ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 تراث الإمام الصادق (ع) من الوجهة الفنية (*)

ـ ١ ـ

الموضوع الذي اخترت الكلام فيه، في هذه الندوة، تشغلني بعض مسائله منذ زمن طويل. فإني وجدت تاريخ الأدب العربي يكاد يُغفل - إذا استثنينا الشعر في جميع العصور - صفحات لا تحصى من الأدب الحي الذي كتبه أو أملاه رجال الحكمة والفلسفة والكلام، ورجال التاريخ والسير والتراجم والطبقات والأسمار وغيرها. شغلته عنها، فيما يبدو، أنواع الكتابة الأخرى التي كتبت لمقاصد أدبية صرف، مهما تواضع حظها من جمال التصوير أو التعبير، ومهما تدنت قيمتها الفكرية أو الوجدانية، وعلى ما حفلت به، في العصور المتأخرة، من ضروب التزويق والتنميق، وطغيان النزعة اللفظية وألاعيبها التي شبهها أحد المستشرقين بألعاب (الأكروبات) [١].

فعلى هذا النحو، لصق بأذهاننا أن النثر العربي تقلّبت مذاهبه وانتهت، في العصور المتأخرة، إلى ما سماه أحد الباحثين «مذهب التصنع»، بعيداً عن الكتابات الطلقة التي كانت الحياة، في هذه العصور نفسها، تمليها على لسان ابن حزم والمسعودي مثلاً، وابن خلدون، ومحيي الدين بن عربي، وابن جبير، وابن بطوطة، والنفّري وغيرهم.

وقد كنت أمضيت، مع طلبة الدراسات العليا بجامعة دمشق، عاماً كاملاً درسنا فيه، تحت عنوان (الأدب في غير كتب الأدب)، نصوصاً اخترتها من كتاب الحَيْدة لعبد العزيز الكتاني، وكتاب التوهم للحارث المحاسبي، من رجال القرن الثالث، ونصاً من كتاب الوزراء والكتّاب للجهشياري، من رجال القرن الرابع، ونصين من كتاب رسوم دار الخلافة لهلال الصابىء، والمنقذ من الضلال للغزالي، من رجال القرن الخامس، ونصوصاً من كتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ، وكتاب التوابين لابن قدامة المقدسي، ورسالة روح القدس لابن عربي، من رجال القرنين السادس والسابع.

إن كل كلام يجمع إلى موضوعه، مهما يكن موضوعه، القدرة على بلوغ الأثر في النفس، بما يتوافر في صياغته وأسلوب تناوله، من صفات المهارات الفنية وخصائصها، فهو أدب. ذلك لأنه لم يتجه في خطابها، كما يتجه أصحاب العلوم البحت إلى العقول وحدها، وإنما اتجه إلى قوى النفس بمجموعها، يقصد التأثير فيها، عقلاً وشعوراً وخيالاً وذوقاً للجمال. وهذا كله ينطبق على كثير مما كتب هؤلاء وأمثالهم من رجال العلم والإدارة والسياسة. وينطبق، على نحو لا يحتمل الخلاف أبداً، على كلام الأئمة وغير الأئمة من أعلام مدرسة النبوة، ومنهم الإمام الصادق الذي امتلأت الكتب بأدعيته وحكمه ووصاياه ورسائله وتحليلاته الفكرية والفقهية والفلسفية وأدلته العقلية. وتوافر له، في التعبير عنها، ما يتوافر في كلام أئمة البيت النبوي ورجاله ونسائه، من قدرات فنية تجعل من تراثهم، في الحكمة والدعاء والمناجاة والمناظرة والحوار والخطابة وغيرها، أدباً ساطع الروح، عامراً بالحياة، ملتزماً تطهير النفس الإنسانية من نزعات الجشع والحسد والكبْر، وما تغري به القوة الغاشمة أصحابها من الظلم والقهر وتزوير الحقائق، وإزاحة الإنسان عن فطرته الخيّرة، وتقوية إيمانه بوحدانية الله وعدله، ودعوته

إلى إحكام الصلة بين قوله وعمله، مما ننصرف، في كلمتنا هذه إلى بيانه في أدب الإمام الصادق، واستخلاص خصائصه الفنية.

