ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 ردود الفعل‌

الشيخ‌ شامل‌

الشيخ‌ شامل‌ رئيس‌ الطريقة‌ الصوفية‌ النقشبندية‌، وزعيم‌ المجاهدين‌ المسلمين‌ القفقاسيين‌، أعلن‌ الحرب‌ علي‌ روسيا فـى أواسط‌ القرن‌ الثالث‌ عشر الهجرى وحارب‌ لسنوات‌ جيش‌ القياصرة‌، لتحرير القفقاس‌ من‌ السيطرة‌ الروسية‌. وتعاون‌ لمدة‌ مع‌ «القاضى ملا» المجاهد القفقاسى المعروف‌، وبعد مقتل‌ القاضى ملا قتل‌ أيضاً خلفه‌ «حمزة‌ بيك‌» (١٨٣٤م‌) فأصبح‌ الشيخ‌ شامل‌ زعيم‌ مجاهدى‌ داغستان‌. حارب‌ هذا الشيخ‌ مدة‌ ٢٥ سنة‌ (١٨٣٤ - ١٨٥٩م‌) لتحرير بلاده‌ ضد قادة‌ جيش‌ الإمبراطورية الروسية‌، وحمّل‌ الجيش‌ الروسى‌ خسائر فادحة‌، وأبدي‌ مهارة‌ قتالية‌ فائقة‌. استمرار هذه‌ الحرب‌ وطول‌ مدتها أرهق‌ أنصاره‌ وأتعبهم‌، فتفرق‌ عنه‌ أكثرهم‌، وكانت‌ النتيجة‌ أن‌ انهزم‌ أمام‌ جيش‌ عظيم‌ وجهه‌ إليه قيصر روسيا المعروف‌ «الكساندر الثانـى»، فاعتقل‌، واقتيد إلي سان‌ بطرسبورغ‌ عند القيصر، فأمر بنفيه‌ إلي كالوغا. وسقطت‌ كل‌ القفقاس‌ بيد روسيا، وأصبحت‌ كل‌ قبائل‌ القفقاس‌ خاضعة‌ بالتدريج‌ للسيطرة‌ التزارية‌. طلب‌ الشيخ‌ شامل‌ سنة‌ ١٢٨٥هـ أن‌ يؤذن‌ له‌ بالحج‌، فذهب‌ إلي الحجاز وتوفـى فـى المدينة‌ المنورة‌. ولده‌ «قاضي‌ محمد» انخرط‌ فـى خدمة‌ ا

لدولة‌ العثمانية‌ وشارك‌ فـى حربها ضد روسيا سنة‌ ١٨٧٧م‌. لكن‌ مساعيه‌ لاستثارة‌ شعب‌ داغستان‌ لم‌ تسفر عن‌ نتيجة‌، وتوفـى فـى مكة‌ المكرمة‌ [١].

ميرزا فتح‌ علـى‌ آخوندزاده‌

لكى‌ نكون‌ موضوعيين‌ فـى الحديث‌ عن‌ هذا الرجل‌ نقتطف‌ ما كتبه‌ عنه‌ واحد من‌ أشد مؤيديه‌ هو الدكتور فريدون‌ آدميّت‌ فـى كتابه‌: «انديشه‌هاى‌ ميرزا فتح‌ على‌ آخوندزاده‌» = أفكار…. يقول‌: «فـى تيار الفكر الجديد، ميرزا فتح‌ على‌ آخوندزاده‌ (١٢٢٨ - ١٢٩٥) يعتبر من‌ المبدعين‌، ممثل‌ الفكر العلمى‌ النقدى‌، رائد كتابة‌ المسرحية‌ والقصة‌ الأوربية فـى الشرق‌، مبتكر إصلاح‌ الخط‌ وتغيير حروف‌ الهجاء فـى العالم‌ الإسلامى، منتقد الأدب الكلاسيكى‌ ومحطم‌ التقاليد فـى كتابة‌ التاريخ‌، وداعية‌ أخذ العلم‌ والحكمة‌ والمدنية‌ من‌ الغرب‌، منظّر القومية‌ الإيرانية‌، ناقد السياسة‌ والدين‌، والمؤمن‌ بانفصال‌ السياسة‌ عن‌ الدين‌ انفصالاً مطلقاً، وعدو الحكومة‌ الاستبدادية‌ وكل‌ ألوان‌ الحكم‌ الفردى‌، نصير المشروطة‌ العقلية‌ العرفية‌ القائمة‌ علي‌ أساس‌ الحقوق‌ الطبيعية‌. المنادى‌ بإصلاح الدين‌ (البروتستانتية‌ الإسلامية‌) مفكر مادى‌ بأفكار وآراء مضبوطة‌ منسجمة‌ ليس‌ فـى نظامه‌ الفكرى‌ خلل‌ وتناقض‌. كل‌ ما فيه‌ أصالة‌ المادة‌ وسلطان‌ العقل‌».

«ميرزا فتح‌ علـى‌ نشأ فـى عائلة‌ متوسطة‌ فـى آذربايجان‌، والده‌ تبريزى وأمه‌ من‌ مراغة‌، هو يقول‌ عن‌ نفسه‌ بأنه‌ من‌ العنصر الفارسى. إنه‌ من‌ الشعب‌ الإيرانـى ووطنه‌ أرض‌ إيران‌.

…. كان‌ والده‌ عمدة‌ مدينة‌ «خامنه‌» من‌ أعمال‌ تبريز حين‌ كان‌ «عباس‌ ميرزا» ولياً للعهد ونائباً للسلطنة‌ فـى آذربايجان‌.

فـى سنة‌ ١٢٢٧ نُحّى‌ والده‌ من‌ منصب‌ العمدة‌، فهاجر إلي مدينة‌ «شكى‌» فـى القفقاس‌ حين‌ كانت‌ جزء من‌ إيران‌. وفـى سنة‌ ١٣٢٨ يولد فتح‌ ‌علـى فـى «نوقة‌» من‌ ضواحى‌ شكى‌، وبعد عامين‌ تعود العائلة‌ إلي تبريز، بعد خمسة‌ أعوام‌ تفترق‌ أمه‌ عن‌ والده‌ بسبب‌ خلاف‌ بينهما، وتأخذ ابنها وهو آنئذ فـى السابعة‌ من‌ عمره‌ وتذهب‌ إلي قرية‌ مشكين‌ من‌ أعمال‌ أردبيل‌ عند عمها «آخوند حاج‌ علـى أصغر». ويظل‌ فتح‌ علـى تحت‌ رعاية‌ آخوند علـى أصغر حتي‌ الثالثة‌ عشرة‌ من‌ عمره‌، وعرف‌ باسم‌ الحاج‌ على‌ أصغر أوغلى‌ (الابن‌)، ولهذا حمل‌ لقب‌ آخوندزاده‌ (ابن الآخوند).

فـى سنة‌ ١٢٤١ آخوند علـى أصغر رافق‌ نائب‌ السلطنة‌ عباس‌ ميرزا إلي مدينة‌ گنجه‌ فـى القفقاس‌ واصطحب‌ معه‌ ميرزا فتح‌ علـى وأمه‌… كان‌ فتح‌ علـى فـى الثانية‌ والعشرين‌ من‌ عمره‌ حين‌ قدم‌ تفليس‌… فعرّفه‌ آخوند علـى أصغر علي عباس‌ قلى‌ بيك‌ المعروف‌ باسم‌ بكى‌ خان‌، وهو مؤلف‌ وعالم‌ ومترجم‌ الحاكم‌ الروسى‌ فـى القفقاس‌… وهذا الأخير امتحن‌ فتح‌ على‌، وعيّنه‌ مساعد مترجم‌ فـى مكتب‌ الشؤون‌ الإدارية لحاكم‌ القفقاس‌ وفـى ورقة‌ استخدامه‌ ذكرت‌ بداية‌ خدمته‌: الأول من‌ نوفمبر ١٨٣٤ المطابق‌ للحادى‌ عشر من‌ شهر رجب‌ ١٢٥٠ (بعد احتلال‌ الروس‌ لأرض‌ القفقاس‌) …».

