ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الصحيفة السجّادية للإمام زين العابدين علي بن الحسين (ع) (*)

ملامح من صفاتها الفنية (**)

ـ ١ ـ

لسنا هنا في معرض توثيق نصوص (الصحيفة)، فهذه مسألة قائمة في ذاتها، اهتم بها الأستاذ المحقق (علي أنصاريان) اهتماماً واسعاً. يكفينا هنا أن نذكّر بما لا يجهله أحد:

شرف النسب: الذي يصل الإمام بدوحة النبوة، فهو كما نعلم ابن حفيد النبي (ص)، الذي استشهد في كربلاء، وادّخره الله، بعد مأساة أبيه الإمام الحسين وأخيه علي الأكبر، لما نُدب له من شرح حقائق الرسالة التي بُعث بها جده (ص)، ولسنا في حاجة إلى أن نطيل الكلام في الأثر الذي خلّفته في نفسه مأساة أبيه وأخيه، وقد شهد فصولها الدامية بعينيه، ففي دعواته وابتهالاته التي تجمعها (الصحيفة) إحساس عميق بحركة الموت، وما يقتضيه لقاء الله القريب من صدق التقوى، وتأدية الحقوق، ونزاهة الجوارح، وامتلاء النفس برهبة هذه الساعة والتهيؤ لها، حتى ليندر أن تقرأ فيها دعاء لا يرد فيه ذكر الموت، على نحو يتعذر معه الفرح الصافي بالحياة.

وفي (الصحيفة)، في مجموع الدعوات والابتهالات والمناجيات، حزن عميق سحيق القرار، هو حزن الممتازين من أهل الله، وحزن الأئمة من آل البيت خاصة، لما عانوا من عنت وإرهاق: «دعوتك يارب مسكيناً، مستكيناً، مشفقاً، خائفاً، وجلاً، فقيراً، مضطراً إليك. أشكو إليك يا إلهي ضعف نفسي …. وكثرة همومي، ووسوسة نفسي …. وضعت عندك سري فلا أدعو سواك، ولا أرجو غيرك. لبيك لبيك، تسمع من شكا إليك، وتَلْقى من توكل عليك، وتُخلّص من اعتصم بك، وتفرج عمن لاذ بك» [١].

فمن مجموع هذا التكوين، في هذه الظروف التاريخية الصعبة، خَلصت نفس الإمام بسماتها وصفاتها، وخوفها ورجائها، وخشوعها وتبتلها، ووقوفها خارج أسوار الدنيا الفانية، على مشارف عالم الغيب الذي تلوح أنواره لأصحاب النفوس الكبيرة التي تطول ما يطوله حمَلة الرسالات الروحية. كان «إذا قام إلى الصلاة، أخذته رعدة. فقيل له، فقال: تدرون بين يدي من أقوم ومن أناجي؟ » [٢] وكان إذا توضأ اصفرّ [٣]. فهذه هي النفس التي ناجت وابتهلت وسمت في عبادتها حتى سمّوا صاحبها (زين العابدين)، وخلّفت من مجموع مناجاتها ودعائها وابتهالها، (الصحيفة السجّادية) التي نقف، في هذه الكلمة الصغيرة، على ملامح من صفاتها الفنية.

ـ ٢ ـ

نشأ الإمام إذن في مدرسة النبوة التي نشأ فيها الأئمة من آل البيت وأبناؤهم، وذووهم، في المرحلة التي بدأ النثر العربي فيها يستقر على ما خلفه القرآن الكريم من أساليب الصياغة، بموسيقاها الساطعة، وبالصورة وأدواتهـا، والخطاب وتنوّع الأداء فيه.

