ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مقدمـة‌ فكريـة لحركـة‌ المشروطـة‌‌ \ الدكتور علي‌ أكبر ولايتي‌

ترجمـة الدكتور محمد علي‌ آذرشب

الكتاب: مقدمة فكرية لحركة المشروطة

عدد النسخ: ٢٠٠٠ نسخة

الطبعة الأولى: ١٤٢٢هـ - ٢٠٠١م

الناشر: مركز الدراسات الثقافية الإيرانية - العربية

تصميم الغلاف: لبيب صندوق

العنوان: دمشق - المرجة - ص. ب ٩٣٥١

هاتف: ٢٣١١١٥١ / ٢٣١١١٤٩ - فاكس: ٢٣١١١٤٧

بسم‌ اللّه‌ الرحمن‌ الرحيم‌

(ومن‌ الناسِ من‌ يُعجبُك‌ قولُهُ فـي الحياة‌ الدنيا ويُشهدُ اللّهَ على ما في قلبه‌ وهو ألدّ الخصام‌. وإذا تولّى سعى‌ في الأرض ليُفسد فيها ويُهلك‌ الحرثَ والنسلَ واللّه‌ لا يحبُّ الفساد. وإذا قيل‌ له‌ اتق‌ اللّه‌ أخذته‌ العزّة‌ بالإثمِ فحسبُهُ جهنمُ ولبئسَ المِهاد. ومن‌ الناسِ من‌ يشري نفسَه‌ ابتغاء مرضات‌ اللّه‌ واللّه‌ رؤوف‌ بالعباد (.

(البقرة‌ ٢٠٤ - ٢٠٧)

مقدمة‌ المترجم‌

تعرّض‌ العالم‌ الإسلامى بأجمعه‌ لغزو أوربـى اعتمد بعد عصر الحروب‌ الصليبية‌ علي‌ خطة‌ أعمق‌ وأدقّ استهدفت‌ القضاء علي‌ مقومات‌ وجوده‌.

وإذا كان‌ وجود أية‌ أمة‌ يتوقف‌ علي‌ جذورها الحضارية‌ (أصالتها) وعلي‌ حركتها نحو المستقبل‌ (معاصرتها)، فقد عمل‌ الغزاة‌ علي‌ قطع‌ الأمة عن‌ جذورها، وعلي‌ خلق‌ هزيمة‌ تشلّ روح‌ التطلع إلى المستقبل فـى نفسها.

قصة‌ هذا الغزو الثقافـى فـى العالم‌ العربـى بدأت‌ علي‌ يد المستشرقين‌ والإرساليات التبشيرية‌ والبعثات‌، وتواصلت‌ عبر «المبهورين‌» و «المأجورين‌» لتفوّت‌ كل‌ فرصة‌ سنحت‌ لاستعادة‌ العزّة‌ والكرامة‌، وتحقيق‌ التنمية‌ والتقدّم‌.

وتتكرر القصة‌ فـى إيران‌ بمشاهد مشابهة‌ تدير أحداثها الامبراطورية البريطانية وروسيا القيصرية‌، ويعمل‌ علي‌ تنفيذها مباشرة‌ أمثال‌ فتح‌ على آخوندزاده‌، وميرزا ملكم‌ خان‌، والميرزا حسين‌ خان‌ مشير الدولة‌، والميرزا آقا خان‌ الكرمانـى وتلاميذهم‌ متسترين‌ بشعارات‌ «تقدميّة‌» تدعو إلى التنكر لكل‌ ما هو أصيل‌ فـى هذا المجتمع‌، وإلي الذوبان‌ فـى الغرب‌ وتقليده‌. وهؤلاء فوّتوا علي‌ الدعاة‌ المخلصين‌ من‌ علماء الدين‌ وتلاميذهم‌ فرصاً عظيمة‌ لإنقاذ البلاد من‌ التخلف‌ والانحطاط‌…

ومن‌ هذه‌ الفرص‌ الحركة‌ الدستورية‌، أو ما سميت‌ بالحركة‌ المشروطة‌ (١٣٢٣ - ١٣٢٧هـ. ق‌) التى ظهرت‌ فيها بوادر حركة‌ شعبية‌ متطلعة‌ لمستقبل‌ أفضل‌، لكنها انتهت‌ بمشروع‌ ممسوخ‌ منقطع عن‌ الجذور الفكرية‌ والعقيدية‌ للأمة‌، غير قادر علي‌ تحقيق‌ أدني‌ مستويات‌ التطوير فـى حياة‌ الشعب‌ الإيرانـى.

هذا الكتاب‌ يتحدث‌ عن‌ الجذور الفكرية‌ لانحراف‌ حركة‌ المشروطة‌ عن‌ أهدافها، وفـى ثناياه‌ وثائق‌ هامة‌ عن‌ عمليات‌ «قطع‌ الجذور» وشل‌ روح‌ «التطلع‌ نحو المستقبل‌» فـى إيران‌.

