ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الجذور الفكرية لحركة‌ المشروطة‌‌

حدثت‌ حرب‌ هرات‌، وفتح‌ قائد الجيش‌ الإيرانـى حسام‌ السلطنة‌ هذه‌ المدينة‌، ولكن‌ أقساماً من‌ جنوب‌ إيران‌ سقطت‌ بيد الجيش‌ البريطانـى علي أثر دسائس‌ الإنجليز وخيانة‌ الطابور الخامس‌. انظر إلي النص‌ التالـى:

«فيلكس‌ جونز ممثل‌ حكومة‌ بريطانيا الكبري‌ المقيم‌ فـى الخليج‌ الفارسى كتب‌ فـى تقرير له‌ برقم‌ ٧ وتاريخ‌ ١٣ نوفمبر ١٨٥٦ إلي اللجنة‌ السرية‌ فـى لندن‌ يقول‌: عن‌ طريق‌ شخص‌ اسمه‌ على شاه‌ يعمل‌ لحساب‌ بريطانيا ويقيم‌ فـى شيراز، قابلت‌ الأمير حاكم‌ فارس‌.

١ - أعرب‌ الأمير عن‌ اهتمامه‌ الشخصى‌ بدولة‌ بريطانيا.

٢ - نقلت‌ نفس‌ هذا الموضوع‌ المهم‌ إلي حاكم‌ بمباى.

٣ - أمير منطقة‌ فارس‌ التقي‌ بـى فـى جلسة‌ خاصة‌، وأطلعنـى علي معلومات‌ قيمة‌ مفيدة‌. وقال‌ لـى: انتخبونـى من‌ أجل‌ أن‌ أُحلّ السلام‌ بين‌ إيران‌ وبريطانيا… جدير بالذكر أن‌ هذا الأمير هو حفيد فتح‌ علـى شاه‌…» [١].

هذا الحاكم‌ الأمير - بدل‌ أن‌ يدافع‌ عن‌ سيادة‌ منطقته‌ أمام‌ هجوم‌ الأعداء - يرضخ‌ لهذه‌ الخيانة‌ بكل‌ سهولة‌. علماً أن‌ سواحل‌ الخليج‌ الفارسى: المحمرة‌ (خرمشهر) وأهواز وخارك‌ تسقط‌ بيد جلاوزة‌ شركة‌ الهند الشرقيّة‌، ثم‌ تعقد معاهدة‌ باريس‌ الخيانية‌، بوساطة‌ من‌ فرنسا، بين‌ إيران‌ وبريطانيا. ومثّل‌ إيران‌ فـى هذه‌ المعاهدة‌ «فرخ‌ خان‌ أمين‌ الملك‌ كاشى‌» ومترجمه‌ بل‌ ومشاوره‌ الميرزا ملكم‌ خان‌ [٢].

استنادا إلي الفصول‌ ٥و٦و٧ من‌ هذه‌ المعاهدة‌، تتعهد الحكومة‌ الإيرانية أن‌ تسحب‌ كل‌ قواتها من‌ هرات‌ وكل‌ أرض‌ أفغانستان‌، وأن‌ تسحب‌ كل‌ ادّعاء لها بمدّ سلطانها علي هرات‌ وأفغانستان‌، وأن‌ تتجنب‌ كل‌ تدخل‌ فـى شؤون‌ أفغانستان‌ الداخلية‌، وأن‌ تعترف‌ باستقلال‌ أفغانستان‌، وأن‌ تبتعد عن‌ كل‌ ما يمسّ استقلال‌ هذا البلد.

فـى سنة‌ ١٢٨١هـ. ق‌ «السير فردريك‌ جولد سميث‌» الذي‌ وُظّف‌ لتأسيس‌ خط‌ التلغراف‌ فـى جنوب‌ إيران‌، فصل‌ عن‌ إيران‌ أقساماً من‌ سيستان‌ وبلوشستان‌، وحصل‌ بالتدريج‌ علي امتيازات‌ فـى إيران‌.

من‌ أجل‌ الحصول‌ علي امتيازات‌ بريطانية‌ فـى إيران‌، لم‌ تكن‌ بريطانيا - علي الظاهر - طرفاً مباشراً مع‌ حكومة‌ إيران‌، بل‌ إن‌ ذلك‌ كان‌ يتم‌ عن‌ طريق‌ رجال‌ أعمال‌ بريطانيين‌ وشركات‌ تجارية‌ بريطانية‌، بتوجيه‌ ودعم‌ من‌ حكومة‌ بريطانيا، وأحياناً بتهديد من‌ هذه‌ الحكومة‌، أو بإنفاق بضع‌ ليرات‌ ذهبية‌ للخونة‌ والغافلين‌ … وبهذه‌ الطريقة‌ كانوا يحصلون‌ باستمرار علي امتيازات‌، وتنتشر أخبارها فـى العالم‌، فتثير دهشة‌ الرأى‌ العام‌ العالمى‌.

منذ أوائل‌ العهد القاجارى، وبطرق‌ مختلفة‌ ملتوية‌، وذرائع‌ شتّي‌، توغلوا فـى معظم‌ الجزر الهامة‌ فـى الخليج‌ الفارسى وسواحل‌ إيران‌ الجنوبية‌، بمعاهدة‌ تارة‌، واتفاقية‌ تارة‌، وبالتهديد والقوة‌ تارة‌ أخري‌.

فـى سنة‌ ١٢٣٦هـ. ق‌ أسسوا فـى جزيرة‌ قشم‌ معسكراً باسم‌ مكافحة‌ القرصنة‌ البحرية‌، وبسطوا نفوذهم‌ علي شيوخ‌ تلك‌ النواحى‌ التـى كانت‌ تابعة‌ لإيران مثل‌: عمان‌ والبحرين‌ ومسقط‌ والكويت‌، ودخلوا فـى اتفاقيات‌ مع‌ آخرين‌ مثل‌ شيخ‌ المحمرة‌ (خرمشهر حالياً) لتأسيس‌ حكومات‌ نصف‌ مستقلة‌ عميلة‌، كى‌ يضمنوا سيادتهم‌ البحرية‌ فـى الخليج‌ الفارسى، ويدفعوا ماقد يشكل‌ خطراً علي الهند، وليستفزّوا بين‌ آونة‌ وأخري‌ حكومة‌ إيران‌ ويثيروا الأتعاب بوجهها [٣].

الهدف‌ من‌ ذكر هذه‌ الوقائع‌ والمعاهدات‌ والحروب‌ والهزائم‌ إلقاء الضوء علي الوضع‌ الاجتماعى‌ السياسى‌ العسكرى فـى إيران‌ آنئذ، لنستبين‌ عوامل‌ مصائب‌ الأمة، ونكتشف‌ الجذور الفكرية‌ لحركة‌ المشروطة‌، ولنعرف‌ الذين‌ رفعوا عقيرتهم‌ لأول‌ مرّة‌ مطالبين‌ بالمشروطة‌، ونفهم‌ كيف‌ قامت‌ هذه‌ النهضة‌، وماهى‌ الانحرافات‌ التـى واجهتها، وماهى‌ طبيعة‌ هذه‌ الانحرافات‌.

عبد الرحيم‌ طالب‌ أوف‌

«… بين‌ مفكري‌ المشروطة‌ يحتل‌ عبد الرحيم‌ طالب‌ أوف‌ مكانة‌ هامة‌، ولد سنة‌ ١٢٥٠هـ. ق‌ فـى تبريز. وفي‌ السادسة‌ عشرة‌ أو السابعة‌ عشرة‌ ذهب‌ إلي تفليس‌ واشتغل‌ بالتجارة‌. وبعد بضع‌ سنين‌ جمع‌ ثروة‌ يعتد بها. وهناك‌ تعلم‌ اللغة‌ الروسية‌ جيداً. وتعرّف‌ علي آثار المفكرين‌ الروس‌ والفرنسيين‌. وبعد سنين‌ من‌ الإقامة فـى تفليس‌ ذهب‌ إلي «تمرخان‌ شوره‌» مركز داغستان‌، وأقام‌ فيها حتي‌ آخر عمره‌ أى‌ حتي‌ سنة‌ ١٣٢٩ هـ. ق‌ …» [٤].