ثم إن الإمام امتاز بما تمتاز به النفوس المختارة من خصوبة الفكر وقوة النفوذ في كل ما تقع عليه العين، أو يمتلكه الحس، أو يدركه الحدس، ومن حرارة الروح وسعة الإحاطة بالثقافة الإسلامية التي تلقاها في الوسط النبوي الذي نشأ فيه، وعلى المثال الرفيع المتناقل عن آل البيت، في عصور الإسلام الأولى. ويكشف امتلاكه أدوات التعبير عن ثروة لغوية واسعة استُغلت، في أدعيته ونجواه وابتهالاته، أحسن استغلال، بما يتناسب مع طبيعة الدعاء وحرارة النجوى.

ويعجب الإنسان، وهو يعيد النظر في الصحيفة، (وهو العجب الذي يدركه حين يستمع إلى دعوات آل البيت على الإطلاق): من أين تتوجه نفوسهم في تشقيق المعاني وألوان الصياغات والمشاعر، وهم يجولون في دائرة واحدة هي دائرة التبتل والابتهال والدعاء، كأنهم جُبلوا، جراء عمق الالتزام بمعاني الرسالة التي حُمّلوها، من تراب خاص، وسُقوا من ماء خاص، من رقة الحزن، وعمق الإحساس بجلال الألوهة والتذلل لها، وانخلاع القلب لهيبتها: «هأنذا يارب مطروح بين يديك، أنا الذي أوقرت الخطايا ظهره، وأنا الذي أفنت الذنوب عمره …. هل أنت، يا إلهي، راحم من دعاك فأُبلغ في الدعاء؟ أم أنت غافر لمن بكاك فأسرع في البكاء؟ أم أنت متجاوز عمن عفّر لك وجهه تذللاً؟ أم أنت مغنٍ من شكا إليك فقره توكلاً؟ … إلهي! لا تُعرض عني وقد أقبلت إليك، ولا تحرمني وقد رغبت إليك، ولا تجبهني بالرد وقد انتصبت بين يديك …. فاعف عني. قد ترى يا إلهي فيض دمعي من خيفتك، ووجيب قلبي من خشيتك، وانتفاض جوارحي من هيبتك…» [٤] «ياإلهي! لو بكيت إليك حتى تسقط أشفار عيني، وانتحبت حتى ينقطع صوتي، وقمت لك حتى تنتشر قدماي، وركعت لك حتى ينخلع صلبي، وسجدت لك حتى تتفقأ حدقتاي، وأكلت تراب الأرض طول ع

مري، وشربت ماء الرماد آخر دهري، وذكرتك في خلال ذلك حتى يكلّ لساني، ثم لم أرفع طرفي إلى آفاق السماء استحياء منك، مااستوجبت بذلك محو سيئة واحدة من سيئاتي …. » [٥].

فمن أين يجيء أثر هذا الدعاء الواسع العميق في النفس؟ من عمق الصدق فيه؟ من غنى الوجدان الديني؟ من تشقيق المواقف وألوان الصور بعضها من بعض؟ من حنان النفس ورقتها؟ من قدرة التمثل لكل موقف ولحاجاته في التعبير عنه، من شفافية اللغة وحسية الصورة وتنوعها؟ من انتصاب جبروت الله وهيبته في ظلها؟ أم تراه يجيء من ذوب هذه العناصر كلها واستجابة اللغة لها، في أدائها، استجابةً تبدو قريبة من الفطرة النبوية التي فطر عليها آل البيت وذووه، وشُهروا بها؟

على أن أوضح عناصر التأثير، تجيء من خصوبة النفس التي تبدو في امتداد نفس التعبير في الدائرة الواحدة، والقدرة على استخراج أدق الأحاسيس فيها، ومن حرارة الروح، وغنى الفكر بمعاني الرسالة، ثم في روعة الأداء اللغوي الواضح في غير تكلف ولا اصطناع، والتطلع الدائم فيه إلى المثال اللغوي الرفيع الذي أرساه القرآن الكريم، ومن تجسيد المعاني والأحاسيس تجسيداً يجعل الحسّ يمتلىء بها.

