ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الموقف‌ الإسلامي من معاهدات‌ الخيانة‌‌

صرخة‌ الشيخ‌ حسن‌ الكربلائى

النداء الذى يرفعه‌ الشيخ‌ حسن‌ الكربلائى ضد منح‌ هذا الامتياز والقلق‌ الذى يساوره‌، وإحساسه‌ بالخطر ينطلق‌ من‌ فهم‌ دينـى وثقافـى عميق‌. إنه‌ يري‌ فـى هذه‌ الاتفاقية‌ مصادرة‌ لكرامة‌ هذه‌ الأمة‌ وشخصيتها الدينية‌ وهويتها الثقافية‌. وهذه‌ لغة‌ كل‌ المعارضين‌ الدينيين‌ لهذا الانفتاح‌ غير المسؤول‌ علي الغرب‌.

يقول‌ فـى كتابه‌ «تاريخ‌ الدخانية‌» أو «قرارداد رژى»:

«… جاء مع‌ هذا الوفد وبعده‌ تحت‌ عناوين‌ مختلفة‌ مائتا ألف‌ افرنجى نساءً ورجالاً. وانتشروا خلال‌ ١٧ شهراً فـى أرجاء إيران‌. وكانوا قبل‌ ذلك‌ موجودين‌ فـى دار الخلافة‌ (طهران‌) وهؤلاء زادوا فـى الطين‌ بلّة‌ فأصبحت‌ إيران‌ سوقاً إفرنجياً بكل‌ مالهذه‌ الكلمة‌ من‌ معني‌». انظر كيف‌ يتحسس‌ هذا الشيخ‌ المتدين‌ من‌ الغزو الثقافـى الغربـى:

«ليس‌ بمقدور القلم‌ أن‌ يصف‌ الأوضاع‌ الغريبة‌ فـى الشارع‌ الإيرانـى… إذ ليس‌ كل‌ مايُري‌ يقال‌، وليس‌ بالإمكان‌ نقل‌ الصورة‌ كاملة‌ إلي الأجيال‌ القادمة‌ ليعلموا ماجري‌ فـى بداية‌ قرنهم‌ هذا. علي أى حال‌ كل‌ الملل‌ والنحل‌ قد قويت‌ فـى إيران‌ مائة‌ مرة‌ إلاّ الملّة‌ الإسلامية فإنها قد ضعفت‌ ضعفاً لاحدّ له‌. وفـى هذه‌ الأوضاع‌ أصبح‌ سوق‌ طهران‌ التـى‌ هى عاصمة‌ الإسلام (أنظر كيف‌ يركز علي الهوية‌ الإسلامية لبلده‌ لا علي الهوية‌ القومية‌ أو الإقليمية‌) مملوءً بألوان‌ المذاهب‌ بما فـى ذلك‌ اليهود. فقد أصبح‌ لهم‌ مكانة‌ وصولة‌ وجولة‌ فـى السوق‌ الإيرانـى وانتعشت‌ حالتهم‌ الاقتصادية‌. (أنظر إلي الاقتران‌ بين‌ التدخل‌ البريطانـى وانتعاش‌ حالة‌ اليهود فـى إيران‌).

أخيرا أصبح‌ للغربيين‌ محلاّت‌ تجارية‌ ودكاكين‌ فـى الأسواق‌ التقليدية‌ وتري‌ فـى هذه‌ الدكاكين‌ شابات‌ إفرنجيات‌ متزينات‌ بألوان‌ الزينة‌ جلسن‌ ليبعن‌ أفخر ألوان‌ البضائع‌ البريطانية‌ التـى‌ تشدّ إليها الأنظار وتخلب‌ الألباب‌. والمسلمون‌ المبهورون‌ يتهافتون‌ علي هذه‌ المحلات‌ باسم‌ التسوّق‌ ليفقدوا دينهم‌ وعقلهم‌ فيها. وإلي جانب‌ ذلك‌ فإن‌ مجاميع‌ من‌ «الفنانات‌» ومجاميع‌ من‌ «البغايا» الغربيات‌ قدمن‌ إلي إيران‌ وفتحن‌ فـى أرجاء الممالك‌ المحروسة‌ (إيران‌) دوراً للهو ودوراً للبغاء. وفـى كل‌ يوم‌ يقع‌ جمع‌ من‌ المسلمين‌ فـى هذه‌ الشراك‌، فيفقدون‌ مالهم‌؛ وهذا أيسر مايفقدونه‌، لأنهم يفقدون‌ دينهم‌ أيضاً» [١].

هذا الشيخ‌ المؤمن‌ يقضّ مضجعه‌ أن‌ يري‌ كرامة‌ الناس‌ تهدر علي يد من‌ لايجوز أن‌ يجد سبيلاً للتسلط‌ علي المسلمين‌، يصوّر حالة‌ الذل‌ المؤلمة‌ آنئذٍ فيقول‌:

«فـى محطة‌ قطار عاصمة‌ الإسلام الكبري‌ (طهران‌) وأمام‌ جمع‌ من‌ الناس‌ رفع‌ إفرنجى عامل‌ فـى القطار يده‌ وهوي‌ بها علي وجه‌ موظف‌ إيرانـى، وكانت‌ الصفعة‌ قوية‌ إلي درجة‌ أنها قذفت‌ بقبعة‌ الإيرانـى وارتمت‌ فـى الأوحال‌. ولم‌ يكتف‌ هذا الافرنجى بذلك‌، بل‌ أطلق‌ لسانه‌ بالسب‌ والشتم‌ والقول‌ بتهكّم‌ وغرور: اذهب‌ واشتك‌ عند من‌ شئت‌. وهذا المسلم‌ المسكين‌ يعرف‌ قدرة‌ خصمه‌، فلم‌ ينبس‌ ببنت‌ شفة‌.

أضف‌ إلي هذه‌ الصور المؤلمة‌ فإن‌ الإفرنج‌ المنتشرين‌ فـى إيران‌ اتخذوا من‌ الرجال‌ والنساء خولاً وخدماً فـى بيوتهم‌، وكانوا يحرصون‌ علي اقتناء النساء بأجور مغرية‌ للخدمة‌ والحضانة‌. حتي‌ أنك‌ تري‌ فـى كل‌ حدب‌ وصوب‌ من‌ طهران‌ امرأة‌ مسلمة‌ تحتضن‌ طفلاً أو طفلين‌ من‌ الأسر الغربية‌…» [٢].

النهضة‌ ضد منح‌ الامتياز

فـى رجب‌ سنة‌ ١٣٠٨هـ. ق‌ وصل‌ طهران‌ وفد من‌ الشركة‌ ليوقع‌ مع‌ الشاه‌ ومجلس‌ الوزراء علي الاتفاقية‌. وبدأ القادمون‌ بتوزيع‌ الرشاوى والهدايا، وتم‌ الاعلان‌ عن‌ التوقيع‌ علي هذا الاتفاق‌. يتحدث‌ الشيخ‌ حسن‌ الكربلائى عن‌ صدمة‌ الشعب‌ بهذا الإعلان‌ يقول‌: «لقد كانت‌ الاشاعات‌ تطرق‌ الأسماع‌ بشأن‌ اتفاق‌ كهذا، وكان‌ عامة‌ الشعب‌ الإيرانـى يرون‌ أن‌ مثل‌ هذا العمل‌ بعيد عن‌ الغيرة‌ وحبّ الوطن‌، ويستبعدون‌ حدوث‌ مثل‌ هذا الاجحاف‌ بحقّ بلاد الإسلام. وكانوا غالباً ما يرفضون‌ قبول‌ هذه‌ الإشاعات‌. حتي‌ أعلن‌ ذلك‌ رسمياً عن‌ طريق‌ إبلاغ‌ الحكام‌ المحليين‌، فعلم‌ الشعب‌ بتفاصيل‌ القضية‌، وأصبحت‌ المسألة‌ جادّة‌ بعدما كانت‌ أقرب‌ إلي الإشاعة‌ والمزاح‌» [٣].

كيف‌ بدأت‌ الحركة‌ ضد الاتفاق‌ وفـى أى زمان‌ وعلي يد مَن‌ بدأت‌، وكيف‌ تواصلت‌؟ ثمة‌ روايات‌ مختلفة‌ فـى هذا المجال‌، والرواة‌ ينطلقون‌ من‌ متبنياتهم‌ الفكرية‌ فـى سرد الأحداث‌، ونحن‌ نذكر عدة‌ نماذج‌ من‌ هذه‌ الروايات‌، ونترك‌ الحكم‌ إلي القارئ‌.