كانت‌ له‌ مؤلفات‌ فـى الحقول‌ السياسية‌ - الاجتماعية‌، وكان‌ يكتب‌ من‌ المناطق‌ المحتلة‌ (من‌ موضع‌ رفاه‌ كامل‌) وَصفاتٍ علاجية‌ لإيران، ولنعرف‌ مقدار معلوماته‌ عن‌ إيران‌ (وطنه‌ غير المألوف‌ إليه)، لابأس‌ أن‌ نلقى‌ نظرة‌ علي كتاباته‌ من‌ خلال‌ مانقله‌ السيد فشاهى‌:

«…. لا أستعرض‌ كل‌ ماجاء فـى كتاب‌ «مسالك‌ المحسنين‌» بل‌ أشير فقط‌ إلي أن‌ طالب‌ أوف‌ عرض‌ فـى هذا الكتاب‌ قصة‌ خيالية‌ ضمنها مشاكل‌ الناس‌ فـى إيران‌، لكنه‌ ماكان‌ ناجحاً فـى عرض‌ هذه‌ المشاكل‌ لأسباب‌ أولها أنه‌ كان‌ قد غادر إيران‌ منذ صباه‌، ومعلوماته‌ آنئذٍ لم‌ تكن‌ مكتملة‌ عن‌ إيران‌…. معلومات‌ الكاتب‌ ناقصة‌ حتي‌ عن‌ جغرافية‌ إيران‌، فهو يتصور أن‌ السفوح‌ الجنوبية‌ لسلسلة‌ جبال‌ البرز خضراء مغطاة‌ بالأشجار مثل‌ سفوحها الشمالية‌…» [٥]، من‌ الإنصاف أن‌ نقول‌: إنه‌ كان‌ يرغب‌ من‌ كل‌ أعماقه‌ فـى إصلاح‌ أوضاع الأمة فـى إيران‌ رغم‌ أن‌ وصفاته‌ لم‌ تكن‌ مجدية‌. وتبدو هذه‌ الرغبة‌ الشديدة‌ جلية‌ فـى النص‌ التالـى الذي‌ يتحدث‌ عن‌ طالب‌ أوف‌:

«… الكاتب‌ (طالب‌ أوف‌) فـى حواره‌ الخيالـى مع‌ المجتهدين‌ يعترف‌ بأحكام‌ الإسلام، لكنه‌ يقترح‌ أيضاً أموراً حديثة‌ مثل‌: نظام‌ الجندية‌ الإجبارى، ومدّ سكك‌ الحديد، وإصلاح‌ الخط‌ واللغة‌ وتغيير الحروف‌ الهجائية‌… وحول‌ الوضع‌ السياسى‌ يكتب‌ قائلاً: لو كانت‌ هذه‌ الوزارات‌ تقليداً للغربيين‌ فأى‌ بلد أوروبـى وزيره‌ أمّى‌؟ ! أى‌ بلد فيه‌ وزير بالاسم‌ دونما إدارة‌؟ ! لماذا الاسم‌ بدون‌ مسمّي‌؟ وأين‌ تجد مثل‌ هذا الوضع‌؟ وزير العدل‌ مثلاً شخص‌ لا يعترف‌ أصلاً بوجود علم‌ الحقوق‌. يجلس‌ فـى عمارة‌ فخمة‌ مع‌ المساعدين‌ والموظفين‌ ليقضى بين‌ الناس‌ فيما اختلفوا فيه‌. لو كانت‌ الأحكام‌ فى هذه‌ الدائرة‌ تصدر علي أساس‌ الشرع‌، فإن‌ أصحاب‌ الشرع‌ منتشرون‌ فـى جميع‌ الأزقة‌ يعرضون‌ متاعهم‌ ويبحثون‌ عن‌ زبون‌ لعلمهم‌. ولو كان‌ الحكم‌ يصدر استناداً إلي قانون‌ مدنـى، فأين‌ مدرسة‌ تعليم‌ القانون‌ فـى بلادنا؟ وأين‌ هى مصادر قوانيننا الحقوقية‌؟ وإن‌ لم‌ يك‌ ثمة‌ شرع‌ ولا قانون‌، فأساس‌ العدل‌ مايرتأيه‌ الوزير وما يتخيله‌. فـى كل‌ أنحاء إيران‌ من‌ الشرطى ابتداء وحتي‌ الحاكم‌، الجميع‌ يحكمون‌ وفق‌ رغباتهم‌ وميولهم‌ الشخصية‌. كل

هم‌ آمرون‌ وحاكمون‌… أى قاموس‌ يسمّى جهاز الظلم‌ والاستبداد عدلاً؟ !» [٦].

لو أمعنا النظر فـى النص‌ التالـى المنقول‌ عن‌ كتاب‌: مسائل‌ الحياة‌ لطالب‌ أوف‌ لرأينا أن‌ الرجل‌ يتألم‌ من‌ التخلف‌ الصناعى والعلمى للإيرانيين‌، ويبحث‌ عن‌ العلاج‌، لكنه‌ ينطلق‌ فـى تقديم‌ العلاج‌ من‌ تأثر بالهزيمة‌ أمام‌ الغرب‌ ومن‌ فرار من‌ الذات‌ والهوية‌ يقول‌:

«…. سألت‌ من‌ الآقا رضا (نموذج‌ لعالم‌ دين‌ مؤيد للتغرّب‌) وهو رجل‌ فاضل‌ وشاعر، هل‌ من‌ جديد؟ قال‌: عندكم‌ جامع‌ المعقول‌ والمنقول‌، فما الجديد عندى‌؟ قلت‌: لِمَ هذا التواضع‌ وكسر النفس‌؟ عندك‌ عشرة‌ آلاف‌ كتاب‌. كنز معلوماتك‌ يكفـى لاثراء عشرة‌ علماء. قال‌: لا، أبداً، ماعندى أنا وأمثالـى إنما هو ألسنة‌ الأموات‌، أو معلومات‌ سقطت‌ عن‌ حيّز الانتفاع‌، وأصبحت‌ جزء من‌ الأساطير. مايعلمه‌ أحمد آقا (نموذج‌ للتقدميين‌) ينفعه‌ وينفع‌ الآخرين‌. كل‌ العالم‌ بحاجة‌ إلي هذه‌ المعلومات‌.

ما نعلمه‌ نحن‌ يجب‌ أن‌ نكتبه‌ علي ورق‌ من‌ صنع‌ أمة‌ أخري‌، وأن‌ نقرأه‌ بنظارة‌ من‌ صنع‌ الغرب‌.

معلوماتنا كانت‌ كافية‌ حين‌ لم‌ تتسع‌ احتياجات‌ الناس‌ كما اتسعت‌ اليوم‌، وما كان‌ من‌ المتصور أن‌ تزداد علاقات‌ الشعوب‌ إلي الدرجة‌ التـى‌ هى عليه‌ اليوم‌. لكن‌ أحمد يستطيع‌ أن‌ يصنع‌ من‌ ترابنا أوانـى خزفية‌، ويصنع‌ من‌ صخورنا بلوراً، ومن‌ رمال‌ صحارينا زجاجاً، ومن‌ قطن‌ بلدنا وصوفه‌ قماشاً نصنع‌ منه‌ عمامة‌ ورداء، ومن‌ النفط‌ الاسود مواد مأكولة‌ ومواد محترقة‌. يستطيع‌ أن‌ يخترق‌ الأرض ويستخرج‌ من‌ باطنها ما أودعته‌ الطبيعة‌ فـى سُـرّتها من‌ ثروات‌ تزيد الثروة‌ العامّة‌. ماذا أقول‌؟ أنا منفعل‌ من‌ معلوماتى. ما أعلمه‌ هو أنـى لا أعلم‌ شيئاً» [٧].

بعد حديث‌ آقا رضا تصدّي‌ له‌ آقا عبد اللّه‌ (فـى دور الرجعى المعارض‌ للتقدّم‌ والاصلاح‌) وردّ عليه‌ [٨]، ثم‌ تدخّل‌ أحمد وقال‌: «…. إعلم‌ أولا أن‌ الحرب‌ بين‌ أبناء البشر أمر طبيعى‌، لا اصطناعى‌…. الحروب‌ وسفك‌ الدماء فـى هذا العصر لايمكن‌ مقارنتها بالعهود السابقة‌. كان‌ الجرحي‌ فـى الحروب‌ السابقة‌ يداسون‌ تحت‌ سنابك‌ الخيل‌، ويصفّون‌ الأسري‌ فيقطعون‌ رؤوسهم‌، وحين‌ يدخلون‌ البلاد المفتوحة‌ كانوا يذبحون‌ أهلها ويهدمون‌ دورها. أما الآن‌ فتسير خلف‌ المحاربين‌ مجموعات‌ من‌ الأطباء والممرضات‌ من‌ النساء المسميات‌ بالأخوات‌ العطوفات‌، وتسير هذه‌ المجموعات‌ مع‌ المقاتلين‌ بأدوات‌ الجراحة‌ وأكواز الماء وأحمال‌ الأدوية‌ والسديات‌ اللولبية‌ لحمل‌ الجرحي‌. ويضمدون‌ المصابين‌ تحت‌ وابل‌ الرصاص‌… ولو كان‌ المغلوبون‌ عطشي‌ أو جوعي‌ يعاملونهم‌ كضيوف‌ أعزاء، فيطعمونهم‌ ويسقونهم‌. وبعد ذلك‌ يطلقون‌ سراحهم‌ مسلحين‌ أو منزوعى السلاح‌ حسب‌ ما يعقد من‌ معاهدات‌. أو يرسلونهم‌ إلي معسكرات‌ الأسر، فيتعلمون‌ هناك‌ الصناعة‌ والحرف‌، أو يمتهنون‌ التدريس‌…».

