ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 المقدمة

الملتقى دراسات في التراث الإسلامي

بقلم

الدكتور عبد الكريم الأشتر

المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بدمشق

١٤٢١هـ - ٢٠٠١م

الكتاب: الملتقى - دراسات في التراث الإسلامي

عدد النسخ: ٢٠٠٠ نسخة

الطبعة الأولى: ١٤٢١هـ - ٢٠٠١م

الناشر: المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بدمشق

تصميم الغلاف: لبيب صندوق

عنوان المستشارية: دمشق - المرجة - ص. ب ٩٣٥١

هاتف: ٢٣١١١٥١ / ٢٣١١١٤٩ - فاكس: ٢٣١١١٤٧

كلمة الناشر

«الملتقى» عنوان اختاره الأستاذ الدكتور عبد الكريم الأشتر لدراسات ومقالات ألقيت في الشام وإيران والهند، وتتشرف المستشارية الثقافية الإيرانية بتقديمه إلى القارىء الكريم، ليكون ضمن سلسلة منشوراتها عن التواصل العربي الإيراني.

والأستاذ المؤلف من وجوه اللقاء العربي - الإيراني لما يحمله من همّ وحدة المسلمين وجمع كلمتهم ودراسة المشتركات في ثقافتهم وآمالهم وآلامهم.

أمتنا بحاجة ماسّة إلى مثل هذه الأقلام والأصوات لمواجهة موجة التفريق والتشتيت الطائفي والقومي التي يسعّر أوارها الخائفون من العودة الحضارية الإسلامية.

المخططون الاستراتيجيون لدوائر الهيمنة الدولية يحذّرون من عودة الأمة الإسلامية إلى ساحة التاريخ، وإلى ممارسة دورها المتناسب مع مؤهلاتها المعنوية والمادية.

ورغم أن التاريخ سجّل للمسلمين أروع صفحات التعامل الإنساني الحضاري مع الأمم الأخرى، فإن ثمة مخاوف اليوم من نهوض المجموعة الحضارية الإسلامية، بسبب ما يسود في الأذهان من علاقات الصراع المصلحي المحموم على الساحة الدولية.

والمفكر الإسلامي يحمل اليوم مسؤوليتين: الأولى داخلية تتمثل في دعم الوحدة الحضارية لأمتنا، من أجل تسديد مسيرتها الواعدة، والثانية تتجه في خطابها إلى خارج العالم الإسلامي لتحويل ما يسمى بصراع الحضارات إلى «حوار الحضارات».

ونرجو أن يكون «الملتقى» خطوة على طريق النهوض بالمسؤولية الأولى. والله ولي التوفيق.

المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية

في دمشق

ـ ١ ـ

أكثر هذه الدراسات العشر ألقي في ندوات أقيمت في دمشق وطهران وقم والأهواز وولاية كيرلا بالهند، في مناسبات ذات صلة بالفكر الديني، أو بالفكر الأدبي أو الاجتماعي. وهي كلها تدور من حول كتب لها مكانها الخاص في تاريخنا. على أنها جميعاً تتحدث، في النهاية، عن رجال كبار تجاوز بعضهم، من الجانب الروحي على الأقل، حد النبوغ الإنساني، ولحق بأفق العظمة السامي الذي تنقطع عنده قدرات النابغين.

والذي أريد أن أنبه إليه، أن هذه الدراسات كتبت بنيّة الجمع والتقريب. وقامت، في الأساس، على قاعدة الوحدة التي تنصهر عندها مذاهب المسلمين في الأصل الواحد. ويرى كاتبها أن الاختلافات الصغيرة التي تورّمت مع الأيام، لدواع سياسة لا يجهلها أحد، وداخلتها مقاصد خارجية خبيثة لاتريد الخير لنا، على أي جانب نكون، يتعين علينا أن نرحل إليها، في ضوء إدراكنا لما يحاك لنا جميعاً في السر والعلن، قبل أن ترحل هي إلينا في ظلمة الشكوك التي حملناها معنا على طول هذا التاريخ الذي ملأته الروايات المتعارضة.

إن قارىء هذه الصفحات لابد أن يحس بعمق الشكوى من تباعدنا وتخالفنا. لابد أن يحس بحسرة كاتبها وهو يرى كبار مفكرينا على أحد الجانبين، يكاد يُجهل اسمه على الجانب الآخر، ويرى المكتبة الإسلامية هنا تكاد تكون غريبة هناك!