ويكتب‌ فريدون‌ آدميت‌ فـى كتابه‌:

«فـى نفس‌ المدرسة‌ التـى‌ درّس‌ فيها ميرزا فتح‌ على‌ اللغة‌ التركية‌ بتفليس‌ توطدت‌ صداقة‌ بينه‌ وبين‌ رفيق‌ فكره‌ وزميله‌ الأرمنـى‌ «خاجاطور ابوفيان‌» (١٨١٠ - ١٨٤٦). وأبوفيان‌ كاتب‌ ومحرّر ومؤسس‌ الأدب الواقعى الأرمنـى الجديد، وكاتب‌ رواية‌ «جرح‌ ارمنستان‌». وبقدر ما كان‌ ميرزا فتح‌ على ساخطاً علي‌ المسجد كان‌ ابوفيان‌ ناقماً علي‌ الكنيسة‌» [٢] …

«…. فـى دفتر حياة‌ الميرزا فتح‌ علـى وكتاب‌ أفكاره‌ تشاهد بوضوح‌ أصالته‌ الإيرانية‌. كان‌ فـى السادسة‌ عشرة‌ من‌ عمره‌ حين‌ فصلت‌ القفقاس‌ بحراب‌ الجيش‌ الروسى‌ عن‌ أرض‌ إيران‌. قضي‌ خمسين‌ عاماً من‌ عمره‌ فـى القفقاس‌ القابعة‌ تحت‌ حكم‌ الأجنبـى. وعمل‌ أربعين‌ عاماً فـى جهاز نفس‌ تلك‌ الحكومة‌ الأجنبية، لكن‌ أصالة‌ شخصيته‌ كانت‌ ثابتة‌ دائماً. كان‌ منشداً إلي إيران‌ طوال‌ الوقت‌، يتحدث‌ باستمرار عن‌ هموم‌ شعب‌ إيران‌ والقفقاس‌، والروح‌ الشعبية‌ تشكل‌ سدي‌ ولحمة‌ أفكاره‌ وعواطفه‌. وهو بنفسه‌ يقول‌: وإن‌ كنت‌ علي‌ الظاهر تركياً، فان‌ أصلى‌ من‌ الفرس‌… وأرجو أن‌ يعلم‌ الإيرانيون أننـى ابن‌ الفرس‌ ووطنـى إيران‌» [٣].

ويقول‌ فريدون‌ آدميت‌ فـى موضع‌ آخر من‌ كتابه‌:

«ميرزا فتح‌ علـى‌ كان‌ رجلاً ذكياً موهوباً وكان‌ يتمتع‌ - كما يقول‌ هو عن‌ نفسه‌ - بوحدة‌ الذهن‌… كثير المزاح‌ وفطن‌ وقوى الملاحظة‌. وكان‌ أحياناً يلقى‌ الحديث‌ الجادّ فـى أسلوب‌ مازح‌. ومن‌ الناحية‌ النفسية‌ كان‌ رجلاً متعادلاً، وكان‌ يتمتع‌ بحياة‌ هانئة‌ مرفهة‌…» [٤].

وقفة‌ أطول‌ عند أفكار آخوندزاده‌

من‌ أجل‌ أن‌ نطّلع‌ أكثر علي‌ أفكار واحد من‌ روّاد التغرّب‌ فـى إيران‌ نقف‌ أكثر عند أفكار آخوندزاده‌. يقول‌ فريدون‌ آدميت‌:

«فكرة‌ إصلاح‌ الخط‌ وتغيير الحروف‌ الهجائية‌ من‌ آثار التفاعل‌ بين‌ المدنيتين‌ الشرقية‌ والغربية‌، وسيطرة‌ المدنية‌ الأوربية. رائد هذا التفكير ومبتكر الخط‌ الجديد فـى المجتمعات‌ الإسلامية‌ ميرزا فتح‌ علـى. ومنه‌ سرت‌ هذه‌ الفكرة‌ إلي تركيا. لقد ولد هذا الوعى الاجتماعى‌ فـى إيران‌ وتركيا نتيجة‌ التفاعل‌ بين‌ الغرب‌ والشرق‌ ونتيجة‌ التجارب‌ العينية‌ المكتسبة‌. وهذا الوعى دفع‌ إلي تعقّل‌ أسباب‌ الانتكاس‌ التاريخى‌ والانحطاط‌ المادى‌، وإلي التفكير فـى سبل‌ التقدم‌ وتعلم‌ العلوم‌ والفنون‌ الأدبية….

أفكار ميرزا فتح‌ علـى تطوّرت‌ علي‌ مرحلتين‌ متمايزتين‌ تطوراً كلياً: المرحلة‌ الأولى، إصلاح‌ الحروف‌ الهجائية‌. الثانية‌، تغيير الخط‌.

فـى المرحلة‌ الأولى: ألغي‌ نقاط‌ الحروف‌، وجعل‌ شكل‌ الحروف‌ وحده‌ مميّزاً للحرف‌ عن‌ الآخر. وحركات‌ الإعراب جعلها جزء من‌ الحروف‌ وكَتَبَها بـإزائها…

وفـى المرحلة‌ الثانية‌: تغيرت‌ فكرة‌ ميرزا فتح‌ على‌ تماماً، واعتقد بعدم‌ جدوي‌ إصلاح‌ الحروف‌ الهجائية‌. ولابدّ للخط‌ أن‌ يتغيّر وأن‌ تستبدل‌ بهذه‌ الحروف‌ الموجودة‌ الحروف‌ اللاتينية‌. وأن‌ تكتب‌ من‌ اليسار إلي اليمين‌. وعلي‌ هذا الأساس قدم‌ مشروعاً جديداً يمثل‌ تحوّلاً تكاملياً فـى أفكاره‌».

وبشأن‌ بدايات‌ فكرة‌ إصلاح‌ الخط‌، وكيف‌ خطرت‌ فـى ذهن‌ ميرزا فتح‌ علـى‌ يقول‌ فريدون‌ آدميت‌:

«… لا أدرى‌، ولا جدوي‌ فـى التخمين‌ والتقريب‌. أنا علي‌ اطلاع‌ إلي حدّ ما علي‌ مصدر فكرته‌ هذه‌، إنها تجربة‌ قيصر الروس‌ (بطرس‌) فـى روسيا. يقول‌ ميرزا فتح‌ على‌ فـى بعض‌ كتاباته‌: رأي‌ القيصر أن‌ خط‌ الروس‌ القديم‌ يحول‌ دون‌ تقدّم‌ الشعب‌ فـى العلوم‌ فتركه‌ واستحدث‌ خطاً بالحروف‌ اللاتينية‌. خالفه‌ العوام‌ والقساوسة‌ وأشراف‌ مملكته‌. ورفعوا عقيرتهم‌ بالقول‌: إننا سنفقد ديننا… فلم‌ يبال‌ القيصر بحماقاتهم‌ وجدّ فـى عزمه‌… وبسبب‌ تغيير الخط‌ هذا ساروا علي‌ طريق‌ الرقى‌ آناً فآنا» [٥].