ننقل‌ الرواية‌ الأولى عن‌ أحمد كسروى‌:

«…. أبدي‌ الناس‌ سخطهم‌ منذ الخطوات‌ الأولي‌، التجار كتبوا رسالة‌ شكوي‌ إلي الشاه‌ وأوصلوها إليه‌ عن‌ طريق‌ أمين‌ السلطان‌. ولكن‌ الشاه‌ وأمين‌ السلطان‌ كانا من‌ مؤيدى الاتفاق‌، ولذلك‌ لم‌ تجد شكوي‌ التجار أذناً صاغية‌. وبعد أن‌ انتشر موظفو الشركة‌ فـى البلاد ازداد السخط‌ وانتشر وبدأ يأخذ شكل‌ حركة‌ شعبية‌ عامة‌. وكان‌ التحرك‌ الرافض‌ فـى تبريز أشدّ، فقد مزّق‌ الناس‌ هناك‌ إعلانات‌ الشركة‌ وألصقوا مكانها بيانات‌ ساخطة‌ ثورية‌. طلب‌ ولـى العهد من‌ والـى تبريز (امير نظام‌ گروسى‌) أن‌ يتخذ موقفاً متشدداً من‌ الناس‌ الناقمين‌. أبى الوالـى واستقال‌ من‌ منصبه‌.

حاولت‌ الشركة‌ أن‌ تستميل‌ أبناء المنطقة‌ فأعلنت‌ أن‌ يكون‌ عمالها فـى آذربيجان‌ من‌ أهالـى المنطقة‌ أنفسهم‌. ولكن‌ الناس‌ رفضوا وواصلوا صمودهم‌. بعد تبريز نهضت‌ أصفهان‌ وسرت‌ النهضة‌ إلي طهران‌. كان‌ العلماء (المقصود علماء الدين‌) فـى طليعة‌ النهضة‌ فـى كل‌ مكان‌. «الحاج‌ ميرزا جواد» فـى تبريز، و «آقا نجفى‌» فـى أصفهان‌، و «ميرزا محمد حسن‌ آشتيانـى» وآخرون‌ فـى طهران‌. ومن‌ سامراء بعث‌ المجتهد الأكبر ميرزا محمد حسن‌ الشيرازى برقية‌ إلي الشاه‌ ذكّره‌ فيها بمضار الامتياز، وطالبه‌ بإلغائه‌.

ازدادت‌ البلوي‌ وحار الشاه‌ فـى أمره‌. عزم‌ فـى بداية‌ الأمر أن‌ يسحب‌ من‌ الشركة‌ إجازة‌ البيع‌ فـى الداخل‌، ويقتصر الامتياز علي البيع‌ فـى الخارج‌. لكن‌ «الناس‌» و «العلماء» لم‌ يرحبوا بهذا ولم‌ يتراجعوا عن‌ نهضتهم‌. فكّر «العلماء» بطريقة‌ أخري‌، هى أن‌ يتركوا الشركة‌ وشأنها ويتجهوا إلي الناس‌ ليطلبوا منهم‌ الامتناع‌ عن‌ تدخين‌ الشطب‌ والنارجيلة‌. فأصدر الميرزا الشيرازى فتواه‌ المعروفة‌ بتحريم‌ الشطب‌ والنارجيلة‌. وما إن‌ وصلت‌ هذه‌ الفتوي‌ إلي المدن‌ حتي‌ قبلها عامة‌ الناس‌ نساء ورجالاً، كباراً وصغاراً، فقراء وأغنياء. وفجأة‌ أغلقت‌ جميع‌ محلات‌ بيع‌ التبغ‌ والتنباك‌، وزال‌ الشطب‌ والنارجيلة‌ من‌ الاستعمال‌.

لقد حدث‌ هذا بصورة‌ أذهلت‌ جميع‌ الأجانب‌. فاضطرت‌ الشركة‌ إلي أن‌ تعتب‌ علي الشاه‌ وتطلب‌ منه‌ أن‌ يسعفها فـى الموقف‌.

أراد الشاه‌ فـى المرحلة‌ الأولى أن‌ يختبر قدرته‌، فأرسل‌ إلي الميرزا الآشتيانـى (عالم‌ طهران‌) أن‌ دخّنِ النارجيلةَ علناً وأمام‌ الناس‌ واكسر هذه‌ الفتوي‌ (فتوي‌ الميرزا الشيرازى‌) أو اخرج‌ من‌ طهران‌. فآثر الخروج‌ من‌ طهران‌، وحين‌ استعدّ للخروج‌ ثار الناس‌ ومنعوه‌ من‌ ذلك‌. وكان‌ جماعة‌ من‌ الناس‌ الساخطين‌ متجمعين‌ حول‌ قصر الشاه‌ وهمّوا بالدخول‌، فأمر «آقا بالاخان‌» (أصبح‌ قائد الجيش‌ فيما بعد) بإطلاق‌ الرصاص‌ علي المتجمعين‌ فسقط‌ سبعة‌ قتلي‌، وجُرح‌ عشرون‌ أو أكثر. وحين‌ بدأت‌ النهضة‌ بالتصاعد وأصبح‌ الأجانب‌ فـى طهران‌ والمدن‌ الأخري‌ فـى خطر، اضطر الشاه‌ إلي مفاوضة‌ الشركة‌، وتم‌ الاتفاق‌ علي إلغاء الامتياز‌ مقابل‌ غرامة‌ قدرها ٥٠٠ ألف‌ ليرة‌ فـى ١٣٠٩هـ. ق‌. ودفع‌ مبلغ‌ الغرامة‌ إلي الشركة‌ بقرض‌ من‌ البنك‌ الشاهنشاهى الحديث‌ التأسيس‌ آنذاك‌. وهذا أول‌ قرض‌ لحكومة‌ إيران‌.

بعد ستة‌ أشهر من‌ الغليان‌ الشعبـى انتهت‌ القضية‌، ويمكن‌ اعتبار هذه‌ «أول‌ نهضة‌ شعبية‌ إيرانية‌» …. » [٤].

الرواية‌ الأخري‌ ننقلها عن‌ الشيخ‌ حسن‌ الكربلائى فـى كتابه‌: «تاريخ‌ الدخانية‌» أو «قرارداد رژى‌» وهو أوثق‌ كتاب‌ فـى القضية‌.

«… بعد أن‌ استقر موظفو الشركة‌ فـى طهران‌، بدأوا يمارسون‌ أعمالهم‌ باستقلال‌ كامل‌، بعثوا إلي كل‌ مدينة‌ جماعة‌ من‌ الأفرنجيين‌ بعنوان‌ وكلاء الشركة‌، وبدأوا بشيراز باعتبارها أهم‌ قطر منتج‌ لمواد التدخين‌ فـى إيران‌. اتجه‌ الأفرنجيون‌ المرشحون‌ إلي شيراز، وسبق‌ توجههم‌ تأكيد علي حكومة‌ فارس‌ (شيراز جزء منها) بضرورة‌ الاهتمام‌ التام‌ باستقبال‌ واستضافة‌ هذه‌ الجماعة‌. علم‌ أهل‌ شيراز بأن‌ هؤلاء فـى الطريق‌ إليهم‌، فدهشوا وبوغتوا وتقاطروا من‌ كل‌ حدب‌ وصوب‌ علي بيوت‌ علمائهم‌. وعلماء البلد أبدوا استياءهم‌ من‌ ذلك‌، وكل‌ ذلك‌ جعل‌ استقبال‌ الأفرنجيين‌ فـى شيراز متعذراً علي الحاكم‌ فيها. ومن‌ هنا اضطر الأفرنجيون‌ إلي البقاء بعيدين‌ عن‌ شيراز كى ترفع‌ حكومة‌ شيراز تقريراً عن‌ الأوضاع‌ إلي الدولة‌. فجاءت‌ الأوامر من‌ الدولة‌ تقضى بنفـى «السيد على أكبر فال‌ أسيرى» باعتباره‌ من‌ أبرز العلماء المعارضين‌…. » [٥].