ـ ٣ ـ

نقف أولاً عند جانب اللغة، ونعيد النظر فيه، لخطر أثره في (الصحيفة). إذ تكاد الثروة اللغوية تبدو في غاية اتساعها. والإحاطة بمفرداتها في الموضوع المطروح تقرب من الكمال. يقول في دعاء الاستسقاء: «اللهم اسقنا الغيث، وانشر علينا رحمتك بغيثك المغدق من السحاب، المنساق لنبات أرضك، المونق في جميع الآفاق … تحيي به ما قد مات، وترد به

ما قد فات، وتُخرج به ما هو آت، وتوسع به في

الأقوات، سحاباً متراكماً هنيئاً مريئاً طَبَقاً مجلِّلا [٦] غير ملثّ [٧] ودقه [٨] ولا خلّب برقه …. اللهم اسقنا غيثاً مُغيثاً مريعاً ممرعاً [٩] عريضاً واسعاً غزيراً تردّ به النهيض [١٠] وتجبر به المهيض» [١١].

فمن هذه الناحية، أعني ما يتصل بمفردات اللغة وفقهها، واتساع ثروته اللغوية في الإجمال، يمكن (الصحيفة) أن تكون صحيفة يتعلم فيها الإنسان استعمال هذه المفردات استعمالاً صحيحاً في أماكنها، مع ما يماثلها أو يناقضها. فمن هنا تعد (الصحيفة) أيضاً كتاباً بالغ الامتياز في تعليم اللغة بأسلوب حي. يقول: «اللهم أبدلني من بغضة أهل الشنآن المحبة، ومن حسد أهل البغي المودة، ومن ظِنّة أهل الصلاح الثقة، ومن عداوة الأدنَيْن الولاية، ومن عقوق ذوي الأرحام المبرّة، ومن خذلان الأقربين النُصرة، ومن حب المدارين تصحيح المِقة، ومن رد الملابسين كرم العشرة، ومن مرارة خوف الظالمين حلاوة الأمَنة [١٢]. ويقول في دفع كيد الأعداء: «وكم من باغ أضبأ [١٣] إليّ إضباء السبع لطريدته … وهو يظهر لي بشاشة المّلق، وينتظرني على شدة الحنق» [١٤].

نعم قد نلحظ غزارة المترادف في (الصحيفة)، فسببه استيفاء التعبير عن الحال الانفعالية، يردفه، دون شك، اتساع الثروة اللغوي: «اللهم من أرادني بسوء فاصرفه عني، وادحر عني مكره، وادرأ عني شره، ورد كيده في نحره، واجعل بين يديه سداً حتى تُعمي عني بصره، وتُصم عن ذكري سمعه، وتقفل دون إخطاري قلبه، وتُخرس عني لسانه، وتقمع رأسه، وتُذلّ عزّه، وتكسر جبروته، وتُذل رقبته، وتفسخ كِبره، وتؤمنني من جميع ضرّه وشرّه وغمزه ولمزه وحسده وعداوته وحبائله ومصائده ورجلّه وخيله …. » [١٥].

وقد تتوارد المترادفات بصورة تلقائية في بعض المواقف، مثل موقف التذلل للخالق، كأنه لا يجد ما ينفذ به إلى ما يحس من هوان النفس أمام الخالق إلا تكرار المترادف: «فإني عبدك المسكين المستكين الضعيف الضرير الحقير المهين الفقير الخائف المستجير» [١٦].

ومثل هذا البناء المتساوق في لغة الدعاء يكشف عما كان الإمام يعاني من العداوة والكيد، في المرحلة السياسية الصعبة التي كان يعدّيها. فقد بلغ به الضيق مما يعاني ما جعله يستنفد هذا القدْر من المخزون المترادف.