وحول‌ دافع‌ فتح‌ على‌ لإصلاح‌ الخط‌ يقول‌ فريدون‌:

«يمكننا بنظرة‌ سطحية‌ أن‌ نعتبر الدافع‌ فـى ذلك‌ كراهية‌ الكاتب‌ للعنصر العربـى وما يرتبط‌ بالعرب‌. وعندنا دليل‌ - يبدو وجيهاً - لتأييد ماذهبنا إليه. هو (ميرزا فتح‌ علـى) يقول‌ فـى كتاباته‌: أحد الآثار المشؤومة‌ لسيطرة‌ العرب‌ الوحوش‌ (كذا) علي‌ ثغور إيران‌ أنهم فرضوا علينا خطاً يجعل‌ المستوي‌ المتعارف‌ من‌ التعليم‌ من‌ أشق‌ الأعمال…. والآن‌ فإن‌ المصنف‌ يبذل‌ غاية‌ مساعيه‌ لإنقاذ شعبه‌ من‌ هذا الخط‌ القذر الدنـىء (كذا) المتبقى‌ من‌ تلك‌ الأقوام، ولانتشال‌ شعبه‌ من‌ الظلمة‌ والجهالة‌ إلي نور المعرفة‌».

«…. ثمة‌ عاملان‌ جديدان‌ كان‌ لهما الأثر فـى ترسيخ‌ هذه‌ الفكرة‌ فـى ذهن‌ ميرزا فتح‌ على‌ إلي حد كبير: الأول مضمون‌ رسالة‌ <شارل‌ ميسمر» الفرنسى‌ مستشار «فؤاد باشا» الصدر الأعظم العثمانـى. فقد اقترح‌ فـى هذه‌ الرسالة‌ تغيير الحروف‌ الهجائية‌ التركية‌ والأخذ بالحروف‌ اللاتينية‌… والثانـى - التجربة‌ العملية‌ لحكومة‌ الروس‌. بعد احتلال‌ داغستان‌ كتب‌ ميرزا فتح‌ على‌ إلي ميرزا ملكم‌ خان‌ يقول‌:

«حكومة‌ الروس‌ بعد احتلال‌ داغستان‌، أى‌ منذ سنتين‌، وضعت‌ لشعوب‌ الأوار والشيشان‌ والجركس‌ حروف‌ هجاء مستقلة‌ بخط‌ لاتينـى. وقررت‌ هذا الخط‌ فـى المدارس‌ الجديدة‌ التي‌ فتحت‌ هناك‌، ونقلت‌ بعض‌ الكتب‌ الإسلامية‌ إلي هذا الخط‌. سيصبح‌ هؤلاء أهل‌ ثقافة‌ وعلم‌. أما أهالـى القفقاس‌ وهم‌ ما يقرب‌ من‌ مليونين‌ فلا يزالون‌ يقبعون‌ تحت‌ كارثة‌ الخط‌ الإسلامى القديم‌ (كذا) عمياناً جهلاء مثل‌ الحيوانات‌» [٦].

وينقل‌ فريدون‌ آدميت‌ عن‌ ميرزا فتح‌ علـى عبارات‌ تدل‌ علي‌ نمطه‌ الفكرى‌ يقول‌: «فـى كل‌ العالم‌ الغربـى يدور هذا السؤال‌: هل‌ إن‌ المعتقدات‌ الباطلة‌ أى‌ المعتقدات‌ الدينية‌ تؤدى‌ إلي سعادة‌ الشعب‌ والوطن‌ أم‌ إلي ذلة‌ الشعب‌ والوطن‌؟ كل‌ فلاسفة‌ تلك‌ الأقاليم متفقون‌ علي‌ أن‌ المعتقدات‌ الدينية‌ تؤدى إلي ذلة‌ الشعب‌ والوطن‌ فـى كل‌ المجالات‌» [٧].

وبشأن‌ مجالس‌ عزاء الإمام الحسين (ع) يقول‌ الميرزا فتح‌ على‌:

«روّج‌ لهذه‌ المجالس‌ الديالمة‌ والصفويون فـى أيامهم‌، باقتضاء سياستهم‌. والآن‌ فقد انتهت‌ تلك‌ الدواعى‌، ولكنك‌ تري‌ هذه‌ المجالس‌ أينما ذهبت‌. تُري‌، هل‌ إن‌ هؤلاء الناس‌ وقد تراكمت‌ المصائب‌ عليهم‌، بحاجة‌ إلي من‌ يذكرهم‌ بمصائب‌ القرون‌ الغابرة‌ ويلهيهم‌ عن‌ كسبهم‌ وعملهم‌؟ ! هذه‌ المجالس‌ لافائدة‌ فيها أصلاً لا لك‌ ولا للإمام» [٨].

ولآخوندزاده‌ أشعار كل‌ مضامينها تنطوى‌ علي‌ الإلحاد وكراهية‌ الإسلام‌ وخاصة‌ التشيع‌…

لماذا هذا الاستعراض‌ لجذور التغرّب‌

الذى‌ دفعنـى إلي هذا التقصّى‌ لجذور التغرّب‌ فـى إيران‌ هو محاولة‌ إعطاء تحليل‌ دقيق‌ لحركة‌ المشروطة‌ أو الحركة‌ الدستورية‌ فـى إيران‌.

لقد تناول‌ دراسة‌ هذه‌ الحركة‌ كتّاب‌ كثيرون‌ ركز كل‌ واحد منهم‌ علي‌ جانب‌ منها، وعلي‌ رأسهم‌ أحمد كسروى‌ فـى كتابه‌: «تاريخ‌ مشروطة إيران‌» (فارسى‌)، ويمكن‌ تقسيم‌ هذا الكتاب‌ علي‌ قسمين‌:

الأول - جمع‌ الوثائق‌ التاريخية‌ المرتبطة‌ بالحركة‌، وهو عمل‌ قيّم‌ ومفيد، خاصة‌ وهو يرتبط‌ بفترة‌ حساسة‌ جداً من‌ تاريخ‌ إيران‌.

والثانـى - تحليل‌ هذه‌ الوقائع‌ وإطلاق‌ الأحكام عليها، وهى‌ أحكام‌ تبتعد غالباً عن‌ الإنصاف.

المعيار فـى كل‌ أحكام‌ كسروى‌ هو الثناء علي‌ من‌ ناصر المشروطة‌ والهجوم‌ المقذع‌ علي‌ من‌ خالفها لأى سبب‌ من‌ الأسباب، لاعتقاده‌ بأن‌ المشروطة‌ عطاء عشرات‌ السنين‌ من‌ الجهود التـى بذلها المتغربون‌ والمتجددون‌.

أنظر إلي حكمه‌ علي‌ واحد من‌ كبار العلماء هو المرحوم‌ السيد محمد كاظم‌ اليزدى‌ (رضوان‌ اللّه‌ تعالي عليه‌)، الذى‌ كان‌ معارضاً للمشروطة‌ غير المشروعة‌ (غير القائمة‌ علي‌ أساس‌ الشرع‌ المقدس‌):

«…. السيد كاظم‌ الذى‌ كان‌ حاذقاً فـى خداع‌ الناس‌ وإثارة‌ العامة‌، تحرك‌ بشدّة‌، أرسل‌ إلي العشائر العربية‌ القاطنة‌ حول‌ النجف‌ وكربلاء وعلي‌ ضفاف‌ الفرات‌، وهم‌ من‌ الشيعة‌، أن‌ يأتوا زرافات‌ إلي النجف‌ بأسلحتهم‌ ومعداتهم‌ ويحوطوا السيد بالدبكات‌ والهوسات‌ والشعارات‌ المعادية‌ للمشروطة‌. وكانوا لا يألون‌ جهداً فـى إيذاء كل‌ من‌ يعرفون‌ فيه‌ تأييداً للمشروطة‌. وفـى كل‌ يوم‌ يؤمّ فيه‌ السيد الصحن‌ لأداء الصلاة‌ كان‌ عدة‌ آلاف‌ من‌ الإيرانيين والعرب‌ يصطفون‌ للصلاة‌ خلفه‌…. » [٩].