حول‌ الحرية‌ وارتباطها بالإسلام‌ انظروا إلي آراء طالب‌ اوف‌: «…حكيم‌ آخر يقول‌: من‌ يستهدف‌ إلي أن‌ يموت‌ فقد استهدف‌ الحرية‌. من‌ كان‌ ينشد الحرية‌ فلا يخشي‌ الموت‌، أى لايرضخ‌ لأحكام‌ الاستبداد وسلب‌ الحقوق‌. من‌ هنا كان‌ شهداء كل‌ أمة‌ أحياء دائماً، وأيام‌ ولادتهم‌ ووفاتهم‌ أياماً مباركة‌، ذلك‌ لأنهم ضحوا بأنفسهم‌ من‌ أجل‌ صيانة‌ الحقوق‌ والحرية‌، وعدم‌ الرضوخ‌ للمستبدين‌، فأصبحوا أحياء خالدين‌. شهداء الجهاد فـى سبيل‌ اللّه‌ هم‌ بمعنى آخر ينالون‌ حياة‌ خالدة‌ واحتراماً خاصاً، فهم‌ فـى حياتهم‌ قد أدّوا مسؤوليتهم‌ علي أكمل‌ وجه‌ فـى مساعدة‌ بنـى نوعهم‌ وإضاءة‌ طريق‌ الحرية‌ وحفظ‌ الوجود لهم‌، وبعد وفاتهم‌ سجلوا فـى صفحات‌ التاريخ‌ للأجيال‌ دروس‌ التشجيع‌ علي تحقيق‌ تلكم‌ الأهداف‌. ومهما كانت‌ آثارهم‌ الحميدة‌ نافذة‌ فـى الأجيال‌ اللاحقة‌ كان‌ اسمهم‌ حياً فـى النفوس‌.

ليست‌ الحرية‌ مثل‌ سائر أقوالنا وأفعالنا مقدمة‌ لشى‌ء آخر، ليست‌ مثل‌ المشى لطىّ المسافة‌، والقراءة‌ للحصول‌ علي معلومات‌، والأكل‌ للتقوية‌، والقول‌ لإيصال‌ المقصود، والعبادة‌ للتقرب‌ إلي اللّه‌، والأدب‌ لكسب‌ المحبة‌، والكفاية‌ لتحقيق‌ الأهداف‌، والشجاعة‌ لغلبة‌ العدو، والعدل‌ لبسط‌ السعادة‌ والبركة‌ و… ليست‌ الحرية‌ مقدمة‌ لشى‌ء آخر، الحرية‌ من‌ أجل‌ الحرية‌. فالحرية‌ مقدمة‌ بدون‌ نتيجة‌، أو نتيجة‌ بدون‌ مقدمة‌. إنها من‌ الألفاظ‌ المجردة‌. يقال‌ إن‌ الحياة‌ من‌ الألفاظ‌ المجردة‌، لأن‌ الحياة‌ هدفها الحياة‌ لاغير. لكن‌ الحياة‌ فـى اعتقادنا مقدمة‌ للموت‌. أما الحرية‌ فهى للحياة‌ والممات‌ علي السواء، سواء فـى عالم‌ الذرّ (أى عالم‌ الذرّات‌) حيث‌ الذرّات‌ مطلقة‌ غير مقيّدة‌ بشروط‌ وتكاليف‌، أو فـى عالم‌ اتصال‌ الذرات‌ حيث‌ الخضوع‌ لقوانين‌ اتصال‌ الذرات‌ وتكاليف‌ المدنية‌ أى الشرع‌ والعرف‌…. » [٩].

جذور الالتقاط‌ فـى فكر طالب‌ أوف‌

طالب‌ أوف‌ من‌ طلائع‌ الليبرالية‌ والمشروطة‌ فـى بلادنا. وفكره‌ كما يلاحظ‌ من‌ النصوص‌ السابقة‌ يتجه‌ إلي «إصلاح‌ إسلامى‌» علي الطريقة‌ الغربية‌. وتظهر فيه‌ بوضوح‌ آثار الهزيمة‌ تجاه‌ العلوم‌ الطبيعية‌ وتجاه‌ الحياة‌ الأوربية‌. لو بحثنا عن‌ جذور «الالتقاط‌» فـى تاريخ‌ إيران‌ المعاصر، لوجدنا فـى أفكار طالب‌ أوف‌ شيئاً كثيراً يساعدنا علي تقصّى تلك‌ الجذور.

إنه‌ دون‌ شك‌ متأثر بالليبرالية‌، وبحركة‌ الإصلاح‌ الدينـى الأوربية‌، ونعلم‌ أن‌ حركة‌ الإصلاح‌ الدينـى فـى أوربا استهدفت‌ التحرر من‌ أغلال‌ الكنيسة‌ وتعسّفها، ثم‌ أعقب‌ ذلك‌ حدوث‌ الثورة‌ الصناعية‌ فـى القرنين‌ السادس‌ عشر والسابع‌ عشر. ديكارت‌ واسبينوزا كانا من‌ المنادين‌ بأصالة‌ العقل‌، وتبع‌ ذلك‌ الدعوة‌ إلي حرية‌ الفكر وحرية‌ العقيدة‌، وهاجم‌ ميلتن‌ جهاز تفتيش‌ العقائد، وكل‌ ذلك‌ أدي‌ إلي ظهور الحركة‌ الفكرية‌ الكبري‌ فـى القرن‌ الثامن‌ عشر الميلادى فـى أوربا وأمريكا. وكان‌ من‌ رموز هذه‌ الحركة‌ فولتير وروسو وديدرو ومونتيسكيو وكوندروسى فـى فرانسا. وكانْـتْ وغوته‌ وليسينغ‌ فـى المانيا. وهيوم‌ ولاك‌ وآدم‌ سميث‌ فـى بريطانيا. وجفرسن‌ وفرانكلين‌ فـى أمريكا [١٠]. هؤلاء المفكرون‌ والفلاسفة‌ ثاروا ضد الإقطاع‌ والاستبداد وقدرة‌ الطبقة‌ الارستقراطية‌ والكنيسة‌ ورجال‌ الدين‌. وهذه‌ الحركة‌ اتحدت‌ مع‌ الطبقة‌ المتوسطة‌ النامية‌ فـى مجتمعات‌ أوربا الغربية‌ وقامت‌ بالثورات‌ السياسية‌ فـى بريطانيا وأمريكا وفرنسا. اتحاد الحركة‌ الفكرية‌ الإصلاحية‌ والطبقة‌ المتوسطة‌ أوجد الليبرالية‌ بأصولها وأفكارها الأساسية‌.

النواة‌ الأصلية‌ لليبرالية‌ هى الحرية‌، وأساسها الحرية‌ الفردية‌. فالفرد حرّ فـى التفكير والعقيدة‌ وحق‌ انتخاب‌ الحرفة‌ وحق‌ إنجاز المعاملات‌ والاشتراك‌ فـى الحكومة‌ عن‌ طريق‌ انتخاب‌ الحاكم‌، ويعتقد الليبراليون‌ أن‌ هذه‌ الحقوق‌ ناشئة‌ عن‌ «الطبيعة‌» والحكومات‌ مكلفة‌ بحمايتها. وكما أن‌ عالم‌ الطبيعة‌ يقوم‌ علي أساس‌ قوانين‌ الطبيعة‌ كذلك‌ نظام‌ المجتمع‌ وحقوق‌ الأفراد يجب‌ أن‌ تقوم‌ علي أساس‌ قوانين‌ الطبيعة‌ ! ولما كانت‌ قوانين‌ الطبيعة‌ واحدة‌ فـى الظروف‌ المتشابهة‌، فإن‌ الحقوق‌ الناشئة‌ عنها للأفراد واحدة‌ أيضا فـى كل‌ مكان‌. وهذا يعنـى رفض‌ الطبقية‌ والامتيازات‌ الطبقية‌ وتساوى الجميع‌ أمام‌ اللّه‌ والطبيعة‌ ويستلزم‌ ذلك‌ رفض‌ كل‌ الامتيازات‌ والاختلافات‌ الدينية‌.

من‌ هنا فان‌ معيار صحة‌ المؤسسات‌ الاجتماعية‌ ليس‌ هو الدين‌، بل‌ مقدار ماتحققه‌ من‌ سعادة‌ الأفراد وراحتهم‌. وبموجب‌ هذه‌ النظرة‌ تترك‌ التقاليد والعادات‌ والرسوم‌ القديمة‌ مكانها للسعى من‌ أجل‌ رفاه‌ الانسان‌، أو بعبارة‌ أخري‌ لتقدم‌ المجتمع‌ وتطوره‌. رفض‌ التقاليد والمؤسسات‌ القديمة‌ نتيجة‌ طبيعية‌ للايمان‌ بالحقوق‌ الناشئة‌ عن‌ القوانين‌ الطبيعية‌، لأن‌ الطبيعة‌ خيّرة‌، والمؤسسات‌ غير الطبيعية‌ تدفع‌ بالمجتمع‌ تدريجياً نحو الانحراف‌ والشرّ، ومن‌ هنا فان‌ النظام‌ الطبقى والامتيازات‌ الارستقراطية‌ التـى‌ هى جميعاً وليدة‌ التقاليد القديمة‌، شرٌّ وعائق‌ للإنسان‌ علي طرق‌ سعادته‌، ولابد من‌ قطع‌ يد «الماضى‌» عن‌ المجتمع‌، وترك‌ الطبيعة‌ لحالها كى تسير الأمور نحو الأفضل‌.

