ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 معاهدات‌ الخيانة‌

دور ملكم‌ فـى معاهدة‌ الخيانة‌

ملكم‌ خان‌ كان‌ له‌ الدور الأساس‌ فـى عقد معاهدتين‌ مُذلّتين‌ بين‌ الحكومة‌ القاجارية‌ وبريطانيا، وهما معاهدة‌ «رويتر»، ومنح‌ امتياز «لاتارى‌».

معاهدة‌ «رويتر» واحدة‌ من‌ أفظع‌ وأخزي‌ المعاهدات‌ فـى تاريخنا السياسى‌. ربما قيل‌ إن‌ أفظعها معاهدات‌ «تركمان‌ چاى‌» و «گلستان‌» و «پاريس‌». لكن‌ المعاهدات‌ الأخيرة‌ فُرضت‌ فـى الواقع‌ نتيجة‌ ضغوط‌ عسكرية‌ علي حكومة‌ فقدت‌ المقاومة‌ أمام‌ المعتدين‌ بسبب‌ فسادها الداخلى‌. أما معاهدة‌ «رويتر» فقد عقدت‌ نتيجة‌ الأطماع‌ الدنيوية‌ الرخيصة‌ ونتيجة‌ انغماس‌ الحكام‌ الفاسدين‌ فـى المجون‌ والتحلّل‌. ولميرزا حسين‌ خان‌ سبهسالار [١] يد آثمة‌ فـى هذه‌ الخيانة‌، وهو الشخص‌ الذى يثنـى عليه‌ أحمد كسروى وفريدون‌ آدميت‌ وكثير من‌ الكتاب‌ «المثقفين‌» ويصفونه‌ بأنه‌ رجل‌ إصلاح‌ وتقدّم‌ !!

يقول‌ أحمد كسروي‌ [٢]:

«… فـى عصره‌ دار الحديث‌ حول‌ مدّ السكك‌ الحديدية‌، ومنح‌ (امتياز) مدها للبريطانيين‌، ولم‌ نَعِ نحن‌ أبعاد هذا القرار. هذا الرجل‌ (الطيب‌) أراد أن‌ يفتح‌ عيون‌ الشاه‌ علي الوضع‌ فـى أوربا، وعلي التحام‌ الحكام‌ بالشعب‌، وعلي التطور الذى حققوه‌، ليكسبه‌ بعد ذلك‌ إلي أفكاره‌ بشأن‌ تطوير إيران‌، لقد رأي‌ أن‌ أفضل‌ سبيل‌ لذلك‌ أن‌ يأخذه‌ معه‌ إلي أوربا، ومن‌ هذا المنطلق‌ توجه‌ الشاه‌ وسبهسالار إلي أوربا سنة‌ ١٣٥٢هـ، لكن‌ هذه‌ السفرة‌ كانت‌ لها تبعات‌ سيئة‌، وهى أن‌ الساخطين‌ علي سبهسالار اغتنموا فرصة‌ غيابه‌ عن‌ إيران‌، فأوحوا إلي رجال‌ الدين‌ أن‌ سبهسالار يريد أن‌ يجعل‌ من‌ إيران‌ بلداً غربياً، وأن‌ يمنح‌ امتياز سكك‌ الحديد إلي الانجليز. ورجال‌ الدين‌ ومنهم‌ «سيد صالح‌ عرب‌» و «حاج‌ ملا على كنـى» وآخرون‌ اهتزوا لسماع‌ هذا النبأ، وهبّوا لمعارضة‌ سبهسالار، واعتبروه‌ خارجا عن‌ الدين‌. وكتبوا إلي ناصر الدين‌ شاه‌ أن‌ يترك‌ سبهسالار، وأن‌ يعود إلي طهران‌ بدونه‌. وصلت‌ الرسالة‌ إلي الشاه‌ وهو فـى مدينة‌ رشت‌. وبسبب‌ قوة‌ رجال‌ الدين‌ آنذاك‌، اضطر الشاه‌ أن‌ يوكل‌ حكومة‌ جيلان‌ إلي سبهسالار، ويعود بدونه‌ إلي طهران‌.

. » [٣].

ويقول‌ الدكتور فريدون‌ آدميت‌:

«… ميرزا حسين‌ خان‌، بهدف‌ إحياء الاقتصاد وإعمار إيران‌، منح‌ امتياز مدّ سكك‌ الحديد فـى إيران‌ من‌ رشت‌ إلي طهران‌ ومن‌ العاصمة‌ إلي الخليج‌ الفارسى لأحد أتباع‌ بريطانيا باسم‌ «البارون‌ جوليوس‌ رويتر» … وبموجب‌ هذه‌ الاتفاقية‌ تسلّم‌ رجل‌ أجنبـى حقّ استخراج‌ جميع‌ معادن‌ البلاد (عدا الذهب‌ والفضة‌ والأحجار الكريمة‌)، والاستفادة‌ من‌ جميع‌ الغابات‌ والقنوات‌، وتأسيس‌ بنك‌ وبريد وتلغراف‌ ومعامل‌، وكل‌ الأمور الإقتصادية‌ فـى الواقع‌ لمدة‌ سبعين‌ سنة‌. وكيفية‌ الحصول‌ علي هذا الإمتياز وما اقترن‌ به‌ من‌ مسائل‌ سياسية‌ حديث‌ ذو شجون‌ لا علاقة‌ له‌ بموضوعنا. ميرزا حسين‌ خان‌ وصديقه‌ ورفيقه‌ القديم‌ ميرزا ملكم‌ خان‌ كانا من‌ المدافعين‌ بشدّة‌ عن‌ هذا التفكير، وخاصة‌ ملكم‌ خان‌ الذى هو الآن‌ فـى منصب‌ مستشار الصدر الأعظم‌، كانت‌ له‌ يد طولى فـى تنظيم‌ امتياز رويتر…» [٤].

«رجال‌ الدين‌ المتعصّبون‌ بزعامة‌ حاج‌ ملا على كنـى وصفوا ميرزا حسين‌ خان‌ بأنه‌ رجل‌ لا يؤمن‌ بالدين‌، ووصفوا أعماله‌ التقدمية‌ بأنها من‌ صادرات‌ الغرب‌ ومخالفة‌ للشرع‌» [٥].