وهناك‌ من‌ راح‌ يحلل‌ حركة‌ المشروطة‌ تحليلاً ماركسياً وفق‌ القوالب‌ النظرية‌ التـى وضعتها المادية‌ التاريخية‌ ومقتضيات‌ الصراع‌ الطبقى‌ [١٠].

واقتصر بعض‌ الباحثين‌ علي‌ ترجمة‌ رجال‌ المشروطة‌ معتقداً أن‌ هذه‌ التراجم‌ تستطيع‌ أن‌ تسلط‌ الضوء علي‌ وقائع‌ ذلك‌ الزمان‌ من‌ خلال‌ ارتباط‌ طبيعى‌ بشخصياتها [١١].

غير أن‌ الطريقة‌ التـى احتذاها أحمد كسروى‌ فـى دراسة‌ المشروطة‌ تسرّبت‌ إلي الكتب‌ الدراسية‌ الإيرانية‌ قبل‌ انتصار الثورة‌ الإسلامية‌، وإلي جيل‌ من‌ الدارسين‌.

واللغز الذي‌ بقى‌ غامضاً علىّ هو التزام‌ رجال‌ السياسة‌ فـى العهد البهلوى‌ بهذه‌ الطريقة‌ الكسروية‌ فـى تحليل‌ المشروطة‌. يثنون‌ - رغم‌ حقدهم‌ علي‌ علماء الدين‌ - علي‌ ذلك‌ الرهط‌ من‌ علماء الدين‌ الذين‌ أقاموا المشروطة‌، وينددون‌ مقابل‌ ذلك‌ برجال‌ الدين‌ الذين‌ عارضوا مثل‌ «الشيخ‌ فضل‌ اللّه‌ النورى» !! لماذا هذا الالتزام‌ بالنهج‌ الكسروى؟ !

لقد كنت‌ منذ صباى‌ أعيش‌ تناقضاً فـى الرؤي‌ تجاه‌ المشروطة‌.

من‌ جهة‌ أقرأ فـى المدرسة‌ أن‌ المشروطة‌ ثمرة‌ حركة‌ الناس‌ والعلماء، وهذه‌ الحركة‌ أدت‌ إلي ظهور «فرمان‌» المشروطة‌ علي‌ عهد الشاه‌ مظفر الدين‌. وأهل‌ الذوق‌ استخرجوا مادة‌ تاريخ‌ هذا الفرمان‌ بعبارة‌ «عدل‌ مظفر». وحدثت‌ بعد ذلك‌ مشاكل‌ مرّت‌ بسلام‌. من‌ ذلك‌ أن‌ الشاه‌ محمد على المستبد بمساعدة‌ الحكومة‌ الروسية‌ قصف‌ مجلس‌ الشوري‌ بالمدافع‌ لأن‌ الأجانب (المقصود روسيا) لم‌ يكونوا يريدون‌ لهذه‌ النهضة‌ الشعبية‌ أن‌ تؤتى ثمارها.

كنا نقرأ أيضاً: أن‌ بعض‌ الروحانيين‌ السطحيين‌ مثل‌ الشيخ‌ فضل‌ اللّه‌ نورى‌ !! كانوا فـى صف‌ المعارضين‌ للمشروطة‌ ولكن‌ القوي‌ المناضلة‌ المناصرة‌ للمشروطة‌ واصلت‌ كفاحها، وأجبرت‌ الشاه‌ محمد على علي‌ الفرار تحت‌ حماية‌ المظلة‌ الروسية‌ (وهذا تأكيد آخر علي‌ حماية‌ روسيا للشاه‌ المستبد)، واُعدم‌ الشيخ‌ فضل‌ اللّه‌، واتجه‌ كل‌ شى‌ء إلي الاستقرار.

وقرأنا كذلك‌: إن‌ الدول‌ الأجنبية ساءها أن‌ تري‌ الشعب‌ الإيرانـى يعيش‌ بسعادة‌ فـى ظل‌ المشروطة‌. فشرعوا فـى التدخل‌ فـى شؤون‌ إيران‌. وحركوا العشائر، وثارت‌ فـى كل‌ ناحية‌ فتنة‌ عشائرية‌. ومن‌ هؤلاء المتمردين‌ «الكولنيل‌ محمد تقى خان‌ پسيان‌» و «ميرزا كوچك‌ خان‌» … حتي‌ جاء «رضا شاه‌»، وتحرك‌ لقمع‌ الفتن‌ وقطع‌ يد الأجانب، فنشر الأمن والرفاه‌ وحقق‌ الاستقلال‌ للبلاد، ثم‌ جاء بعده‌ «محمد رضا» فواصل‌ إصلاحات‌ والده‌ !!

هذا ما كنا نقرأه‌ فـى الكتب‌ الدراسية‌، ومن‌ جهة‌ أخري‌ كان‌ المرحوم‌ والدى‌ يقول‌:

«كنت‌ طفلاً فـى السابعة‌ أو الثامنة‌ من‌ عمرى حين‌ رآنـى أبـى وأنا أشدّ علي‌ ساعدى علامة‌ المشروطة‌، فتغيّر وجهه‌ حين‌ رآنـى وقال‌: افتح‌ هذه‌ العلامة‌ !». وجدّى كان‌ مزارعاً ولم‌ يكن‌ إقطاعياً يخشي‌ علي‌ مصالحه‌ من‌ المشروطة‌، ولم‌ يكن‌ مرتبطاً ببلاط‌ القاجار أو أجيراً للشاه‌ محمد على‌. ومتي‌ ما ذكر المرحوم‌ الشيخ‌ فضل‌ اللّه‌ النورى‌ كان‌ يتأوّه‌ من‌ الأعماق ألماً علي‌ ما نزل‌ بالشيخ‌ من‌ ظلم‌.

كنا نعيش‌ هذا التناقض‌ فـى فهم‌ المشروطة‌ حتي‌ صدر كتاب‌ «غرب‌ زدگي‌» = التغرّب‌، للمرحوم‌ جلال‌ آل‌ أحمد. وفيه‌ يتصدي‌ - لأول‌ مرة‌ - مثقف‌ تقدّمى‌، ولكن‌ لا من‌ النوع‌ المتداول‌، للثناء علي‌ المرحوم‌ الشيخ‌ فضل‌ اللّه‌، ويعلن‌ أن‌ صعود جسده‌ علي‌ المشنقة‌ إيذان بهيمنة التغرّب‌.

وثمة‌ أسئلة‌ كانت‌ تطرح‌ نفسها فـى هذا المجال‌ وتضغط‌ علي‌ ذهنـى، ولا تزال‌ مطروحة‌ علي‌ بساط‌ البحث‌:

١ - لماذا كان‌ الشيخ‌ فضل‌ اللّه‌ النورى‌ وهو من‌ المجتهدين‌ البارزين‌ مسانداً للمشروطة‌ فـى البداية‌ ثم‌ أصبح‌ بعد ذلك‌ معارضاً لها؟

٢ - لماذا كان‌ أنصار المشروطة‌ يلجأون‌ إلي السفارة‌ البريطانية‌ متي‌ ما ساءت‌ الأوضاع؟

٣ - لماذا كان‌ يدافع‌ عن‌ المشروطة‌ أفراد مشبوهون‌ أمثال‌ ملكم‌ خان‌؟

٤ - لماذا أصبح‌ « «يپرم‌ خان‌ الأرمنـى» (عضو فرقة‌ الداشناك‌) مدافعاً عن‌ المشروطة‌؟