لمَ إذن لا يرحل بعضنا إلى بعض، ويخالط بعضنا ثقافة بعضنا الآخر، ويقرأ كتبه، ويعرف رجاله ويحفظ لهم ما يستأهلون من حق الفهم والمحاورة والسعي الجاد إلى الحقيقة، على المنهج الذي اختاروه، وعلى المنهج المشترك الذي يجمعنا جميعاً، في صعيد واحد؟

ـ ٢ ـ

من هذا الباب إذن كتبتُ هذه الدراسات، وعرضتُ فيها، على غير ترتيب مقصود، لموقف الإمام علي بن أبي طالب (ع) من المرأة. وحاولت أن أصل إلى فهم الموقف وتفسيره على نحو يرضى عنه العقل ويقبله تاريخ الإمام، قبل ولايته إمرة المؤمنين وبعدها.

وعرضت لموقع الإرادة من إقامة ميزان العدل في (نهج البلاغة) بصفتها خلاصة وعي الإنسان بذاته وقدراته الروحية وبمجتمعه وقضاياه.

ووقفت على معاني واقعة كربلاء الأليمة، من الوجهة الإنسانية، وما خلّفت من جراح تاريخية، وما يتوجب على المسلمين أن يستخلصوه، في قراءتها، من رموز المجاهدة والصبر والثبات على المبدأ، على قاعدة التوحيد، ومحاولة الفكاك من أسر الآلام المبرحة التي تتوارثها الأجيال عنها، دون أن يذهب ذلك بجلال رموزها في النفس المسلمة.

ومن هذا الباب نظرت في تراث الإمام جعفر الصادق (ع)، وتراث الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع) في (الصحيفة السجادية)، وتراث الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان، من الزاوية الفنية. ونظرت في استخلاص السمات العامة لفكر الإمام الشهيد مرتضى المطهري النقدي، الذي وصل بدعوة الإسلام إلى مستوى الدعوات العالمية، ووزنها بها، مع ما يعني هذا من فتح باب الحوار والتقارب بين الحضارات الإنسانية قاطبة.

وتناولت في مقالة مركزة، فكر الإمام آية الله الخميني رحمه الله، مؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران. فكتبت مجموعة ملاحظات استقيتها من قراءاتي في أدبيات الثورة الإسلامية، يبدو الإمام فيها صاحب مدرسة فكرية قدّمت إلى العالم مشروعاً حضارياً حاولت أن تجعله ملائماً لروح العصر، متصلاً، في الوقت نفسه، بأصوله الإلهية.

ووقفتُ في محاضرة أُلقيت في ولاية كيرلا بالهند، على بعض مصادر الفرقة والخلاف بين المسلمين، من زاوية الربط بين سلامنا وسلام العالم من حولنا، على نحوٍ ننتهي فيه إلى أن من صالح الإنسانية أن ترانا متعاضدين بدل أن يعمل بعض ساستها على دق الأسافين بيننا. وإن كنا، من ناحية أخرى، لا نجهل ما نحن فيه، في أكثر بقاع الأرض التي نسكنها، من اصطراع أنظمة الحكم وطغيانها، وطغيان الصالح الشخصي فيها، والفصل في سياستها بين الإسلام وأكثر ميادين الحياة العامة.

وجمعتُ إلى هذا كله دراسة لمكانة شاعر آل البيت (دعبل ابن علي الخزاعي) بين شعراء العربية، وقفتُ فيها على بعض قدراته الفنية، وتلمستُ أثرها في بعض شعراء العصر، وتفرده فيهم، لكونه شاعراً من شعراء الالتزام، على توالي العصور الأدبية.