يبدو أن‌ «ميرزا رضا خان‌ قوام‌ الملك‌» تعهّد بأن‌ ينفّذ هذا العمل‌ الدنـىء. وكان‌ من‌ عادة‌ «السيد» (على أكبر فال‌ أسيرى‌) أن‌ يذهب‌ أحياناً وحيداً إلي الصحراء ليتلو زيارة‌ عاشوراء. واتفق‌ أن‌ ذهب‌ السيد ذلك‌ اليوم‌ إلي الصحراء، فالتفّ حوله‌ خيّالة‌ قوام‌ الملك‌ واعتقلوه‌ وأركبوه‌ علي بغل‌ غير مُسرَّج‌، وفعلوا به‌ مافُعل‌ بأبـى ذرّ عند نفيه‌ من‌ الشام‌ إلي المدينة‌. واتجهوا بالسيد رغم‌ شيخوخته‌ بهذه‌ الصورة‌ إلي مدينة‌ بوشهر دونما توقّف‌ إلاّ قليلاً. وأوصلوه‌ إلي بوشهر فـى وضع‌ مزر «هو مدعاة‌ فخر ومباهاة‌ وشرف‌ لرهط‌ العلماء الأجلاء» كما يقول‌ الشيخ‌ حسن‌ الكربلائى‌، وسلموه‌ إلي حكومة‌ تلك‌ المنطقة‌.

حكومة‌ بوشهر، إما خوفاً من‌ المسلمين‌ أو بسبب‌ ماكان‌ فـى الحاكم‌ من‌ عواطف‌ إسلامية‌، أكرمت‌ وفادة‌ «فال‌ أسيرى‌» وفكت‌ أغلاله‌، فأقام‌ مدة‌ فـى بوشهر، ثم‌ رحل‌ إلي سامراء فاستقبله‌ فيها مرجع‌ الشيعة‌ الميرزا محمد حسن‌ الشيرازى أحرّ استقبال‌.

من‌ جانب‌ آخر، حين‌ انتشر نبأ اعتقال‌ السيد فال‌ أسيرى ونفيه‌ بين‌ أهالـى شيراز صرخوا بأجمعهم‌ «وا إسلاماه‌ !» واتجهوا إلي مرقد السيد أحمد بن‌ موسي‌ (مزار معروف‌ فـى شيراز)، وتجمعوا هناك‌، فتأزمت‌ أوضاع‌ المدينة‌ وأرهبت‌ الحكومة‌، فأمر «قوام‌ الملك‌» الذى أثار هذه‌ الفتنة‌ أحد الجلادين‌ بـإطلاق‌ النار علي الناس‌ المتجمعين‌، فقتلوا جماعة‌ وجرحوا آخرين‌، وبذلك‌ مُهّد الطريق‌ أمام‌ ورود البريطانـيين‌، فقدموا إلي شيراز بعد أن‌ توقّفوا مدة‌ فـى الطريق‌ كما ذكرنا، وطفقت‌ الحكومة‌ تقدم‌ كل‌ إجلال‌ واحترام‌ لهؤلاء.

تصاعد المقاومة‌ وموقف‌ العلماء

يقول‌ الشيخ‌ حسن‌ الكربلائى فـى كتابة‌ القيّم‌:

«… بعد ذلك‌ بعثت‌ الشركة‌ صاحبة‌ الامتياز بوكلائها إلي سائر الممالك‌ المحروسة‌ (المحافظات‌ الإيرانية‌)، ولم‌ تكن‌ أية‌ منها خالية‌ من‌ الاضطرابات‌ بسبب‌ تخوف‌ الناس‌ من‌ ورود الإفرنج‌. ورغم‌ ذلك‌ فإجراءات‌ الحكومة‌ القمعية‌ أدّت‌ إلي أن‌ يدخلوا فـى المدن‌ بحفاوة‌ بالغة‌. نعم‌، فـى مملكة‌ (محافظة‌) آذربيجان‌ كان‌ عامة‌ الناس‌ وخاصة‌ علماء تبريز وعلي رأسهم‌ جناب‌ المستطاب‌ حافظ‌ الشريعة‌ «الحاج‌ ميرزا جواد آقا المجتهد» يصرّون‌ علي عدم‌ قبول‌ هؤلاء الإفرنج‌ صيانة‌ للدين‌ والدولة‌، وكلما ازدادت‌ الدولة‌ إصراراً ازداد هؤلاء إباءً ورفضاً، مما اضطر الحكومة‌ إلي التنازل‌ عن‌ فرض‌ هذا التكليف‌ علي آذربايجان‌، ولكنها عادت‌ ففرضت‌ بتعسّف‌ أمر هذا الاحتكار. وهكذا فرضت‌ الحكومة‌ علي كل‌ البلاد احترامَ رجال‌ هذه‌ الشركة‌.

وأول‌ مافعله‌ وكلاء الشركة‌ بعد وصولهم‌ المدن‌ المختلفة‌ شراء الأملاك‌ فـى النقاط‌ العامرة‌ والحساسة‌، وشيّدوا فيها البنايات‌ المرتفعة‌ المشرفة‌ علي المدينة‌، وبذلك‌ زادوا من‌ قلق‌ الناس‌ وتخوفهم‌. وكانت‌ مهمتهم‌ الأولى وضع‌ اليد علي كل‌ مواد التدخين‌ فـى البلاد ليكون‌ بيع‌ هذه‌ المواد وشرائها خاصاً بـإدارة‌ الشركة‌ دون‌ غيرها. ولما كان‌ هذا يؤدى إلي أن‌ يتكبد المسلمون‌ خسائر فادحة‌ فقد أدّي‌ إلي تمرّد فـى صفوف‌ الناس‌ وسبّب‌ للحكومات‌ المحلية‌ مشاكل‌ متفاقمة‌. ولاخماد هذه‌ الفتنة‌ قررت‌ الحكومة‌ أن‌ يكفّ وكلاء الشركة‌ لعدة‌ أشهر عن‌ شراء مواد التدخين‌ ليصفـى التجار حساباتهم‌ السابقة‌. وكانت‌ هذه‌ الأشهر فرصة‌ للمسلمين‌ يفكرون‌ فيها فـى مخرج‌ من‌ هذا المأزق‌. ومن‌ الواضح‌ أن‌ المنقذ فـى مثل‌ هذه‌ الأزمات‌ الشعبية‌ هم‌ علماء الشعب‌. ولا غرو أن‌ يتجه‌ عامة‌ الشعب‌ فـى كل‌ محافظة‌ إلي بيوت‌ العلماء ليرفعوا إليهم‌ شكواهم‌. والعلماء الأعلام‌، بعد اطلاعهم‌ علي ماينطوى عليه‌ هذا العمل‌ من‌ مفاسد، وما سيجره‌ من‌ تبعات‌ إفساد هى الهدف‌ الأصلـى للافرنج‌، طفقوا فـى العثور علي مخرج‌ من‌ هذا الخطر. ولكن‌ الحكومة‌ كانت

‌ قد أهانت‌ الشعب‌ وأذلته‌ وماعاد لكلمة‌ العلماء وقع‌ وتأثير، فما استطاعوا أن‌ يتوصلوا إلي سبيل‌ للنجاة‌. لذلك‌ استغاثوا برئيس‌ العلماء وأمل‌ الإسلاميين‌ حضرة‌ آية‌ اللّه‌ الميرزا محمد حسن‌ أرواحنا فداه‌ وهو الذى أيّد اللّه‌ به‌ الدين‌ فـى هذه‌ المائة‌.