٥ - بعد بدء النزاع‌ بين‌ الشاه‌ محمد على‌ وأنصار المشروطة‌، لماذا يسرع‌ «الجنرال‌ أسعد بختيارى‌» وهو من‌ كبار رؤساء العشائر (خان‌) إلي العودة‌ من‌ أوروبا إلي عشيرته‌، فيقود خيّالة‌ عشيرة‌ البختيارى‌ ويهجم‌ علي‌ طهران‌ للدفاع‌ عن‌ أنصار المشروطة‌… هذه‌ المشروطة‌ التـى شاع‌ عنها بأنها معادية‌ لنظام‌ الخانات‌ (النظام‌ العشائرى‌)؟

٦ - لماذا قاوم‌ أنصار المشروطة‌ إضافة‌ كلمة‌ «المشروعة‌» (وتعنـى الاستمداد من‌ الشريعة‌ الإسلامية‌) إلي كلمة‌ (المشروطة‌»؟

٧ - لماذا تطورت‌ الأوضاع فـى مجلس‌ الشوري‌ حتي‌ أصبح‌ «السيد حسن‌ المدرس‌» معزولاً وغريباً فيه‌؟

٨ - لماذا أهمل‌ بشكل‌ كامل‌ الأصل المتمم‌ للدستور القاضى بأن‌ يضم‌ المجلس‌ خمسة‌ مجتهدين‌ من‌ الطراز الأول ليطابقوا بين‌ قرارات‌ المجلس‌ وقوانين‌ الشريعة‌ الإسلامية‌؟

٩ - ما هو دور المتغربين‌ فـى هذه‌ النهضة‌؟

١٠ - لماذا كان‌ كثير من‌ الماسونيين‌ شديدى‌ الاهتمام‌ بإقامة المشروطة‌، وأى‌ نفع‌ فـى المشروطة‌ للماسونية‌؟

١١ - لماذا كانت‌ الحكومة‌ البريطانية‌ والمستشرقون‌ البريطانيون‌ مثل‌ «ادوارد براون‌» من‌ أنصار المشروطة‌؟ !

الأسئلة المذكورة‌ دفعتنـى إلي جانب‌ غيرها من‌ الدوافع‌ إلي السعى‌ لدراسة‌ المشروطة‌ بمعزل‌ عن‌ الالقاءات‌ الكسروية‌، وأبحث‌ عن‌ جذورها. ولما كانت‌ الفكرة‌ أساساً من‌ واردات‌ الغرب‌ فلابدّ من‌ متابعة‌ تاريخ‌ التغرّب‌ فـى إيران‌. عدت‌ إلي تاريخ‌ الصفويين‌ وعهد الشاه‌ طهماسب‌ وقضايا الأخوين «شيرلـى‌»، ووقفت‌ عند عصر «فتح‌ على‌ شاه‌»، لأن‌ علاقات‌ إيران‌ بالغرب‌ قد اتسعت‌ فـى هذا العصر، وكنا نعانـى‌ آنئذٍ من‌ الحروب‌ الإيرانية‌ - الروسية‌. وبدأت‌ البعثات‌ الدراسية‌ إلي أوروبا… إلي آخر مسلسل‌ الأحداث.

آثار الهزيمة‌ أمام‌ الروس‌

نفس‌ هزيمة‌ إيران‌ أمام‌ روسيا كانت‌ لها آثار عظيمة‌ أهمها الهزيمة‌ النفسية‌. فرجالنا رأوا هزيمة‌ المجاهدين‌ الإيرانيين - رغم‌ قوة‌ عقيدتهم‌ وجسامة‌ تضحياتهم‌ - هزيمةً أمام‌ قوة‌ «التكنولوجيا»، فأقدموا علي‌ إيفاد الطلاب‌ إلي الغرب‌، وكان‌ لهؤلاء الموفدين‌ لدي‌ عودتهم‌ أثر كبير علي‌ التحولات‌ الفكرية‌ فـى إيران‌. فقد بلغ‌ الانبهار بهؤلاء درجة‌ دفعتهم‌ إلي تقليد أعمي‌، وأسقطت‌ بعضهم‌ فـى فخ‌ العمالة‌ والتبعية‌ وبيع‌ المقدرات‌. ذكرنا نموذجاً من‌ هؤلاء حين‌ تحدثنا عن‌ «أبو الحسن‌ خان‌ الايلجى‌». هذا الأجير كان‌ يتقاضي‌ ألف‌ روبية‌ شهرياً ثمناً لعمالته‌. وفـى معاهدة‌ العار المسماة‌ «معاهدة‌ گلستان‌» توسط‌، لتسليم‌ مناطق‌ شمال‌ غربـى‌ إيران‌ إلي روسيا، كى يتلافي تقصيره‌ أمام‌ الإمبراطورية وكانت‌ مواقفه‌ من‌ أولي‌ محاولات‌ تصدّى المتغربين‌ لمعارضة‌ الإسلام‌.

جماعة‌ معارضى‌ الإسلام‌ كانت‌ علي‌ نحوين‌: الأولى ذكية‌ فطنة‌، نجدها جميعاً تتغذي‌ من‌ مائدة‌ سفارة‌ واحدة‌. والثانية‌ - غبية‌ تردد كالببغاء ما يقوله‌ لها الآخرون‌. أكثرهم‌ من‌ العائدين‌ من‌ أوروبا وتبعهم‌ فـى ذلك‌ رهط‌ من‌ غيرهم‌.

أشرنا فيما سبق‌ إلي الظروف‌ التي‌ أحاطت‌ بالحرب‌ الإيرانية‌ الروسية‌.

وأضيف‌ هنا أن‌ الأحداث بعد هذه‌ الهزيمة‌ تطورت‌ حتي‌ حوّلت‌ هذا البلد العريق‌ العظيم‌ إلي شبح‌ بلد، تفتك‌ به‌ الصراعات‌ الداخلية‌، وتتناوشه‌ شتي‌ الأطماع الخارجية‌. وكان‌ هناك‌ عامل‌ واحد لا غير يصون‌ المجتمع‌ من‌ الإبادة والتمزّق‌ والانفراط‌ وهو الإسلام‌، وخاصة‌ «مذهب أهل البيت». ولذلك‌ كان‌ من‌ الطبيعى‌ أن‌ تتجه‌ كل‌ جهود الأعداء والطامعين‌ إلي اضمحلال‌ هذا العامل‌.

فـى قضية‌ الحرب‌ الإيرانية‌ الروسية‌ مرّ بنا أن‌ «فتح‌ على‌ شاه‌» لم‌ تكن‌ له‌ قدرة‌ علي‌ الحرب‌. وروسيا كانت‌ قد عرفت‌ كل‌ نقاط‌ ضعفه‌. كانت‌ التقارير تتوالي متحدثة‌ عن‌ اعتداءات‌ الجيش‌ الروسى‌ علي‌ مدن‌ إيران‌، وفـى الوقت‌ ذاته‌ يقدّم‌ بخشكوف‌، ممثلاً عن‌ نيقولا قيصر الروس‌، عرشاً من‌ البلور هدية‌ إليه‌. والميرزا أبو الحسن‌ خان‌ وزير الخارجية‌، الذى‌ يتقاضي‌ ألف‌ روبية‌ من‌ البريطانيين‌ بواسطة‌ شركة‌ الهند الشرقية‌، لا يرتضى‌ الحرب‌ مع‌ روسيا، أى إن‌ كل‌ الظروف‌ كانت‌ مهيئة‌ لتقديم‌ مدن‌ القفقاس‌ إلي ورثة‌ بُطرس‌ الكبير إزاء عرش‌ نيقولا البلورى‌. وكان‌ الشاه‌ «الرجعى‌» راضياً بذلك‌ وكذلك‌ ميرزا أبو الحسن‌ «التقدمى‌» المنفتح‌ علي‌ الغرب‌.