تشويه‌ صورة‌ الفتح‌ الإسلامي لإيران، والهجوم‌ علي‌ العرب‌ واللغة‌ العربية‌، ومحاولة‌ إبعاد الدين‌ عن‌ الحياة‌، ومكافحة‌ المظاهر الدينية‌… من‌ سبل‌ قطع‌ الإيرانيين عن‌ جذورهم‌ الثقافية‌ والعقيدية‌، وإثارة‌ الصراعات‌ الطائفية‌، وافتعال‌ الفرق‌ الدينية‌، ونشر الخرافات‌ باسم‌ الدين‌، وشراء الذمم‌، وربط‌ كل‌ تطلّع‌ مستقبلى‌ بالغرب‌، وإغراق‌ الناس‌ بمشاكلهم‌ الصغيرة‌ اليومية‌… من‌ أساليب‌ بث‌ روح‌ اليأس‌ والخمود والضياع‌ فـى الأمة وشلّ روح‌ المعاصَرة‌ والتطلع‌ نحو المستقبل‌ فيها.

وأمام‌ هذه‌ العمليات‌ الاستعمارية‌ وقف‌ المخلصون‌ من‌ أبناء الأمة وعلي‌ رأسهم‌ علماء الدين‌ يحاولون‌ استثارة‌ غَيرةَ‌ الجماهير لإحباط المؤامرات‌ الخيانية‌، وشدّ الأمة بعقيدتها وجذورها الفكرية‌ والروحية‌.

الإمام الخمينـى رضوان‌ اللّه‌ تعالي عليه‌ توّج‌ هذه‌ المواقف‌ المخلصة‌ حين‌ قدّم‌ مشروعه‌ الجامع‌ بين‌ الأصالة والمعاصرة‌، فشدّ الأمة فـى حركة‌ فاعلة‌ نشطة‌ نحو مستقبل‌ إسلامى‌، وحقّق‌ انتصاره‌ بإذن اللّه‌ فـى هذه‌ الرقعة‌ من‌ عالمنا الإسلامي. غير أن‌ قصة‌ الغزو الثقافـى فـى إيران‌ تبقي‌ عبرة‌ لكل‌ المسلمين‌ الذين‌ يتعرضون‌ لغزو مماثل‌، وللإيرانيين أنفسهم‌ كى‌ يفهموا منّة‌ الإسلام عليهم‌، ولكى‌ يفتحوا عيونهم‌ علي‌ ما قد يخطط‌ لهم‌ من‌ غزو ثقافـى بأساليب‌ أعقد وفـى إطار أوسع‌…

وما يهم القارئ العربـى أكثر في قصة الغزو الثقافـى بإيران، هو العمل علي ربط كلّ توجّه تقدّمى وتطويرى في هذا البلد بضرورة التخلّص من الدين وعلماء الدين … ومن الارتباط بالعرب واللغة العربية.

الحركة الماسونية ومن لفّ لفّها عملت بشكل مركّز في إيران علي تشويه صورة الفتح الإسلامى، وعلي ضرورة نبذ كلّ آثار هذا الفتح (ويسمونه الغزو) بما في ذلك اللغة العربيّة والحرف العربـى. واستطاعت أن تخلق تياراً انجرّ إليه جمع من المثقفين والباحثين ودعمه نظام الشاه علي الصعيد التعليمى والاعلامى والبحثى.

ولم يكن يقف أمام هذا التيار سوي المتدينين من كافة قطاعات الشعب والمثقفين الواعين بقيادة علماء الدين. هؤلاء هم الذين دافعوا عن الفتح الإسلامى لإيران وعن اللغة العربية، والخط العربـى، وعن الهوية الإسلامية للإيرانيين، وعن القضايا المشتركة بين الإيرانيين والعرب وعلي رأسها القضية الفلسطينية.

وهذه مسألة هامة يجب أن تكون الأساس والمنطلق في كل مواقف العرب من إيران علي الصعيدين الرسمى وغير الرسمى.

وبعد فمؤلف الكتاب عاش السياسة من خلال توليه لأكثر من عقد من الزمن وزارة الخارجية فـى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ووقف عن كثب علي الوثائق والمستندات، وتلمّس عملياً أبعاد ما يحيط بهذه الأمة من مؤامرات، فسلّط الضوء علي أسباب انحراف الحركة الدستورية (المشروطة) فـى إيران، ليقدّم نموذجاً لتاريخ الصراع بين المتغربين والمتدينين فـى هذا البلد المسلم.

د. محمد علي آذر شب

دمشق - ربيع الثاني ١٤٢٢هـ

تمهـيد

اتجهت‌ دعوة‌ الأديان الإلهية جميعاً إلى دفع‌ المسيرة‌ البشرية‌ علي‌ طريق‌ الكامل‌ المطلق‌ سبحانه‌، لتحقق‌ بمقدار ما أوتيت‌ من‌ قوة‌ وقدرة‌ وتجربة‌ كمالَها النسبـى فـى مجال‌ العلم‌ والحكمة‌ والعدل‌ والإبداع والجمال‌. وكانت‌ الرسالة‌ الإسلامية هى خاتمة‌ الرسالات‌ السماوية‌، لما تحمله‌ من‌ مقومات‌ الدفع‌ الهائلة‌ للبشرية‌ حتي‌ يرث‌ اللّه‌ الأرض ومن‌ عليها.