… لقد تقاطرت‌ علي جنابه‌ (الميرزا محمد حسن‌ الشيرازى‌) رسائل‌ الشكوي‌ من‌ كل‌ أصناف‌ الناس‌ وخاصة‌ العلماء توضح‌ له‌ أبعاد هذه‌ الداهية‌ العظمي‌ وتستغيث‌ به‌، وبلغ‌ الأمر أن‌ ترك‌ أعماله‌ الجسام‌ وصرف‌ وقته‌ لمتابعة‌ أحداث‌ هذه‌ الفتنة‌ الكبري‌. واتضحت‌ لهذا العَلَم‌ الكبير تبعات‌ الفساد التـى‌ ستجرّ علي الأمة‌ جرّاء هذه‌ الفتنة‌ التـى‌ ابتليت‌ بها الدولة‌ والشعب‌ المسلم‌. ثم‌ إن‌ العلماء حماة‌ ثغور الدين‌ وأهم‌ تكاليفهم‌ المحافظة‌ علي هذه‌ الثغور كى لاتتاح‌ الفرصة‌ لمن‌ تسوّل‌ له‌ نفسه‌ أن‌ يتطاول‌ علي الدين‌ أو يخل‌ به‌. وواجب‌ هذا التكليف‌ الكبير فـى عصر غيبة‌ المعصوم‌ تقع‌ علي عاتق‌ نوّابه‌ وهم‌ العلماء. ومن‌ هذه‌ المقدمات‌ المحكمة‌، رأى أنّ مسؤولية‌ الدفاع‌ تقع‌ علي عاتقه‌ باعتباره‌ أكبر مرجع‌ دينـى علي ظهر الأرض، ورأي‌ أنه‌ لابد من‌ دخول‌ الميدان‌ لإخماد هذه‌ الفتنة‌ الكبري‌ (فتنة‌ دخول‌ الأجانب‌ إلي بلاد الإسلام) لأنها تفتح‌ باباً للإخلال‌ بالشريعة‌، بل‌ لانهدامها واضمحلال‌ الأساس‌ الذى تقوم‌ عليه‌ هوية‌ الشعب‌ المسلم‌. ومن‌ هنا بدأ اهتمامه‌ بالموضوع‌ مستنداً إلي قواعد رصينة‌…. » [٦].

الميرزا الشيرازى رأي‌ أن‌ الأوضاع‌ لاتحتمل‌ التأخير، فبدأ عمله‌ بخطاب‌ هادئ للشاه‌ والمسؤولين‌ يدعوهم‌ إلي الكف‌ عن‌ مواصلة‌ المشروع‌، فتضمنت‌ رسالته‌ التلغرافية‌ الأولى إشارة‌ إلي «تدخل‌ الأجانب‌ فـى الشؤون‌ الداخلية‌ للبلد» وإلي تصرفات‌ الأوربيين‌ بما «يتنافى صراحة‌ مع‌ القرآن‌ الكريم‌ والشريعة‌ الإلهية‌ واستقلال‌ البلاد ويُخلّ بنظام‌ الحكم‌ ويؤدى إلي استياء عامة‌ الشعب‌» … وذكر فـى الرسالة‌ واقعة‌ شيراز ونفـى السيد على اكبر فال‌ أسيرى [٧].

ووصلت‌ الرسالة‌ إلي ناصر الدين‌ شاه‌ عن‌ طريق‌ «كامران‌ ميرزا نائب‌ السلطنة‌» فأجابه‌ الشاه‌ برسالة‌ يشرح‌ فيها ما يجرّه‌ إلغاء الامتياز من‌ مشاكل‌ للدولة‌ ولخزانة‌ الدولة‌. فأرسل‌ الميرزا الشيرازى رسالة‌ أخري‌ كانت‌ لهجتها أشدّ من‌ الأولي‌، جاء فيها:

«لقد رفعت‌ لكم‌ تلغرافاً بشأن‌ مفاسد التدخل‌ الأجنبـى فـى مملكة‌ إيران‌ وجاءنـى الجواب‌ ينمّ عن‌ عدم‌ تفهّم‌ المسؤولين‌ لمفاسد تنفيذ هذه‌ الأمور. ولما كان‌ الإغماض‌ عنها يتنافى مع‌ رعاية‌ حقوق‌ الإسلام، رأيت‌ أن‌ أكتب‌ لكم‌ ثانية‌ ذاكراً مزيداً من‌ هذه‌ المفاسد.

أى مفسدة‌ أكبر من‌ اختلال‌ قوانين‌ البلاد ومصادرة‌ استقلالها وتفرق‌ شعبها واليأس‌ من‌ ألطاف‌ السلطان‌؟ ألم‌ تر أن‌ أولياء الدين‌ المبين‌ وسلاطين‌ المسلمين‌ شكر اللّه‌ مساعيهم‌ بذلوا خلال‌ القرون‌ المتوالية‌ النفس‌ والنفيس‌ من‌ أجل‌ إعلاء كلمة‌ الإسلام، فكيف‌ نري‌ اليوم‌ من‌ أجل‌ منفعة‌ رخيصة‌ أو دفع‌ مفسدة‌ زهيدة‌ تنسي‌ كل‌ تلك‌ المصالح‌ ويفسح‌ المجال‌ للكفرة‌ أن‌ يسيطروا علي معايش‌ المسلمين‌ وتجارتهم‌، ويخالطوهم‌ مضطرين‌، ويرضخوا لذل‌ خدمتهم‌، فتشيع‌ بالتدريج‌ المنكرات‌ وتفسد العقائد ويختل‌ نظام‌ الشريعة‌ الإسلامية…. » [٨].

وكان‌ جواب‌ ناصر الدين‌ شاه‌ استعلائياً مغروراً جاء فيه‌:

«سنرسل‌ لكم‌ الجواب‌ بالبريد لما فيه‌ من‌ تفاصيل‌ وستلاحظون‌ أن‌ الدولة‌ لم‌ تسلم‌ إلي الآخرين‌ أبداً شأن‌ البلاد واستقلالها وحفظ‌ ناموس‌ الشعب‌ ومصالحه‌ وحريته‌. وستسعي‌ جادّة‌ لحفظها إن‌ شاء اللّه‌ تعالي» [٩].

مواقف‌ العلماء هذه‌ من‌ قضية‌ التبغ‌ وقبلها من‌ قضية‌ «رويتر» تدل‌ علي ضمير دينـى يقظ‌ يأبى أى تسلّط‌ أجنبـى علي مقدارت‌ المسلمين‌. بهذا الوجدان‌ الدينـى كان‌ حماة‌ الدين‌ من‌ العلماء يرون‌ بأم‌ أعينهم‌ أن‌ خطة‌ البريطانيين‌ من‌ وراء هذه‌ الشركة‌ السيطرة‌ علي «بوابة‌ الهند» كما سيطروا من‌ قبل‌ علي «شبه‌ القارة‌».

تصاعد المقاومة‌ السلبية‌

حين‌ رأي‌ العلماء والناس‌ أن‌ النصح‌ قد أعياهم‌، وأن‌ المواجهة‌ المباشرة‌ غير ممكنة‌ عمدوا إلي المقاومة‌ السلبية‌ لاحباط‌ أهداف‌ الشركة‌ الغازية‌، نذكر من‌ ذلك‌ النصوص‌ التالية‌:

يقول‌ الكربلائى‌: «…. كثير من‌ المسلمين‌ الغياري‌ لم‌ يرضخوا لإذلال‌ الإفرنج‌، فقسموا أموالهم‌ (محاصيلهم‌ من‌ التبغ‌ والتنباك‌) سراً بين‌ الفقراء مجاناً، وبعضهم‌ عمد مندفعاً بغيرته‌ الإسلامية إلي إحراق‌ أمواله‌ جميعاً» [١٠]، ويمثل‌ لذلك‌ بتاجر أحرق‌ اثنـى عشر كيساً من‌ التنباك‌ كى لا يضطر إلي بيعها للشركة‌ المحتكرة‌.

ويبدو أن‌ حركة‌ المقاومة‌ السلبية‌ كانت‌ فـى أصفهان‌ أكثر تنظيماً وانسجاماً: «… وكان‌ علماء أصفهان‌ كثّر اللّه‌ أمثالهم‌ قد أبوا الرضوخ‌ بأجمعهم‌، وأمروا المسلمين‌ بالامتناع‌. والمتدينون‌ المتعقّلون‌ استجابوا لهذا الأمر. واتسعت‌ كلمة‌ العلماء لتشمل‌ كل‌ أصفهان‌ وماحولها. وأدي‌ هذا إلي وقفة‌ فـى أعمال‌ الشركة‌. لكن‌ علماء سائر المناطق‌ وخاصة‌ دار الخلافة‌ (طهران‌) لم‌ يحتذوا حذو علماء أصفهان‌ خوفاً من‌ أن‌ يكون‌ ذلك‌ من‌ باب‌ دفع‌ الفاسد بالأفسد. ولذلك‌ لم‌ يكن‌ موقف‌ علماء اصفهان‌ ذا تأثير يذكر علي أعمال‌ الشركة‌ فـى سائر أنحاء البلاد. ومع‌ ذلك‌ تعرّض‌ العلماء فـى اصفهان‌ إلي أنواع‌ المصائب‌ والبلايا من‌ قبل‌ الحكومة‌. وهذه‌ الوقفة‌ اليسيرة‌ التـى‌ حدثت‌ فـى أعمال‌ الشركة‌ فـى اصفهان‌ أثارت‌ مسؤولـى الشركة‌ لأن‌ يدفعوا الحكومة‌ إلي إرسال‌ برقيات‌ لوم‌ وتقريع‌ إلي علماء اصفهان‌. ومن‌ ذلك‌ تهديدها لجناب‌ المستطاب‌ الحاج‌ الشيخ‌ محمد تقى المعروف‌ بآقا نجفـى سلّمه‌ اللّه‌ تعالي وإنذارها إياه‌ أن‌ يبيح‌ استعمال‌ التدخين‌ أو يرحل‌ عن‌ دار السلطنة‌ (اصفهان‌)، وإن‌ لم‌ يفعل‌ هدم‌ بيته‌ علي رأسه‌ !!