وكانت‌ الحوادث‌ علي النحو التالى:

سنة‌ ١٢٩٠هـ عندما سافر ناصر الدين‌ شاه‌ إلي الغرب‌ لأول‌ مرة‌، كُلّف‌ ملكم‌ بمهمة‌ الذهاب‌ إلي أوربا، وإعداد مقدمات‌ سفر الشاه‌ اليها. وخلال‌ هذه‌ السفرة‌ حصل‌ سبهسالار بمساعدة‌ ملكم‌ وآخرين‌ علي مائتـى ألف‌ ليرة‌ مقابل‌ منح‌ هذا الامتياز الخيانـى لحكومة‌ بريطانيا. مع‌ أن‌ أكثر هذا المبلغ‌ قد نزل‌ فـى جيب‌ الصدر الأعظم‌ والشاه‌، فإن‌ ملكم‌ نفسه‌ قد ناله‌ سهم‌ منه‌ أيضاً. امتياز «رويتر» يعنـى بيع‌ كامل‌ الأرض الإيرانية‌ لبريطانيا مقابل‌ مائتـى ألف‌ ليرة‌. هذه‌ الاتفاقية‌ التـى‌ فُوِّضت‌ إلي البارون‌ جوليوس‌ رويتر، ومدتها سبعون‌ سنة‌، قد منحت‌ حكومة‌ بريطانيا مايلي‌:

١ - استحداث‌ الشركات‌ المختلفة‌.

٢ - احتكار امتياز سكة‌ الحديد من‌ بحر الخزر إلي الخليج‌ الفارسى.

٣ - استحداث قطار.

٤ - الأرض، ومافيها من‌ حصي‌ وصخور وسائر المواد الإنشائية‌ بالمجان‌.

٥ - إعفاء المأمورين‌ البريطانيين‌ من‌ دفع‌ الجمارك‌ والضرائب‌.

٦ - احتكار حق‌ استثمار منـاجم‌ الفحم‌ الحجرى والحديد والنحاس‌ والرصاص‌ والبترول‌ وسائر المناجم‌ الأرضية‌.

٧ - الاستفادة‌ المجانية‌ من‌ الأملاك‌ الخالصة‌، وامتياز استثمار غابات‌ إيران‌.

٨ - احتكار حق‌ الاستفادة‌ من‌ مياه‌ الأنهار واستحداث‌ السدود والتعليات‌ الترابية‌ والأحواض‌.

٩ - امتياز تأسيس‌ بنك‌.

١٠ - امتياز قطاع‌ الغاز وتبليط‌ الشوارع‌ والطرقات‌ والتلغراف‌ والبريد والطاحونات‌ والمعامل‌ المختلفة‌ و…. [٦].

أهمية‌ هذه‌ الاتفاقية‌، أو بعبارة‌ أخري‌ أهمية‌ هذه‌ الصفقة‌ التـى‌ بيع‌ فيها الوطن‌ ومقدراته‌ مقابل‌ مائتـى ألف‌ ليرة‌ كانت‌ بدرجة‌ حَدَت‌ بالسير هنرى رالنسون‌ أن‌ يقول‌: «هذا الامتياز ربط‌ مقدرات‌ إيران‌ بالبريطانيين‌. وبعده‌ سوف‌ تتجه‌ إيران‌ بيد البريطانيين‌ إلي جادّة‌ التقدّم‌، وحين‌ نشرت‌ بنود هذا الامتياز فـى العالم‌ شوهد أنه‌ يحتوى علي مزايا لاتعدّ ولاتحصي‌، وكل‌ مصادر الثروة‌ الصناعية‌ والزراعية‌ فـى جميع‌ أرجاء إيران‌ قد وقعت‌ بيد البريطانيين‌. لم‌ يكن‌ أحد يقدر أن‌ يتوقع‌ مثل‌ هذه‌ الحادثة‌ … حادثة‌ وقوع‌ مثل‌ هذا الامتياز الهام‌ بيد أحد أتباع‌ حكومة‌ بريطانيا. إضافة‌ إلي جميع‌ خطوط‌ السكك‌ الحديدية‌ فـى إيران‌ والقطارات‌ التـى‌ صارت‌ لسبعين‌ سنة‌ فـى احتكار البارون‌ رويتر، فإن‌ جميع‌ مناجم‌ إيران‌ سوي‌ مناجم‌ الذهب‌ والفضة‌ والأحجار الكريمة‌ قد منحت‌ بموجب‌ هذا الامتياز، أضف‌ إلي ذلك‌ الجمارك‌ والرى واستحداث‌ القنوات‌…. [٧].

ويذكر أمين‌ الدولة‌ أن‌ «حاج‌ شيخ‌ محسن‌ خان‌» الذى كان‌ يعمل‌ فـى البلاط‌ البريطانـى باعتباره‌ خبيراً إيرانياً هو الذى بدأ الاتصالات‌ الأولى لعقد معاهدة‌ رويتر، ونجح‌ فـى هذه‌ الاتصالات‌. لكن‌ محسن‌ خان‌ هذا فوجئ بتعيينه‌ وزيراً مشاوراً فـى استانبول‌ بعد أن‌ استقال‌ الوزير المشاور السابق‌ «حسين‌ على خان‌ گروسى‌»، فدخل‌ صديقه‌ ملكم‌ علي خط‌ مواصلة‌ عقد الاتفاقية‌، وحدث‌ بين‌ الصديقين‌ الحميمين‌ (ملكم‌ ومحسن‌ خان‌) نزاع‌.