والواقع‌ أن‌ الإسلام نهض‌ بعملية‌ تحرير كبري‌ للبشرية‌ حين‌ وضع‌ عنها إصرها وما كان‌ عليها من‌ أغلال‌ العبوديات‌ الكاذبة‌ والأوهام الفارغة‌ والعصبيات‌ الضيقة‌، وجعلها تنطلق‌ بسرعة‌ فائقة‌ فـى ميادين‌ الكمال‌ البشرى‌. وهذه‌ الانطلاقة‌ آتت‌ أكلها علي‌ الساحة‌ التاريخية‌ وامتد عطاؤها ليشمل‌ كل‌ أصقاع‌ المعمورة‌ بصورة‌ مباشرة‌ وغير مباشرة‌، وليرسم‌ للإنسانية طريق‌ عزتها وكرامتها.

ورغم‌ كل‌ ما واجهته‌ المسيرة‌ من‌ عقبات‌ الذاتيات‌ المستفحلة‌، والآلهة‌ المزيفة‌ المتعملقة‌، والجبابرة‌ الطغاة‌، والموجات‌ الهمجية‌، وعمليات‌ الإبادة الحضارية‌، ومظاهر التزييف‌ والتخدير والتحميق‌ والتحمير باسم‌ الدين‌، رغم‌ كل‌ ذلك‌ ظلت‌ شعلة‌ الدفع‌ الكبري‌ متوهجة‌ تثير الأشواق البشرية‌ فـى المجتمعات‌ الإسلامية نحو الفكر والمعرفة‌ والعدل‌ ومقارعة‌ قوي‌ الظلام‌.

وهذه‌ العلوم‌ الواسعة‌ المعمقة‌ فـى شتي‌ مجالات‌ المعرفة‌، وهذا النشاط‌ الواسع‌ فـى حقل‌ التدريس‌ والتأليف‌ علي‌ مرّ العصور، وهذه‌ الثورات‌ المتواصلة‌ رغم‌ كل‌ ما لاقته‌ من‌ بطش‌ وتنكيل‌ إنما هى تعبير عملى عن‌ شحنة‌ الدفع‌ التكاملى التـى أودعها الإسلام فـى نفوس‌ أبنائه‌.

غير أن‌ العالم‌ الإسلامى واجه‌ منذ أوائل‌ القرن‌ السابع‌ عشر الميلادى خطة‌ لاقتلاع‌ هذه‌ الروح‌ الإسلامية من‌ النفوس‌، ولخلق‌ هزيمة‌ نفسية‌ أمام‌ الأعداء، ولتربية‌ جيل‌ يتطوع‌ لتقديم‌ كل‌ مقدرات‌ بلاده‌ ضحية‌ علي‌ معبد الطاغوت‌ الغربـى. ونشأ علي‌ أثر ذلك‌ جيل‌ مايسمي‌ بالمثقفين‌ أو منورى الفكر ليتولي‌ «مسؤولية‌» تعميق‌ الهزيمة‌ وبيع‌ المقدرات‌ والاستهانة‌ بكل‌ ماهو أصيل‌ فـى هذه‌ الأمة.

وفـى هذه‌ السطور نتحدث‌ عن‌ تجربة‌ إيران‌ فـى إطار خطة‌ المسخ‌ هذه‌ لنضيفها إلي رصيد تجارب‌ العالم‌ الإسلامى، عسي‌ أن‌ يكون‌ هذا الرصيد لنا عوناً فـى صحوتنا الإسلامية المعاصرة‌.

خطط‌ القوى الكبرى

الخطة‌ البريطانية‌

فـى سنة‌ ١٦٠٠ ميلادية‌ (١٠٢٠ هجرية‌) وقّعت‌ الملكة‌ «اليزابيث‌ الأولي» علي‌ وثيقة‌ حصر التجارة‌ الشرقية‌ باسم‌ شركة‌ الهند الشرقية‌ تمهيداً لغزو الهند. ووضعت‌ وزارة‌ المستعمرات‌ البريطانية‌ خطة‌ السيطرة‌ علي‌ إيران‌، واقترن‌ غزو الهند بالهجوم‌ علي‌ إيران‌، واقتضت‌ الخطة‌ بالنسبة‌ لإيران تنفيذ مايلى:

١ - أن‌ تبادر وزارة‌ الخارجية‌ البريطانية‌ إلي تأسيس‌ سفارة‌ ومؤسسات‌ بريطانية‌ فـى إيران‌.

٢ - توجيه‌ التعليمات‌ إلي الشركات‌ البريطانية‌ لتأسيس‌ فروع‌ تجارية‌ فـى إيران‌ وللعمل‌ علي‌ مدّ الطرق‌ وإنشاء البنوك‌ والحصول‌ علي‌ امتيازات‌ استثمار المناجم‌.

٣ - توجيه‌ التعليمات‌ إلي المستشرقين‌ للتوجه‌ إلي إيران‌ ودراسة‌ آداب‌ هذا البلد وتاريخه‌ وفنونه‌.

٤ - إصدار التعليمات‌ إلي علماء الآثار لدراسة‌ الآثار التاريخية‌ فـى هذا البلد، وكانت‌ هذه‌ الدراسة‌ مقرونة‌ طبعاً بنهب‌ منظّم‌ دقيق‌ لكثير من‌ كنوز إيران‌ الأثرية.