ومع‌ ذلك‌ لم‌ تثن‌ هذه‌ التهديدات‌ عزمه‌ ولم‌ توهن‌ استقامته‌ فوقف‌ كالطود الأشم‌ أمامها. وإذا استثنينا واحداً أو اثنين‌ من‌ المرتزقة‌ علي فتات‌ موائد المناصب‌ والرواتب‌ والمحسوبين‌ علي العلماء فان‌ كل‌ علماء دار السلطنة‌ (اصفهان‌) بمقتضي‌ واجبهم‌ ومنصبهم‌ الكبير قاوموا أشدّ المقاومة‌ أمام‌ تهديدات‌ الحكومة‌. غير أنهم‌ كانوا قلقين‌ علي مستقبل‌ هذه‌ النهضة‌ ومصير المسلمين‌. من‌ هنا فقد توفرت‌ لنا معلومات‌ عن‌ عزم‌ بعض‌ علماء دار السلطنة‌ - ممن‌ صان‌ عرض‌ الشريعة‌ ولكنه‌ لم‌ يستطع‌ المقاومة‌ أمام‌ تهديدات‌ الحكومة‌ - علي السفر والاغتراب‌. ومنهم‌ جناب‌ المستطاب‌ «آقا منير الدين‌» وهو من‌ علماء اصفهان‌ المبرزين‌ والممتازين‌، ومن‌ الذين‌ يرجع‌ لهم‌ عامة‌ الناس‌. لقد تلقي‌ هذا العالم‌ تهديدات‌ شديدة‌ تأمره‌ أن‌ يعلن‌ تجويز التدخين‌ علي المنابر وأن‌ يدخن‌ هو علناً أمام‌ الناس‌، فما كان‌ منه‌ أمام‌ هذه‌ التهديدات‌ إلاّ أن‌ خرج‌ سرّاً من‌ المدينة‌ فـى خوف‌ واضطراب‌ وتوجه‌ إلي مدينة‌ مشهد…» [١١].

رغم‌ ما كانت‌ تواجه‌ الشركة‌ صاحبة‌ الامتياز من‌ سخط‌ الشعب‌ واعتراض‌ القادة‌ الدينيين‌ فإنها واصلت‌ أعمالها بكل‌ شدّة‌، وأخذت‌ تشترى التنباك‌ من‌ المزارعين‌ بأسعار زهيدة‌، يقول‌ الشيخ‌ الكربلائى «… كان‌ التنباك‌ المنظَّف‌ يشتريه‌ غير الإفرنجى بسبعة‌ ريالات‌ للمن‌ الواحد، بينما هذا الإفرنجى يشترية‌ بأربعة‌ ريالات‌ ونصف‌ بل‌ أقل‌ من‌ ذلك‌ أحياناً…» [١٢].

وأخذ هؤلاء يستخدمون‌ العملاء والجواسيس‌ كى يراقبوا المزارعين‌ والمستودعات‌، مما أثار مشاكل‌ إجتماعية‌ جمّة‌.

فتوي‌ تحريم‌ التنباك‌

تجمعت‌ الظروف‌ لتمهّد إلي صدور الفتوي‌ التاريخية‌ لتحريم‌ التنباك‌. فبعد أن‌ بلغ‌ السخط‌ الاجتماعى ذروته‌ ويئس‌ العلماء من‌ إقناع‌ الدولة‌ بإلغاء امتياز احتكار التبغ‌ أصدر الميرزا حسن‌ الشيرازى فتواه‌ المعروفة‌ الموجزة‌:

«اليوم‌ استعمال‌ التنباك‌ والتبغ‌ بأى نحو كان‌ فـى حكم‌ محاربة‌ إمام‌ الزمان‌ عجل‌ اللّه‌ تعالي فرجه‌» [١٣].

هذه‌ الفتوي‌ سرت‌ كالنار فـى الهشيم‌، وانتشرت‌ خلال‌ مدة‌ قصيرة‌ فـى جميع‌ أرجاء إيران‌، وواجهت‌ استجابة‌ كاملة‌، فهزّت‌ أركان‌ حكومة‌ ناصر الدين‌ شاه‌. ويذكر المورخ‌ الإيرانـى ناظم‌ الإسلام الكرمانـى وقائع‌ طريفة‌ فـى هذا المجال‌ ننقلها من‌ كتابه‌: «تاريخ‌ بيدارى إيرانيان‌» (تاريخ‌ يقظة‌ الايرانيين‌):

«… بشكل‌ عام‌ انتشر هذا الحكم‌ فـى بلاد إيران‌ وأطاعه‌ الجميع‌، فتركوا التدخين‌. ولما آل‌ الأمر إلي ما آل‌ رفعت‌ الشركة‌ شكوي‌ عن‌ طريق‌ قوام‌ الدولة‌ وزير الخارجية‌ إلي ناصر الدين‌ شاه‌، أرسل‌ الشاه‌ «عبد اللّه‌ خان‌ والـى» إلي الميرزا الآشتيانـى، وأمره‌ أن‌ يدخن‌ النارجيلة‌ أمام‌ الملأ العام‌ أو أن‌ يخرج‌ من‌ إيران‌. فقبل‌ الميرزا الشق‌ الثانـى، وكان‌ يهم‌ بمغادرة‌ طهران‌ إذ خرج‌ أهالـى طهران‌ بقضّهم‌ وقضيضهم‌، وحدث‌ زلزال‌ فـى أركان‌ المدينة‌، وكلهم‌ يصيح‌ وا إسلاماه‌، وتجمعوا حول‌ منزل‌ الميرزا، ولم‌ تمرّ ساعة‌ حتي‌ أغلقت‌ جميع‌ الدكاكين‌ والمحلات‌…» [١٤].

العلماء المعاصرون‌ مثل‌ السيد محمد رضا الطباطبائى والسيد على أكبر التفرشى اجتمعوا فـى منزل‌ الميرزا الآشتيانـى‌. بعث‌ ناصر الدين‌ شاه‌ رسالة‌ شفوية‌ عن‌ طريق‌ عبد اللّه‌ خان‌ الوالـى وآخرين‌ إلي الميرزا الآشتيانـى مفادها: «إن‌ الشاه‌ يقول‌: لقد أوقفنا الامتياز الداخلـى فـى إيران‌، وأهالـى إيران‌ أحرار علي الصعيد الوطنـى، وليس‌ علي الصعيد الداخلـى احتكار للبيع‌ والشراء، لكن‌ امتياز المبيعات‌ الخارجية‌ خاص‌ بالشركة‌، فكفّوا عن‌ معارضة‌ الحكومة‌، ودخنوا النارجيلة‌ أمام‌ الناس‌». وهذه‌ الرسالة‌ تتضمن‌ تراجعاً نسبياً من‌ الحكومة‌ واستسلاماً لنصف‌ مطاليب‌ المسلمين‌. لكن‌ جواب‌ الآشتيانـى كان‌ متصلباً لايقبل‌ أية‌ مداهنة‌، قال‌: «لا أصدر رأياً خلاف‌ الحكم‌ (أى حكم‌ الميرزا الشيرازى‌) ولا أشق‌ عصا المسلمين‌». توترت‌ أعصاب‌ عبد اللّه‌ خان‌ الوالـى، فأعاد القول‌ مهدداً: «… لابد أن‌ تدخنوا النارجيلة‌». وهنا تدخل‌ السيد محمد رضا الطباطبائى، وهو من‌ العلماء الحاضرين‌ فـى الجلسة‌، فرفع‌ صوته‌ بلعن‌ الشاه‌ ولعن‌ الوالـى، وقال‌ له‌: «أخرج‌ يا ملعون‌ من‌ مجلس‌ المسلمين‌».