هناك‌ عامل‌ واحد فقط‌ استثار غَيرة‌ الحكومة‌ وهو النداء الصارخ‌ الذي‌ أصدره‌ المجتهدون‌ والفقهاء المراجع‌ مثل‌ سيد محمد مجاهد والملا أحمد النراقى‌. كان‌ هذا النداء هو الحافز الوحيد لما أبداه‌ الناس‌ من‌ حماس‌ للجهاد فـى سبيل‌ رضوان‌ اللّه‌ تعالي فـى هذه‌ الحرب‌ غير المتكافئة‌ بين‌ واحدة‌ من‌ أكبر القوي‌ العالمية‌ آنئذ، وحكومة‌ واهية‌ فـى مهبّ الريح‌.

ربّ سائل‌ يسأل‌: وما جدوي‌ حكم‌ الجهاد؟ فالنتيجة‌ كانت‌ الهزيمة‌ وانفصال‌ ١٧ مدينة‌ من‌ إيران‌. والجواب‌: أن‌ الروس‌ كانوا يطمعون‌ من‌ حروبهم‌ الوصول‌ إلي المياه‌ الدافئة‌ فـى الخليج‌ الفارسى، ومقاومة‌ المجاهدين‌ أوقفتهم‌ عند جبال‌ الارس‌. أضف‌ إلي ذلك‌ أن‌ المقاومة‌ الصلبة‌ التي‌ أبداها المجاهدون‌ خلال‌ أحد عشر عاماً بمساندة‌ العلماء أوشكت‌ أن‌ تثمر لولا خيانة‌ العملاء. فلو تعمقنا فـى تاريخ‌ تلك‌ الفترة‌ لألفينا أن‌ روسيا قد استنزفت‌ قواها جراء حربها الطويلة‌ مع‌ إيران‌، وأحيطت‌ بمشاكل‌ ومصائب‌ فـى أوربا، وكانت‌ تبحث‌ عن‌ «مبرّر» لمصالحة‌ إيران‌ والخروج‌ من‌ الأراضى‌ المحتلة‌. ولكن‌ تدخل‌ السفير البريطانـى وخيانة‌ العملاء أدت‌ إلي تسليم‌ الأراضى المحتلة‌ إلي القوي‌ المهاجمة‌، ضمن‌ معاهدة‌ خيانية‌. ومن‌ الطريف‌ أن‌ الذى‌ مثّل‌ إيران‌ فـى عقد هذه‌ المعاهدة‌ نفس‌ ميرزا ابو الحسن‌ خان‌ وزير الخارجية‌، سفير إيران‌ السابق‌ لدي‌ بريطانيا والماسونـى ذو راتب‌ الألف روبية‌، وغير الراضى‌ عن‌ محاربة‌ الروس‌ !!

علي‌ أى حال‌ عقدت‌ اتفاقية‌ ضمنت‌ المصالح‌ المشتركة‌ لروسيا وبريطانيا، فروسيا اقتربت‌ من‌ المياه‌ الدافئة‌ التي‌ تصبو إليها، وبريطانيا حققت‌ أهدافها فـى إضعاف‌ الحكومة‌ المركزية‌ وتجزئة‌ إيران‌ وإزالة‌ ما قد يشكل‌ خطراً علي‌ شركة‌ الهند الشرقية‌. وهذه‌ الاتفاقية‌ واجهت‌ ردود فعل‌ الفئات‌ الاجتماعية‌ المختلفة‌. ونحن‌ ذكرنا آنفاً نوعين‌ من‌ ردود الفعل‌، أحدهما لأصحاب‌ «الأصالة» والآخر عن‌ «المتغرّبين‌». وقصدنا بأصحاب‌ الأصالة الجماهير المسلمة‌ وقادتهم‌ الدينيين‌ الذين‌ تتبلور فيهم‌ آمال‌ الأمة وآلامها وعقائدها وجذورها الثقافية‌…

بعد سقوط‌ القفقاس‌، نهض‌ مسلمو تلك‌ الديار… هؤلاء المسلمون‌ الذين‌ يسميهم‌ فتح‌ على آخوند زاده‌ عمياناً جهلاء… نهضوا لمقاومة‌ استتباب‌ التسلط‌ الروسى‌، وجاهدوا بصلابة‌ وصبر مدة‌ ٤٩ عاماً (١٢٩٢ - ١٢٤٣هـ. ق‌) [١٢].

قيادة‌ هذه‌ النهضة‌ تولاّها علماء الدين‌ والشخصيات‌ الإسلامية‌ مثل‌ القاضى‌ ملا، وحمزة بيك‌، والشيخ‌ شامل‌ وأمثالهم‌ [١٣].

ولم‌ ينهض‌ ولا واحد من‌ هؤلاء «التقدميين‌» «المتجددين‌» ليرفع‌ راية‌ ضدّ الروس‌ القياصرة‌ الذين‌ كانوا فـى أنظار الإيرانيين محتلين‌، وفـى أنظار المثقفين‌ الروس‌ رجعيين‌ مستبدين‌… لم‌ ينهض‌ واحد من‌ هؤلاء… بل‌ الأسوأ من‌ ذلك‌ أن‌ «آخوندزاده‌» أصبح‌ موظفاً أجيراً فـى حكومة‌ المحتلين‌… ولقد ذكرنا أنه‌ بقى‌ فـى خدمة‌ المحتلين‌ مدة‌ ٤٥ عاماً وكان‌ يعيش‌ حياة‌ مرفهة‌ ناعمة‌ !!

انظر إلي تقابل‌ الصورتين‌:

أجزاء من‌ أرض‌ الوطن‌ تتعرض‌ لهجوم‌ المحتلين‌، فتتصدي‌ لهم‌ جماهير مؤمنة‌ لا تطلب‌ شهرة‌ ولا مكسباً عارضاً، يحدوها الإيمان والعشق‌، وتنضوى‌ تحت‌ لواء علماء الدين‌، وتقاوم‌ لسنين‌ بأسلحتها البسيطة‌ أمام‌ المحتلين‌ وتقدم‌ آلاف‌ الشهداء.

وأحد هؤلاء القادة‌ الشيخ‌ شامل‌ يقاوم‌ مدة‌ ربع‌ قرن‌ حتي‌ يقع‌ فـى الأسر دون‌ أن‌ يستسلم‌ للذل‌، وفـى أواخر حياته‌ يطلب‌ أن‌ يذهب‌ إلي الحجاز ليختار مثواه‌ الأخير جوار رسول‌ اللّه‌ عليه‌ أفضل‌ الصلاة‌ والسلام‌. يذكّرنا الرجل‌ بحياة‌ الصحابة‌ المجاهدين‌ فـى صدر الإسلام‌. لم‌ يهن‌ ولم‌ ينكل‌ بل‌ مضي‌ علي‌ بصيرة‌ من‌ أمره‌ يقاوم‌ ويقاوم‌، حتي‌ أسر مثل‌ أسد هصور يقع‌ فـى شرك‌ الصيد… ثم‌ يموت‌ ميتة‌ طيبة‌ لها معان‌ كبيرة‌ مثل‌ حياته‌ المفعمة‌ بالمعانـى الجسام‌.