الليبرالية‌ متفائلة‌ وتعتقد أن‌ طبيعة‌ الإنسان‌ خيّرة‌، لكن‌ هذا الإنسان‌ يحمل‌ الحرص‌ والشهوة‌ وحبّ الجاه‌ والسلطة‌. ولابدّ من‌ العمل‌ علي أن‌ لاتفرض‌ الأكثرية‌ سلطتها علي الأقلية‌. من‌ هنا لابدّ من‌ فصل‌ السلطة‌ التقنينية‌ عن‌ السلطة‌ التنفيذية‌، وفصل‌ السلطة‌ القضائية‌ عن‌ كلا السلطتين‌، ليتم‌ التعادل‌ والتوازن‌ بين‌ السلطات‌ [١١].

طالب‌ أوف‌ - باعتباره‌ مهاجراً إيرانياً مقيماً فـى القفقاس‌ - تحدُثُ فـى ذهنه‌ عادة‌ مقارنة‌ بين‌ الأوضاع‌ فـى إيران‌ وروسيا، ومن‌ الطبيعى أن‌ يحسّ بالألم‌ تجاه‌ تخلف‌ الشعب‌ الإيرانـى ولذلك‌ راح‌ يفكر فـى العلاج‌ ويكتب‌ وصفة‌ الدواء.

كان‌ القفقاس‌ يومئذ يموج‌ بالأفكار المختلفة‌ والمدارس‌ الفكرية‌ المتباينة‌، ومن‌ هنا نري‌ فـى أفكار طالب‌ أوف‌ نوعاً من‌ التشتت‌، لكن‌ الليبرالية‌ أكثر تأثيراً عليه‌. فهو يرفض‌ القديم‌ ويعتبره‌ ألسنة‌ الأموات [١٢]. ويعرّض‌ بعلماء الدين‌ وعلومهم‌. وفـى ذلك‌ يتقمّص‌ شخصية‌ مارتن‌ لوثر ويقلّد أصحاب‌ الإصلاح الدينـى الأوربيين. كما نشاهد فـى موضع‌ آخر انبهاره‌ بالانسانوية‌ الغربية‌، حين‌ يتحدث‌ عن‌ قوانين‌ الحرب‌ فـى عالمنا المعاصر ويقارنها بحروب‌ الأزمان السالفة‌ ويشير إلي قوانين‌ معاهدة‌ جنيف‌ فـى التعامل‌ مع‌ أسري‌ الحرب‌. ويلاحظ‌ أنه‌ يستعمل‌ كلمة‌ الأخوات الحنونات‌ للممرضات‌، وهى ترجمة‌ لكلمة‌ «Sister» الإنجليزية، وهكذا فـى كل‌ عبارات‌ طالب‌ أوف‌ نشاهد هذا الانبهار بالغرب‌. لقد خلب‌ بريق‌ الغرب‌ أنظارهم‌. تماماً مثل‌ شخص‌ يتعرّض‌ فجأة‌ لنور قوى‌، فيُخلب‌ بصره‌، ويري‌ كل‌ شى‌ء حوله‌ ظلاماً لفترة‌ معينة‌، ثم‌ يحسّ بأن‌ بريقاً كاذباً يسطع‌ فـى عينيه‌ باستمرار حتي‌ ولو أغمض‌ عينيه‌. وهكذا شأن‌ رهط‌ «منوّرى الأفكار» فـى إيران‌. خلبهم‌ ما رأوه‌ وما سمعوه‌ وما أوحي‌ إليهم الشياطين‌، فتأثروا وشُغفوا وراحوا يصفون‌

العلاج‌ لشعوب‌ الشرق‌ متمثلاً فـى تكرر تجربة‌ الغرب‌.

مأساة‌ الانبهار

إحدي‌ مآسينا الكبري‌ فـى القرن‌ الأخير تتمثل‌ فـى انبهار طلائع‌ الحركة‌ الفكرية‌ فـى شرقنا الإسلامى بالغرب‌، لانبالغ‌ إذا قلنا أن‌ أساس‌ الاستعمار الجديد Neocolonialism فـى بلدان‌ العالم‌ الثالث‌ يتمثل‌ فـى هذا الانبهار الذى خلب‌ الألباب والعقول‌. الفكر الليبرالـى والانسانوى والاشتراكى والشيوعى ظهر فـى الغرب‌ نتيجة‌ ظروف‌ اقتصادية‌ واجتماعية‌ وسياسية‌ خاصة‌ بالمجتمعات‌ الأوربية والأمريكية‌، وهذه‌ الأفكار منسجمة‌ تماماً مع‌ أرضية‌ تلك‌ البلدان‌ بملابساتها الخاصة‌. ولكن‌ حين‌ تنقل‌ هذه‌ الأفكار لتُقحم‌ فـى مجتمعات‌ ذات‌ هوية‌ قومية‌ وفكرية‌ ونفسية‌ وجغرافية‌ وتاريخية‌ مختلفة‌ كل‌ الاختلاف‌ عن‌ هوية‌ المجتمعات‌ الغربية‌ فان‌ ذلك‌ لايعنـى سوي‌ المسخ‌ الثقافـى وتزلزل‌ أسس‌ هذه‌ المجتمعات‌.

هذه‌ الوصفات‌ العلاجية‌ المترجمة‌ من‌ الغرب‌ تذكرنـى بما رواه‌ لـى أحد أقاربـى. فقد ولد له‌ قبل‌ ستين‌ عاماً طفل‌ أصيب‌ برمد فـى العين‌. ولم‌ يكن‌ فـى قريتنا «رستم‌ آباد» طبيب‌ فأخذوه‌ إلي الطبيب‌ الوحيد الموجود فـى «تجريش‌» آنئذٍ، وكتب‌ له‌ هذا الطبيب‌ وصفة‌ تتضمن‌ قطرة‌ من‌ المحتمل‌ أن‌ تكون‌ من‌ قبيل‌ «السلفاميد» التـى‌ بدأت‌ تشيع‌ يومئذ، وبعد ذلك‌ كان‌ كل‌ من‌ يشعر بألم‌ فـى عينيه‌ يأتى إلي بيت‌ هذا الرجل‌ ويأخذ منه‌ الوصفة‌ للاستفادة‌ منها… حتي‌ تمزقت‌ هذه‌ الوصفة‌ من‌ كثرة‌ الاستعمال‌، وألصقوها بالشريط‌، يظهر أن‌ المقلدين‌ لايؤمنون‌ بوجود ارتباط‌ بين‌ الأمور. ما إن‌ سمعوا بوصفة‌ لعين‌ مصابة‌ حتي‌ راحوا يقلدونها، دون‌ تفريق‌ بين‌ أنواع‌ مرض‌ العين‌ وخصائصها المميزة‌.

وكان‌ للمستشرقين‌ دور هام‌ فـى نشر روح‌ التقليد هذه‌، وفـى تقديم‌ الوصفة‌ قبل‌ أن‌ يطلبها الشرقيون‌ منهم‌.

يلاحظ‌ من‌ أفكار طالب‌ أوف‌ أنه‌ يركز علي محور ركز عليه‌ كل‌ المهزومين‌ أمام‌ مادية‌ الغرب‌، وهو إفراغ‌ الإسلام من‌ محتواه‌ الغيبـى، ويحاول‌ تفسير كل‌ تشريعاته‌ تفسيراً فيزيائياً محسوساً.

لقد كانت‌ مساعى هؤلاء «المصلحين‌» تتجه‌ دائماً إلي جرّ الإسلام نحو مابهرهم‌ من‌ فكر وخلب‌ أنظارهم‌ من‌ تيار. إذ استولى علي أدمغتهم‌ التيار الليبرالـى والحرية‌ الفردية‌، يهتمون‌ بتفسير القرآن‌ والسنة‌ لتنطبق‌ مع‌ هذا التيار، وإن‌ بهرتهم‌ الماركسية‌ يعكفون‌ علي وضع‌ نصوص‌ الدين‌ فـى قوالب‌ المادية‌ التاريخية‌… وهكذا تراهم‌ أحياناً يعربون‌ عن‌ حرصهم‌ علي بقاء الدين‌ بمثل‌ هذه‌ الأعمال‌ الالتقاطية‌. حتي‌ كأن‌ خلود الإسلام‌ يتمثل‌ فـى تحوّله‌ المستمر وفق‌ مشتهيات‌ أصحاب‌ المدارس‌ الفكرية‌ المختلفة‌ !!

أمعن‌ النظر فـى أقوال‌ طالب‌ أوف‌ بشأن‌ الشهادة‌ والشهيد، تراه‌ يسلب‌ من‌ عملية‌ الاستشهاد طابع‌ العمل‌ فـى سبيل‌ إعلاء كلمة‌ اللّه‌ ومحاربة‌ أعداء اللّه‌، ويجعلها عملية‌ نضال‌ اجتماعى سياسى كنضال‌ أصحاب‌ المدارس‌ الفكرية‌ المادية‌ الأخري‌ لا أكثر ولا أقل‌. وخلودهم‌ ليس‌ بسبب‌ ما وفّره‌ اللّه‌ لهم‌ من‌ كرامة‌، بل‌ بسبب‌ جسيم‌ الأعمال‌ الحميدة‌ التـى‌ أدّوها للأجيال‌.