وحين‌ رأي‌ الناس‌ التغير فـى وجه‌ الطباطبائى ثارت‌ ثائرتهم‌ وكادوا يقضون‌ علي رسل‌ الشاه‌ لولا أن‌ تدخّل‌ بعضهم‌ فأنقذهم‌، واصطحبهم‌ إلي قصر الشاه‌، وتبعهم‌ جماعة‌ من‌ الناس‌ فاجتمعوا حول‌ القصر، فأطلق‌ عليهم‌ «آقا بالاخان‌» كما ذكرنا الرصاص‌، فاستشهد عدد وجرح‌ آخرون‌، وحمل‌ الناس‌ جثث‌ الشهداء إلي منزل‌ الآشتيانـى.

وجدير بنا أن‌ نقرأ منشوراً من‌ المناشير الكثيرة‌ التـى‌ صدرت‌ آنذاك‌، فهى تمثل‌ أدبيات‌ نهضة‌ التنباك‌، وهذا المنشور ينقله‌ ناظم‌ الإسلام الكرمانـى، ويقول‌ إنه‌ صدر فـى أواخر جمادي‌ الأولى سنة‌ ١٣٠٩ عن‌ أحد العلماء وعلق‌ علي حيطان‌ المدارس‌ والمساجد…» [١٥] ومما جاء فـى هذا المنشور:

«بسم‌ اللّه‌ الرحمن‌ الرحيم‌. بالنسبة‌ لمسألة‌ التبغ‌ والتنباك‌ والشخص‌ المستأجر البريطانـى، وحكاية‌ منع‌ استعمالها من‌ قبل‌ رؤساء الدين‌، لابد أولاً أن‌ نذكر أنه‌ إذا ملك‌ شخص‌ عقاراً فلا بدّ أن‌ يعمل‌ علي سدّ كل‌ الثغرات‌ التـى‌ يحتمل‌ ورود الأجنبـى منها إلي عقاره‌. وهذه‌ من‌ المسلّمات‌ ومن‌ الأصول‌ القطعية‌ لدي‌ جميع‌ أرباب‌ العقول‌. ولو أن‌ العاقل‌ رأي‌ شخصاً يدخل‌ عليه‌ البيت‌، واحتمل‌ أن‌ هذا الشخص‌ سوف‌ يدّعى بعد حين‌ مالكية‌ هذا البيت‌، فلا يسمح‌ له‌ بالدخول‌ من‌ البداية‌ حتي‌ ولو كان‌ هذا الشخص‌ من‌ أقرب‌ الناس‌ إليه‌. فما بالك‌ إذا كان‌ الداخل‌ عدواً قوياً واحتمل‌ أن‌ يشنّ عليه‌ هجوماً مباغتاً لقتله‌… من‌ الطبيعى أن‌ يبذل‌ هذا العاقل‌ كل‌ إمكاناته‌ لسدّ الثغرات‌ أمام‌ نفوذ مثل‌ هذا الشخص‌… ثم‌ إنه‌ من‌ الواضح‌ البيّن‌ «كالشمس‌ فـى كبد السماء» ما فعله‌ البريطانيون‌ من‌ مكر وتآمر بشأن‌ شعوب‌ الهند ومصر والبلدان‌ الأخري‌. لقد قدموا إلي الهند باسم‌ التجارة‌، ثم‌ استولوا علي الهند دون‌ أن‌ يفوا بعهودهم‌. وقهروا مصر علي هذا المنوال‌… وجاؤوا الآن‌ إلي إيران‌…

أليس‌ من‌ المحتمل‌ أنهم‌ يخبّئون‌ فـى أمتعتهم‌ ووارداتهم‌ أسلحة‌ ثقيلة‌ وخفيفة‌ ليستفيدوا منها فـى عملية‌ الاستيلاء؟ ! توزيع‌ الرشاوي واستخدام‌ الأفراد وإعدادهم‌ دليل‌ واضح‌ علي ما يدور فـى رؤوسهم‌ من‌ آمال‌ طويلة‌ وأمان عريضة‌. ودفع‌ الضرر المظنون‌ بل‌ المحتمل‌ لازم‌ عقلاً… والحق‌ أن‌ هذه‌ الكلمة‌ الجامعة‌ (فتوي‌ الشيرازى‌) وقعت‌ فـى القلوب‌ موقعها، وفعلت‌ ما لم‌ تفعله‌ أكبر الأسلحة‌ النارية‌… مَثَل‌ حكم‌ الميرزا أدام‌ اللّه‌ ظله‌ العالـى كمثل‌ حكم‌ الإمام‌ الحجة‌، ونقض‌ حكمه‌ نقض‌ لحكم‌ الامام‌ (ع) … والتشكيك‌ فـى حكمه‌ مثل‌ التشكيك‌ فـى القرآن‌».

ومن‌ الأمور التـى‌ تروج‌ فـى مثل‌ هذه‌ الظروف‌ الإشاعات‌، فقد راجت‌ إشاعة‌ قرب‌ صدور حكم‌ الجهاد من‌ الميرزا الشيرازى‌. وهُرع‌ الناس‌ يجمعون‌ الأسلحة‌ ويستعدون‌ للجهاد ويودعون‌ الأهل‌ والنساء، ففزع‌ الأجانب‌ وخافوا علي أرواحهم‌ وطلبوا الضمان‌ من‌ الحكومة‌. وحار ناصر الدين‌ شاه‌ فـى أمره‌.

بين‌ الشاه‌ ناصر الدين‌ والعلماء

طفق‌ الشاه‌ ناصر الدين‌ القاجارى يبحث‌ عن‌ وسيلة‌ للتخلص‌ من‌ ورطته‌. لم‌ يكن‌ يتصور أن‌ الموقف‌ يتأزم‌ إلي هذا الحدّ. دعا العلماء لعقد اجتماع‌ فـى البلاط‌ لتدارس‌ المسألة‌ علي أمل‌ أن‌ يسترضيهم‌. حضر فـى هذا المجلس‌ الميرزا حسن‌ الآشتيانـى، والسيد على أكبر التفرشى‌، والشيخ‌ فضل‌ اللّه‌ النورى‌، وإمام‌ الجمعة‌، والسيد محمد رضا الطباطبائى‌، والسيد عبد اللّه‌ البهبهانـى، والآخوند ملا محمد تقى الكاشانـى. ومن‌ جانب‌ الدولة‌ حضره‌: نائب‌ السلطنة‌ كامران‌ ميرزا، والصدر الأعظم‌ أمين‌ السلطان‌، والميرزا على خان‌ أمين‌ الدولة‌، ومشير الدولة‌، ومخبر الدولة‌، وقوام‌ الدولة‌.

بدأت‌ الجلسة‌ بقراءة‌ نص‌ اتفاقية‌ الامتياز، وقال‌ متحدث‌ الدولة‌ مخاطباً العلماء: لقد أمر الشاه‌ أن‌ تقرأ عليكم‌ نصوص‌ اتفاقية‌ الامتياز، وأنتم‌ باعتباركم‌ علماء الشريعة‌ وقادة‌ الملّة‌، تستطيعون‌ تغيير ما وجدتموه‌ فـى هذا الاتفاق‌ معارضاً لمصلحة‌ الشعب‌ وأحكام‌ الشريعة‌.

ثم‌ بدأت‌ قراءة‌ النص‌. وكان‌ عنوان‌ الاتفاقية‌ يحمل‌ كلمة‌ «منوپل‌»، سأل‌ العلماء عن‌ معنى هذه‌ الكلمة‌. فقالوا بمعنى «الامتياز، والانحصار»، و «منوپل‌ شراء وبيع‌ التنباك‌» يعنـى انحصار التعامل‌ بالتبغ‌ والتنباك‌ فـى البلد بشخص‌ صاحب‌ الامتياز (وهو مثلا الميجر تالبوت‌)، وليس‌ لأحدٍ حق‌ فـى البلد أن‌ يتعامل‌ بهذه‌ المادة‌ إلا بإذنه‌.