٥ - أن‌ تنشط‌ المحافل‌ الماسونية‌ البريطانية‌ الفرنسية‌ فـى إرسال‌ أفرادها إلي إيران‌ لتشكيل‌ تنظيمات‌ ماسونية‌ فيها، وتشجيع‌ الإيرانيين الوافدين‌ علي‌ بريطانيا للانتماء إلي الماسونية‌.

٦ - أن‌ تنشط‌ الإرساليات البريطانية‌ إلي إيران‌ فـى الاستفادة‌ إلي أقصي‌ حد مما فـى البلد من‌ فساد وارتشاء وسرقة‌، وأن‌ لا يعملوا أبدا علي‌ معالجتها، بل‌ أن‌ يسعوا فـى إشاعتها.

٧ - منح‌ الديبلوماسيين‌ البريطانيين‌ المقيمين‌ فـى إيران‌ صلاحيات‌ لعقد معاهدات‌ تتوجه‌ إلي تقسيم‌ البلاد، وإضعاف‌ الحكومة‌ المركزية‌، وصد أية‌ عملية‌ تنمية‌ فيها.

وكانت‌ كل‌ بنود هذه‌ الخطة‌ تتجه‌ إلي تمهيد السبل‌ أمام‌ الغزو البريطانـى لإيران [١].

ولو أمعنا النظر فـى جذور كثير من‌ الحوادث‌ المفتعلة‌ خلال‌ القرنين‌ الأخيرين‌ فـى إيران‌ لوجدناها تعود إلي تلك‌ الخطة‌ الموضوعة‌.

لقد بدأ تنفيذ هذه‌ الخطة‌ حين‌ كان‌ أبناء هذا البلد يغطّون‌ فـى سبات‌ عميق‌، لا يدرون‌ ما يجرى‌ حولهم‌، ولا يفكرون‌ إلاّ فـى معاناتهم‌ اليومية‌ من‌ الجوع‌ والمرض‌ وأنواع‌ الأوبئة الوافدة‌ من‌ شبه‌ القارة‌ الهندية‌. وعلي‌ حين‌ غرّة‌ اقترنت‌ أمراضهم‌ وأوبئتهم‌ بأمراض‌ وأوبئة‌ «سياسية‌» غير مشهودة‌، ظهرت‌ آثارها فيهم‌ بالتدريج‌، وظهر الضعف‌ والهزال‌ فـى جسد هذه‌ الأمة العظيمة‌ المقاومة‌ الصامدة‌ علي‌ مرّ التاريخ‌، وأنزلوا كل‌ يوم‌ جرحاً عميقاً فـى شلو من‌ أشلائها، وحالوا دون‌ تطبيب‌ هذا الجرح‌ ومعالجته‌، ولما آل‌ الأمر إلي عفونته‌، تقدموا متلبسين‌ بلباس‌ جرّاح‌ عطوف‌ إلي فصل‌ هذا الشلو عن‌ الجسد. واستفحل‌ الفساد بألوانه‌ حتي‌ خيّم‌ اليأس‌ علي‌ الناس‌، وأيقنوا أن‌ لا قدرة‌ لهم‌ علي‌ العلاج‌.

فـى مثل‌ هذه‌ الظروف‌ الحالكة‌ تحرك‌ الخناسون‌ ليكتبوا لآلام هذه‌ الأمة المحتضرة‌ وصفة‌ دواء ربّما أزالت‌ بعض‌ العوارض‌ وسكّنت‌ بعض‌ الآلام، لكنها كانت‌ تؤدى فيما تؤدى‌ إلي الغفلة‌ عن‌ جذور المرض‌ وعلاجه‌.

يبدو أن‌ أول‌ مبعوث‌ رسمى بريطانـى قدم‌ إلي إيران‌ فـى العصر الصفوى هو «أنطونـى جنكنسن‌»، فقد بعثته‌ ملكة‌ بريطانيا فـى نوفمبر ١٥٦٢م‌ محمّلاً برسالة‌ إلي الشاه‌ طهماسب‌ الصفوى‌ تخاطبه‌ فيها بما يتناسب‌ مع‌ مزاجه‌ من‌ ألقاب‌: شاهنشاه‌ إيران‌ وشعب‌ «ماد» و «پارت‌» و «گرگان‌» و «كرمان‌» و «ماركو» (مرو) وقبائل‌ ضفتـى شط‌ دجلة‌ وسائر القاطنين‌ بين‌ بحر الخزر والخليج‌ الفارسى … الصوفـى الكبير… الحاكم‌ العريق‌ والمقتدر… ثم‌ تقول‌ له‌: لقد بعثنا إليكم خادمنا الوفـى أنطونـى جنكنسن‌ ليتجول‌ فـى بقاع‌ مملكتكم‌ ولإقامة‌ علاقات‌ تجارية‌ مع‌ رعاياكم‌…

يقول‌ اللورد كورزن‌ (Curzon) فـى كتابه‌ إيران‌ ومسألة‌ إيران‌ (Persia and Question Persian): «حين‌ قدم‌ جنكنسن‌ قزوين‌ وقابل‌ الشاه‌ وسلمه‌ رسالة‌ ملكة‌ بريطانيا قال‌ له‌ الشاه‌: آه‌، أيها الكفار، نحن‌ لسنا بحاجة‌ إلي صداقتكم‌، وأمره‌ بالعودة‌ من‌ حيث‌ أتي‌، ثم‌ أمر الشاه‌ أن‌ تعفّر آثار أقدام‌ هؤلاء البريطانيين‌ بالتراب‌ لأنهم نجّسوا الأرض التـى وطؤوها».