ـ ٢ ـ

عاش الإمام الصادق عقدين من القرن الهجري الأول، وما يقرب من خمسة عقود، من القرن الثاني. فحتى نفهم خصائص تراثه، لابد من أن نلمّ بصفات عصره، على قدر من التركيز والاختصار، يعين على استخلاص أبرز خطوط تكوينه الفكري والنفسي.

وأحسبنا في غنى عن الإفاضة في ما اكتسب من نشأته في حجر والده الإمام العالم محمد الباقر، ابن الإمام علي زين العابدين الملقّب بالسجّاد ذي الثَفِنات، مما لحق بجبينه من أثر الإطالة في السجود [٢]، ابن الإمام الحسين ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. فهذا إرث بيت النبوة في فقهها للدين، وصفاء روحها، وعمق إيمانها، وروعة بيانها، وقوة التزامها بهدي الإنسان، وإشاعة الحق والخير في مجتمعه، وتطهير روحه من أدران التعصب والكره، وطغيان الأثرة، والجنوح إلى الظلم.

ثم إنه ولد في السنة التي ولد فيها واصل بن عطاء، وعمرو بن عُبيد، من رؤوس المعتزلة. وعاصر الحسن البصري إمامهم الأول. فقد شهد إذن ظهور الاعتزال والإرجاء (المرجئة) في دولة الأمويين، . والاعتزال، في اختصار، دعوة إلى إعمال العقل في فهم الدين وعقائده، وإلى تحريره من فهم الجبر (رسوف الإنسان في قيود الأقدار)، وتنمية وعيه بقدرة العقل على اختيار الطريق، وبعدل الله في محاسبة الإنسان من بعد. ثم هو دعوة إلى الإيمان بوحدانية الله المطلقة، بعيداً عن التشبيه والحلول وما يتصل بهما من أفكار بعض الشعوب والعقائد التي بدأ المسلمون يخالطونها، على إثر الفتوح في العصر الأموي. ودعوة إلى وصل الإيمان بالعمل بأحكام الدين، على عكس ما بدأ المرجئة (الدعوة إلى الفصل بينهما في الحكم على المسلم) يشيعونه في الناس، بتأييد من السلطة الأموية، على ما يبدو، للتغطية على ما يتناقل الناس من ضعف التزام بعض رجالها وخلفائها بأوامر الدين ونواهيه. ونرى، بالرجوع إلى مجموع تراث الإمام الصادق، قربه من فكر المعتزلة، قرباً نكاد نجزم معه، أحياناً بانتسابه الفكري إليهم، أو بانتسابهما معاً إلى مراجعة ما يرشح به واقع الدولة الأموية السياسي والإدراي، وما يشيع فيها

من الدعوات، ومن صدى العقائد الوافدة.