ـ ٣ ـ

أعود فأقول: إننا لعلنا في تاريخنا الطويل، عرباً ومسلمين، لم نواجه العالم كما نواجهه اليوم. فقد أصبح العالم كله، بعد ثورة الاتصالات وتفجر قنوات المعرفة، واستحصاد قوة العلم، قرية كونية واحدة، ينهب أرضها قطار البشرية بما يحمل من أجناس الأمم وتنوع ثقافاتها. لا تهدأ عجلاته إلا في المحطات الكبيرة، وتطوي عجلاته المحطات الصغيرة، فيوشك أهلها ألا يلحقوا به. وليس أمامنا إلا أن يجتمع بعضنا إلى بعض، ونعمل على تنمية بذور الوفاق بيننا، ونقتلع بذور الخلاف، مهما غارت أصولها في الأرض. وننشر لهذا الغرض ثقافة تدعو إلى التمسك بجذورنا الموحّدة الحية القادرة على مواجهة العصر وثقافاته، في مختلف ميادين المعرفة، أخذاً وعطاء، استجابة لمنطق الحياة، ولقوانين التاريخ، ولحقائق العصر الساطعة. ومن المفارقات المؤلمة أن نرى الأمم، أكثر الأمم، وعت هذا الدرس، فتنادت إلى لمّ الشمل، على ما بينها من فواصل التاريخ واختلاف الثقافات واللغات والمذاهب، وتعدد الأجناس، على حين نعجز نحن عن الالتقاء أحياناً، مجرد الالتقاء، برغم ما يجمعنا من وحدة الماضي والحاضر والمستقبل، بمعانيها ومفرداتها وحقائقها جمعياً.

إن العولمة ليست كلمة مجردة، وليست اصطلاحاً عارضاً، ولكنها حقيقة قائمة. ومعناها، في نهاية المطاف، خصوصاً في هذا العصر الذي وصفنا جبروت القوة الغالبة فيه، مادةً ومعنى، ألا نكون أكثر من عجلة من عجلات قطارها الدائر في غير توقف. أو يكون لنا، على الأقل، إن أردنا، حظ الرأي، إن لم يكن لنا حظ المشاركة، في قيادته وتحديد وجهته. وعلينا أن نختار لأنفسنا ما نريد.

إن هذه الدراسات، بمجموعها، كتبت لبيان هذه المعاني القائمة، ولتثبيتها وتعميق أثرها وخطرها في حياتنا جميعاً. وهي لأنها تحمل هذه المعاني، من ناحية، ولأنها، من ناحية أخرى، ألقيت كلها تقريباً في ملتقيات وندوات فكرية أو ثقافية، كان هذا الاسم الذي وسمت به في الكتاب.

والله الموفق

حلب ١٩ / شوال / ١٤٢١هـ

الموافق ١٤ / كانون٢ / ٢٠٠١م د. عبد الكريم الأشتر

المـرأة

في نصوص نهج البلاغة*

ـ ١ ـ

إني، وأنا أتأمل كلام الإمام علي بن أبي طالب (ع) في (نهج البلاغة)، لفتني في مواضع كثيرة، موقفه من المرأة، فقد وجدته لا يستوي، أحياناً، مع حقائق الفكر الاجتماعي في (النهج)، وهي على التحقيق حقائق الفكر الاجتماعي الإسلامي. وما أحسبني أحتاج إلى استذكار ماقدّم الإسلام للمرأة، وما قدّمت المرأة للدعوة الإسلامية في ميادين الحرب والسلم على السواء.

أقول في اختصار: إن الإسلام - وقد راعى فروق الجنسين في التكوين لصالح الوظيفة الاجتماعية التي يؤديها كلّ منهما في بناء المجتمع الإنساني الصالح - أقرّ المساواة بين الرجل والمرأة. فالنساء فيه «شقائق الرجال»، ولا ينال من هذا أبداً أن تكون السيادة في البيت والدولة للرجل، إذ لابدّ لكل مركب من ربّان. والرجل - بحكم التكوين والوظيفة الاجتماعية التي يؤديها - أقدر، في العموم، على حمل تبعات الحياة الثقيلة، وتبعات القيادة.

إن الإسلام، في جوهره، ثورة تاريخية اجتماعية واعية، كان للمرأة فيها - بشهادة جملة الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي اتصلت بها - مكان الصدارة: رفع من مكانتها، وحفظ لها كرامتها وحقوقها في الصداق والإرث والتصرف بأموالها، وصانها من كل رباط زوجي يسيء إليها، مثل زواج الشِّغار وزواج المقت [١]، ومن كل صلة جنسية عابثة، وأقرّ لها بحقها في الطلاق إذا اشترطته في العقد.