خرج‌ هذا المبعوث‌ البريطانـى من‌ إيران‌ خائباً، واتجه‌ إلي موسكو، وقضي‌ الشتاء هناك‌، وفـى العام‌ التالـى عاود الكرة‌ واصطحب‌ معه‌ شخصين‌ هما «توماس‌ الكوك‌» و «ريتشارد چنـى»، وتوجه‌ نحو إيران‌، لكنه‌ وجد من‌ «عبد اللّه‌ خان‌» والـى شيروان‌ صدوداً وإعراضاً، لان‌ هذا الوالـى كان‌ ساخطاً بسبب‌ مقتل‌ أحد المسلمين‌ علي‌ يد أحد أتباع‌ روسيا ! فعاد الثلاثة‌ أدراجهم‌ يجرون‌ أذيال‌ الخيبة‌.

ويظهر أن‌ محاولات‌ البريطانيين‌ وخططهم‌ للنفوذ فـى بلاط‌ الشاه‌ تواصلت‌ بكثافة‌، إذ نري‌ وفداً تجارياً بريطانياً مبعوثاً من‌ شركة‌ الهند الشرقية‌ يدخل‌ بلاط‌ الشاه‌ طهماسب‌ بعد عامين‌، وينجح‌ الوفد فـى كسب‌ موافقة‌ الشاه‌ علي‌ إعفاء الشركة‌ من‌ الحقوق‌ الجمركية‌ والترانزيت‌، وعلي‌ إجازة‌ الشركة‌ أن‌ تسافر إلي كل‌ أجزاء إيران‌ وتتاجر فيها [٢].

هذا أول‌ موضع‌ قدم‌ للبريطانيين‌ فـى إيران‌، وتبعه‌ نشاط‌ دائب‌ أدي‌ إلي إقامة‌ علاقات‌ ودية‌ !! بين‌ البلدين‌.

وتدخل‌ الدولة‌ الصفوية حروباً عديدة‌ وخاصة‌ مع‌ العثمانيين‌، وتتحمل‌ أضراراً فادحة‌ جرّاء القصف‌ المدفعى العثمانـى، بينما الصفويون لم‌ يكونوا يملكون‌ سلاح‌ المدفعية‌، ومن‌ هذه‌ الثغرة‌ دخل‌ البريطانيون‌ بشكـل‌ وفـد علـي‌ رأسهم‌ الأخوان أنطونـى شيرلـى (Sir Anthony Sherley) وروبرت‌ شرلـى (Robert Sherley) وقابلوا الشاه‌ عباس‌ الصفوى‌ سنة‌ ١٥٩٨م‌، واتفقوا معه‌ علي‌ إنشاء المدفعية‌ فـى الجيش‌ الإيرانـى.

جورج‌ منوارينغ‌ (George Manwarinng) من‌ مرافقـى «السير أنطونـى شرلـى» يتحدث‌ عن‌ وصول‌ الوفد البريطانـى قزوين‌ والضيافة‌ التـى أعدها له‌ الشاه‌ عباس‌، يقول‌:

«فـى قصر فخم‌ جداً ورائع‌ جداً، عُلقت‌ علي‌ جدرانه‌ المنسوجات‌ المذهبة‌ الثمينة‌، وفرشت‌ علي‌ أرضه‌ سجاجيد جميلة‌، وضعت‌ علي‌ المائدة‌ ألوان‌ الأطعمة، وأذكر منها فقط‌ أنواعاً من‌ الرز، كل‌ نوع‌ بلون‌ معين‌. وفـى داخل‌ البيت‌ مجموعة‌ خاصة‌ من‌ العازفين‌، وثمة‌ عشر نساء جميلات‌ فاتنات‌ يلبسن‌ ثمين‌ الثياب‌ كن‌ يمارسن‌ خلال‌ مدة‌ الضيافة‌ الرقص‌ والدبك‌ علي‌ الطريقة‌ الإيرانية…. ».

… «السير روبرت‌ شرلـى بعد مغادرة‌ أخيه‌ تولّي‌ منصب‌ قيادة‌ عسكرية‌، ونال‌ الرتب‌ والنياشين‌ الراقية‌ خلال‌ حروب‌ شاه‌ إيران‌ مع‌ السلطان‌ العثمانـى، وأبدي‌ من‌ الحزم‌ وفنون‌ الحرب‌ ما جعل‌ الإيرانيين يهدونه‌ التاج‌ تقديراً لفتوحاته‌. حين‌ واجه‌ العدو أخذ بيده‌ رمحاً وحمل‌ علي‌ الأتراك حملة‌ أثارت‌ الحيرة‌ والدهشة‌، وأدت‌ إلي هزيمة‌ الأتراك».