على أن في المصادر ما يشير إلى نقد وجهته المعتزلة وأطراف من المعارضة السياسية إلى الإمام الصادق، لما يبدي من الحذر في سرعة الانضمام إلى حركات الثورة بالأمويين وبالعباسيين من بعدهم، ولقعوده عنها. والحق أننا نجده في بعض ما وصل إلينا من تراثه، ما يذكّر بهذا النقد، ولكن ينبغي أن نذكر هنا أن الإمام كان يشهد بعينيه مآسي الثائرين من آل البيت، واحداً بعد الآخر، منذ فتح عينيه على الحياة إلى انقضاء دولة الأمويين. يكفي أن نذكر إخفاق ثورة عمه زيد بن علي، وهو في الثانية والأربعين (١٢٢هـ)، وإخفاق ثورة ابن عمه يحيى بن زيد، وهو في الخامسة والأربعين (١٢٥هـ)، وإخفاق ثورة النفس الزكية (محمد بن عبد الله بن الحسن) وهو في الثانية والخمسين، وثورة أخيه إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، وهو في حوالي الخامسة والستين (١٤٥ هـ). وشهد مصارعهم جميعاً، وما حفلت به كتب التاريخ من صور القسوة في التنكيل بهم. فإذا أضفنا إلى هذا ذكرى مأساة جدّه الأول (الإمام الحسين بن علي) في كربلاء، وهي أم المآسي قاطبة، وكان وعاها منذ أيام الطفولة، أدركنا سر الحذر الذي كان يبديه في مجالسه، في وجه السلطة وعيونها، وفي وجه معارضيها أو المدسوسين عليهم، وما يشيع في تر

اثه من قوة الإحساس بخوف المكيدة وشر الخلق، حتى لقد بدا ذلك في نقش خاتمه الذي يحمله في يده، في جميع الروايات المنقولة: «اللهم أنت ثقتي، فقني شرّ خلقك. أنت ثقتي فاعصمني من الناس. يا ثقتي قني شر جميع خلقك». وفي بعض أدعيته، هذا المعنى شائعاً فيها: «اللهم من أرادني بسوء فأردْة، ومن كادني فكده، واصرف عني همّ من أدخل عليّ همه، وامكر بمن مكر بي، فإنك خير الماكرين، وافقأ عني عيون الكفرة الظلمة، الطغاة الحسدة».

ويشير تاريخ الإمام إلى أنّ أناساً خاطبوه في ما يتخذ لنفسه من حسن اللباس. وذكّروه بما نعرف من زهد جده أمير المؤمنين وتقشفه. وفي كلام منتقديه أيضاً، من أطراف المعارضة السياسية، إشارة إلى ما يميل إليه من الراحة وإيثار الظل. ففي أخباره وبعض كلامه وأدعيته ما يذكر بما يشير إليه هذا التاريخ. يقول: «إن الله عزّ وجل يحب الجمال والتجمّل، ويبغض البؤس والتباؤس». «البس وتجمّل، فإنّ الله جميل يحب الجمال. وليكن من حلال». ويقول في رده على سفيان الثوري: «اسمع مني وعِ ماأقول لك، فإنه خير لك عاجلاً وآجلاً إن أنت مُتّ على السنّة ولم تمت على بدعة. أخبرك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في زمان مقفر مجدب. فأما إذا أقبلت الدنيا فأحق الناس بها أبرارها لا فجارها، ومؤمنوها لا منافقوها، ومسلموها لاكفارها. فما أنكرت يا ثوري؟ فوالله إني، مع ما ترى، ما أتى عليّ، منذ عقَلْت، صباح ولا مساء ولله في مالي حق أمرني أن أضعه موضعاً إلا وضعته». وفي دعائه يقول: «أسألك اللهم الرفاهية في معيشتي ما أبقيتني، معيشة أقوى بها على طاعتك، وأبلغ بها رضوانك، … ولا ترزقني رزقاً يطغيني، ولا تبتلني بفقر أشقى به، مضّيقاً علي. اعطني حظاً وافراً في آخر

تي، ومعاشاً واسعاً هنيئاً مريئاً في دنياي. ولا تجعل الدنيا علي سجناً، ولا تجعل فراقها عليّ حزنا. أجرني من فتنتها سليماً، واجعل عملي فيها مقبولاً، وسعيي فيها مشكوراً».

والقصد مما نقوله هنا أن نلمّ، أولاً، ببعض المحاور الفكرية والنفسية التي يدور من حولها كلام الإمام وأدعيته، وأن ندلّ، ثانياً، على قرب النصوص التي خلّفها من واقع الحياة الفكرية والسياسية في عصره، ونتلمّس، ثالثاً، متانة الصلة بين قوله وسيرته، مما يرفع تراثه الفكري والأدبي إلى أن يكون صورة صادقة لحياته، في مرحلة مضطربة من التاريخ، يعسُر فيها على غير الممتازين من قادة الرأي، أن يحتفظوا فيها بوضوح الرؤيه ووحدة الفكر والعمل.