وقد كان الإمام هو الشاهد الأول على حقائق هذه الثورة الاجتماعية التي تستمد قوّتها من السموّ بمكان الإنسان ذكراً وأنثى، إلى تحقيق معنى الارتباط بروح الله، خالق الكون الذي يعمل فيهما معاً، ذلك أنه عاش في بيت النبوّة، واهتدى بهديها القريب، ثم إنه زوج فاطمة الزهراء (ع)، بنت رسول الله (ص)، وابن فاطمة بنت أسد التي كفّنها الرسول بقميصه واضطجع في قبرها، ولقنها جواب الملكين، ومنحها شرف بنوّته الروحية. وهو صهر خديجة الكبرى سيدة أمهات المؤمنين. فالمرأة التي حاطته إذن في مراحل رجولته الأولى، وفي أزواجه (بعد وفاة الزهراء)، أمامة حفيدة رسول الله، وهي امرأة بلغت منتهى الفضل، وامتازت بحيازة شرف التاريخ الإسلامي كلّه.

ـ ٢ ـ

ولكنا نقرأ في النهج كلاماً على المرأة، أرجو أن تسمحوا لي أن استرجع هنا أكثره سطوعاً، لتكون نصوصه حيّة في الذاكرة:

١ - «المرأة عقرب حلوة اللِّبسة» (الملابسة).

٢ - «المرأة شرّ كلها، وشرّ ما فيها أنه لابدّ منها».

٣ - بعد فراغه من حرب الجمل: «معاشر الناس ! إن النساء نواقص الإيمان، نواقص الحظوظ، نواقص العقول … فاتقوا شرار النساء، وكونوا من خيارهن على حذر، ولا تطيعوهن في المعروف، حتى لا يطمعن في المنكر».

٤ - «إن النساء همّهن زينة الحياة الدنيا، والفساد فيها».

٥ - من وصيته لابنه الإمام الحسن: «وإياك ومشاورة النساء، فإن رأيهن إلى أفَن [٢]، وعزمهنّ إلى وهَنْ. واكفف عليهنّ من أبصارهن بحجابك إياهن، فإن شدّة الحجاب أبقى عليهن. وليس خروجهن بأشد من إدخالك من لا يوثق به عليهن. وإن اسطعت ألا يعرفن غيرك فافعل. ولا تُملِّك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها، ولا تطمعها في أن تشفع بغيرها».

٦ - قبل صفين يخاطب جنده: «ولا تهيجوا النساء بأذى، وإن شتمن أعراضكم، وسببن أمراءكم، فإنهن ضعيفات القوى والأنفس والعقول».

٧ - «وأما فلانة - يقصد السيدة عائشة - فأدركها رأي النساء».

٨ - لأهل البصرة: «كنتم جند المرأة، وأتباع البهيمة».

ـ ٣ ـ

هذا الكلام في غنى عن الشرح. وقد قرأت رأياً يقول: إنه موجّه في عمومه إلى المنحرفات من النساء. وليس في المستطاع قبول هذا الرأي، فالتعميم فيه واضح، ولا مفرّ، في رأيي، من أن نسلك فيه أحد اتجاهين:

الأول: أن نقبله ونحسن فهمه، ونوفق بينه وبين أنفسنا، في العالم الذي نعيش فيه.

والثاني: أن نرفضه على أساس أنه كلام منحول، ونحله الإمام في (النهج). وهو رأي سمعته من أجلاء أكنّ لهم أعمق التقدير. ولكنه لا يستوي مع إقرارنا بسويّة هذه النصوص مع كلام الإمام وأسلوبه الخاص في صياغة فكره. ولا يستوي أيضاً مع ما نعرف من مواتاة هذه النصوص لحقائق التاريخ المدوّن.

ـ ٤ ـ

نقف إذن عند الاتجاه الأول، وهو الإقرار بصحة هذه النصوص، فنقول: إن بعضاً منها، مما لم نشر إليه هنا، مثل قوله:

«غيرة المرأة كفر، وغيرة الرجل إيمان».

و «جهاد المرأة حسن التبعل».

يعود فيه الإمام إلى كلام رسول الله (ص).

