ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 واقعـة كربـلاء معاني المأساة و رموزها *

ـ ١ ـ

إن مما يثير قارئ التاريخ الإسلامي، أن يجد يزيد بن معاوية بن أبي سفيان في مقعد خليفة رسول الله ولما يمض على هجرة رسول الله من مكة إلى المدينة وقيام دولة الإسلام فيها أكثر من ستين سنة، تحولت الخلافة في نهايتها إلى ملك لا مكان فيه للشورى التي هي عماد الفكر السياسي في الإسلام. وانتقلت عاصمة الدولة الإسلامية بعيداً عن الأرض التي تنزل فيها الوحي، وارتسمت فيها معالم المجتمع الجديد الذي تكون فيه العبودية لله وحده. فحتى نحسن استخلاص معاني الواقعة التي نريد بيان خطرها في تطور أحداث التاريخ الإسلامي، من بعد، وشرح رموزها التي ما تزال حية إلى اليوم، لابد أن نلخص أبرز أحداث المأساة التي كانت كربلاء القريبة من شط الفرات مسرحها الدموي.

وسألجأ في هذا التلخيص إلى مصدرها الأول في تاريخ الطبري [١]، فإن فيه من التفصيل ومن تعدد الروايات، والرغبة في التزام الصدق في روايتها، ما يكفينا هنا.

فإن معاوية بن أبي سفيان خرج على جملة ما تم الاتفاق عليه بين الإمام الحسن وبينه، في الرجوع إلى المسلمين في اختيار خليفة رسول الله، بعد وفاة معاوية. فمن هنا تبدأ حدود المأساة، بدليل أن الأمر، من بعد، لم يقتصر على خروج الإمام الحسين الذي قتلوه في العاشر من محرم (سنة ٦١ للهجرة)، فقد خرج على الأمويين، رجال آخرون، بعضهم رمى إلى الانتقام من قتلة الإمام الحسين، وبعضهم رمى إلى اجتثاث ملك الأمويين من أصله، مثل عبد الله بن الزبير.

ـ ٢ ـ

والسؤال الذي لابد يطرح نفسه هو الآتي: ما الذي كان الإمام الحسين يرمي إليه من السير إلى الكوفة، بعد أن رفض مبايعة يزيد (٦ / ١٨٩) ووصلت إليه آلاف الكتب تطلب منه القدوم إليها لمبايعته وقيادة حركة الثورة ضد العرش الأموي في دمشق؟ لا شك أنه كان، في أول الأمر، يمنّي نفسه بالنصر، بدليل من حمل معه من أهله وولده. ولكنه احتاط فأرسل من قبله رسولاً هو مسلم بن عقيل يستطلع له الحال. فقبض عليه عبيد الله بن زياد والي يزيد على الكوفة، فقاتل بسيفه حلى أعطوه الأمان. ثم ضربت عنقه وألقيت جثته إلى الناس، (٦ / ١٩٦) وصلب بالكُناسة، من أحياء الكوفة.

ثم كثر تحذير من يحبون الإمام من أن يتابع الطريق إلى الكوفة، وهو بعد في الطريق إلى مكة من المدينة. ولكنه أبى إذ كان يريد أن يقيم للناس إماماً «يعمل بالكتاب، ويأخذ بالقسط، ويدين بالحق، ويحبس نفسه على ذات الله» (٦ / ١٩٨) كما قال في رده إليهم.

وكان مسلم بن عقيل نفسه، بعد أن بايعه ثمانية عشر ألفاً من أهل الكوفة (٦ / ٢١١)، وأرسل إلى الحسين بالقدوم، أرسل إليه كتاباً متأخراً يحذره فيه من نكث أهل الكوفة، ويذكّره بما لقي أبوه وأخوه الإمام الحسن منهم. وجاءه، وهو بعد في مكة، من ينصح له بالرجوع إلى المدينة، ويقول له: «بلغني أنك تريد المسير إلى العراق، وإني مشفق عليك من مسيرك. إنك تأتي بلداً فيه عماله وأمراؤه، ومعهم بيوت الأموال. وإنما الناس عبيد لهذا الدرهم والدينار. ولا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره ومن أنت أحب إليه ممن يقاتلك معه» (٦ / ٢١٦). ومثله قول عبد الله بن مطيع (٦ / ٢٢٤). ولكنه أبى وتابع الطريق. وكان الشاعر الفرزدق، وهواه معه، ممن حذره وقال له قولته المشهورة: «قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أميه» (٦ / ٢١٨).

ولكنه، وهو يقترب من الكوفة، وقد أحيط به حين وصل كربلاء على شط الفرات، أدرك واقع الحال، فلجأ إلى ما يمليه العقل، فخيّر أصحاب عبيد الله بن زياد بين أن يعود، أو يسيّروه إلى يزيد بن معاوية، أو يلحقوه بالثغور. فأبوا إلا أن ينزل على حكم عبيد الله بن زياد (٦ / ٢٢٢) فأبى.