«صموئيل‌ پرچاس‌» (Samuel Purchas) الراهب‌ البريطانـى الذي‌ زار المشرق‌ خلال‌ السنوات‌ بين‌ ١٦١٣ و١٦٢٦ يكتب‌ فـى رحلته‌:

«الحكومة‌ العثمانية‌ التـى بثت‌ الخوف‌ والرعب‌ فـى العالم‌ المسيحى، هى الآن مذعورة‌ من‌ فرد بريطانـى هو السير انطونـى شرلـى، وقلقة علي‌ مصيرها. لقد تعلم‌ الإيرانيون فنون‌ الحرب‌ من‌ شرلـى‌…. » [٣].

فـى هذه‌ النصوص‌ التاريخية‌ نكات‌ علي‌ غاية‌ الأهمية تستطيع‌ أن‌ تضع‌ النقاط‌ علي‌ كثير من‌ الحروف‌. يتبين‌ منها:

أولاً: أن‌ السياسة‌ الاستعمارية‌ تقضى‌ أن‌ المستعمرين‌ حين‌ يطردون‌ من‌ الباب‌ يحاولون‌ أن‌ يتسوّروا المحراب‌. ويواصلون‌ المحاولات‌ تلو المحاولات‌ بشتي‌ الأساليب حتي‌ يحققوا ما يصبون‌ إليه من‌ أهداف‌.

ثانياً: مدي‌ ما كانت‌ تحمله‌ الصليبية‌ من‌ حقد علي‌ الدولة‌ العثمانية‌، وسبب‌ اهتمام‌ انطونـى شيرلـى بتدريب‌ الإيرانيين عسكرياً، وتحويلهم‌ إلي خنجر يطعن‌ ظهر العثمانيين‌.

ثالثاً: فتح‌ الطريق‌ أمام‌ الغزو الثقافـى والمسخ‌ الثقافـى.

كل‌ الجهود انصبت‌ علي‌ طريق‌ نهب‌ ثروات‌ الشعوب‌ وعلي‌ إزالة‌ كل‌ مانع‌ فـى هذا الطريق‌. ولم‌ يكن‌ ثمة‌ عقبة‌ أمام‌ نفوذ الأجانب فـى بلدان‌ العالم‌ الإسلامى أكبر من‌ الإسلام بمعناه‌ الشامل‌. وكان‌ الغرب‌ الصليبـى علي‌ علم‌ كامل‌ بخطر الإسلام، ولذلك‌ لا نشك‌ فـى وجود الأيدى الصليبية‌ وراء هجوم‌ المغول‌ علي‌ العالم‌ الإسلامى، ووراء الصراع‌ الدموى بين‌ العثمانيين‌ والصفويين‌.

كانت‌ الأيدى الغربية‌ الآثمة‌ تسعّر نار الخلافات‌ والحروب‌ بين‌ الأخوة‌ المسلمين‌ الإيرانيين والأتراك لتضعفهما معاً ولتوقف‌ الإيرانيين عند حدود مصالح‌ إمبراطورية الهند الشرقية‌ وتوقف‌ الأتراك عند حدود أوروبا المركزية‌، ثم‌ لتأتى علي‌ سائر أجزاء العالم‌ الإسلامى لتأكلها واحدة‌ بعد أخري‌ بعد أن‌ أكلت‌ الثور الأبيض.

واجتمعت‌ العوامل‌ لتنخر فـى جسد الحكومة‌ الإيرانية وتؤدى‌ بها إلي منتهي‌ الضعف‌ والهزال‌: تدهور الحكومة‌ الصفوية، وهجوم‌ الأفغان، وقيام‌ شركة‌ الهند الشرقية‌، وتنفيذ الدسائس‌ فـى الحدود الجنوبية‌ والجنوبية‌ الشرقية‌، وتزلزل‌ الحكومة‌ الزندية‌، وفشل‌ «لطف‌ على خان‌ الزندى‌» فـى الاحتفاظ‌ بالسلطة‌ التي‌ وطدها له‌ أبوه‌، والمجازر الدموية‌ الظالمة‌ التـى ارتكبها «آقا محمد خان‌ القاجارى‌»، وسياسة‌ الدهاء الأجنبية وخاصة‌ البريطانية‌، وضعف‌ «فتح‌ على‌ شاه‌ القاجارى‌» …

ولسوء الحظ‌ فان‌ هذا الضعف‌ والهزال‌ فـى جسد الحكومة‌ الإيرانية صادف‌ ذروة‌ اقتدار «نابليون‌» ملك‌ فرنسا الذى‌ استشعر حلول‌ روح‌ «الاسكندر المقدونـى» فيه‌، وطمح‌ إلي أن‌ يسخّر الشرق‌ والغرب‌ تحت‌ قبضته‌… واستهدف‌ أن‌ يتعاون‌ مع‌ «بولس‌ الأول» قيصر روسيا، ومع‌ الجيش‌ الإيرانـى ليخرج‌ الهند من‌ قبضة‌ البريطانيين‌. من‌ هنا دخل‌ البريطانيون‌ بكل‌ قواهم‌ ساحة‌ المعركة‌ ليحولوا دون‌ تنفيذ خطة‌ نابليون‌، واتجهت‌ جهودهم‌ بالدرجة‌ الأولى صوب‌ إيران‌ التـى كانت‌ تعتبر يومئذٍ بوابة‌ الهند.