وانظر إلي حديثه‌ عن‌ عالم‌ الذرّ، وهو العالم‌ الذى تشير إليه الآية‌ الكريمة‌: (وإذ أخذ ربك‌ من‌ بنـى آدم‌ من‌ ظهورهم‌ ذريتهم‌ وأشهدهم‌ علي أنفسهم‌: ألست‌ بربكم‌؟ قالوا: بلي شهدنا أن‌ تقولوا يوم‌ القيامة‌ إنا كنا عن‌ هذا غافلين‌ [١٣].

فيفسّره‌ بأنه‌ عالم‌ «الذرّات‌»، وهو تفسير ينمّ عن‌ هذه‌ الهزيمة‌ النفسية أمام‌ المكتشفات‌ العلمية‌ والمادية‌ والفيزيائية‌ [١٤].

ميرزا مَلْكُمْ خان‌ وارهاصات‌ المشروطة‌

يحتل‌ ميرزا ملكم‌ خان‌ مكانة‌ هامة‌ فـى أحداث‌ تاريخ‌ الحركة‌ التقدمية‌ والإصلاحية‌ قبل‌ المشروطة‌ وفـى عمليات‌ التمهيد الفكرى للمشروطة‌، ويندر أن‌ نجد شخصاً يرقي‌ إلي مستوي‌ نشاطه‌ فـى نقل‌ مفاهيم‌ الانسانوية‌ والديمقراطية‌ والبرلمانتارية‌ إلي مجتمعنا. وكان‌ إلي هذا من‌ أكثر الشخصيات‌ السياسية‌ إثارة‌ للجدل‌ فـى القرن‌ الأخير. والآراء بشأنه‌ متناقضة‌ جداً، بعضها أوصلته‌ إلي أعلي عليين‌، وبعضها أنزلته‌ إلي أسفل‌ سافلين‌. «ظِلُّ السلطان‌» حاكم‌ أصفهان‌ يكتب‌ حوله‌ قائلاً:

«… هذا الشخص‌ من‌ نجباء إيران‌. عائلة‌ ملكم‌ مشهورة‌ فـى إيران‌ ومعروفة‌. كان‌ الفيلسوف‌ الأول‌، والمعلم‌ الأول‌. إنه‌ - دون‌ مبالغة‌ - مثل‌ أرسطو وأفلاطون‌. بل‌ إنه‌ يفوقهما بألفين‌ أو ثلاثة‌ آلاف‌ سنة‌ من‌ المعلومات‌ التـى‌ ظهرت‌ بعد عصرهما. ذو كمال‌ فائق‌، وذو قدرة‌ علي عدة‌ لغات‌ أجنبية‌، كان‌ أُستاذاً فـى الفرنسية‌ والانجليزية‌ وغيرهما. قلّما يبلغه‌ أحد فـى قوة‌ قلمه‌ وقوة‌ عسكريته‌، واذا بلغه‌ فلا يفوق‌ عليه‌…» [١٥].

ويقول‌ محمد حسن‌ اعتماد السلطنة‌ عنه‌:

«ملكم‌ عالم‌ بدون‌ عمل‌، وزنبور بدون‌ عسل‌، ومتصف‌ بصفات‌ الرذيلة‌. لايمكن‌ إنكار قدرته‌ البولتيكية‌. حين‌ لايكون‌ له‌ غرض‌ ومرض‌ فهو ناصح‌ جيد، وموجّه‌ ماهر. ولكن‌ حين‌ تكون‌ ثمة‌ مصالح‌ شخصية‌، أو تلوح‌ فـى الأفق‌ مصلحة‌، فان‌ علمه‌ يتلاشي‌ كعمله‌…» [١٦].

ولما كان‌ كثير من‌ المسؤولين‌ ودعاة‌ التقدمية‌ والإصلاح‌ والديمقراطية‌ علي ارتباط‌ مباشر أو غير مباشر بالميرزا ملكم‌ خان‌، وأن‌ اسمه‌ مدرج‌ فـى عدد من‌ الاتفاقيات‌ المثيرة‌ المخزية‌ فـى العصر القاجارى وخاصة‌ فـى عصر ناصر الدين‌ شاه‌، فانه‌ من‌ الضرورى أن‌ نقف‌ عند ترجمته‌ ومؤلفاته‌.

«ملكم‌ ابن‌ ميرزا يعقوب‌ الأصفهانـى ولد سنة‌ ١٢٤٩هـ. ق‌ فـى مدينة‌ جلفا موطن‌ الأرمن‌ جوار نهر زاينده‌ (زاينده‌ رود). ميرزا يعقوب‌ سافر فـى شبابه‌ إلي خارج‌ إيران‌ وتعلّم‌ اللغتين‌ الروسية‌ والفرنسية‌، وتعرّف‌ قليلاً علي أوضاع‌ العالم‌ الجديدة‌».

يبدو أن‌ ميرزا يعقوب‌ ترك‌ دين‌ آبائه‌ واعتنق‌ الإسلام‌ وأرسل‌ ابنه‌ ملكم‌ منذ صغره‌ إلي أوربا للدراسة‌. فأنهي‌ الدراسة‌ الابتدائية‌ والثانوية‌ فـى إحدي‌ مدارس‌ الأرمن‌ بفرنسا ثم‌ التحق‌ بمعهد التكنولوجيا فـى باريس‌.

… ميرزا آقا خان‌ استخدم‌ ملكم‌ فـى دار الفنون‌ مترجماً لدروس‌ الأساتذة‌ الأوربيين ولتدريس‌ الجغرافيا والعلوم‌ التمهيدية‌.

… ميرزا ملكم‌ خان‌ تعرف‌ علي العلوم‌ الطبيعية‌ فـى فرنسا، وأدي‌ بعض‌ التجارب‌ فـى طهران‌، منها أنه‌ قام‌ لأول‌ مرة‌ بتجربة‌ مدّ خط‌ تلغراف‌ بين‌ مدرسة‌ دار الفنون‌ وقصر الشاه‌، واعتبر لذلك‌ أول‌ ناقل‌ للتلغراف‌ من‌ أوربا إلي إيران‌.

هذه‌ التجارب‌ المستمدة‌ من‌ الخواص‌ الفيزياوية‌ والكيمياوية‌ للمواد، كان‌ يجريها ملكم‌ داخل‌ المدرسة‌ وخارجها، وكانت‌ بالنسبة‌ لأهل‌ ذلك‌ الزمان‌ جديدة‌ وغريبة‌، ولم‌ يكن‌ يعرف‌ أحد عللها وأسبابها كما ينبغى‌. ولذلك‌ كانت‌ توحى إلي الأذهان‌ الساذجة‌ بأنها من‌ الخوارق‌ ومن‌ أعمال‌ السحر والشعوذة‌…» [١٧].

«فـى قضية‌ إيفاد فرخ‌ خان‌ أمين‌ الملك‌ إلي باريس‌ لعقد اتفاقية‌ السلام‌ مع‌ باريس‌، كان‌ الميرزا ملكم‌ خان‌ مترجماً ومستشاراً مرافقاً للوفد، وأبدي‌ لياقة‌ وكفاءة‌ ملفتة‌ للأنظار، ونال‌ درجة‌ من‌ الترفيع‌.

بعد عودته‌ من‌ باريس‌ نظّم‌ رسالة‌ تحت‌ عنوان‌: كتيّب‌ الغيب‌، وقدّم‌ فيه‌ مقترحات‌ لإصلاح‌ الأمور، عرض‌ فيه‌ أصولاً وقواعد لما كان‌ يسمي‌ فـى الدولة‌ العثمانية‌ باسم‌ «التنظيمات‌»، وأرسله‌ إلي ناصر الدين‌ شاه‌ عن‌ طريق‌ جعفر خان‌ مشير الدولة‌…» [١٨].

يجدر أن‌ نسمى الميرزا ملكم‌ خان‌ أبا الماسونية‌ فـى إيران‌. فهو أول‌ من‌ أسس‌ محفلاً ماسونياً فـى إيران‌ خلال‌ سنتـى ١٢٧٦ و١٢٧٧ هـ. ق‌، ولم‌ يكن‌ له‌ طبعاً ارتباط‌ بالمحافل‌ الماسونية‌ البريطانية‌ والفرنسية‌. بعد فترة‌ قصيرة‌ أساء الشاه‌ الظنّ بهذا النشاط‌، فصدر بيان‌ حكومى نشر فـى الصحيفة‌ الرسمية‌ يهدّد كل‌ من‌ تسوّل‌ له‌ نفسه‌ أن‌ يتحدث‌ عن‌ مثل‌ هذه‌ المحافل‌ «الدنيئة‌». ونُفـى ملكم‌ عقب‌ ذلك‌ إلي بغداد، وفـى بغداد رُفع‌ عنه‌ تقرير إلي الباب‌ العالـى العثمانـى يقول‌: «هذا الشخص‌ رجل‌ مفسد، ووجوده‌ فـى عراق‌ العرب‌ يؤدى إلي الإخلال‌ بالأمن‌». فاضطر إلي أن‌ يلجأ إلي الميرزا حسين‌ خان‌ مشير الدولة‌ سفير إيران‌ لدي‌ إسلامبول‌.