ويتحدث‌ اعتماد السلطنة‌ (من‌ وزراء ناصر الدين‌ شاه‌، ومن‌ المعادين‌ لملكم‌ وسياسة‌ حكومة‌ بريطانيا) عن‌ ملكم‌ ودوره‌ فـى معاهدة‌ رويتر، نقلاً عن‌ ميرزاحسين‌ خان‌ سبهسالار فـى إحدي‌ المرافعات‌ القضائية‌ بقوله‌: «ملكم‌ المخادع‌ الدجّال‌ المتظاهر طلبتُه‌ إلي إيران‌ وجعلته‌ مدة‌ مستشارى الخاص‌، ثم‌ بعثته‌ وزيراً مختاراً إلي بريطانيا. لقد كنت‌ أنوى لأغراض‌ شخصية‌ أن‌ أحطّم‌ الوضع‌ القائم‌ فـى خزانة‌ الدولة‌، وأقيم‌ بنكاً وسكة‌ حديد. وكان‌ ملكم‌ الحيّال‌ الطماع‌ علي علم‌ بهدفـى، فاتفق‌ معى فـى هذه‌ المقاصد بل‌ المفاسد، وتعاون‌ مع‌ مبعوث‌ إيرانـى إلي لندن‌، وحثّ الإثنان‌ «رويتر» الصرافَ المتمول‌ البريطانـى علي هذا الأمر، وهذا البريطانـى أعطانـى أنا وملكم‌ مبلغاً كبيراً، كما أعطي‌ رشوة‌ لعدد آخر من‌ رجال‌ الدولة‌ فـى طهران‌ وحصل‌ علي ماحصل‌ من‌ امتيازات‌ فـى سكك‌ الحديد وافتتاح‌ بنك‌ واستخراج‌ المناجم‌ وكل‌ شى‌ء» [٨].

دور ملكم‌ فـى امتياز «لاتارى‌»

ثَمَّ عقد آخر تم‌ بوساطة‌ من‌ ملكم‌ خان‌، هو منح‌ امتياز تأسيس‌ لاتارى [٩] من‌ قبل‌ ناصر الدين‌ شاه‌ لشخص‌ اسمه‌ بوزيك‌ دوكاردوال‌ Buzic de Cardoal. وأُبرم‌ هذا العقد أثناء الزيارة‌ الثالثة‌ للشاه‌ إلي أوربا حين‌ كان‌ فـى اسكتلندا. ورشا ملكمُ الشاه‌ جراء هذه‌ الصفقة‌ مبلغ‌ ألف‌ ليرة‌، وأوضح‌ له‌ أن‌ هذه‌ الصفقة‌ ليست‌ سوي‌ منح‌ امتياز نوع‌ من‌ الصرافة‌ فـى إيران‌، وحين‌ عاد الشاه‌ إلي إيران‌ واجه‌ معارضة‌ العلماء وواجه‌ فتوي‌ حرمة‌ هذا العمل‌ باعتباره‌ نوعاً من‌ القمار.

اضطر ناصر الدين‌ شاه‌ إلي إلغاء هذا الامتياز بموجب‌ برقية‌ أرسلها إلي ملكم‌ (يُروي‌ أن‌ الشاه‌ أكد لملكم‌ أنه‌ لايحق‌ له‌ إبرام‌ الإتفاق‌ نهائياً إلا بعد أن‌ تأتيه‌ برقية‌ أخري‌ من‌ البلاط‌ تؤيّد الاتفاقية‌). وكتم‌ ملكم‌ أمر البرقية‌ ستة‌ أيام‌ استطاع‌ خلالها أن‌ يبرم‌ عقد هذا الامتياز بمبلغ‌ أربعين‌ ألف‌ ليرة‌، وقيل‌ خمسين‌ ألف‌ ليرة‌ مع‌ شركة‌ بريطانية‌. ثم‌ أرسل‌ إلي وزارة‌ الخارجية‌ الإيرانية‌ جواباً علي البرقية‌ يقول‌: إنه‌ تم‌ تبادل‌ وثائق‌ الاتفاق‌، ولايمكن‌ إلغاوه‌.

هذا الجواب‌ أثار حفيظة‌ الشاه‌ ورئيس‌ الوزراء، فبعثا إلي لندن‌ أمراً يقضى بالغاء الامتياز وخلع‌ ملكم‌ من‌ كل‌ ألقابه‌.

وبذلك‌ فقد ملكم‌ فجأة‌ مكانته‌ فـى السفارة‌ بعد ثمانية‌ عشر عاماً من‌ العمل‌ فيها؛ سعي‌ خلالها حثيثاً إلي إعادة‌ مافقده‌ ولكن‌ دون‌ جدوي‌. وقُـدِّم‌ ملكم‌ إلي المحاكم‌ البريطانية‌ بتهمة‌ الدجل‌، ولكن‌ علاقاته‌ الواسعة‌ بالدبلوماسيين‌ البريطانيين‌ أدت‌ إلي صدور حكم‌ ببراءته‌. غير أن‌ الحكم‌ حمل‌ أيضاً الإدانة‌ لملكم‌ باعتباره‌ شخصاً «سيئاً». ومنذ ذلك‌ الوقت‌ فقد شخصيته‌ فـى المحافل‌ البريطانية‌.

بعد أن‌ يئس‌ ملكم‌ من‌ استعادة‌ مكانته‌ بادر إلي إصدار صحيفة‌ «قانون‌» لتكون‌ لسان‌ حال‌ التحرريين‌ ! وبدأ يوجّه‌ انتقاداته‌ إلي الشاه‌ والصدر الأعظم‌ فـى إيران‌.

هذا الشخص‌ الذى يتظاهر اليوم‌ بالتحررية‌ والتقدمية‌ سبق‌ أن‌ كتب‌ للشاه‌ رسائل‌ مدح‌ وتملّق‌ لم‌ يبلغها كبار المادحين‌ والمتملّقين‌. وينقل‌ لنا صاحب‌ كتاب‌ «تاريخ‌ العلاقات‌ السياسية‌ الإيرانية‌ - البريطانية‌ خلال‌ القرن‌ التاسع‌ عشر الميلادى‌» نموذجاً من‌ هذه‌ الرسائل‌ المليئة‌ بالملق‌ العجيب‌، ثم‌ يذكر تحوّل‌ موقف‌ ملكم‌ من‌ الشاه‌ قائلاً: «لو لم‌ يتعرّض‌ الشاه‌ والصدر الأعظم‌ لملكم‌، وتركاه‌ يرتع‌ بما حصل‌ عليه‌ من‌ أربعين‌ ألف‌ ليرة‌، وأبقاه‌ الشاه‌ فـى منصبه‌ سفيراً لإيران‌ فـى لندن‌، لما أقدم‌ أصلاً علي إصدار صحيفة‌ «قانون‌» ولاستمرّ علي ماكان‌ عليه‌ من‌ إرسال‌ مدبّجات‌ الملق‌ والمدح‌ والثناء للشاه‌، ولما أصبح‌ من‌ أبطال‌ الحرية‌ والمشروطة‌ فـى إيران‌. والبرفسور براون‌ مع‌ علمه‌ بأن‌ المحكمة‌ البريطانية‌ وصفت‌ ملكم‌ بأنه‌ شخص‌ سى‌ء يتحدث‌ عنه‌ بأنه‌ دبلوماسى شهير» [١٠].