و «خيار خصال النساء شرار خصال الرجال: الزّهو، والجبن، والبخل: فإذا كانت المرأة مزهوّة لم تمكّن من نفسها. وإذا كانت بخيلة حفظت مالها ومال بعلها. وإذا كانت جبانة فَرِقت من كل شيء يعرض لها».

و «يأتي على الناس زمان لا يقرَّب فيه إلا الماحل [٣] ولا يُظرَّف فيه إلا الفاجر، ولا يُضعّف فيه إلا المنصف… فعند ذلك يكون السلطان بمشورة النساء وإمارة الصبيان وتدبير الخصيان».

نقول: إن هذا الكلام، وما يشبهه، يسهل قبوله، فهو، في النهاية، موصول بتكوين المرأة وبحسن تأديتها وظيفتها الاجتماعية، وحفاظها على مملكتها - وهي بيتها على التحقيق - وموصول من ناحية أخرى، بحقائق الشريعة وما أجازت للرجل (الزواج من أكثر من واحدة) وما حظرت على المرأة (الزواج من أكثر من رجل) بحكم كونها وعاء الحياة، وحافظة الأنساب. فمن هنا تكون غيرتها كفراً، وتكون غيرة الرجل إيماناً.

وما نحتاج أن نقول: إن المناقشة فيما أجازت الشريعة للرجل، وما حظرت على المرأة، ليس موضعها هنا. على أن مافي حياة كثير من الناس الذين يعيشون في ظلّ الحضارة الحديثة اليوم يكفي في الرد. ثم إن الشريعة نفسها وضعت حداً للتعدد، صاغته في قالب الشرط الممتنع (فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدة (. (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم [٤]. ويبقى أن للتعدد جانباً تُزهى به شريعة الإسلام، تَبين ضرورته في أحيان كثيرة: مثل مرض الزوجة، أو عقمها، أو حاجتها إلى رعاية البيت لها، أو الحفاظ عليه وعلى أولادها.

وبعض هذا الكلام (كلام الإمام) عن الحكم بمشورة النساء، مقبول منّا جداً، نجد بعض شواهده في التاريخ الإسلامي (في العصر العباسي مثلاً) وفي تاريخ الأمم الأخرى (في فرنسة الملكية مثلاً، قبل الثورة).

وإذن فليس في مثل هذه النصوص ما يستدعي التوقف.

ـ ٥ ـ

نعود الآن إلى بعض النصوص الأخرى التي أشرنا إليها من قبل، والمتصلة بحرب الجمل وحرب صفين، فنسأل: ألا يمكن أن ننظر فيها من جهة ارتباطها بظروفها التاريخية التي أملتها على هذا الوجه من الحدة والقطع؟ لقد كان للمرأة في حرب الجمل دور لا يمكن فهمه إلا في ضوء ما يستبد بالأنثى من عوامل الكره والحب، وعوامل الرضا والغضب. وقد كان الإمام علي (ع) على تمام الإدراك لهذه العوامل: «وأما فلانة فأدركها رأي النساء، وضِغْنٌ غلا في صدرها كمِرْجل القَيْن [٥]. ولو دُعيّتْ لتنال من غيري ما أتتْ إلي [٦]، لم تفعل. ولها بعدُ حرمتها الأولى، والحساب على الله تعالى».

لقد كان من نتائج هذه الحرب الظالمة التي أعلنوها على الإمام، وهو من صميم قرابتهم، وقادتها المرأة على جَمَلها، أن حصدت أرواح خمسة عشر ألفاً من كبار الصحابة وتابعيهم، وسببت للإمام حزناً مقيماً ظلّ يلازمه إلى ساعة الشهادة.

ثم كان للمرأة على ما يبدو في حرب أهل الشام بصفين دور تشير إليه، في بعض الروايات، وصيته لجنوده قبل المعركة، وهي الوصية التي سما فيها إلى الأفق السامي الذي ظل وحده، في هذه الساعات الحرجة، يسبح فيه: «فإذا كانت الهزيمة (هزيمة أهل الشام) فلا تقتلوا مُدبراً، ولا تصيبوا مُعوَراً [٧]، ولا تجُهزوا على جريح، ولا تَهيجوا النساء بأذى، وإن شتمن أعراضكم وسبَبْن أمراءكم».