ـ ٣ ـ

نرجع الآن إلى التراث الذي خلّفه الإمام الصادق، فنرى ما وصل منه موّزعاً في كتب الفقه وأصوله وكتب التاريخ والأدب والمذاهب والأخبار والأمالي والتراجم وغيرها. فنتمنى لو أن أناساً فكروا في جمعه وتصنيفه، وأصدروه، في مثل هذه المناسبة، في مجموعة موحدة كاملة.

في يدي، من هذا التراث الذي ينفعني في هذا الموضوع، رسائله التي قالوا: إن تلميذه جابر بن حيان كان جمعها في ألف ورقة، وعدّتها خمسمائة رسالة. والكتاب الذي سمّوه (توحيد المفضل)، مما أملاه على تلميذه المفضل بن عمر الجُعْفي، ومقاطع من أدعيته [٣]، وجمل من حكمه [٤]، إلى جانب طائفة من وصاياه وردوده.

فأما كتاباه (مصباح الشريعة) و (كتاب الإهليلَجة) [٥] ففي نسبتهما إليه كلام يصعب الآن الفصل فيه. وكنت أتمنى أن يشمل كلامي الكتاب الثاني، ليكون مثلاً آخر من أمثلة أدب المناظرات الذي أشرت إليه ونطالعه في كتاب (الحيدة) لعبد العزيز الكناني. لامفر إذن من أن أكتفي الآن بهذا القدْر من تراث هذا الإمام العظيم الذي ملأ الأرض علماً، كما قالوا. وهو، في كل حال، يفي، في هذه الكلمة، بما نقصد إليه من استخلاص أبرز خصائص فكره الأدبي، بما يمكن إجماله فيما يلي:

١ - إطالة الفكر في الأشياء ومعانيها، مع دقة الملاحظة وغزارتها. وتبدو، أوضح ما تبدو، في حكمه وردوده على أصحاب المذاهب المادية من الدُّهرية وغيرهم، وإثبات وجود الصانع الواحد، وتفسير أسباب الصنعة على هذا الوجه، والدلالة على إحكامها بما يضمن سلامة العيش وحسن التدبير. على مثال قوله، في خلق العينين والحواس في الإنسان، مما رواه عنه المفضل بن عمر: «انظر الآن يا مفضل إلى هذه الحواس التي خُص بها الإنسان في خلقه، وشرُف بها على غيره: كيف جُعلت العينان في الرأس، كالمصابيح فوق المنارة، ليتمكن من مطالعة الأشياء. ولم تُجعل في الأعضاء التي تحتهن كاليدين والرجلين، فتعترضها الآفات، ويصيبها من مباشرة العمل والحركة ما يعللها [٦] ويؤثر فيها وينقص منها، ولا في الأعضاء التي وسط البدن كالبطن والظهر، فيعسر تقلّبها واطلاعها نحو الأشياء. فلما لم يكن لها في شيء من هذه الأعضاء موضع، كان الرأس أسنى المواضع للحواس، وهو بمنزلة الصومعة لها».

فهذا كلام من أعمل فكره طويلاً في خلق الأشياء، ووصل إلى الحكمة فيه، على الوجه الذي تم فيه الخلق. وكتاب التوحيد (أمالي المفضل) يجري كلّه على هذا النسق من عمق التأمل في الكون وكائناته، واستخلاص حقائق خلقها، في مثل هذا البيان الدقيق الواضح، البعيد عن كل تعمّل، القريب من الطبيعة، الوافي بالقصد في غير تطويل ولا حشو ولا تكرار، والقادر على استيعاب ما تولّده قوة الملاحظة ودقتها، من تشعب الفكرة وقوة الإحساس بها.