وهذا الأخير توسط‌ لدي‌ الشاه‌ فعفا عنه‌ وعيّنه‌ مستشاراً للسفارة‌ فـى إسلامبول‌… بعد مدة‌ أقدم‌ «ميرزا سعيد خان‌ مؤتمن‌ الملك‌» وزير الخارجية‌، الذى لم‌ تكن‌ علاقاته‌ حسنة‌ بملكم‌ خان‌، إلي قطع‌ مرتّبة‌ الشهرى‌، وضيّق‌ عليه‌، فاستقال‌ ملكم‌ خان‌ من‌ خدمة‌ الحكومة‌ الإيرانية‌، وتقدم‌ بطلب‌ وظيفة‌ فـى البلاط‌ العثمانـى، فوظّفه‌ «عالـى باشا». توسط‌ ميرزا حسين‌ خان‌ مشير الدولة‌ ثانية‌ وأعاده‌ إلي منصبه‌ السابق‌، وبقى حتي‌ سنة‌ ١٢٧٧هـ. حين‌ أصبح‌ ميرزا حسين‌ خان‌ رئيساً للوزراء فـى إيران‌، استدعي‌ ملكم‌ وعيّنه‌ مستشاراً لرئاسة‌ الوزراء، ومنحه‌ لقب‌ «ناظم‌ الملك‌»، ومنذ ذلك‌ الوقت‌ علا كعبه‌ فـى البلاد [١٩].

فـى سنة‌ ١٢٩٠ حين‌ رتّب‌ ميرزا حسين‌ خان‌ رئيس‌ الوزراء زيارة‌ ناصر الدين‌ شاه‌ إلي أوربا، كان‌ قد أرسل‌ قبل‌ ذلك‌ ملكم‌ إلي لندن‌ بسمة‌ وزير مختار، ليعدّ مقدمات‌ هذه‌ الزيارة‌. فـى سنة‌ ١٢٩٥، بسبب‌ ما أبداه‌ ملكم‌ من‌ حنكة‌ فـى قضية‌ الاختلاف‌ بين‌ إيران‌ والدولة‌ العثمانية‌، وما فعله‌ فـى كسب‌ دعم‌ «بسمارك‌» رئيس‌ وزراء ألمانيا لاسترداد منطقة‌ «قطور» من‌ العثمانيين‌، نال‌ تقديراً، وارتقي‌ إلي منصب‌ سفير كبير، ومنح‌ لقب‌ «پرنس‌»، ولقب‌ سنة‌ ١٢٩٩ «ناظم‌ الدولة‌».

ملكم‌ تولى سفارة‌ إيران‌ فـى لندن‌ خلال‌ الاعوام‌ من‌ ١٢٩٠ إلي ١٣٠٦ حيث‌ كانت‌ واقعة‌ منح‌ امتياز «لاتارى‌».

وبعدها عُزل‌ من‌ كل‌ مناصبه‌ وألقابه‌ الحكومية‌، واستدعى للمحكمة‌ فـى بريطانيا فـى قضية‌ اختلاس‌. وحين‌ كان‌ عاطلاً عن‌ العمل‌ كتب‌ عدة‌ رسائل‌ يلتمس‌ فيها البلاط‌ أن‌ يعاد إلي منصبه‌. وحين‌ يئس‌ من‌ العودة‌ ثار ضد البلاط‌، وأصدر صحيفة‌ «قانون‌» ولم‌ يأل‌ علي صفحاتها جهداً فـى ذم‌ حكومة‌ إيران‌ والحديث‌ عن‌ فساد وزراء ناصر الدين‌ شاه‌. بقى معزولاً مدة‌ عشر سنوات‌ أمضاها فـى أوربا. وفـى سنة‌ ١٣١٦ عين‌ علي عهد مظفر الدين‌ شاه‌ سفيراً كبيراً لإيران‌ فـى روما. وتولى هذا المنصب‌ مدة‌ عشر سنوات‌. وفـى سنة‌ ١٣٢٦ أى بعد سنتين‌ من‌ قيام‌ المشروطة‌ توفـى فـى السويس‌ وهو فـى الثانية‌ والسبعين‌ من‌ عمره‌.

«خان‌ ملك‌ ساسانـى» الذى كان‌ من‌ المشاركين‌ فـى مراسيم‌ دفن‌ ملكم‌ يقول‌: «حسب‌ وصيته‌ نُقل‌ إلي مدينة‌ بيرن‌ حيث‌ جهاز حرق‌ الأموات، ووضع‌ رماد جسده‌ فـى جرّة‌ لتسليمه‌ إلي الورثة‌. وبنات‌ ملكم‌ اللائى كن‌ يعملن‌ ممرضات‌ فـى مستشفيات‌ بريطانيا هُرعن‌ إلي مدينة‌ لوزان‌ حين‌ سمعن‌ بوفاة‌ والدهن‌. وكان‌ ملكم‌ قد سلّم‌ بناته‌ الوثائق‌ المالية‌ منها وثيقة‌ لاتارى بمبلغ‌ أربعين‌ ألف‌ جنيه‌ التـى‌ تحمل‌ علي ظهرها مناصب‌ وألقاب‌ وخدمات‌ وتأليفات‌ والدهن‌.

«أبو القاسم‌ خان‌ ناصر الملك‌ قراگوزلو» الذى كان‌ محمد على شاه‌ قد نفاه‌ إلي أوربا حضر التشييع‌ مع‌ جمع‌ من‌ أصحابه‌ الماسونيين‌ وعدد من‌ الإيرانيين‌، وكاتب‌ هذه‌ السطور (خان‌ ملك‌ ساسانـى) كان‌ حاضراً أيضا فـى المراسم‌».

تظاهر ملكم‌ بالإسلام‌

رغم‌ كل‌ ماكان‌ يبديه‌ ميرزا ملكم‌ خان‌ من‌ احترام‌ وإجلال‌ للإسلام‌، فان‌ سلوكه‌ الشخصى ينمّ عن‌ عدم‌ إيمانه‌ بالإسلام‌.

كانت‌ طريقته‌ أن‌ يتعامل‌ مع‌ الإيرانيين‌ الأحرار، أو ضعفاء العقيدة‌ المتهورين‌ بإعزاز وإكرام‌، ويحوّل‌ أفكارهم‌ فـى اتجاه‌ أهدافه‌ السياسية‌.

كما ذكرنا من‌ قبل‌، كان‌ ملكم‌ خان‌ من‌ زعماء المشروطة‌ علي الطراز الغربـى‌، وكانت‌ له‌ علاقات‌ وثيقة‌ مع‌ كثير من‌ مثقفـى زمانه‌، وكان‌ هؤلاء المثقفون‌ يعتبرونه‌ شيخهم‌ ورائدهم‌.

«… كان‌ بيته‌ محل‌ اجتماع‌ زمرة‌ من‌ العناصر المشبوهة‌ وغير المؤمنة‌. كانت‌ هذه‌ طريقة‌ ملكم‌ منذ سنين‌ خلت‌، يتعامل‌ مع‌ الإيرانيين‌ التحرريين‌ أو غير المؤمنين‌ المتهورين‌ مثل‌ الشيخ‌ محمد باقر بواناتى (معلم‌ ادوارد براون‌ فـى الفارسية‌) وحاج‌ پير زاده‌ وأمثالهم‌ بإكرام‌ وإعزاز، ويدفع‌ بأفكارهم‌ نحو أهدافه‌ السياسية‌…. ».

كانت‌ له‌ علاقات‌ حميمة‌ مع‌ ميرزا فتح‌ على آخوندزاده‌ الذى ذكرناه‌ سابقاً:

«ملكم‌ خان‌ بعث‌ برسالة‌ «الشيخ‌ والوزير» إلي آخوندزاده‌ فأثنى هذا الاخير علي ملكم‌ كثيراً، وكتب‌ له‌ يقول‌: لو لم‌ تكتب‌ لـى هذه‌ الرسالة‌ لمتّ همّاً…. كل‌ من‌ ألقاه‌ لا أتركه‌ حتي‌ يقرأ هذا الكتيّب‌» [٢٠].