أفكثير إذن أن تُسفك هذه الدماء المسلمة كلها، وفيها دماء قرابته من صحابة رسول الله، ممن أحبهم الإمام وأحبوه، ويكون للمرأة هذا الدور المحزن فيها، ولا سيما في حرب الجمل، فيقول الإمام بعدها في المرأة هذا الكلام؟ وما يقول لأهل البصرة وقد هاجهم وجود أم المؤمنين على جَملها، وهم من حولها، يترامون على خطام [٨] الجمل، ما يأخذ به واحد منهم إلا قُتل، وقوم من رجال الأزد يأخذون بعْر الجمل فيفتُّونه ويشمونه ويقولون: بعْر جمل أُمِّنا، ريحه ريح المسك! حتى أخذ أمير المؤمنين ينادي في أصحابه: «اعقِروا الجمل [٩]، فإنه إن عُقر تفرقوا؟ » [١٠]، هذا وهي تعلم أن الزبير (زوج أختها أسماء - وهو الذي ورّطها في الحرب)، وطلحة هما اللذان نكثا ببيعتهما أمير المؤمنين. وتعلمُ مكانه من رسول الله، وتشهد بها [١١].

أفكثير إذن أن يقول في المرأة كلمته التي أشرنا إليها من قبل، بعد فراغه من هذه الحرب، ويقول لأهل البصرة: «كنتم جند المرأة وأتباع البهيمة»؟

وفي أخبار القضاء الذي كان أبرع أصحاب رسول الله فيه مشاهد أخرى له مع المرأة، كانت فيها أحياناً تدّعي أنها اغتُصبت، عسى أن يزوّجوها ممن تدّعي عليه، لأنها كانت تهواه، وتلجأ في دعواها إلى أن تصبّ بياض البيض على ثيابها وفخذيها لتثبت دعواها [١٢].، وفيها أم تنكر ابنها الذي حملته في بطنها تسعة أشهر وأرضعته حولين، وتدّعي أنها ماتزال بكراً، ويشهد لها أخوتها بما ادّعت، في ملابسات كثيرة وفّق الإمام إلى كشفها [١٣].

وفي أخبار التاريخ وقائع كانت للإمام صلة بها، لم تف المرأة بما عاهدت نفسها عليه.

أفما يصحُّ أن يكون لهذا كلّه أثره في أحكام الإمام؟

على أننا ينبغي أن نشير إلى أن الإمام لم يتعدّ، في موقفه من المرأة، حدود الرأي والنصيحة اللذين يمليهما، أحياناً، ظرف صعب، أو تجربة مرّة، أو تأمل عميق في شؤون الحياة والأحياء. فأما إذا اتجه إلى الفعل غلبت عليه - كما يقول العقاد بحق - «نظرة الفارس المطبوع على أدب الفروسية».

ونالت المرأة من إكرامه وصفحه ورعايته وحلمه ماهو خليق بمثله. وفي خبره مع السيدة عائشة، بعد هزيمتها في حرب الجمل، ما يغني عن كل مثال: أرسل إليها أخاها محمداً وعمار بن ياسر، فنحّيا هودجها، وقد كان مثل القنفذ من كثرة ما أصابه من النّبل، وأدخلاها البصرة، في دار عبد الله بن خلف، وهي أعظم دار في البصرة. ثم دخل الإمام البصرة بعد ثلاثة أيام من يوم الحرب. «فانتهى إلى المسجد فصلّى فيه - كما يقول الطبري - ثم راح إلى السيدة عائشة على بغلته. فلمّا انتهى إلى الدار وجد النساء يبكين. وأسمعته واحدة منهن كلاماً صعباً، فلم يردّ عليها شيئاً. ولم يزل على حاله حتى دخل على السيدة عائشة، فسلّم عليها وقعد عندها». ثم خرج فأعادت عليه المرأة الكلام. وسمع رجلاً ينال من السيدة عائشة «فغضب وقال: صه». وهدّد من ينال من النساء أو يعرِض لهن. وبلغه أن رجلين نالا من السيدة عائشة فأرسل من يضربهما مائة مائة، ويخرجهما من ثيابهما. وفي رواية الطبري أنه لما دخل على عائشة سألها:

« - كيف أنت يا أُمّه؟

- قالت: بخير.

- قال: يغفر الله لك.

- قالت: ولك» [١٤].