بعد إعطاء هذه‌ التوضيحات‌ للعلماء (الذين‌ يسميهم‌ صاحب‌ كتاب‌ «تاريخ‌ يقظة‌ الإيرانيين‌»: أولياءَ الشعب‌) قالوا: هذا أول‌ التزام‌ فـى الاتفاقية‌ يتعارض‌ وأحكام‌ الشريعة‌ والمبادئ الوطنية‌. وأصرّوا علي حذف‌ هذه‌ الكلمة‌. بذل‌ رجال‌ الدولة‌ جهداً كثيراً لإقناع‌ العلماء فـى ذلك‌ المجلس‌ بالعدول‌ عن‌ موقفهم‌، وحاولوا أن‌ يميّعوا المسألة‌ ويقلّلوا من‌ أهميتها، وأن‌ يدخلوها فـى مجالات‌ المصالح‌ والتأويلات‌ و «الخدع‌ الشرعية‌» ! ولكنهم‌ واجهوا مقاومة‌ صلبة‌. وكان‌ جواب‌ العلماء: نحن‌ لسنا مشرّعين‌، وحلال‌ محمد حلال‌ إلي يوم‌ القيامة‌ وحرامه‌ حرام‌ إلي يوم‌ القيامة‌. ونحن‌ علماء الشريعة‌ نتحمل‌ مسؤولية‌ بيان‌ الحلال‌ والحرام‌ لا غير، والحكم‌ الذى تقرر فـى هذا المجال‌ لا يقبل‌ التغيير.

وهكذا سدّ العلماء الطريق‌ أمام‌ رجال‌ الحكومة‌، فضاقت‌ عليهم‌ الحيلة‌، «عندئذٍ عمد أمين‌ السلطان‌ إلي طريقة‌ أخري‌، قال‌ للعلماء: أقول‌ لكم‌ بصراحة‌ إن‌ الشاه‌ قال‌: أى تغيير أو تبديل‌ فـى هذه‌ الاتفاقية‌ متعذر علي الدولة‌، وهو فـى حكم‌ المحال‌ والممتنع‌، فلا تفكروا فـى ذلك‌ أبداً، وفكروا فـى حلّ آخر. فأجابه‌ العلماء بكل‌ بساطة‌: نحن‌ أيضاً نقول‌ لكم‌ بكل‌ صراحة‌، لا نستطيع‌ أن‌ نحلل‌ ما حرّمته‌ الشريعة‌، والتعاون‌ مع‌ الحكومة‌ فـى هذه‌ الاتفاقية‌ محال‌ وممتنع‌ أيضاً. أضف‌ إلي ذلك‌، ما دورنا نحن‌ فـى حكم‌ تحريم‌ التدخين‌؟ ! لقد صدر الحكم‌ - كما تعلمون‌ - من‌ حضرة‌ حجة‌ الإسلام ونائب‌ الامام‌ والمجتهد المقلَّد الواجب‌ الاتباع‌ الساكن‌ فـى سرّ من‌ رأي‌ (سامراء)، وهذا الحكم‌ ما إن‌ صدر حتي‌ عمّ البلاد فـى أقل‌ من‌ نصف‌ نهار، وأطاعه‌ الجميع‌، ونحن‌ أيضاً ممن‌ أطاعه‌» [١٦].

حين‌ يئس‌ رجال‌ الحكومة‌ من‌ التفاوض‌ لجأوا إلي التهديد، فقال‌ مشير الدولة‌ مخاطباً العلماء: «أيها السادة‌ فكروا فـى عواقب‌ هذا الإصرار». ثار السيد على أكبر التفرشى أمام‌ هذا التهديد وقال‌: «ما هذا الهُراء؟ ما معناه‌؟ ماذا تريدون‌ أن‌ تفعلوا بنا؟ ». فتحدث‌ قوام‌ الدولة‌ وقال‌: إلغاء هذه‌ الاتفاقية‌ محال‌ وممتنع‌. عاد السيد على أكبر وقال‌: «يبدو أنك‌ أنت‌ رئيس‌ دائرة‌ التدخين‌ واتفاقية‌ رجي‌» ! فقال‌ أمين‌ السلطان‌: «لا هذا قوام‌ الدولة‌ وزير الخارجية‌». فقال‌ السيد محمد رضا الطباطبائى: «إذا كان‌ هذا الحكم‌ قد صدر عن‌ الدولة‌ فلابد أن‌ توقّع‌ عليه‌ الأمّة‌، وإذا كان‌ قد صدر عن‌ شخص‌ الشاه‌ فلم‌ يكن‌ ذلك‌ من‌ حقّه‌ أبداً».

انظر إلي جذور الديمقراطية‌ والمشروطة‌ فـى الفكر الدينـى وبين‌ علماء المسلمين‌، وانظر إلي درجة‌ شهامة‌ المرحوم‌ السيد محمد رضا الطباطبائى فـى موقفه‌ من‌ سلطة‌ الشاه‌ المطلقة‌ وتصريحه‌ برفضها أمام‌ كبار رجال‌ الدولة‌. وافهم‌ من‌ ذلك‌ دور الدين‌ فـى تحرير الأمة‌ من‌ السيطرة‌ الاستعمارية‌ ومن‌ الحكم‌ الديكتاتورى فـى هذا البلد المسلم‌.

علي أى حال‌، لم‌ يستطع‌ رجال‌ الدولة‌ أن‌ يتجاوزوا العبارة‌ الأولى من‌ اتفاقية‌ التنباك‌، ووجدوا أن‌ الطريق‌ أمامهم‌ مسدود تماماً، فصرفوا النظر عن‌ قراءة‌ بقية‌ الاتفاقية‌، وانتهي‌ المجلس‌ بأن‌ يتعهّد أمين‌ السلطان‌ من‌ جانب‌ علماء الشعب‌ أن‌ يسعي‌ إلي فسخ‌ الاتفاقية‌، شرط‌ أن‌ يعلن‌ العلماء بعد إلغاء الاتفاقية‌ إباحةَ التدخين‌ ونفـى فتوي‌ الجهاد.

وتواصلت‌ انتفاضة‌ الشعب‌ المسلم‌ بقيادة‌ علمائه‌ الكبار يتزعمهم‌ المرحوم‌ الميرزا الشيرازى‌، وحققت‌ انتصارها، واضطر الشاه‌ ناصر الدين‌ إلي الغاء الاتفاقية‌، واقترض‌ مبلغ‌ ٥٠٠ ألف‌ ليرة‌ من‌ البنك‌ الشاهنشاهى الذى أسسه‌ البريطانيون‌ أنفسهم‌، ودَفَـعَه‌ غرامة‌ إلي الشركة‌ البريطانية‌ [١٧].

هذا التحرك‌ الشعبـى الناجح‌ كان‌ مكسباً كبيراً ألفت‌ إليه‌ أنظار المراقبين‌ فـى الداخل‌ والخارج‌، ولا بأس‌ أن‌ نعرض‌ بعض‌ ما قيل‌ فـى هذه‌ الواقعة‌.

تقول‌ «نيكى كدى» مؤلفة‌ كتاب‌ «مقاطعة‌ التنباك‌»: «الاعتراض‌ علي امتياز التنباك‌ أول‌ حركة‌ شعبية‌ ناجحة‌ فـى تاريخ‌ إيران‌ الحديث‌، انتهت‌ بتراجع‌ الحكومة‌ وانتصار المعترضين‌ فـى مطالبتهم‌ بإلغاء الامتياز إلغاءً تاماً. هذا النجاح‌ فتح‌ أعين‌ المعارضة‌ لأول‌ مرة‌ علي إمكان‌ الوقوف‌ بوجه‌ الدولة‌، حتي‌ حين‌ يكون‌ ذلك‌ الوقوف‌ مضراً بالقوي‌ الأوربية‌. هذه‌ الحركة‌ تنطوى علي أول‌ اتحاد مظفّر بين‌ العلماء والإصلاحيين‌ والساخطين‌ الإيرانيين‌ خاصة‌ التجار… هذا الاتحاد الذى سيظهر فـى المواقف‌ الاعتراضية‌ التالية‌ ويؤتى‌ أكله‌ فـى حركة‌ المشروطة‌» [١٨].

السيد جمال‌ الدين‌ الأسد آبادى (المعروف‌ بالأفغانـى) يذكر فـى رسالته‌ إلي كبار العلماء مايلى‌: «الشعوب‌ الأخري‌ تعجّبوا أيضاً مما فـى هذه‌ الفتوي‌ (فتوي‌ تحريم‌ التنباك‌) من‌ قدرة‌ ونفوذ كلمة‌ وسرعة‌ تأثير، وبهت‌ الكفار» [١٩].