وفي حكمه الكثيرة التي سماها بعضهم (نثر الدرر) مثل هذا الغوص في حقائق الخلق وأسرار النفوس، لا تكتمل عدّته إلا لمن جمع، مع قوة الفطرة، طول النظر وحدّة الملاحظة، وتوافرت له ثقافة إنسانية منوّعة، وخبرة عميقة بأحوال النفس الإنسانية وحقائقها:

يقول في بعض حكمه: «السريرة إذا صلُحت قويت العلانية»: الربط بين الظاهر والباطن.

ويقول: «من لم يغضب من الجفوة لم يشكر النعمة»: الرجوع في فهم النفس إلى قاعدة التكوين الجامع.

ويقول: «ليس لإبليس جند أشد من النساء والغضب» !

ويقول: «إزالة الجبال أهون من إزالة قلب عن موضعه».

ويقول، وهذه تروى للحسن البصري معاصره أيضاً: «لم يخلق الله يقيناً لا شك فيه، أشبه بشك لايقين فيه، من الموت».

كيف يتيسر، إلا للممتازين الذين أطالوا النظر في الحياة والإنسان، الوصول إلى مثل هذه المعرفة بالنفس الإنسانية فيما تظهر وتبطن، وما تعني قوةُ إحساسها بالحياة ومواقفها، وما يقرّ في أعماقها من ذهول الرؤية في مواجهة الموت؟ وما أعرف قولاً، في وصف حدّة الغضب وما يقود إليه من ضلال الرشد، كقول الإمام في جمعه بينه وبين أعتى الغرائز البشرية.

٢ - تنوّع المعرفة وتماسكها، فيما يتصل بشؤون الدين والدنيا جميعاً، وسعة الاطلاع على الثقافات المختلفة. والذي أعان الإمام على الإلمام بهذه المعارف والثقافات، إدراكه الحي لما تولّد المعرفة في النفس من سعادة الإحساس بقوة الحياة وخصوبة معانيها، واختلاف ألوانها وطعومها. يمثل لهذا قوله: «لا ينبغي لمن لم يكن عالماً أن يُعدّ سعيداً» ! وقوله: «الناس اثنان: عالم ومتعلم. وسائر الناس همج». ومن هنا تكثر دعواته إلى تنشيط العقل بتطويل التفكير في الأشياء. يقول: «دعامة الإنسان العقل … وبالعقل يكمل، وهو دليله وهويته ومبصّره ومفتاح أمره». ويقول: «العامل على غير بصيرة كالسائر على غير طريق، فلا تزيده سرعة السير إلا بعداً». ويقول: «إياكم والغفلة. فإنه من غفل فإنما يغفل عن نفسه» !

٣ - توجهه في أدبه إلى الفرد والجماعة معاً، وتقوية روح الجماعة: «لكل شيء شيء يستريح إليه، وإن المؤمن يستريح إلى أخيه المؤمن كما يستريح الطير إلى شكله». وتأتي دعوته إلى العمل، وإلى تقوية اللحمة بين القول والعمل، في هذه الطريق. وهو ما كنا أشرنا إليه من قبل، في إشارتنا إلى ما كانت المرجئة تدعو إليه، من الفصل بينهما. يقول الإمام: «الإيمان عمل كله». و «لايثبت الإيمان إلا بعمل». و «كونوا دعاة الناس بأعمالكم ولا تكونوا دعاة بألسنتكم». و «إنما تفاضل القوم بالأعمال».