والغريب‌ فـى أمر الكتاب‌ «التقدميين‌ !» أنهم‌ يثنون‌ أكبر الثناء علي ميرزاحسين‌ خان‌ سبهسالار وعلي ملكم‌ خان‌ ناظم‌ الدولة‌ ويعتبرونهما من‌ طلائع‌ الحركة‌ الإصلاحية‌ والتقدمية‌ فـى إيران‌. بينما يكيلون‌ الشتم‌ لمن‌ وقف‌ بوجههم‌ من‌ علماء الدين‌ مثل‌ الحاج‌ ملا على كنـى. ولنقف‌ قليلاً عند بعض‌ هذه‌ المواقف‌.

ملا على كنـى وامتياز رويتر

الحاج‌ ملا على كنـى ولد سنة‌ ١٢٢٠ هجرية‌ قمرية‌، فـى قرية‌ «كَنْ» قرب‌ طهران‌، من‌ أب‌ مزارع‌ لايحمل‌ رغبة‌ فـى دراسة‌ أولاده‌. لكنّ «علـى‌» أنهي‌ مقدمات‌ الدراسة‌ الإسلامية‌ بجدّ، واتجه‌ فـى العشرين‌ من‌ عمره‌ إلي النجف‌ ليواصل‌ دراسته‌ فيها، وجدّ فـى الدراسة‌ هناك‌ رغم‌ شظف‌ العيش‌، ودرس‌ علي كبار العلماء، منهم‌ الشيخ‌ محمد حسن‌ صاحب‌ الجواهر، وحين‌ عاد إلي إيران‌ كان‌ من‌ وجوه‌ المجتهدين‌ فيها. وبلغ‌ فـى عصر ناصر الدين‌ شاه‌ مكانة‌ علمية‌ وشعبية‌ هامة‌، فكان‌ يصدر الأوامر إلي الشاه‌، والشاه‌ يخشي‌ قدرته‌. وله‌ موقفان‌ سياسيان‌ هامان‌: الأول‌ - تجاه‌ التنظيم‌ الماسونـى فـى إيران‌ بقيادة‌ ميرزا ملكم‌ خان‌، فعارضه‌ إلي أن‌ أصدر الشاه‌ أمراً بانحلاله‌. والثانـى - تجاه‌ امتياز رويتر. مما أدّي‌ أيضاً إلي إلغاء الامتياز.

نقتطف‌ عبارات‌ من‌ رسالة‌ وجهها هذا الرجل‌ إلي ناصر الدين‌ شاه‌ لنفهم‌ من‌ سطورها دور علماء الدين‌ وأصحاب‌ مدرسة‌ الأصالة‌ فـى الدفاع‌ عن‌ استقلال‌ الوطن‌ وحفظ‌ كرامته‌، وصيانة‌ مقدراته‌ التـى‌ تهاون‌ بها وتلاعب‌ بها، وساوم‌ عليها «المتغربون‌».

«…. بناء علي ذلك‌؛ نحن‌ الداعون‌ والمؤمنون‌ نؤكد أن‌ شخص‌ ميرزا ملكم‌ خان‌ عدو للدين‌ والدولة‌، وليست‌ للحكومة‌ والسلطنة‌ صلاحية‌ إطلاق‌ لقب‌ ناظم‌ الملك‌ عليه‌، ومن‌ يفعل‌ ذلك‌ فقد خان‌ الدين‌ والدولة‌، وأجاز المجرم‌ أن‌ يتدخل‌ فـى جسيم‌ أعمال‌ الدولة‌».

«هذا الرجل‌ (ملكم‌) يعبث‌ منذ مدّة‌ فـى دار الخلافة‌ وأسس‌ محفلاً ماسونياً، ظاناً أنه‌ قادر علي أن‌ يمسك‌ بمقاليد الأمور، ويعمل‌ علي اضمحلال‌ الدين‌ والأمة‌. ولكن‌ عدو الدين‌ والدولة‌ هذا والحمد للّه‌ قد خاب‌ ويئس‌ بفضل‌ موقف‌ الشاه‌، لكنه‌ لايزال‌ يحلم‌ بتلك‌ الطموحات‌، فعمد إلي إيقاع‌ البلد فـى معاهدات‌ وشروط‌ تحت‌ عنوان‌ مد سكة‌ الحديد».

«ولقد بلغنا أنه‌ يستهدف‌ بهذه‌ المعاهدات‌ إجبار الناس‌ علي تسليم‌ أموالهم‌ وأملاكهم‌ مثل‌ الغابات‌ والمناجم‌ والقنوات‌، بل‌ سيتم‌ بموجب‌ هذه‌ المعاهدة‌ تسليم‌ الأموال‌ العامة‌. هذه‌ المعاهدة‌ ستنزل‌ بالبلاد ضرراً اقتصادياً، لو أرادت‌ الدولة‌ بعد ذلك‌ دفعه‌ لما استطاعت‌ حتي‌ ولو أنفقت‌ كل‌ مافـى الخزانة‌ ومافـى أيدى الناس‌».