ويقول‌: «كل‌ هذا الخبط‌ والخطأ سببه‌ غرور الحاكمين‌. كل‌ ما بذلته‌ سلطنتهم‌ (رأس‌ جهازهم‌ الحاكم‌) من‌ جهود لإضعاف‌ قدرة‌ رجال‌ الدين‌ قد تبدّد بسبب‌ جهل‌ مسؤولـى الجهاز المالـى، الذين‌ وفروا فرصة‌ إظهار هذه‌ القدرة‌ بشكل‌ لم‌ يسبق‌ له‌ نظير فـى عالم‌ التشيع‌ منذ صدر الإسلام حتي‌ يومنا هذا. إنهم‌ مثل‌ طبيب‌ يجهل‌ الطب‌ ويزيد العلّة‌» [٢٠].

ويروى اعتماد السلطنة‌: «أن‌ السفير البريطانـى قال‌ للحكيم‌ (طولوزان‌) لم‌ أكن‌ أعـلم‌ أن‌ الإيرانيين‌ يتحلـون‌ بهذه‌ الدرجـة‌ مـن‌

الغَيرة‌ ! ما أعظمه‌ من‌ شعب‌ ! لقد جعلوا البريطانـيين‌ قاطبة‌ يشعرون‌ بالخوف‌ علي أنفسهم‌» [٢١].

ويقول‌ محمد رضا الزنجانـى‌: «نُقل‌ عن‌ مصدر موثوق‌ أن‌ الحكيم‌ الفرنسى طولوزان‌ الذى كان‌ من‌ الأطباء الأوربيين‌ المعروفين‌ وطبيب‌ الشاه‌ الخاص‌ قال‌: لم‌ أكن‌ أعرف‌ معنى طلب‌ الفرج‌ فـى أدعية‌ المسلمين‌، حتي‌ حدثت‌ هذه‌ الواقعة‌ (انتفاضة‌ التنباك‌) ففهمت‌ معنى الفرج‌ وفهمت‌ كيف‌ يمكن‌ أن‌ تحدث‌ واقعة‌ لا يُتصوّر وقوعها أبداً» [٢٢].

تحريف‌ الحقائق‌

من‌ كل‌ الوثائق‌ والنصوص‌ السابقة‌ اتضحت‌ لنا عظمة‌ حركة‌ التنباك‌، والدافع‌ الدينـى ودور القيادة‌ الدينية‌ فيها. لقد حدثت‌ هذه‌ الحركة‌ فـى وقت‌ تظافرت‌ فيه‌ جهود الأجانب‌ وعملائهم‌ لإضعاف‌ الدين‌ وفصل‌ رجاله‌ عن‌ المجتمع‌. لكن‌ فتوي‌ الميرزا الشيرازى قد أحبطت‌ كل‌ هذه‌ الجهود، وبلورت‌ الروح‌ الدينية‌ بأروع‌ أشكالها.

ولابد من‌ الإشارة‌ هنا إلي بعض‌ الأقلام‌ التـى‌ حاولت‌ أن‌ تحرف‌ الحقائق‌ وتُبعد دور الدين‌ فـى هذه‌ الحركة‌. وأصحابها إما حاقدون‌ علي الإسلام أو جاهلون‌ بقدرته‌ أو واقعون‌ فـى أسر القوالب‌ الماركسية‌. هؤلاء حاولوا بأساليب‌ ملتوية‌ غير منصفة‌ أن‌ يتجاهلوا الدافع‌ الدينـى فـى هذه‌ النهضة‌، وأن‌ يعطوا العلماء فيها دوراً هامشياً تابعاً (لاقيادياً). بل‌ يصوروا وقوفهم‌ بوجه‌ الحركة‌ أحياناً !!

علي سبيل‌ المثال‌ حاول‌ فريدون‌ آدميّت‌ أن‌ يحرّف‌ معنى العبارات‌ الواردة‌ فـى كتاب‌ الشيخ‌ حسن‌ الكربلائى‌. وأينما وجد نصاً يتحدث‌ عن‌ توجّه‌ الناس‌ الساخطين‌ علي اتفاقية‌ التنباك‌ إلي بيوت‌ العلماء، يفسّره‌ بأن‌ الناس‌ هم‌ الذين‌ أجبروا العلماء علي التحرك‌، والعلماء تحركوا علي أثر هذا الضغط‌ الشعبـى كى لا يفقدوا مكانتهم‌ !! وهذا تحريف‌ واضح‌ للوقائع‌ والأحداث‌. فالمعروف‌ أنّ الشعب‌ الايرانـى يري‌ فـى العلماء وبيوت‌ العلماء ملجأ وملاذاً يتجه‌ إليه‌ متي‌ ما اعتراه‌ خطب‌. وكانت‌ بيوت‌ العلماء آنئذٍ تمثل‌ رمز المعارضة‌ ضد التنباك‌، لأن‌ هذه‌ المعارضة‌ قد اتخذت‌ منذ خطواتها الأولى طابعاً دينياً يقوم‌ علي أساس‌ رفض‌ تدخّل‌ الأجانب‌ الكفار فـى شؤون‌ البلاد، ومنع‌ سيطرتهم‌ علي مقدرات‌ الشعب‌ بحكم‌ الشريعة‌ الإسلامية المقدسة‌. وهذا ما تؤيده‌ كل‌ الأحداث‌ والوقائع‌ والنصوص‌ التـى‌ ذكرناها، بل‌ يؤيدها حتي‌ الذين‌ لايحملون‌ ولاء للدين‌ ولا لأهله‌ وعلمائه‌ من‌ أمثال‌ أحمد كسروى [٢٣].

وفريدون‌ آدميت‌ مثل‌ كثير من‌ المثقفين‌ الإيرانيين‌ المتغربين‌ لأهمّ لهم‌ سوي‌ إبعاد الدين‌ عن‌ الساحة‌ الاجتماعية‌، ووقعوا جرّاء ذلك‌ دائماً فـى مغالطات‌ وتحريف‌ لأوضح‌ الحقائق‌، بل‌ وقعوا فـى مستنقع‌ الماسونية‌ والعمالة‌ وتقديم‌ مقدرات‌ الأمة‌ قرباناً علي مذبح‌ مصالح‌ القوي‌ الأوربية‌ المستكبرة‌.

***

[١] - نفس المصدر / ٢٤.

[٢] - نفس المصدر / ٢٦.

[٣] - نفس المصدر / ٢٩.

[٤] - كسروي تبريزي، مصدر سابق / ٢١.

[٥] - كربلائي، مصدر سابق / ٢٩.

[٦] - الكربلائي، مصدر سابق / ٣٢.

[٧] - نفس المصدر / ٣٦.

[٨] - ناظم الإسلام الكرماني، مصدر سابق / ٢٤.

[٩] - الكربلائي، مصدر سابق / ٤٤.

[١٠] - نفس المصدر / ٤١.

[١١] - نفس المصدر / ٥٠.

[١٢] - نفس المصدر / ٤٨.

[١٣] - نص الفتوى بالفارسية: (اليوم استعمال تنباكو وتوتون باي نحو كان محاربة با امام زمان است عجل الله تعالى فرجه).

[١٤] - ناظم الإسلام كرماني، مصدر سابق / ١٢.

[١٥] - نفس المصدر / ٣٥.

[١٦] - ناظم الإسلام كرماني، مصدر سابق / ٣٧.

[١٧] - كسروي التبريزي، مصدر سابق / ٢٣.

[١٨] - نيكي ريتشارد كدي، مقاطعة التنباك في إيران / ١ من الترجمة الفارسية، طهران، ١٣٥٦هـ. ش.

[١٩] - صدر الدين واثقي، سيد جمال الدين حسيني پايه گذار نهضتهاي اسلامي / السيد جمال الدين الحسيني مؤسس النهضات الاسلامية / ٢٢٠، طهران، ١٣٤٨ هـ. ش.

[٢٠] - نفس المصدر.

[٢١] - نفس المصدر.

[٢٢] - نفس المصدر.

[٢٣] - كسروي تبريزي، مصدر سابق / ٢٣.



[ Web design by Abadis ]