ولكن أناساً من عسكر ابن زياد حوّلهم عرض الحسين ورفْض الشمر بن ذي الجوشن، وعمر بن سعد، وحصين بن نمير، إلى صفه، مثل الحر بن يزيد (٦ / ١٢٢). ثم تقترب المأساة من نهايتها، فتنكشف عن أعظم أمثلة النبل الإنساني من ناحية، وعن أخس النزعات البشرية من ناحية أخرى. فإن رجلاً مثل قيس بن مُسهِر أُصعد القصر، وطُلب منه أن يسب الإمام الحسين وأباه. فصعد وقال للناس: «أيها الناس! إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله، ابن فاطمة بنت رسول الله، وأنا رسوله إليكم، وقد فارقته بالحاجر فأجيبوه. ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه واستغفر لعلي بن أبي طالب» (٦ / ٢٢٤). ورجل مثل زهير بن القين طلب من امرأته أن تلحق بأهلها خشية أن يصيبها الشر بسبب لحوقه بالحسين ونصرته إياه.

وانتهت أخيراً أخبار ما وقع في الكوفة إلى الإمام الحسين: قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروه، على أبشع صورة، فلم يبق إذاً إلا الإقدام وفيه الشهادة، أو النكوص وفيه الملاحقة ومبايعة يزيد بن معاوية. فاختار الإمام أن يقف إلى الجانب الذي صاغ مجريات التاريخ الإسلامي من بعد، فقال قولته المشهورة: «لا خير في العيش بعد هؤلاء» (٦ / ٢٢٥). ثم إنه أذاع فيمن حوله كتاباً يخوّل فيه الناس أن ينصرفوا عنه إذا أحبوا أو يسايروه إلى الموت معه.

فأما وقائع الملحمة من بعد فمعروفة، يلخصها قول الإمام لأصحابه الذين قدموا معه من المدينة واختاروا الموت معه: «إن الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها، فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الماء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل. ألا ترون الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محباً، فإني لا أرى الموت إلا سعادة، ولا الحياة مع الظالمين إلا بَرما».

وليس، من بعد، في وقائع الملحمة إلا ما يدمي القلب: فقد ترامى رجال الإمام وأهله وفتيانه على الفداء والشهادة. وبلغ رجال ابن زياد من نقص الإنسانية أن طُلب من عمر بن سعد، إذا تم قتل الإمام، أن يوطئوا الخيل صدره وظهره (٦ / ٢٣٦). وبلغت المهزلة من شمر بن ذي الجوشن أن يمنّي الإمام بالنار قبل يوم القيامة! (٦ / ٢٤٢). وتسابق ذوو الأطماع على الفوز برؤوس رجال الإمام ليكسبوا بها الجوائز عند عبيد الله ابن زياد. ثم تسابقوا إلى سَلَب الإمام وكسائه يخلعونها عنه، بعد أن أبدى من صور البطولة، وهو المفجوع بآله وولده، ما تنحني له الجباه (٦ / ٣٥٩) ! وبلغ من صدق التاريخ أن خلّد أسماء أبطال الملحمة ورعاعها رجالا ونساء. وطويت هذه الصفحة المخزية من صفحات التاريخ لتنفتح على إثرها صفحات يشع فيها تاريخ عاشوراء حافزاً وآلاماً تعز على الوصف.

ـ ٣ ـ

والآن يصح أن نستخلص معاني هذه المأساة ورموزها على مدى هذا التاريخ إلى اليوم.

١. فإنها كانت تعني، على طول هذا التاريخ، معنى المواجهة بين القوة كما يريدها أصحابها والحق كما يراه أهله، وهي المواجهة التي يصحبها الثبات على الحق مهما لحق بناصريه من الأذى والتقتيل وطول الخذلان. وهذا هو المداد الذي تكتب به أنصع صفحات التاريخ الإنساني وأكثرها إشراقاً ونوراً وأملاً.

٢. وتعني المواجهةَ بين النزعات الإنسانية ونزعات الشر. وهي المواجهة التي يصر الإنسان على الانتصار فيها لصور النبل الإنساني، بحكم صلاح الفطرة الإنسانية وكراهيتها للشر وأهله. وما أعرف حركة من حركات التحرير لم تقع فيها هذه المواجهة على نحو ما، سواء سقطت أم لم تسقط.

٣. ثم إنها تعني أن أي قوة بشرية يُهيأ لها أن تملك القدرة على الاستئثار بالسلطة وغرورها الأعمى، لا تستشعر ألم المظلومين، ولا يفكر قادتها بالتخلي عنها ما لم تجابه بقوة السلاح، على اختلاف معانيه، ابتداء من قوة الإيمان بنصرة الحق، وانتهاء بالسلاح المشرَع. وثورات التاريخ الإنساني، على اختلاف الأزمنة والأمكنة، هي الشاهد العدل عليها.