«واسمحوا لـى أن‌ أقول‌ لكم‌: بأية‌ صلاحية‌ تستطيع‌ الحكومة‌ أن‌ تجبر رعاياها علي بيع‌ الأملاك‌ والأشجار والأراضى والمياه‌؟ ! ومن‌ الذى سلّطها علي ذلك‌ كلّه‌؟ ! لا الشرع‌ الإسلامى يجيز لها ذلك‌ ولا شرائع‌ سائر الأديان‌…. »

«…. لو أن‌ الأوضاع‌ استدعت‌ أن‌ ننهض‌ للدفاع‌ عن‌ وطننا أمام‌ المعتدين‌ والطغاة‌، فبأى مال‌؟ وبأى رجال‌؟ وقد نضبت‌ الأموال‌ ويئسَ الرجال‌ !! ولو فتح‌ الطريق‌ أمام‌ غزو الإنجليز تحت‌ اسم‌ مدّ سكة‌ الحديد فأى عالم‌ دين‌ تبقي‌ له‌ حرمة‌ فـى هذه‌ البلاد؟ ! لو بقى لأحد منهم‌ قدرة‌ علي الكلام‌ فهل‌ يستطيع‌ أن‌ يقول‌ شيئاً سوي‌: واديناه‌ ! و وا أمتاه‌ ! بأية‌ جرأة‌ تفسحون‌ المجال‌ للأجانب‌ أن‌ يأتوا بخيلهم‌ ورجلهم‌ وأموالهم‌ ليسيحوا فـى سهول‌ بلاد إيران‌ العظيمة‌ ويصلوا إلي عاصمة‌ السلطنة‌؟ ! ما الذى يضمن‌ عدم‌ فرضهم‌ سيطرة‌ عسكرية‌ علينا بالمدفع‌ والبندقية‌؟ !».

«أقسم‌ عليك‌ أيها الشاه‌ أن‌ تصون‌ حرمة‌ الدين‌ والوطن‌، وتقطع‌ يد كل‌ خائن‌، خاصة‌ هذا الخائن‌ الذى يريد أن‌ يعقد معاهدة‌ مدّ سكة‌ الحديد بصورة‌ تتعارض‌ مع‌ مصلحة‌ الدين‌ والدولة‌ وبدون‌ استشارة‌ العقلاء والأخيار…» [١١].

الشيخ‌ حسن‌ الكربلائى وامتياز التنباك‌

الشيخ‌ حسن‌ الكربلائى عالم‌ دين‌، فهم‌ من‌ منطلقه‌ الدينـى ما ستجره‌ خيانات‌ «التقدميين‌» من‌ مصائب‌ علي البلاد، جرّاء هزيمتهم‌ أمام‌ الأوربيين‌، وفسحهم‌ المجال‌ أمام‌ الأجانب‌ ليحصلوا علي امتيازات‌ اقتصادية‌ فـى الوطن‌ الإسلامى.

الّف‌ الشيخ‌ كتاباً تحت‌ عنوان‌ «تاريخ‌ الدخانية‌» يذكره‌ الشيخ‌ آقا بزرگ‌ الطهرانـى فـى الجزء الثالث‌ من‌ «الذريعة‌» يقول‌: تاريخ‌ الدخانية‌ وشرح‌ منشور الامتياز والانحصار فـى أنواع‌ الدخانيات‌ فـى سنة‌ ١٣٠٩ من‌ سلطان‌ إيران‌ وما ترتب‌ عليه‌؛ كتاب‌ فارسى‌، سلس‌، لطيف‌. للشيخ‌ حسن‌ التسترى الأصفهانـى الحائرى المعروف‌ بالشيخ‌ حسن‌ الكربلائى‌، من‌ أفاضل‌ تلاميذ آية‌ اللّه‌ المجدد الشيرازى‌، توفـى بالكاظمية‌ فـى نيف‌ وعشرين‌ وثلاثمائة‌ وألف‌…. ألفه‌ بسامراء وذكر فيه‌ القضية‌ الدخانية‌ من‌ بدء صدور امتيازها عن‌ السلطان‌ ناصر الدين‌ شاه‌ إلي ارتفاعها…»

لانريد هنا أن‌ نتحدث‌ عن‌ تفاصيل‌ امتياز التنباك‌ وما أعقبه‌ من‌ نهضة‌ دينية‌ أدّت‌ إلي إلغائه‌، فسنفصل‌ الحديث‌ عن‌ ذلك‌ فـى موقعه‌، بل‌ نريد أن‌ ننقل‌ صورة‌ من‌ الوعى الدينـى تجاه‌ جريمة‌ أخري‌ من‌ جرائم‌ المتغربين‌ فـى هذا البلد المسلم‌.

يقول‌ الشيخ‌ حسن‌ الكربلائى فـى هذا الكتاب‌ [١٢]:

«بعد أن‌ انفتحت‌ أبواب‌ إيران‌ أمام‌ الغربيين‌ الأذكياء راحوا يبحثون‌ عن‌ امتيازات‌ اقتصادية‌ لهم‌ فـى أرجاء البلاد، وحصلوا علي العديد من‌ الامتيازات‌ الصغيرة‌ التـى‌ تفسح‌ لهم‌ المجال‌ أن‌ يتدخلوا فـى شؤون‌ إيران‌. ولكن‌ هذه‌ الامتيازات‌ الصغيرة‌ لم‌ تحقّق‌ هدفهم‌ بشكل‌ كامل‌، فطفقوا يفكرون‌ فـى امتيازات‌ واسعة‌ بعيدة‌ المدي‌ لينالوا مآربهم‌ علي نطاق‌ واسع‌…».

ثم‌ يصف‌ المرحوم‌ الكربلائى ثالث‌ زيارة‌ لناصر الدين‌ شاه‌ إلي أوربا، ويطيل‌ الوصف‌ فـى كرم‌ ضيافة‌ البريطانيين‌ للشاه‌، وطلبهم‌ منه‌ توثيق‌ العلاقات‌ بين‌ الجانبين‌، ويقول‌:

«…. واضح‌ أن‌ الطامع‌ الذكى الخبير يستغل‌ هذه‌ الفرصة‌، إذ أوعز إلي الميجرتالبوت‌ - وهو بريطانـى له‌ علاقات‌ وطيدة‌ بإيران‌ وطالما تظاهر بحبه‌ لإيران‌ وحكومتها - أن‌ يقدّم‌ مشروع‌ الحصول‌ علي امتياز التنباك‌ فـى إيران‌. وتوسّل‌ تالبوت‌ بأحد الرؤوس‌ المتنفذة‌ فـى الدولة‌ - ويقصد به‌ ميرزا على أصغرخان‌ أمين‌ السلطان‌ - وسيأتى ذكره‌ وأوحوا إلي السلطان‌ أن‌ هذا الامتياز سيدرّ علي البلاد أرباحاً طائلة‌، وأنه‌ سيدفع‌ البلاد إلي جادّة‌ الترقّى‌» [١٣].