وفي هذه الطريق أيضاً، تقع دعوته ذات البعد السياسي إلى اليقظة والحذر ووضع الأشياء في مواضعها، وتحرير الإنسان من عبودية الإنسان: «من أطاع المخلوق في معصية الخالق فقد عبده» ! وفي إجابته مَن سأله عن حد اليقين: «ألاّ تخاف مع الله شيئاً». و «كل رياء شرك. إنه من عمل للناس كان ثوابه على الناس، ومن عمل لله كان ثوابه على الله». وفي توصيته بالمساكين والضعفاء: «إن عيسى بن مريم عليه السلام لما أراد وداع أصحابه، جمعهم وأمرهم بضعفاء الخلق، ونهاهم عن الجبابرة».

٤ - قوة الصياغة، وإيجازها بما لا يخل بالقصد ويفي بالمعنى، مع حرارة الروح، وسطوع الاستجابة النفسية لدواعي الحياة، والقرب فيها من الطبيعة. وبناء الصورة، إذا احتاجها في تشخيص معانيه وتقوية أثرها في النفس، من معطيات الحواس، لتكون أنفذ وأوضح. وهذه صفات أدبه كله. بل لعلها صفات أدب المدرسة التي ينتمي إليها، مدرسة آل البيت، ابتداء من أدب جده الإمام علي (ع)، وانتهاء بأدب الأئمة ورجال آل البيت جميعاً. ينطبق ذلك على الفكر الأدبي، وينطبق أيضاً بمقدار ما يستدعي القصد ويستلزم التعبير من الدقة والوضوح والاتزان، على الفكر العلمي، في الفقه والسياسة والاجتماع والتفسير.

وإنما يجتمع ذلك من امتلاء النفس بالفكرة، وحرارة الإحساس بها، وبما تستلزم العقيدة، في بيان مقاصدها، من قوة التركيز ونفي الفضول اللفظي، وما يدعو تقريبها إلى الناس، من شخوص الصورة ووضوح التمثيل.

وفي كلام الإمام الصادق أقوال عن البلاغة وصفاتها تقرّب ما انتهينا إليه. يقول: «ثلاثة فيهن البلاغة: التقرب من معنى البغية، والتبعد من حشو الكلام، والدلالة بالقليل على الكثير». ويقول: «من عرف شيئاً قل كلامه فيه». يريد: أن من يعرف الشيء يصل إليه في أقل الكلام. ويقول: «وإنما سمي البليغ بليغاً لأنه يبلغ حاجته بأهون سعيه». ويقول: «ليست البلاغة بحدة اللسان ولا بكثرة الهذيان، ولكنها إصابة المعنى وقصد الحجة».

فمن هنا نصل إلى فهم خصائص ما نقلنا وما ننقل في هذا الحديث، من أقواله وحكمه التي تتحقق فيها صفات البلاغة التي نص عليها. يقول مثلاً: «كثرة النظر في الحكمة تلقّح العقل». فقد جمع ما يتمثل في النفس من صور اللقاح ومعانيه وأثره في تنشيط حركة الحياة وتوليد المعاني وإخصابها، في لفظ واحد موحٍ بهذه الدلات كلها. ويقول: «من تعلق قلبه بحب الدنيا، تعلّق من ضُرها بثلاث خصال: همّ لا يفنى، وأمل لا يُدرك، ورجاء لا يُنال». جمع حب الدنيا وأذاها معاً في لفظ واحد كرره «التعلق»، كأنها وجهان لحقيقة واحدة لاتنفصل إحداهما عن الأخرى. ووسع في ألفاظ قليلة مقسمة، معاني الخيبة كلها. ويقول أيضاً في مثل هذا المعنى: «ما فتح الله على عبد باباً من الدنيا إلا فتح عليه من الحرص مثليه». كم يحتاج مثل هذا الكلام، في كثافة دلالاته ومعانيه، وما توحي الصورة فيه، وفي بيان ما طبعت عليه النفس البشرية من حب التملك، من الشرح والتفصيل؟ ويقول: «ما الدنيا؟ وما فيها؟ هل هي إلا سَدّة فورة (يريد: سكتة الجوع)، وستر عورة»؟ فقد لجأ في تشخيص المعنى وتكثيفه، إلى صورتين حسيتين، وجمع حياة الإنسان المادية كلها في أربع كلمات !