ومن هنا تكون جمل الدعاء والابتهال، في معظم (الصحيفة)، إنشائية، لأنها - كما قلنا - تعبّر عن أحوال انفعالية حارة، شديدة الحرارة، حتى إن الجمل التقريرية فيها لا تصفو للتقرير وحده. ومن هنا يكثر النداء بأداته العارية أو النداء المدغوم، والالتماس، والرجاء، في الأفعال، حتى يعمّ صفحات (الصحيفة) كلها تقريباً، على نحو ما يقول في إحدى صحائفها، على غير اختيار مني: «اللهمّ توّجني بالكفاية، وسُمني حسن الولاية، وهبْ لي صدق الهداية، ولا تقتني بالسّعة، وامنحني حسن الدّعة، ولا تجعل عيشي كدّاً كدّا ولا تردّ دعائي عليّ ردّا، فإني لا أجعل لك ضدّا ولا أدعو معك ندّا» [١٧].

ونلحظ هنا تساوي الفواصل (آخر كلمة في الجملة) في جمل الدعاء، وتماثل موسيقاها. وهو - مع تقطيع جمل الدعاء في مواقف الطلب، وطولها النسبي في غيرها - يؤدي الغاية من تعميق أثر الدعاء في النفس. ويكاد هذا أن يكون سِمة آل البيت في الدعاء، لخصوبة أنفسهم، وغزارة معانيهم، وقدرتهم على صياغتها صياغة لها خصوصيتها من حرارة الفكر وطواعية اللغة. وهذا الذي يجعل منهم أصحاب أسلوب خاص، يجمع، إلى الوضوح من معرفة ما يريدون، حسن التعبير عما يستغرهم من ألوان المعاناة، على اختلاف ألوانها، وتباعد أطرافها النفسية أحياناً. كأن يقول في (المعونة على قضاء الدّين): «اللهم احجبني عن السرف والازدياد، وقوّمني بالبذل والاقتصاد، وعلّمني حسن التقدير، واقبضني بلطفك عن التبذير، وأجْر من أسباب الحلال أرزاقي، ووجّه في أبواب البرّ انفاقي، وازو عني من المال ما يُحدث لي مخيلة [١٨] أو تأدياً إلى بغي، أو ما أتعقّب منه طغياناً» [١٩].

فإذا ذكرنا أن (الصفيحة)، في غرض من أعمّ أغراضها وأهمّها، تتوجه إلى تربية الإنسان على خُلُق القرآن والنبوة، بما يجعلها أيضاً كتاباً في التربية والتوجيه، من خلال كونها كتاباً في التبتل والابتهال، أدركنا أثر اللغة في بلوغ هذا الغرض، من حيث بلوغ التأثير، وتحسين النفوذ، وتقوية الإدراك، وإرهاف الفهم.

والذي أريد أن أزيده بياناً هنا: أن التعبير، في هذه الأدعية، مقدود على قدّ الفكرة أو قدّ الإحساس، يسعهما بوضوح، على سعة المضمون ودقته وانفراج أطرافه وتباعدها أحياناً، كأن يقول في الرضا بالقضاء: «اللهم طيّب بقضائك نفسي، ووسّع بمواقع حكمك صدري، وهب لي الثقة لأقرّ معها بأن قضاءك لم يجر إلا بالخِيرَة [٢٠]. واجعل شكري لك على ما زويت عني أوفر من شكري إيّاك على ما خوّلتني. واعصمني من أن أظن بذي عُدم خساسة، أو أظنّ بصاحب ثروة فضلاً. فإن الشريف من شرّفته طاعتك، والعزيز من أعزّته عبادتك، فصلّ على محمد وآله، ومتّعنا بثروة لا تنفد، وأيّدنا بعزّ لا يُفقد، واسرَحنا في ملك الأبد…» [٢١]. فالجملة في الدعاء، كما نرى، تطول نسبياً وتقصر حسب ما تقتضيه الحال، ولكن النفَس دائماً لا ينقطع فيها ولا يتردد!