وبالمقابل‌ لا نري‌ فـى جيل‌ أدعياء التقدمية‌ سوي‌ بعض‌ الانتقادات‌ علي‌ طريقة‌ البَطَرِ والاسترخاء الفكرى‌، ولم‌ يأب‌ زعيمهم‌ ورائدهم‌ أن‌ يصبح‌ موظفاً لدي‌ المحتلين‌ ويعيش‌ حياة‌ مرفهة‌ منعّمة‌، ثم‌ يصدر من‌ مكانه‌ الناعم‌ وَصْفات‌ علاج‌ لكارثة‌ هذه‌ الآمة تتلخص‌ فـى الهجوم‌ علي‌ مجالس‌ الإمام الحسين‌ (ع) وعلي‌ الخط‌ العربـى وعلي‌ كل‌ القيم‌ المعنوية‌ والمعتقدات‌ الدينية‌ لهذه‌ الأمة المقاومة‌ المكافحة‌ الصابرة‌ الصامدة‌ المضحية‌… ويصبح‌ هذا الشخص‌ مفخرة‌ لدي‌ نظرائه‌ من‌ أمثال‌ فريدون‌ آدميت‌ الذى‌ مرّ بنا حديثه‌ عن‌ فتح‌ على‌ آخوندزاده‌.

توجه‌ الدارسين‌ فـى الغرب‌

حرب‌ إيران‌ والروس‌ كشفت‌ عن‌ حقيقة‌ مرّة‌، وأفهمت‌ حكومة‌ القاجاريين‌ مدي‌ تخلفهم‌ عن‌ قافلة‌ العلم‌ والرقى‌. وجدّ المخلصون‌ من‌ أمثال‌ «ميرزا عيسي‌» المعروف‌ بالميرزا الكبير وزير عباس‌ ميرزا نائب‌ السلطنة‌، فـى إرسال‌ مبعوثين‌ إلي الدول‌ المتقدمة‌ ليتعلموا وينقلوا التطور التقنـى الغربـى إلي بلادهم‌.

لأول‌ مرة‌ توجه‌ اثنان‌ من‌ الطلبة‌ الإيرانيين سنة‌ ١٣٢٦هـ. ق‌ إلي بريطانيا. عباس‌ ميرزا قال‌ لسفير بريطانيا: «اهتموا بتدريس‌ هذين‌ ليعودا بالنفع‌ علىّ وعلي‌ أنفسهما وبلدهما». أحدهما توفـى بعد عام‌ ونصف‌ العام‌ من‌ إرساله‌، والثانـى عاد إلي الوطن‌ بعد أن‌ درس‌ الطب‌ لست‌ سنوات‌.

عقب‌ ذلك‌ توجهت‌ بعثة‌ من‌ خمسة‌ أشخاص‌ سنة‌ ١٣٣٠ هـ. ق‌ لدراسة‌ الهندسة‌ والطب‌ والمدفعية‌ والرياضيات‌ واللغة‌ والحكمة‌ الطبيعية‌ إلي بريطانيا.

غادروا عن‌ طريق‌ روسيا إلي لندن‌، وعادوا سنة‌ ١٣٣٥ وتولي‌ كل‌ منهم‌ مسؤولية‌ من‌ المسؤوليات‌. اثنان‌ منهم‌ تولي‌ مناصب‌ رفيعة‌. أحدهم‌ «ميرزا جعفر المهندس‌» الذى‌ أصبح‌ فيما بعد سفير إيران‌ لدي‌ الدولة‌ العثمانية‌ وتلقب‌ بلقب‌ مشير الدولة‌، ثم‌ أصبح‌ رئيس‌ شوري‌ الدولة‌. وهو نفسه‌ الذى‌ كتب‌ إليه ميرزا ملكم‌ خان‌ رسالته‌ باسم‌ «كتيب‌ الغيب‌ أو دفتر التنظيمات‌» فـى إصلاح‌ الحكومة‌ الإيرانية‌. والآخر ميرزا محمد صالح‌ الشيرازى‌ وكان‌ من‌ أهل‌ الفضل‌ والكمال‌ والذكاء والحنكة‌. تعلم‌ فـى بريطانيا اللغة‌ الإنجليزية والفرنسية‌ واللاتينية‌ والحكمة‌ الطبيعية‌ والتاريخ‌ وفن‌ الطباعة‌، وارتبط‌ بالمحفل‌ الماسونـى هناك‌. بعد عودته‌ أصبح‌ مترجم‌ الدولة‌ الرسمى‌، ثم‌ وزير طهران‌ وكُلف‌ بعدة‌ مهام‌ سياسية‌…

الميرزا صالح‌ نفسه‌ يقول‌ عن‌ انتمائه‌ إلي المحفل‌ الماسونـى‌: «كنت‌ منذ أمد أرغب‌ فـى الانتماء إلي الماسونية‌، ولكن‌ لم‌ تتح‌ لـى الفرصة‌، حتي‌ استطعت‌ دخول‌ المحفل‌ مع‌ المستر پارسى‌ والمستر دارسى‌، تناولت‌ طعام‌ العشاء هناك‌، وعدت‌ فـى الساعة‌ الحادية‌ عشرة‌، ولا يجوز أن‌ أتحدث‌ أكثر من‌ ذلك‌ حول‌ هذا الموضوع‌» [١٤].

هذا الذى‌ أُرسل‌ إلي الغرب‌ ليكون‌ بلسماً لجراح‌ أمته‌ ووسيلة‌ لإنقاذها من‌ تخلفها التقنـى يصبح‌ أداة‌ انتشار الماسونية‌ فـى بلده‌، وضماناً لاستمرار السيطرة‌ الاستعمارية‌ الطويلة‌ علي‌ شعبه‌. كما أن‌ غسيل‌ الدماغ‌ الذى‌ طاله‌ يؤدى به‌ إلي القول‌:

«إن‌ سلسلة‌ الملالـى (ويقصد بهم‌ علماء الدين‌) ماداموا يتدخلون‌ فـى شؤون‌ الدولة‌ العثمانية‌ فليس‌ يؤمّل‌ قط‌ فـى تقدم‌ هذه‌ الدولة‌».

هل‌ هذا الكلام‌ ينطلق‌ من‌ فهم‌ للداء والدواء أو من‌ عقدة‌ وكراهية‌ للدين‌ وأهله‌؟ !

كل‌ إنسان‌ مسلم‌ حادب‌ علي‌ بلده‌، مهتم‌ بمصالح‌ شعبه‌ يأمل‌ أن‌ يري‌ شعبه‌ سعيداً ووطنه‌ آمناً مستقلاً فـى المجال‌ السياسى‌ والاقتصادى‌، وأن يري بلده‌ ذا علاقة‌ بالمنظومة‌ الدولية‌ قائمة‌ علي‌ أساس‌ السيادة‌ الكاملة‌ والاحترام‌ المتبادل‌. كل‌ إنسان‌ مخلص‌ يأمل‌ أن‌ يري‌ بلده‌ قد وصل‌ إلي حدّ الاكتفاء الذاتى فـى حقل‌ الزراعة‌ والصناعة‌، وأن‌ يسير فـى ركب‌ العلم‌ والمعرفة‌ نحو الفلاح‌ المادى‌ والمعنوى‌.