ـ ٥ ـ

ننتهي أخيراً إلى أدب الدعاء، فهو أكثر صفحات تراثه حرارة، وأدلُّها على سعة الروح، وخصوبة النفس، وغنى اللغة وطواعيتها. والدعاء يقتضي ما لا تقتضي الحكمة من الإيجاز، إذ تسيل النفس فيه برجائها وخوفها وظمئها إلى السكينة، وتطلعها إلى الخلاص، مما لا تستريح فيه القلوب المتعبة إلا باستخدام مكنونها ونثره أمام الله. فمما يلفت الناظر في أدب الإمام: أن يجمع بين ما تقتضيه الحكمة والموعظة والخطاب الفقهي والأدبي، من كلف بالإيجاز، وبين ما يتقضيه الدعاء من الإفاضة والتلوين والإلحاح في الرجاء والبث، وأن يبلغ من القدرة، في الحالين، ما يصعب الوصول إليه إلا على من يملك من رحابة الفكر والخبرة بأسرار البيان وغنى اللغة ومرونة استجاباتها لحاجات التعبير، ماكان يملكه الإمام. ولنقرأ الآن أسطراً من دعاء دعا به في آخر شهر رمضان: «إلهي! فإني أعترف لك بذنوبي، وأذر لك حاجتي، وأشكو إليك مسكنتي وفاقتي وقسوة قلبي، وميل نفسي، فإنك قلت: (فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (. وها أنذا قد استجرت بك، وقعدت بين يديك مسكيناً متضرعاً، راجياً لما أريد من الثواب بصيامي وصلاتي. وقد عرفت حاجتي ومسكنتي إلى رحمتك، والثبات على هداك. وقد هربت إليك هرب العبد السوء

إلى المولى الكريم» … «أعوذ بجلال وجهك الكريم أن ينقضي عني شهر رمضان، أو يطلع الفجر من ليلتي هذه، ولك عندي تبعة أو ذنب تعذبني عليه يوم ألقاك …. ».

فهذا الدعاء يمثل لخصائص أدب الدعاء في تراثه كله، وهي الخصائص التي ذكرتها منذ قليل. وفيه نلمس عمق الإحساس بمكان الله من القلب، وحرارة النفس في توجهها إليه، وقد يعجب قارىء هذا الأدب أن تلوّن المعاني والإحساسات، في مواقف الدعاء المتشابهة، هذا التلوين.

* * *

لا يزيد ما قلته في هذه الكلمة، عن أن يكون نظرة سريعة في تراث الإمام الصادق، قصدت منها أن ألفت النظر إلى درسه من الجانب الفني، ففيه من الغنى والرحابة والجمال والصدق، والاستجابة للطبع، والبعد عن اللفظية، ما تصغر إلي جانبه آلاف الصفحات التي ننكب على درسها، من أدب الصنعة.

(*) - ألقيت في مؤتمر الإمام جعفر الصادق الدولي (ربيع الأول ١٤١٢هـ = أيلول ١٩٩١م) الذي أقامته المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بدمشق.

[١] - كلمة للمستشرق الفرنسي شارل بلا (Ch… Pellat).

[٢] - انظر الدراسة السابقة عن الصحيفة السجادية. والثفنة: ركبة البعير.

(٣) - جمع السيد باقر شريف القرشي مجموعة منها.

(٤) - جمع طائفة كبيرة منها السيد محسن الأمين، في موسوعته الكبيرة (أعيان الشيعة).

(٥) - الأهليلجة: ثمر من شجر الهند، لعله ثمر الأناناس. والكتاب في مناظرة طبيب هندي كان لا يؤمن إلا بالمعرفة التي تحصلها الحواس.

[٦] - كذا في الأصل. ولعلها: يعتلّها.



[ Web design by Abadis ]