«السير هاردفورد جونز» و «السيرجان‌ ملكم‌» وهما من‌ كبار أساتذة‌ الماسونية‌ يدخلون‌ إيران‌، ويذكر جونز فـى مذكراته‌: «… لقد أدخلتُ فـى الماسونية‌ ما استطعت‌ من‌ رجال‌ إيران‌ ووفّرت‌ الأجواء لقدوم‌ السير جان‌ ملكم‌» [٤].

فتح‌ على شاه‌ الذي‌ كان‌ يعانـى من‌ عجز فـى الميزانية‌ ومن‌ النفقات‌ الباهظة‌ لبلاطه‌ وبيت‌ حريمه‌ اضطر إلي تأمين‌ احتياجاته‌ من‌ أخذ الرشوة‌ تحت‌ عناوين‌ مختلفة‌ من‌ الأوربيين.

حاشية‌ الشاه‌ اقتدوا بالشاه‌ فـى أخذ مثل‌ هذه‌ الرشاوي‌. علي‌ سبيل‌ المثال‌ وزير خارجيته‌ «ميرزا أبو الحسن‌ خان‌»، الذى‌ شغل‌ قبل‌ ذلك‌ منصب‌ سفير إيران‌ فـى بريطانيا، كان‌ يتقاضي‌ راتباً شهرياً بمبلغ‌ ألف روبية‌ من‌ شركة‌ الهند الشرقية‌، منذ سنة‌ ١٨١٠ حتي‌ وفاته‌ سنة‌ ١٨٤٦، ومن‌ الطريف‌ أنه‌ تقدم‌ سنة‌ ١٨٤٣ بطلب‌ إعطاء نصف‌ هذا المبلغ‌ لولده‌ بعد وفاته‌ [٥] ! هذا الطلب‌ رفضه‌ «اللورد بالمرستون‌» وزير خارجية‌ بريطانيا آنئذ. وسنعود إلي الحديث‌ عن‌ ميرزا أبو الحسن‌ هذا فـى مناسبة‌ أخري‌.

«جان‌ ويليام‌ كى‌» البريطانـى يتحدث‌ فـى كتابه‌: «تاريخ‌ الحروب‌ الأفغانية» عن‌ مهمة‌ السيرجان‌ ملكم‌ والسير هاردفورد جونز، وتوزيعهما الرشاوي‌ علي‌ الشاه‌ وحاشيته‌ ويقول‌:

«كان‌ ملكم‌ يحمل‌ مهمة‌ الدخول‌ فـى محادثات‌ مع‌ إيران‌ عن‌ أحد طريقين‌: الأول: إعطاء ٣٠٠ - ٤٠٠ ألف‌ روبية‌ علي‌ شكل‌ قرض‌ لمدة‌ ثلاث‌ سنوات‌ إلي الحكومة‌ الإيرانية. والثانـى: أن‌ يكسب‌ الشاه‌ وحاشيته‌ إلي جانبه‌ بدفع‌ الرشاوي‌ لهم‌. وملكم‌ اختار الطريق‌ الثانـى ونال‌ مبتغاه‌ [٦] كانت‌ كل‌ المشاكل‌ تحل‌ عن‌ طرق‌ الجنيهات‌ والذهب‌ البريطانـى بشكل‌ سحرى.

… علي‌ سبيل‌ المثال‌ لو أريد إخراج‌ أحد أتباع‌ فرنسا من‌ إيران‌، فان‌ قيمة‌ إخراجه‌ يُساوم‌ عليها كما يساوم‌ علي‌ ثمن‌ الحصان‌. إيران‌ بلد لا يمكن‌ القيام‌ فيه‌ بأدني‌ خطوة‌ دون‌ إنفاق‌ مبالغ‌ ضخمة‌» [٧].

خطط‌ بريطانيا الماهرة‌ فـى زمن‌ حكومة‌ نابليون‌ بشأن‌ إيران‌ تعد من‌ أتقن‌ الخطط‌ وأبرعها فـى تاريخ‌ الدبلوماسية‌ العالمية‌. فقد نجحت‌ هذه‌ الخطط‌ فـى إحباط‌ محاولات‌ فرنسا وروسيا للإغارة علي‌ الهند، بل‌ ونجحت‌ أيضاً فـى فصل‌ أجزاء مهمة‌ عن‌ إيران‌ وشراء ذمم‌ عدد من‌ الرجال‌ وتحويل‌ الحكومة‌ إلي كائن‌ هزيل‌ لايقوي‌ علي‌ شىء.

الخطة‌ الروسية‌

الضعف‌ التدريجى‌ الذى‌ دبّ إلي جسد الحكومة‌ الإيرانية‌ خاصة‌ فـى عصر فتح‌ على شاه‌ قد وفّر الفرصة‌ لهجوم‌ روسيا علي‌ إيران‌. الحروب‌ الروسية‌ الإيرانية‌ التـى استهدفت‌ تحقيق‌ أهداف‌ القياصرة‌ التوسعية‌ جرت‌ فـى مرحلتين‌، واستغرقت‌ ١١ شهراً. المرحلة‌ الأولى: من‌ ١٢١٨ إلي ١٢٢٨هـ. ق، والمرحلة‌ الثانية‌: من‌ ١٢٤١ إلي ١٢٤٣هـ. ق وأسفرت‌ عن‌ انفصال‌ ١٧ مدينة‌ من‌ أكبر مدن‌ إيران‌ الشمالية‌ والتحاقها بروسيا.