ويقول‌ فـى موضع‌ آخر: «إن‌ هذا الرأس‌ المتنفذ كان‌ علي علم‌ بما يجرّه‌ هذا الامتياز من‌ مفاسد، ولكن‌ لنفعيته‌ وسماجته‌ أو لملاحظات‌ أخري‌ رضخ‌ لهذا الامتياز، ومهما يكن‌ الدافع‌ فإنه‌ وقّع‌ علي الاتفاق‌ من‌ دون‌ استشارة‌؛ متجاهلاً ما سيجره‌ من‌ عواقب‌ وخيمة‌ وسيئة‌، وما سيؤدى إليه‌ من‌ إبادة‌ لمُلك‌ إيران‌ ومملكتها» [١٤].

وكتب‌ إبراهيم‌ دهگان‌ تعليقاً علي كتاب‌ الشيخ‌ حسن‌ كربلائى، وفـى تعليقه‌ علي مانقلناه‌ من‌ كلام‌ الشيخ‌ حسن‌ يقول‌:

«المقصود بالرأس‌ المتنفذ أمين‌ السلطان‌. هذا الرجل‌ المتملّق‌ الذى لم‌ يكن‌ يجرؤ علي أدني حركة‌ دون‌ إذن‌ أسياده‌. فهو الذى هيأ وسائل‌ سفر الشاه‌ إلي بريطانيا بإيعاز من‌ السيرهانرى وولف‌ سفير بريطانيا اليهودى الأصل‌ فـى طهران‌».

…. فـى تلك‌ السفرة‌ (سفرة‌ الشاه‌ الثالثة‌ إلي بريطانيا) قدمت‌ إلي الشاه‌ عدة‌ اقتراحات‌، منها اقتراح‌ امتياز التبغ‌. وأوكلت‌ مهمة‌ أخذ هذا الامتياز لمضيّف‌ الشاه‌ الميجر جيرالد تالبوت‌. واتصل‌ هذا الأخير باعتماد السلطنة‌ وأمين‌ السلطان‌، وبيّن‌ لهما مزايا هذا الاتفاق‌، ومما قاله‌ لهما: إن‌ هذه‌ الاتفاقية‌ ستؤمّن‌ نفقات‌ سفرة‌ الشاه‌ هذه‌ والسفرات‌ القادمة‌ أيضاً. وأمين‌ السلطان‌ قال‌ للشاه‌ فـى أحد لقاءاته‌: إن‌ هذا الامتياز مثل‌ كنز موهوب‌، ولا عاقل‌ يغضّ النظر عن‌ صيد جاء بين‌ يديه‌ (!) مشروع‌ هذا الامتياز وضع‌ فـى مدينة‌ برايتن‌ بعد أن‌ حصل‌ تالبوت‌ علي معلومات‌ كاملة‌ عن‌ وضع‌ إيران‌ ومسائلها الاجتماعية‌ عن‌ طريق‌ اعتماد السلطنة‌.

والميجر تالبوت‌ كان‌ علي علم‌ بنقاط‌ ضعف‌ الشاه‌ وحاشيته‌. واستناداً إلي مذكرات‌ ناصر الدين‌ شاه‌ نفسه‌ فإن‌ الميجر تالبوت‌ دعا الشاه‌ إلي الجلوس‌ عند حوض‌ بلّورى ودعا فتاة‌ فـى الخامسة‌ عشرة‌ من‌ عمرها وفـى حالة‌…… إلي السباحة‌ فـى الحوض‌ أمام‌ الشاه‌. وبذلك‌ ملك‌ علي الشاه‌ إرادته‌» [١٥].

بمثل‌ هذه‌ الخطط‌ اشتروا الأوطان‌ وعاثوا بالمقدّرات‌… ومع‌ هذا فالسقوط‌ فـى أحضان‌ الغرب‌ فـى أدبيات‌ المثقفين‌ «تقدمية‌»، ومعارضة‌ علماء الدين‌ لهذا السقوط‌ «رجعية‌ وتحجّر».

وكلما تقدمنا فـى تاريخ‌ هذه‌ الحقبة‌ نجد أن‌ خططاً معقّدة‌ ومدروسة‌ تنفّذ فـى هذا البلد عن‌ طريق‌ شبكات‌ واسعة‌ عظيمة‌ تُدار فـى لندن‌، تتجلـى تارة‌ بالماسونية‌ وتارة‌ بالبابية‌ وتارة‌ أخري‌ بخطط‌ التحلل‌ الخلقى والعقائدى‌.

فمنذ أن‌ طرد أول‌ سفير بريطانـى من‌ بلاط‌ الشاه‌ طهماسب‌ بذلة‌ ومهانة‌، وعفّر مسلم‌ شهمٌ مواضع‌ أقدامه‌ بالتراب‌ أيقن‌ الغربيون‌ أن‌ هذه‌ الأمة‌ تستمد من‌ عقيدتها ودينها وتاريخها ما يمكّنها من‌ مواجهة‌ ألوان‌ التحديات‌. فهذه‌ الطاقات‌ المعنوية‌ كانت‌ وراء انتصارات‌ الإسلام‌ منذ بدر وحنين‌ وفتح‌ بيت‌ المقدس‌ وعبور مضيق‌ جبل‌ الطارق‌ وفتح‌ القسطنطينية‌ بيد محمد الفاتح‌ وحتي‌ هذه‌ العقبات‌ التـى‌ يواجهونها فـى الدولتين‌ الصفوية والعثمانية‌ أمام‌ توغلهم‌ ونفوذهم‌. لذلك‌ خطّطت‌ الدول‌ الغربية‌ وعلي رأسها بريطانيا لإفراغ‌ هذه‌ الأمة‌ من‌ محتواها العقائدى‌. والخطط‌ التـى‌ نفذوها فـى إيران‌ غريبة‌ للغاية‌…. والأغرب‌ من‌ ذلك‌ أنها لم‌ تستطع‌ أن‌ تمزّق‌ إيران‌ وتفتتها، والسبب‌ الوحيد يعود إلي مواقف‌ علماء الدين‌ وقيادتهم‌ لهذه‌ الأمة‌ وشحنهم‌ وجدان‌ الجماهير بروح‌ الحسين‌ (ع) وكربلاء الحسين‌ وبتاريخ‌ المواقف‌ الأبية‌ لأهل‌ بيت‌ رسول‌ اللّه‌ (ص).