وتتضح طواعية هذه الاستجابة اللغوية في مجالات الوصف بما يجعل الموصوف يكبر، ويعمق، ويتلون، ويتحرك، ويستفيض، ويتسع لألوان النفس الداعية ودقائق إحساسها بالأشياء ومعرفتها يأوصافها في جملة أحوالها: «اللهم اسقنا سقياً تسيل منه الظِراب، وتملأ منه الجباب، وتُفجر به الأنهار، وتنبت به الأشجار، وترخص به الأسعار في جميع الأمصار. وتنعش به البهائم والخلق، وتكمل لنا به طيبات الرزق، وتُنبت لنا به الزرع، وتدر به الضرع، وتزيدنا به قوة إلى قوتنا» [٢٢]. ومثل هذا يبدو أيضاً في معرفته العميقة بصفات الخير والجمال في النفس، ومعرفته بما يكدّرها ويشوهها من صفات الشر، بما ينتهي إلى معرفة بالنفس الإنسانية في أحوالها المختلفة: «اللهم…. أغنني وأوسع علي في رزقك، ولا تفتني بالنظر، وأعزني ولا تبتلني بالكبر، وعبدّني لك ولا تفسد عبادتي بالعُجْب. وأجْر للناس على يدي الخير، ولا تمحقه بالمنّ، وهب لي معالي الأخلاق واعصمني من الفخر» [٢٣].

فهذا، ومثله كثير في الدعوات، هو الذي كاد أن يجعل آداب الإسلام كلها مختزنة فيها، ويجعل من (الصحيفة)، كما قلنا، كتاباً يجمع رؤوس تعاليم الإسلام، إلى جانب كونها معجماً في اللغة وأساليبها وطرق بيانها. ومن يرجع إلى دعائه في يوم عرفه [٢٤]. يجد أنه استوفى، أو كاد، حاجات كل مسلم من دنياه وآخرته، على السواء، ويجد اللغة وسعت التعبير عن هذه الحاجات كلها. وفي هذا كفاية.

ـ ٤ ـ

إلى جانب هذا الغنى اللغوي الذي وصفناه، نجد القدرة على التصوير الحسي الذي يجسد الفكرة أو الإحساس ويحركهما حتى يشخصا في العين، وتمتلئ بهما الحواس الأخرى. ونكاد نقع على أمثلة له في سائر صفحات (الصحيفة): «اللهم فارحم وحدتي بين يديك، ووجيب قلبي من خشيتك، واضطراب أركاني من هيبتك … وابسُط عليّ طَوْلك، وجللني بسترك» [٢٥]. «للهم إني أعوذ بك من نار تغلّظتَ بها على من عصاك… وأعوذ بك من عقاربها الفاغرة أفواهها، وحيّاتها الصالقة [٢٦] بأنيابها، وشرابها الذي يقطّع أمعاء سكانها وينزع قلوبهم…» [٢٧].

وتبدو الصورة أحياناً حارة على نحو تمتلئ به النفس خوفاً ورهبة. ويكثر ذلك في مواقف التذلل والاستغفار والخوف من جبروت الألوهة، على نحو ما عرضنا لأمثلة كافية منه. ويكاد الإنسان يعجب من رجل زينته العبادة حتى كان يلقّب بالسجّاد ذي الثَفِنات [٢٨]، و (زين العابدين) وحبِّب إليه السجود حتى برّح جبينه. وأحب الحق حتى سأل الله أن يقود منه المظلوم إذا وقع عليه ظلم منه.

أقول: يعجب أن يجد إحساسه بالذنب يبلغ منه هذا المبلغ. ويجده يعدد عيوب نفسه ويجسدها في مثل هذه الصور التي مثّلنا لها، كأنه لايكفيه من حرارة وجدانه الديني، وتخشّعه أمام جلال الألوهة وروعة الربوبية، حقائق التقوى التي حققها في نفسه. ويجدها، مهما سما فيها، قليلة في جنب الله، حتى ليسأل الله أن يخفف من عقاب من يسيئ إليه! «اللهم وأيما عبد نال مني ما حظرت عليه، وانتهك مني ما حجرت عليه، فمضى بظلامتي ميتاً، أو حصلت لي قِبَله حياً، فاغفر له ما ألمّ به مني، واعف له عما أدبر به عني، ولا تقفْه على ما ارتكب فيّ، ولا تكشفه عما اكتسب بي، واجعل ما سمحتُ به من العفو عنهم، وتبرّعتُ به من الصدقة عليهم أزكى صدقات المتصدقين، وأعلى صلات المتقربين، وعوضني من عفوي عنهم عفوك، ومن دعائي لهم رحمتك، حتى يسعد كل واحد منا بفضلك…. » [٢٩].