ثم إنه أعادها إلى بيتها في المدينة، وخفرها - كما تقول الروايات - بسبعين امرأة من أزواج أصحابه، تخفّين في ثياب الرجال، صيانة لها، وحفاظاً على حرمتها.

ـ ٦ ـ

تبقى بعد ذلك أقوال للإمام تمسّ طبيعة المرأة، من مثل تشبيهها بالعقرب الحلوة اللِّبسة، أو قوله: إنها «شرّ كلّها، وشرّ ما فيها أنه لابد منها»، أو قوله «همّها زينة الحياة الدنيا، والفساد فيها»، أو النصيحة بالتشدد في حجبها وقطعها عن كل رجل، فهذه يمكن أن تنصرف كلّها إلى قوة الإحساس بخطر المرأة وفتنتها وعظم تأثيرها في سلوك الرجال. يدّل على ذلك - وهو يصف خطرها - كلماته التي اختارها: فهي حلوة اللِّبسة، وهي ريحانة الرجل، وهي زينة الدنيا الحيّة. ومن يقرأ وصفه للدنيا يتبادر إليه على الفور، وصفه للمرأة. فهما (المرأة والدنيا)، في نظره صنوان: كلتاهما تسحر الناس وتجذبهم إليها، وتغريهم بمفاتنها. فلهذا كان يختار، في خطاب الدنيا ومفارقتها، لفظة الطلاق التي تُختار في خطاب المرأة عند مفارقتها: «قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها».

فشرُّ المرأة منصرف معناه في كلامه إلى ما تعنيه فتنتها أو سحرها أو تأثيرها في الرجل. والانصراف إلى زينة الحياة والإفساد فيها مردّهما إلى هذا المعنى. وما تعنيه صورة العقرب الحلوة اللِّبسة في تشبيه المرأة تعنيه، في كلامه، صورة الحية الناعمة الملمس القاتلة السمّ في تشبيه الدنيا.

وهذا كله يكون من شأن من يتجه إلى الله ويرعاه ويخافه في أمور حياته كلها: يتقي الفتنة ويحذّر منها، وينصح بالإعراض عنها، لا شأن من يقصد إلى الإساءة إلى المرأة أو يوصي بها أو يتحيّف حقوقها. وما أعتقد أني في حاجة إلى القول: إن الإمام في تكوينه الفكري والنفسي الذي تجلوه سيرته كلها أقوى في نفسه من أن يسيء إلى أحد، أو يظلمه أو يتنقصه، وهو الذي أدار كلامه المجموع في (النهج) كلّه من حول محور واحد هو الحرص على إقامة العدل بمعناه الواسع الذي ينبغي أن ينتظم حركة الحياة الإنسانية كلّها، وتثبيتُ النفوس على جادته بتحريرها من شهواتها الرخيصة، والارتفاع بها عن دَرَك الأهواء، وتقريبها من مقاصد خلْقها، وتقوية إرادتها في مقاومة مكامن الضعف والفتنة فيها، والانتصار عليها، حتى كانت هذه المعاني هي لبُّ لُباب الكتاب [١٥].:

«اعلموا أنه من لم يُعن على نفسه حتى يكون له منها واعظ وزاجر، لم يكن له من غيرها زاجرٌ ولا واعظ».

«والله لو أعطيت الأقاليم السبعة، بما تحت أفلاكها، على أن أعصي الله في نملة أسلبها جِلْب شعيرة [١٦]. ما فعلت…. نعوذ بالله من سُبات العقل وقبح الزلل».

ومن كتابه إلى الأشتر لما ولاّه مصر:

«أنصفِ الله، وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوىً من رعيّتك، فإنك إلاْ تفعل تظلِم».

هذا في رأيي تفسير ما نقرأ من كلام الإمام على المرأة، في هذه المرحلة الدقيقة المضطربة من مراحل التاريخ الإسلامي، وقد بدأت خيرات الفتوح تنساح، وكثرت السبايا، وتدفقت الأموال، وتفتقت أطماع الرجال، وأخذ الناس يميلون - بعد أن أخذوا أنفسهم بالتقشف والشدّة سنوات طويلة - إلى الترخص والاستمتاع، حتى كان من بعض وصايا الإمام جنوده، قوله يخاطبهم: «اعزبوا [١٧] عن النساء ما استطعتم».