ولو كان‌ الأمر بيد «التقدميين‌» لقدّموا وطنهم‌ ومقدّرات‌ شعبهم‌ خلال‌ ساعات‌ قرباناً علي مذبح‌ أسيادهم‌ الغربيين‌، باسم‌ مواكبة‌ حركة‌ التقدم‌ والتحرر فـى العالم‌ !!

جدير بالذكر أن‌ أحد «التقدميين‌» الذين‌ يحملون‌ علي علماء الدين‌ فـى موقفهم‌ من‌ امتياز التنباك‌ هو على خان‌ أمين‌ الدولة‌، فقد كتب‌ فـى «مذكراته‌» عن‌ موقف‌ علماء الدين‌ بأنها عمليات‌ استفزاز للسوقة‌ والأراذل‌، وحثهم‌ علي الحصول‌ علي خزانة‌ الدولة‌ وأموالها !!

واللطيف‌ فـى هذا الأمر أن‌ أمين‌ الدولة‌ هذا من‌ «المتجددين‌» ومن‌ حماة‌ ملكم‌ خان‌ فـى تأسيس‌ المجمع‌ الماسونـى فـى إيران‌، ومذكراته‌ هذه‌ نشرها حافظ‌ فرمانفرمائيان‌ [١٦]، وعائلة‌ فرمانفرمائيان‌ من‌ العوائل‌ الماسونية‌ التـى‌ تغلغلت‌ كالسرطان‌ فـى أجهزة‌ الحكم‌ آنذاك‌، وقد حصل‌ علي هذه‌ المذكرات‌ من‌ حفيد أمين‌ الدولة‌ وهو «على أمينـى»، وهذا الأخير هو الذى تولى رئاسة‌ الوزراء فـى زمن‌ الشاه‌ المقبور، ووقّع‌ علي اتفاقية‌ «الكنسرسيوم‌» المذلة‌، ودعم‌ بشدّة‌ مصالح‌ أمريكا فـى إيران‌. إن‌ هذه‌ العائلة‌ ومثيلاتها تعتبر فروعاً متشابكة‌ لشجرة‌ خبيثة‌ اجتهدت‌ للقضاء علي الروح‌ الدينية‌ وعلي مكانة‌ علماء الدين‌ فـى هذا البلد المسلم‌ تمهيداً لعملية‌ الغزو الغربـى الكاملة‌.

امتياز التنباك‌

نفصل‌ الحديث‌ الآن‌ عن‌ امتياز التنباك‌ وما جرّه‌ علي البلاد، وموقف‌ الأمة‌ المسلمة‌ بقيادة‌ علمائها من‌ هذا التدخل‌ الأجنبـى.

الاتفاقية‌ باختصار نصت‌ علي مايلي‌:

«لقد منحنا امتياز عمليات‌ بيع‌ التبغ‌ وشرائه‌ وتصنيعه‌ فـى كل‌ الممالك‌ المحروسة‌ (الإيرانية‌) لمدة‌ خمسين‌ عاماً ابتداء من‌ توقيع‌ لائحة‌ الامتياز هذه‌، للميجر تالبوت‌ وشركائه‌ بالشروط‌ التالية‌:

١ - يدفع‌ أصحاب‌ الامتياز سنويا ١٥ ألف‌ ليرة‌ بريطانية‌ إلي الخزانة‌ العامرة‌ سواء ربحوا فـى عملهم‌ هذا أم‌ خسروا.

٢ - تصدر الدولة‌ للحكام‌ المحليين‌ تعليمات‌ تقضى بإلزام‌ الفلاحين‌ أن‌ يحصلواعلي إذن‌ من‌ صاحب‌ الامتيازبشأن‌ زراعة‌ التنباك‌.

٣ - يسلّم‌ صاحب‌ الامتياز ربع‌ الأرباح‌ الخالصة‌ من‌ هذا العمل‌ للخزانة‌ العامرة‌.

٤ - تعفي كل‌ المصانع‌ والمعدات‌ اللازمة‌ لهذا العمل‌ من‌ الضرائب‌ والمكوس‌.

٥ - نقل‌ التنباك‌ داخل‌ الممالك‌ المحروسة‌ (الإيرانية‌) دون‌ إذن‌ صاحب‌ الامتياز ممنوع‌، إلاّ ماحمله‌ المسافرون‌ لاستعمالهم‌ اليومى‌.

٦ - يشترى أصحاب‌ الامتياز كل‌ التبغ‌ المزروع‌ فـى الممالك‌ المحروسة‌ بثمن‌ نقدى يرضى الزارع‌، ولدي‌ بروز اختلاف‌ بين‌ الجانبين‌ يقضى بينهم‌ حَكمٌ يوافق‌ عليه‌ الطرفان‌.

٧ - توافق‌ الدولة‌ علي عدم‌ فرض‌ رسوم‌ ومكوس‌ اضافية‌ بشأن‌ التبغ‌ والتنباك‌، وعدم‌ المطالبة‌ بزيادة‌ العائدات‌ الحالية‌، خلال‌ الأعوام‌ الخمسين‌ من‌ هذا الاتفاق‌.

٨ - كل‌ من‌ يتصرف‌ خلافاً لهذا الامتياز أو يعمد إلي المتاجرة‌ بالتبغ‌ والتنباك‌ خفية‌ يتعرض‌ لأشدّ عقاب‌ من‌ الحكومة‌.

٩ - يحق‌ لأصحاب‌ الامتياز أن‌ ينقلوا حقهم‌ أو بعض‌ حقهم‌ لفرد آخر أو أفراد آخرين‌ علي أن‌ يضعوا الحكومة‌ فـى صورة‌ هذا الانتقال‌.

