخ: في وصـف حركـات المحـاورين، وردودهم النفسية التي تبث الحياة في الفكرة وتشخصها. وهذا سر ما نعرف من قدرة الشيخ على اجتـذاب القارئ إليه، من فيض ما كان يمتلك من قوة الفكر وحرارة الروح وطول التمرس.

من هذا كله كانت شخصية الشيخ تملأ ساحة العصر: علم وافر بالمذاهب والأحكـام، وفكـر متقد، وروح حار، ولغة طيعة، وتمرس طويل بأساليب البيان، وقرب من الطبيعة، وسـهولة في الأداء، يغذيها كلها إيمان عميق بالإمامية بلغ به فيها مرتبة الأستاذية المطلقة. واقترب من أن يكـون، في نفسـه وحدها، مدرسة لطلاب العلم رواية ودراية، إن صحّ التعبير هنا، لأصحاب المذاهب كافة، وللإماميـة بوجه خاص.

وليس ما يمنـع، بعد هذا، أن يقول رأيه في الناس جميعاً مهما علت منزلتهم في التاريخ، لا يـتردد ولا يتـحرج. يقول في رواية رواها النظام المعتزلي مسندة إلى الشعبي القاضي [٥]: «ولو لم يُحتج على إبطال هذه الرواية إلا بإضافتها إلى الشعبي لكفى. وذلك أن الشعبي كـان مشـهوراً بالنصْب لعلي عليه السلام ولشيعته وذرّيته. وكان معروفاً بالكذب، سكيراً خميراً مقامراً عيّاراً. وكـان معلماً لولد عبد الملك بن مروان، وسميراً للحجاج». ثم انطلق يسوق الروايات عن ميله القاهر إلى اللعـب بالشطرنج، وشربه النبيذ، وفحش لفظه وقلّة عقله، وكثرة نفاقه وكذبه وتزييـه ( (في لباسـه وفعالـه بالشطّار وأهل الزعارة) ). أنجدته في سوق الروايات ذاكرة حادة، ومخزون لغوي وأدبي حافل، يبين مداه في مثل ما كتب في معنى (المولى) في لغة العرب [٦] في مواقف الاستشهاد بالنصوص على الإجمال.

* * *

ما ننتهي إليه هو الرجاء في أن تكون اللحمة اتضحت بين خصائص كتابة الشيخ المفيد وخصائص تكوينه العام، وهو الغاية التي يطمح الكتّاب الأصلاء، في كل العصور، إلى أن يصلوا إليها. فمن هنا، ومن جماع ما قلناه، نعدّ الشيخ المفيد من كبار كتاب العصر، إضافة إلى كونه من كبار مفكّريـه، بصـرف النظر عن مسألة الخلاف بين المذاهب، على أي طرف يقف فيه ويدافع عنه.

(*) - يعرف بابن المعلم. انتهت إليه زعامة الإمامية في عصره (٣٣٦ - ٤١٣ هـ). خلّف حوالي مائتي مصنـف في الأصول والفقه والكلام. يبلغ في الإمامية ما بلغ الجاحظ في المعتزلة، من قوة العارضة وقدرة البيان وسعة العلم. ترد في البحث أسماء بعض كتبه التي رجعنا إليها…

(**) - ألقيت في ندوة أقيمت في مدينة قم (إيران)، سنة ١٤١٣ هـ = ١٩٩٢م لمرور ألف عام على وفاة الشيخ المفيد.

[١] - راجع الكلام على تراث الإمام جعفر الصادق، من الوجهة الفنية، في هذا الكتاب.

[٢] - الإهليلجية: ثمرة شجر في الهند (لعله شجر الأناناس كما نسميه اليوم). والكتاب يتضمن مناظرة بين أحد الكتاب وبين طبيب هندي لا يؤمن إلا بالمعرفة التي تحصّلها الحواس، وينكر أسباب المعرفة الأخرى. وقد سبقت الإشارة إلى الكتاب من قبل، (انظر دراستنا السابقة لتراث الإمام الصادق، من الوجهة الفنية).

[٣] - الجزء الأول ص ١٣٤.

[٤] - يريد: إذا أوقع الرجل الطلاق، على الحامل ثلاثاً في مجلس واحد.

[٥] - الفصول المختارة الجزء الثاني ص ٢ / ١٧٠.

[٦] - (رسالتان في المولى - معناه وأقسامه)، بتحقيق محمد مهدي حنيفة - نشرتها دار زين للنشر بلندن.



[ Web design by Abadis ]