«…. شجّع‌ ميرزا حسين‌ خان‌ مشير الدولة‌ علي إجراء الإصلاحات‌ وقال‌ له‌: هذه‌ التدابير الجديدة‌… لايستطيع‌ أن‌ يقوم‌ بها أحد فـى إيران‌ إلاّ جنابكم‌ الأمجد. أعلم‌ أنها تحتاج‌ إلي جرأة‌ وهمة‌ كبيرتين‌، لكنه‌ علي ذمّة‌ ذلك‌ الجناب‌ الأشرف‌ أن‌ تكون‌ لكم‌ مثل‌ هذه‌ الجرأة‌ والهمّة‌. مم‌ تخافون‌؟ لو أن‌ جنابكم‌ العالـى أيضاً تخشون‌ من‌ لغط‌ عدد من‌ الجهال‌ الجياع‌، أو من‌ شماتة‌ نفر من‌ العلماء الجهلة‌ وتتركون‌ فـى هذه‌ الفرصة‌ الكبري‌ مصلحة‌ الدولة‌، فما الفرق‌ إذن‌ بين‌ الهمّة‌ السامية‌ وبين‌ الضعف‌ والذاتيّة‌؟ » [٢١].

«… ملكم‌ ترك‌ الحديث‌ لمدة‌ سنة‌ تقريباً عن‌ الإصلاح والتقدم‌، وقطع‌ مراسلاته‌ مدة‌ مع‌ أصدقائه‌. فكتب‌ له‌ أمين‌ الدولة‌ كتابة‌ إخوانية‌ قال‌ فيها: حقاً أنك‌ أسأت‌ فـى تركنا بالمرّة‌. وأنا أيضاً عناداً لك‌ قد امتهنت‌ البطالة‌، لا أكتب‌ ولا أتحدث‌، وليس‌ لـى شأن‌ بالبروگرس‌ (التقدم‌) ولا بالسيفيلايزيشن‌ (المدنية‌) … وفـى الرسالة‌ التالية‌ كتب‌ جادّاً: أنا بحاجة‌ ماسّة‌ إلي كتاباتك‌، فلا يحرّكنـى شى‌ء ولا يهيّجنـى شى‌ء سوي‌ كتاباتكم‌…» [٢٢].

«…. ميرزا آقاخان‌ كرمانـى من‌ ذوى الشأن‌ والهمّة‌ بين‌ أعوان‌ ملكم‌. جهد كثيراً فـى توزيع‌ صحيفة‌ القانون‌، وكان‌ يرسل‌ أخباراً ومعلومات‌ لدرجها فـى الصحيفة‌…» [٢٣].

ملكم‌ طرح‌ بصراحة‌ موضوع‌: السلطنة‌ المشروطة‌، وموضوع‌: مجلس‌ الشوري‌ الوطنـى، فيما كتب‌ من‌ مقالات‌ بعد سنة‌ ١٣٠٠ هـ. ق‌. فـى سنة‌ ١٣٠٢ ألف‌ كتيّباً حول‌ «القوانين‌ الأساسية‌ فـى البلاد والقوانين‌ الإدارية‌ للمملكة‌». يكتب‌ ميرزا محمد على خان‌ فريد الملك‌ كاتب‌ السفارة‌ الايرانية‌ فـى لندن‌ فـى مذكراته‌ اليومية‌ (١٦ شعبان‌ ١٣٠٢): يبدأ هذا الكتيّب‌ بالعبارة‌ التالية‌: «فـى البلدان‌ المنظمة‌ يوجد نوعان‌ من‌ القوانين‌. أحدهما قوانين‌ أساسية‌ للدولة‌، والأخري‌ قوانين‌ إدارة‌ الممكلة‌، ثم‌ بعد ذلك‌ يشرع‌ ببيان‌ السلطنة‌ المشروطة‌ والسلطنة‌ المطلقة‌».

كان‌ ملكم‌ يعتقد أن‌ المجلس‌ الحكومى الإيرانـى الذى تأسس‌ علي عهد ميرزا حسين‌ خان‌ (قائد الجيش‌) لو أدّي‌ عمله‌ بشكل‌ واقعى لقدّم‌ خدمات‌ جُلي فـى تطوير حكومة‌ القانون‌. كان‌ رأيه‌ أن‌ هذا المجلس‌ يمكن‌ أن‌ يكون‌ مركز نظم‌ جديد فـى إيران‌…

وبشأن‌ انفصال‌ السلطة‌ التشريعية‌ عن‌ التنفيذية‌ فـى الحكومة‌ البرلمانية‌ يقول‌ ملكم‌: أية‌ حكومة‌ تريد أن‌ تعيش‌ فـى كنف‌ الأمن‌ المالـى والروحى لابد أن‌ يكون‌ لها مجلس‌ قوانين‌. حتي‌ لو أن‌ جميع‌ القوانين‌ القديمة‌ قد حُفظت‌ بشكل‌ صحيح‌، فإنه‌ يستوجب‌ أيضاً أن‌ تظهر كل‌ يوم‌ قوانين‌ وقواعد جديدة‌ بسبب‌ تطور وسائل‌ الحياة‌ مثل‌ القطارات‌ والتلغراف‌ وتأسيس‌ الشركات‌ ومواقع‌ الحدود وتنظيم‌ الأفواج‌ وآلاف‌ المسائل‌ الأخري‌. وبفضل‌ اللّه‌ أصبح‌ من‌ الواضح‌ الجلـى فـى هذا العهد أن‌ ترتيب‌ مجلس‌ للقوانين‌ بمقتضي‌ حكمة‌ المدنية‌، وأيضاً بحكم‌ الشرع‌ الإسلامى المقدس‌ فـى إيران‌ أيسر من‌ أى مكان‌ آخر، وأكثر ضرورة‌ من‌ أى تدبير آخر. تنفيذ القوانين‌ يحتاج‌ إلي جهاز يسمي‌ فـى البلدان‌ الأخري‌ بهيئة‌ الوزراء.

وفـى ترتيب‌ هيئة‌ الوزراء من‌ الناحية‌ القانونية‌ يجب‌ أن‌ يكون‌ الوزراء مسؤولين‌ أمام‌ مجلس‌ تشريعى مسؤول‌. الوزراء يجب‌ أن‌ يكونوا فـى خدمتهم‌ الحكومية‌ متشاركين‌ ومتضامنين‌ فـى أقوالهم‌ وأعمالهم‌، بحيث‌ لو أن‌ أحدهم‌ ارتكب‌ خطأ أو خيانة‌ فإن‌ كل‌ الوزراء مثل‌ وجود واحد يعزلون‌ دفعة‌ واحدة‌…. ».

موضوع‌ الحكومة‌ البرلمانية‌ وتأسيس‌ مجلس‌ الشوري‌ ورد بإجمال‌ فـى صحيفة‌ «قانون‌» … أطلق‌ ملكم‌ أسماء مختلفة‌ علي البرلمان‌ منها: مجلس‌ القوانين‌، ومجلس‌ الشوري‌ الوطنـى الكبير، ومجلس‌ وكلاء الشعب‌، مقابل‌ مجلس‌ الأقطاب‌ [٢٤].

فـى صحيفة‌ قانون‌ (رمضان‌ ١٣٠٩) يقول‌ باختصار: «باقتضاء قرار مطلق‌، تشخيص‌ القوانين‌ وتدوينها واستقرارها يجب‌ أن‌ يكون‌ إلزاماً باستشارة‌ ومصادقة‌ المجلسين‌. أحدهما مجلس‌ وكلاء الشعب‌ الذى ينتخبه‌ الشعب‌، والآخر مجلس‌ الأقطاب‌ المكون‌ من‌ فضلاء وكمَـلَة‌ القوم‌».

ويوضح‌ ملكم‌ مهمة‌ مجلس‌ الشوري‌ الوطنـى فـى صحيفة‌ قانون‌ (ذى الحجة‌ ١٣٠٧): «لابد من‌ جمع‌ مائة‌ من‌ المجتهدين‌ الكبار والفضلاء العظام‌ والعقلاء ذوى المعرفة‌ من‌ الإيرانيين‌ فـى عاصمة‌ الحكومة‌ فـى مجلس‌ شوري‌ وطنـى، وإعطائهم‌ الصلاحيات‌ الكاملة‌ لتعيين‌ وتدوين‌ وإعلان‌ تلك‌ الأصول‌ والقوانين‌ التـى‌ تلزم‌ علي الأقل‌ لتنظيم‌ إيران‌.

وثانياً، أنْ توكلَ لمجلس‌ الشوري‌ الوطنـى وفق‌ قرار مدوّن‌ مهمة‌ المراقبة‌ والإشراف‌ علي تنفيذ القوانين‌. وبدون‌ وجود مجلس‌ وطنـى يراقب‌ دائماً تنفيذ القوانين‌، فإن‌ أفضل‌ قوانين‌ الدنيا تبقي‌ دونما أثر ومعني‌. لو أن‌ الشاه‌ كما يقول‌ مراراً يرغب‌ حقاً فـى إحلال‌ النظم‌ فـى إيران‌، فلماذا لايسرع‌ فـى عقد مجلس‌ الشوري‌ الوطنـى هذا؟ ثم‌ إنه‌ - كما قال‌ الشاه‌ نفسه‌ مراراً - لاتكفـى رغبة‌ الشاه‌ وحدها لتنظيم‌ الحكومة‌. نفس‌ الشعب‌ يجب‌ أن‌ يتحلـي بدرجة‌ من‌ الوعى تؤهله‌ للمطالبة‌ بالقانون‌. » [٢٥].