فهل‌ هذه‌ الوصفات‌ التـى كتبها أمثال‌ ميرزا فتح‌ على‌ آخوندأوف‌، وعبد الرحيم‌ طالب‌ أوف‌ (سيأتى ذكره‌)، وميرزا صالح‌ الشيرازى‌ ومن‌ لف‌ لفهم‌ قادرة‌ علي‌ تحقيق‌ هذه‌ الأهداف‌؟ ألم‌ تجرب‌ تلك‌ الوصفات‌ فـى القرون‌ الأخيرة؟ عمّ أسفرت‌؟

من‌ آخوندزاده‌ حتي‌ سعيد نفيسى‌ أجمع‌ أدعياء التقدمية‌ علي‌ ضرورة‌ تغيير الخط‌. ولو أن‌ الشاه‌ الأخير المقبور آتته‌ الفرصة‌ لفعل‌ ذلك‌. ولكن‌ لا تأسفوا أيها السادة‌ علي‌ سقوط‌ الشاه‌ وعدم‌ استطاعته‌ تغيير الحروف‌ العربية‌، فلقد جربت‌ تركيا هذا التغيير علي‌ يد مصطفي كمال‌ باشا وتبدل‌ الخط‌ العربـى إلي لاتينـى، فماذا جنت‌ تركيا من‌ هذا التغيير؟ وأى‌ تطور علمى‌ شهدته‌ جراء لجوئها إلي الخط‌ اللاتينـى؟ انظروا إلي اليابانيين‌… خطهم‌ فيه‌ كثير من‌ الصعوبة‌ وكثير من‌ التعقيد، لكنهم‌ لم‌ يجروا عليه‌ أي‌ تغيير، ومع‌ ذلك‌ حققوا أسرع‌ تطور علمى‌ وتقنـى فـى تاريخ‌ البشرية‌. ولولا ما تحيط‌ بهم‌ من‌ ضغوط‌ أمريكية‌ لاستطاع‌ الين‌ اليابانـى أن‌ يحطم‌ الدولار الأمريكى‌ أكثر فأكثر، ولاستطاعت‌ «تويوتا» أن‌ تشل‌ «جنرال‌ موتورز» [١٥].

لقد أنشد «عارف‌ القزوينـى‌» أن‌ كل‌ مصائب‌ هذا البلد من‌ «رجال‌ الدين‌ ورجال‌ القاجار»، وكلاهما أُخرجا من‌ الساحة‌ تماماً لدي‌ استيلاء رضاخان‌ (بهلوى‌)، أسقط‌ النظام‌ القاجارى‌، وأصبحت‌ العمامة‌ جريمة‌ لا تغتفر، وحلت‌ السترة‌ والبنطلون‌ محل‌ القباء الإيرانـى، والقبعة‌ بدل‌ الطاقية‌، والشوارب‌ الفرنسية‌ والهيتلرية‌ بدل‌ اللحية‌، والتنورة‌ بدل‌ الشادر، والابتدائية‌ بدل‌ الكُـتّاب‌، والجامعة‌ بدل‌ الحوزة‌ العلمية‌… فماذا حصل‌ عليه‌ الشعب‌ من‌ تقدم‌؟ ! ألم‌ يعمدوا إلي تمديد «اتفاقية‌ دارسى‌» بكل‌ فخر واعتزاز؟ ! مع‌ فارق‌ هو أن‌ الإنسان الإيرانـى فـى العصر البهلوى‌ فقد حرية‌ الاعتراض‌ تماماً، فمن‌ ينطق‌ بأدني‌ اعتراض‌ يُسَلُ لسانُه‌ من‌ قَفاه‌.

كل‌ أدعياء التقدمية‌ فـى إيران‌ ركزوا علي‌ القومية‌ الإيرانية‌، وعلي‌ إيران‌ قبل‌ الإسلام‌… انظر إلي عبارة‌ آخوندزاده‌: «وإن‌ كنت‌ علي‌ الظاهر تركياً فأصلى‌ فارسى‌…» [١٦] وبهذه‌ العبارة‌ يشير إلي أن‌ جدّه‌ هاجر من‌ «رشت‌» إلي آذربايجان‌.

هذا التأكيد علي‌ العنصر الفارسى يسود ذهنية‌ كل‌ جيل‌ المتغرّبين‌. لا أدرى أهم‌ عالمون‌ أم‌ جاهلون‌ بأخطار مثل‌ هذه‌ الدعوة‌ علي‌ إيران‌، التـى تضمّ أجناساً مختلفة‌.

الإسلام فـى إيران‌ صهر الأتراك والعرب‌ والبلوش‌ والفرس‌ و… فـى بوتقة‌ واحدة‌، وجعل‌ منهم‌ أمة‌ منسجمة‌ تشترك‌ فـى الآمال‌ والآلام والعقيدة‌ والعواطف‌، فلماذا ترفعون‌ شعاراً يمزّق‌ ويفرّق‌ ويجلب‌ ويلات‌ الصراع‌ العنصرى‌ علي هذا البلد؟ !

الغريب‌ أن‌ هؤلاء القوميين‌ الإيرانيين سارعوا إلي مساندة‌ «انقلاب‌ رضاخان‌» لأنه‌ رفع‌ راية‌ «القومية‌ الإيرانية‌ المعادية‌ للإسلام». فهل‌ يبقي‌ شك‌ فـى الأيدى الاستعمارية‌ المتسترة‌ وراء هذا التيار؟ !

لقد كان‌ الميرزا صالح‌ يأسف‌ علي‌ وضع‌ الدولة‌ العثمانية‌ وتخلفها بسبب‌ تدخل‌ رجال‌ الدين‌ فيها. وقد تحقق‌ حذف‌ رجال‌ الدين‌ من‌ تركيا تماماً، فماذا حققته‌ من‌ تقدم‌ جرّاء عملها هذا؟ !

الميرزا أبو الحسن‌ خان‌ الايلجى‌ الماسونـى كان‌ ممثلاً لإيران فـى معاهدتى «تركمان‌ چاى‌» و «گلستان‌» … وهما معاهدتا الذل‌ اللتان‌ أعقبتا الحرب‌ الروسية‌ الإيرانية‌… وبموجبهما اقتطعت‌ أجزاء هامة‌ من‌ إيران‌، وأصبحت‌ روسيا صاحبة‌ نفوذ واسع‌ فـى هذا البلد المسلم‌ [١٧].

***

[١] - غلام حسين مصاحب، دائرة المعارف (فارسى) ٢ / ١٤٣٨، طهران، شركت سهامى كتابهاى جيبى، وانظر أيضاً بريتانيكا ٢٠ / ٤٥٥.

[٢] - الكتاب المذكور / ١٦.

[٣] - نفس المصدر / ٢٢.

[٤] - نفس المصدر / ٢٠.

[٥] - نفس المصدر / ٧٤.

[٦] - نفس المصدر / ٧٦.

[٧] - نفس المصدر / ٢١٠.

[٨] - نفس المصدر / ١٩١.

[٩] - أحمد كسروي تبريزي، تاريخ مشروطة ايران (فارسي)، طهران، منشورات أمير كبير، ط١٢، ص٣٨٢.

[١٠] - مثل محاولة: محمد رضا فشاهى، از گاتها تامشروطيت (فارسي)، طهران، منشورات غوتنبرغ، ١٣٥٤٠.

[١١] - مثل كتاب: ابراهيم صفائي، رهبران مشروطه (فارسي)، طهران، ١٣٤٤.

[١٢] - دائرة معارف مصاحب / ١٤٣٨.

[١٣] - بريتانيكا / مصدر مذكور.

[١٤] - فريدون آدميت، فكر آزادي ومقدمة نهضت مشروطيت (فارسي)، طهران، منشورات سخن ١٣٤٠، ص ٢٣ - ٢٤. ولابد أن نذكر هنا أن حقيقة الماسونية لم تكن معروفة آنذاك كما نعرفها اليوم، وبقيت هذه الحقيقة مجهولة لسنوات طويلة. لذلك نرى في قائمة المنتمين إلى المحفل الماسوني أسماءرجال كبار انتموا في فترة من حياتهم إلى الماسونية.

[١٥] - كتبت هذه الدراسة قبل سقوط الدولار الأخير أمام الين الياباني (المترجم).

[١٦] - آدميت، انديشه هاي ميرزا فتحعلي… (فارسي) / ٢٢.

[١٧] - رائين مصدر سابق / ٢٣٢. وانظر أيضاً: حسن پيرنيا وعباس اقبال آشتياني، تاريخ ايران، طهران، منشورات خيام، ١٣٤٧، ص٧٩٧.



[ Web design by Abadis ]