١٠ - عندما يحصد المالك‌ التبغ‌ أو التنباك‌ عليه‌ أن‌ يذكر مقدار محصوله‌ لأقرب‌ وكيل‌ لأصحاب‌ الأمتياز، كى يُشتري منه‌ المحصول‌ وفق‌ المادة‌ السادسة‌.

١١ - لايحق‌ لأصحاب‌ الامتياز أن‌ يشتروا أراضى إلا بمقدار مايلزمهم‌ لتنفيذ هذا الأتفاق‌ فـى جمع‌ المحصول‌ وخزنه‌.

١٢ - يحق‌ للزارعين‌ أن‌ يحتفظوا من‌ محصولهم‌ بمقدار استهلاكهم‌.

١٣ - إذا لم‌ تبدأ الشركة‌ بعملها خلال‌ مدة‌ سنة‌ من‌ توقيع‌ هذا الاتفاق‌ فإن‌ هذا الاتفاق‌ يلغي‌، إلاّ إذا منع‌ التنفيذ مانع‌ كالحرب‌ وأمثالها.

١٤ - فـى حالة‌ بروز اختلاف‌ بين‌ دولة‌ إيران‌ وأصحاب‌ الامتياز يُرجع‌ إلي حَكم‌ يرتضيه‌ الطرفان‌.

١٥ - أُعدت‌ هذه‌ الاتفاقية‌ بنسختين‌ وتم‌ التوقيع‌ عليها بتاريخ‌ ٢٠ مارس‌ ١٨٩٠ الموافق‌ ٢٨ رجب‌ ١٣٠٨……

وخلال‌ ١٧ شهراً بعد عودة‌ الشاه‌ قدم‌ جمع‌ من‌ الإفرنج‌ باسم‌ وفد الشركة‌ إلي إيران‌ لتحقيق‌ أهدافهم‌…» [١٧].

حين‌ مرّ الوفد من‌ استانبول‌ فـى طريقه‌ إلي إيران‌ التقاه‌ مسؤول‌ صحيفة‌ «اختر» الناطقة‌ بلسان‌ المثقفين‌ الإيرانيين‌ المعارضين‌ المقيمين‌ فـى تركيا، ووجه‌ سؤالاً إلي الوفد عن‌ فوائد اتفاق‌ احتكار التبغ‌ والتنباك‌ فـى إيران‌، فجاء الجواب‌: إن‌ المزارع‌ الإيرانـى كان‌ يبيع‌ محاصيله‌ إلي التجار بالدَّين‌ أو كان‌ يقايض‌ محصوله‌ بالقماش‌، ولكنه‌ الآن‌ يحصل‌ علي ثمن‌ محصوله‌ نقداً. ويعلّق‌ مسؤول‌ الصحيفة‌ علي هذا الجواب‌ بأن‌ المزارع‌ الإيرانـى ماكان‌ يبيع‌ محصوله‌ بالدين‌، بل‌ كان‌ يحصل‌ علي الثمن‌ نقداً، بل‌ أحياناً كان‌ يحصل‌ علي الثمن‌ سلفاً قبل‌ حصاد المحصول‌، أضف‌ إلي ذلك‌ كان‌ المزارع‌ الإيرانـى أمام‌ خيارات‌ متعددة‌ لدي‌ البيع‌، أما الآن‌ فهو أمام‌ خيار واحد لاغير، وهو أن‌ يبيعه‌ للشركة‌، من‌ هنا فلا تعود هذه‌ الاتفاقية‌ علي المزارع‌ بالربح‌، بل‌ بالخسارة‌…» [١٨].

هذا هو كل‌ مافـى ذهن‌ هؤلاء المثقفين‌ من‌ اعتراض‌ ومن‌ إحساس‌ بالغبن‌ والخطر فـى هذه‌ الصفقة‌ مع‌ الغربيين‌. حساب‌ الربح‌ والخسارة‌ فـى ذهنهم‌ لايعدو أن‌ يكون‌ طريقة‌ البيع‌ واحتكار المشترى‌.

***

[١] - سبهسالار: تعني قائد الجيش، أو صاحب الجيش. وميرزا حسين خان نال منصب الصدارة العظمى (رئاسة الوزراء) في زمن ناصر الدين شاه (المترجم).

[٢] - أحمد كسروي من دعاة التغريب في إيران، ومن المنادين بتطهير !! اللغة الفارسية من المفردات العربية (المترجم).

[٣] - كسروي تبريزي، مصدر سابق / ١٩.

[٤] - آدميت، مصدر سابق / ٨٦ - ٨٧.

[٥] - نفس المصدر / ٩٠ - ٩١.

[٦] - فشاهي، مصدر سابق / ٤٤١ - ٤٤٢.

[٧] - نفس المصدر / ٤٤٣.

[٨] - نفس المصدر / ٤٤٣.

[٩] - لاتاري Laterie كلمة فرنسية تعني نوعاً من (اليانصيب) عن طريق القرعة أو بأشكال وأدوات أخرى.

[١٠] - محمود محمود، تاريخ روابط سياسي إيران وانكليز در قرن نوزدهم ميلادي (فارسي) ٥ / ١٢٢٣ - ١٢٢٥، طهران، إقبال.

[١١] - تيموري، مصدر سابق.

[١٢] - الشيخ حسن كربلائي، تاريخ الدخانية (معاهدة رجي) ١٤ - ١٦، أراك ١٣٣٣هـ.

[١٣] - نفس المصدر / ١٧.

[١٤] - نفس المصدر / ١٦ - ١٧.

[١٥] - نفس المصدر / ١٧.

[١٦] - انظر حافظ فرمانفرمائيان، خاطرات سياسي أمين الدولة (فارسي)، طهران، كتابهاي ايران، ١٣٤١.

[١٧] - ناظم الإسلام كرماني، تاريخ بيداري ايرانيان (فارسي) = تاريخ يقظة الإيرانيين / ٣٨، طهران ١٣٢٤ هـ. ش.

[١٨] - فريدون آدميت، شورش بر امتيازنامه رجى (فارسي) = التمرّد على امتياز رجي / ١٠، طهران، ١٣٦٠ هـ. ش.



[ Web design by Abadis ]