فإذا أقررنا هذا التفسير تعيّن علينا أن نطرح هذا السؤال: وإذن فكيف ينبغي أن يكون موقفنا اليوم من كلام الإمام؟

في الردّ على هذا السؤال أقول: إني قرأت بحثاً عن (المرأة في الإسلام، ومن خلال نهج البلاغة) علّق عليه الأستاذ جعفر مرتضى تعليقات قيّمة، انتهى في آخرها إلى تقرير القاعدة الشرعية التي توصي بالاستجابة للحياة وظروفها المستجدة (تغير الأحكام بتغير الأحوال)، دون التفريط بحجاب المرأة «حفاظاً على حياء الإسلام وحيويّته». وأعتقد أننا بمثل هذا الرأي في الرجوع إلى هذه القاعدة، نستطيع أن نوفق، في يسر، بين مقاصد الإسلام وحقائق الحياة المستجدة. فهذه هي المعادلة التي ينبغي أن نكتبها. إذ ليس في وسع أحد، ولا في صالحه أيضاً، أن يقف في وجه الحياة. ولعلّ ما ذهبتُ إليه هنا ييسر الانتهاء إلى هذه النهاية. إن موقف الإمام من المرأة موصول، كما رأينا في جوانبه المثيرة، بظروفه التاريخية. وأرى أنْ لا جناح علينا في أن يكون موقفنا منه موصولاً بظروفنا التاريخية أيضاً، دون أن يعني هذا أيَّ تفريط بحقٍ من حقوق الإسلام، ولا بمقصد من مقاصده.

إن المرأة المسلمة اليوم تغدو، في كل صباح، إلى المدرسة. وتدخل الجامعة. وتعمل في المؤسسات. وتُضطر إلى التنقل في وسائل النقل العامة. فليس في وسعنا إذن - ولا في صالحنا - أن نحجبها في البيت. وليس في وسعنا - ولا في صالحنا - أن نقطعها عن المشاركة في كل نشاط عام تستطيعه، مادامت تحفظ فيه دينها وبيتها، ولو كان الرجل قريباً منها يراها في حجابها وتراه.

والمرأة اليوم قد تكسِب فوق ما يكسب الرجل. وقد تُحصّل، من أسباب الثقافة، فوق ما يحصّل الرجل. فإن كان هذا، في نظر العقل وفي نظر الإسلام، لا يخوّلها حق انتزاع السيادة على البيت، أو منافسة الرجل فيها، حرصاً على استقرار البيت وضماناً لصالحه، فإن ذلك لا يمكن أن يعني امتناع الرجل عن مشورتها، وعجزَها عن تصريف ما يجاوز نفسها من شؤون الحياة والبيت، ولا يمكن أن يعني الامتناع عن إطاعتها في المعروف.

* - ألقيت سنة ١٤١١هـ ١٩٩٠م في مهرجان أقيم في لندن، احتفل فيه بمرور ١٤ قرناً على يوم الغدير (غدير خم).

[١] - زواج الشغار: نكاح كان قائماً في الجاهلية، يتبادل فيه الرجلان الزواج كل منهما من ابنة الآخر أو أخته دون صداق. كما في الحديث الشريف: «لا شِغار في الإسلام»، وزواج المقت: يكون من نكاح الرجل امرأة أبيه.

[٢] - ضعف الرأي.

[٣] - (الواشي).

[٤] - (سورة النساء ٣، ١٢٩).

[٥] - موقد الحداد.

[٦] - يعني: مثل ما نالت مني.

[٧] - مصاباً عاجزاً عن حماية نفسه.

[٨] - الرسن.

[٩] - اضربوا قوائمه.

[١٠] - الطبري ٥ / ص ص٢١٠ - ٢.

[١١] - خصائص الإمام للنسائي ص ص٢٠٩ - ١١.

[١٢] - خصائص الأئمة للشريف الرضي ص ص ٨٢ - ٣.

[١٣] - المصدر السابق ص٨٤.

[١٤] - الطبري ٥ / ص٢١٨ وما بعدها.

[١٥] - انظر الدراسة التالية (مكان العدالة ومعناها في كتاب نهج البلاغة).

[١٦] - قشرتها.

[١٧] - ابتعدوا.



[ Web design by Abadis ]