٤. ثم إنها تعني أن المُلك لا رحم له، كما قال الأمين يوماً في صراعه مع أخيه المأمون. فمهما بلغت رابطة الدم من قوة، فالمُلك والدفاع عنه أقوى منها. وما تقول بعض روايات التاريخ عما أظهر يزيد من عطف على الباقين من ثَقَل [٢] الإمام الحسين وولده، أملته السياسة. فقد قدّر خطر الموقعة وأثرها في نفوس الناس. وهو تقدير أيدته، من بعد، وقائع التاريخ.

٥. والواقعة، في الجانب السياسي منها، تقيم المواجهة بين الاستئثار بالسلطة وما تغرى به من امتلاك القدرة على الناس، وبين السعي إلى السلطة لإلزام الناس بسلوك جادة الحق «وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم»، كما قال الإمام علي يوماً في بعض خطبه وهذا مؤدى الكلمات التي وقف الإمام الحسين يخاطب بها الناس أيام الواقعة، كما رأينا.

٦. وفي الواقعة بعض الصور الرائعة من صراع النفس في مواقف الحسم بين الحق والباطل، واستنفار قوى النفس في الانتصار للحق الذي اقتنع به صاحبه. نجد مثلاً ساطعاً منها في موقف الحر بن يزيد الحنظلي. فقد عطف جواده، في آخر الأمر، وقلب ترسه، وانحاز إلى صف الإمام، وقاتل معه حتى الشهادة، بعد أن تجاذبته الأهواء المتضاربة (٦ / ٢٢٢).

٧. وفيها صور أخرى من المستميتين في التزام جادة الانتصار للحق الذي اعتقدوه، والصدق في مخاطبة النفس، واستعذاب الشهادة، برغم اقتراب نذر الهزيمة. نجدها في من قاتلوا بين يدي الإمام (أبو ثمامة ٦ / ٢٥١) وافتدوه بأرواحهم في النهاية: زهير بن القين مثلاً (٦ / ٢٤٤) وعبد الله بن عمير وزوجه (٦ / ٤٤٥).

٨. تقابلها صور أخرى من سقوط الإنسان، نجدها في المسارعين إلى سلب الإمام لباسه، وفي الطامعين في جوائز الباغين (٦ / ٢١٦). وقد سجل التاريخ أسماءهم واحداً واحداً في صفحة من أظلم صفحاته (٦ / ٢٥٧ و ٢٦٠). وصور أخرى من استيقاظ القبليات التي سعى الإسلام إلى دفنها. ومن الاستهانة بحرمات الإسلام وذرية نبيّه التي أوصى القرآن الكريم بحفظ مودتها.

على أننا نستطيع اليوم أن نقوّم نتائج هذه المعركة تقويماً صحيحاً تؤيده شواهد التاريخ. فقد كسب «المنتصرون» لأنفسهم لعنة الأجيال المسلمة كلها على امتداد التاريخ الإسلامي، وخُلِّد «المهزومون» في ضمائرها. وكانت المعركة قبساً ظل يلمع في عيون الناس حتى سقط العرش الأموي آخر الأمر، ونشبت ثورات أطاحت برؤوس القتلة. وصحّت مقولة الإمام الحسين في الساعة العصيبة. حتى قال أحد المستشرقين الألمان: إني لا أعرف في التاريخ رأساً مقطوعاً كان يضحك من قاتليه كما ضحك رأس الإمام الحسين منهم!

* * *

إننا لا نريد من وراء هذا العرض أن نظل أسرى هذه المأساة وما خلّفت من جراح تاريخية، ولكن معانيها ينبغي أن تظل خالدة، ورموزها في المجاهدة والصبر والثبات على المبدأ، ينبغي أن تظل حيه قي نفوس الأجيال، ولكن على قاعدة التوحيد والفكاك من أسر الآلام المبرحة التي تتوارثها عنها، دون أن ننزلق بها إلى وحل الخلاف المذهبي، فإن الإسلام كله هو المستهدف اليوم، وبوقوفنا وراءه في معسكر واحد نحقق انتصارنا على المأساة.

(*) - محاضرة ألقيت في مدينة قم (إيران) سنة ١٤١٤هـ = ١٩٩٣.

[١] - الأرقام التي ترد من بعد، تتصل بهذا التاريخ وتحدد الأجزاء وأرقام الصفحات منه (طبعة الحسينية - القاهرة) ١٣٣٦هـ = ١٩١٧م.

[٢] - النفيس المصون من المتاع، وحَشَم المسافر…



[ Web design by Abadis ]