ميرزا ملكم‌ خان‌ من‌ أولئك‌ الأفراد الذين‌ قيل‌ فيهم‌: تسمع‌ بالمعيدى خير من‌ أن‌ تراه‌. كثير من‌ مثقفـى القرون‌ الأخيرة‌ - إلا قليلاً - أغدقوا عليه‌ الثناء، وأصبح‌ بين‌ أبناء عصره‌ من‌ المثقفين‌ كعمر بن‌ أبـى ربيعة‌ بين‌ غانيات‌ زمانه‌. كانت‌ له‌ علاقات‌ وثيقة‌ وحميمة‌ مع‌ كثير من‌ المتجدّدين‌ والمتغربين‌ فـى عصره‌، ولكن‌ التدقيق‌ فـى تفاصيل‌ حياته‌ تميط‌ اللثام‌ عن‌ حقيقة‌ زيفه‌. رغم‌ ماكان‌ يبديه‌ من‌ احترام‌ للإسلام‌، يظهر من‌ ارتباطاته‌ الشخصية‌ وسلوكه‌ أنه‌ لم‌ يكن‌ يؤمن‌ بالإسلام‌.

ننقل‌ فـى هذا المجال‌ ماكتبه‌ الدكتور نورائى‌ [٢٦]:

«… ذكرنا سابقاً فـى شرح‌ عقائد ملكم‌ أن‌ العلوم‌ التجريبية‌ مقدمة‌ لتحرر المجتمع‌ الغربـى من‌ القيود. وبعد نضال‌ دام‌ طويلاً فُصل‌ منهج‌ التقدم‌ العلمى عن‌ خرافات‌ القساوسة‌، وبذلك‌ اقتربت‌ الحضارة‌ الأوربية‌ من‌ المرحلة‌ العلمية‌. وملكم‌ يطرح‌ موضوع‌ عدم‌ بلوغ‌ المجتمعات‌ غير الأوربية‌ المرحلة‌ العلمية‌، ولابد من‌ إعداد أرضية‌ التقدم‌ لهذه‌ الشعوب‌ بترويج‌ التفكير العلمى‌. ولما كانت‌ المعتقدات‌ الإيمانية‌ فـى هذه‌ المجتمعات‌ راسخة‌ فلا يجوز مهاجمتها، لأن‌ ذلك‌ لايساعد فـى دفع‌ عجلة‌ التقدم‌، بل‌ سيزيد فـى مقاومة‌ المؤمنين‌ بها.

من‌ هنا فان‌ ملكم‌ فـى حديثه‌ إلي آخوندزاده‌ يؤكد أن‌ الإرشاد والتوجيه‌ والتعليم‌ «لسكنة‌ المملكة‌ العثمانية‌ وإيران‌ والقفقاس‌ الذين‌ يدينون‌ بأحد الأديان‌ الثلاثة‌: الإسلام‌ والنصرانية‌ واليهودية‌، ينبغى أن‌ لايبدأ بالانتقاد الدينـى». «واعلم‌ ياميرزا فتح‌ على أنك‌ لاينبغى أن‌ تتعرض‌ لدين‌ أحد، ولايجوز أن‌ تقول‌ له‌: إن‌ اعتقادك‌ باطل‌ وأنت‌ ضال‌…. فبهذه‌ الطريقة‌ الجافة‌ سوف‌ تخلق‌ لك‌ آلاف‌ الاعداء والشاتمين‌، ولاتحقق‌ ماتصبو إليه‌.

كل‌ واحد من‌ هؤلاء سوف‌ يواجهك‌ بلجاج‌ وعناد ويدعى أن‌ كلامك‌ خاوٍ ودلائلك‌ باطلة‌، فتذهب‌ أتعابك‌ هدراً. لماذا تتعرض‌ لدينهم‌؟ دعك‌ عن‌ دينهم‌ ولا تتحدث‌ عن‌ بطلانه‌». ملكم‌ فـى عبارته‌ هذه‌ يذهب‌ - دون‌ شك‌ - مذهب‌ عدم‌ الإيمان‌ بما وراء الطبيعة‌، ويعتقد أن‌ ماهية‌ الأديان‌ واحدة‌. وهو - فـى نفس‌ الوقت‌ - فهم‌ المنطق‌ الأخلاقى للأديان‌ ويقول‌: «كل‌ دين‌ يتضمن‌ ثلاثة‌ أمور مختلفة‌: العقائد والعبادات‌ والأخلاق‌. والهدف‌ من‌ الدين‌ هو الأمر الثالث‌. والعقائد والعبادات‌ فرعان‌ لذلك‌ المقصد الأصلى‌…. ولو عثرنا علي وسيلة‌ تجعلنا أصحاب‌ أخلاق‌ حسنة‌ دون‌ افتراض‌ مستوجب‌ التعظيم‌ والتعبّد، عندئذٍ سقط‌ عنّا ذالكما الفرعان‌ وهما العقائد والعبادات‌» [٢٧].

ملكم‌ يُكثر من‌ ادعاء التحررية‌ والتقدمية‌، لكنه‌ فـى حياته‌ العملية‌ يبدو رجلاً ضعيفاً راسفاً فـى أغلال‌ المال‌ والمتاع‌، كتب‌ من‌ خارج‌ إيران‌ حين‌ تعرّض‌ لسخط‌ الشاه‌ يقول‌:

«واللّه‌ وباللّه‌ أنا طوع‌ يدكم‌، أأمرونـى بما تريدون‌، فأنا راضٍ بأى حال‌ من‌ الأحوال‌، أللهم‌ الاّ البطالة‌، حتي‌ البطالة‌ أقبلها لو توفرت‌ لـى معيشتى اليومية‌. ولكن‌ لو أريد لـى أن‌ أبقي‌ عاطلاً وجائعاً فذلك‌ مالايكون‌، لو أننـى اشتغلت‌ بالشعوذة‌ فإنـى سأكسب‌ سنوياً ٧ - ٨ آلاف‌ تومان‌. ولو أسست‌ محفلاً ماسونياً لعاد علىّ ٢٠ - ٣٠ ألف‌ تومان‌ سنوياً…».

***

[١] - علي أكبر بينا، تاريخ العلاقات السياسية والدبلوماسية بين إيران وبريطانيا (بالفارسية) ١٥٥.

[٢] - الفشاهي، مصدر سابق / ٤٣٩.

[٣] - بينا، مصدر سابق / ١٧٧.

[٤] - فشاهي، مصدر سابق / ٣٩٠.

[٥] - نفس المصدر / ٣٩٠، وانظر أيضاً: كسروي، مصدر سابق / ٦٢.

[٦] - فشاهي، مصدر سابق / ٣٩٢.

[٧] - عبد الرحيم ابن الشيخ ابو طالب، مسائل الحياة (فارسي) / ٤٩، تفليس، مطبعة غيرت، ١٣٢٤ هـ. ق.

[٨] - يظهر من ردّ أحمد أن آقا عبد الله أثار مسألة الحروب الطاحنة التي يشهدها العالم الغربي المتطور (المترجم).

[٩] - عبد الرحيم… مصدر سابق / ٩٤ - ٩٦.

[١٠] - مصاحب، مصدر سابق / ٢٥٤٢.

[١١] - مصاحب، مصدر سابق / ٢٥٤١.

[١٢] - انظر: جواب آقا رضا المذكور في حوار: مسائل الحياة.

[١٣] - الأعراف / ١٧١.

[١٤] - مثل هذه التفسيرات الفيزيائية والمادية لآيات الذكر الحكيم، أو لأحداث الدعوة الإسلامية شاعت في العالم العربي أيضاً خلال فترة معينة، وطالت شخصيات اسلامية كبيرة من أمثال محمد عبده، انظر تفسير جزء عمّ - سورة الفيل للشيخ محمد عبده (المترجم).

[١٥] - ملكم خان، مجموعة آثار (بالفارسية)، طهران، دانش، ١٣٢٧ (مقدمة محمد محيط طباطبائي) …

[١٦] - نفس المصدر (المقدمة).

[١٧] - فشاهي، مصدر سابق / ٤٣٩. وهذا يذكرنا بما كتبه الجبرتي عن مثل هذه الظواهر إبان حملة نابليون على مصر (المترجم).

[١٨] - آدميت، مصدر سابق / ٩٧.

[١٩] - فشاهي، مصدر سابق / ٤٤١.

[٢٠] - نورائي، تحقيق در افكار ميرزا ملكم خان (بالفارسية) / ١٠٢، تهران جيبي، ١٣٥٢…

[٢١] - نفس المصدر / ١٠٢.

[٢٢] - نفس المصدر / ١٢٢ - ١٢٣.

[٢٣] - آدميت، مصدر سابق / ١٤٨.

[٢٤] - نورايي / ٢٠٧.

[٢٥] - آدميت، مصدر سابق / ١٤٩.

[٢٦] - نورايي، وآدميت، وفشاهي، وبينا … ممن ينقل عنهم الكاتب هم من أنصار (التقدمية) بمفهومها الغربي.

[٢٧] - نورايي مصدر سابق / ٤٦ - ٤٧.



[ Web design by Abadis ]