* * *

هذه نظرة سريعة في بعض ظواهر الجانب الفني في أدعية الإمام. والذي انتهينا إليه منها، أن الإمام زين العابدين وفى في أدعيته، بأدق دقائق العقيدة، وجعل منها كتاباً في فهم الدين: ما يأمر به وما ينهى عنه. وكتاباً في أدب الاجتماع وأدب النفس، وكتاباً في اللغة يلمّ بمفرداتها، ويقرّب ممن يقرؤها معجمها اللغوي، وكثيراً من أسرار بيانها وقدراتها في التعبير والتصوير. وبنى من أدعيته التي صاغها محراباً يتعبد فيه الفرد المسلم، ويناجي ربه، ويبتهل إليه. فلا عجب، بعد هذا كله، أن يجعلها بعض المحبين في مرتبة (الزبور).

(*) - هو (علي الأصغر). كان مع أبيه يوم كربلاء، ولكنه كان مريضاً فلم يأذن له أبوه بالقتال. وهو رابع الأئمة عند الإمامية. توفي في المدينة سنة ٩٤هـ عن ستة وخمسين عاماً.

(**) - ألقيت في مكتبة الأسد الوطنية بدمشق، في ندوة أقيمت حول (الصحيفة)، أواخر سنة ١٩٩٩ م / شعبان ١٤٢٠هـ، والطبعة التي نعود إليها هي الطبعة الثانية التي نشرها ونظم فهارسها الأستاذ المحقق علي أنصاريان. دمشق (١٤١٩ - ١٩٩٩م).

[١] - الصحيفة ص٢١٩.

[٢] - الصحيفة ص د - هـ.

[٣] - الصحيفة ص هـ.

[٤] - الصحيفة ص٦٨.

[٥] - الصحيفة ص٧٠.

[٦] - طبق السحاب الجو: غشاه وغطاه. والطبق: السحاب الذي يغطي الجو ويغشيه. والمجلّل: السحاب الذي يجلّل الأرض بالمطر.

[٧] - ألثّ المطر: دام أياماً لا يقلع.

[٨] - المطر كله شديده وضعيفه.

[٩] - كثير الخير والخصب.

[١٠] - أنهضت الريح السحاب: ساقته وحملته.

[١١] - الصحيفة ص ٧٩.

[١٢] - الأمن.

[١٣] - أضبأ على الشيء إضباء: سكت عليه وكتمه، وضبأ: استخفى.

[١٤] - الصحيفة ص ٢١٢.

[١٥] - الصحيفة ص ص ٩٨ - ٩.

[١٦] - الصحيفة ص ٩٠.

[١٧] - الصحيفة ص٨٦.

[١٨] - يريد الخيلاء: الكبر والعُجب.

[١٩] - الصحيفة ص ص ١٢١ - ٢.

[٢٠] - الاختيار.

[٢١] - الصحيفة ص ص١٣٩ - ٤٠.

[٢٢] - الصحيفة ص ٨٥.

[٢٣] - الصحيفة ص ٨١.

[٢٤] - الصحيفة ص ص ١٨٥ - ٢٠٢.

[٢٥] - الصحيفة ص ١٢٧.

[٢٦] - الصّلْق: الصياح والولولة.

[٢٧] - الصحيفة ص ص١٣٣ - ٤.

[٢٨] - الثفنة: ركبة البعير.

[٢٩] - الصحيفة ص ص١٤٩ - ٥٠.



[ Web design by Abadis ]