ولنلق‌ نظرة‌ علي‌ أهداف‌ روسيا فـى هجومها علي‌ المناطق‌ الحدودية‌ الإيرانية‌ من‌ خلال‌ البند التاسع‌ من‌ الوصية‌ المنسوبة‌ إلي «بطرس‌ الكبير» إمبراطور روسيا المقتدر فـى النصف‌ الأول من‌ القرن‌ التاسع‌ عشر:

«يجب‌ أن‌ نقترب‌ ما وسعنا من‌ إسلامبول والهند. من‌ يحكم‌ هذه‌ المناطق‌ يحكم‌ العالم‌ حقيقة‌. من‌ هنا لابد من‌ إثارة‌ حروب‌ مستمرة‌ مع‌ الإيرانيين، يجب‌ إنشاء أحواض‌ صناعة‌ السفن‌ علي‌ ساحل‌ البحر الأسود واحتلال‌ هذا البحر والبحر البلطيقى بالتدريج‌، فهما يشكلان‌ منطقتين‌ مهمتين‌ للتقدم‌ وتنفيذ الخطة‌. ولابد من‌ العمل‌ علي‌ الإسراع فـى اضمحلال‌ إيران‌ والسيطرة‌ علي‌ الخليج‌ الفارسى، وإعادة‌ الحياة‌ قدر الإمكان إلي الطريق‌ التجارى‌ الشرقى‌ القديم‌ عبر سوريا حتي‌ الهند التـى هى‌ بمثابة‌ مستودع‌ العالم‌. وحين‌ نصل‌ إلي هذه‌ المناطق‌ بإمكاننا أن‌ نعرض‌ عن‌ ذهب‌ بريطانيا» [٨].

نقف‌ - ولو قليلاً - عند الأحداث التـى اقترنت‌ بهزيمة‌ إيران‌ أمام‌ روسيا لأنها هامة‌ فـى إلقاء الضوء علي‌ تسلسل‌ بحثنا هذا مستندين‌ إلي نصوص‌ من‌ كتاب‌ «ناسخ‌ التواريخ‌» الذي‌ يعتبر أفضل‌ مصدر عن‌ هذا العصر.

«حين‌ تسلط‌ الروس‌ علي‌ أرض‌ المسلمين‌ اعتدوا علي‌ الأعراض والأموال. بلغ‌ خبر ذلك‌ «السيد محمد الأصفهانـى» عن‌ طريق‌ بعض‌ خدم‌ نائب‌ السلطنة‌ ممن‌ كان‌ مستاء من‌ مصالحة‌ الروس‌. وكتب‌ السيد الأصفهانـى الذي‌ كان‌ يقطن‌ العتبات‌ المقدسة‌ إلي جهاز بلاط‌ الشاه‌ أنْ قد حان‌ وقت الجهاد مع‌ الروس‌ فما هو رأى الشاه‌ فـى ذلك‌؟ فقال‌ الشاه‌: نحن‌ كنا دائماً فـى فكر الجهاد ونذرنا أنفسنا لترويج‌ الدين‌ والشريعة‌. وما إن‌ سمع‌ السيد الأصفهانـى برأى الشاه‌ حتي‌ توجه‌ إلي دار الخلافة‌ فوصل‌ طهران‌ فـى العشر الأواخر من‌ شهر شوال‌ المكرم‌، واستقبله‌ جميع‌ الأمراء والعلماء…».

«…. يوم‌ الجمعة‌ السابع‌ عشر من‌ ذى القعدة‌، جناب‌ السيد محمد والملا محمد جعفر الاسترابادى، والسيد نصر اللّه‌ الاسترابادى‌ والسيد محمد تقى‌ القزوينـى والسيد عزيز اللّه‌ الطالشى‌ وعلماء وفضلاء آخرون‌ وردوا معسكر الجيش‌، واستقبلهم‌ الأمراء والحكام‌. ويوم‌ السبت‌ وصل‌ الملا أحمد نراقى‌ الكاشانـى وهو ممن‌ بزّ أقرانه‌ من‌ علماء الاثني‌ عشرية‌ يرافقه‌ الملا عبد الوهاب‌ القزوينـى وجماعة‌ من‌ العلماء والحاج‌ ملا محمد نجل‌ الحاج‌ ملا أحمد الذى كان‌ هو أيضاً من‌ أفاضل‌ المجتهدين‌. وسارع‌ كل‌ الأمراء والحكام‌ والأعيان لاستقباله‌، واصطحبوه‌ إلي محل‌ إقامته‌ بالتكبير والتهليل‌. وهؤلاء المجتهدون‌ اتفقوا علي‌ إصدار فتوي‌ الجهاد، وأنّ كل‌ من‌ يتهاون‌ فـى جهاد الروس‌ فقد عصي‌ اللّه‌ وتابع‌ الشيطان‌…. ».

«سفير الروس‌ يئس‌ من‌ الحديث‌ مع‌ جهاز الدولة‌ وأراد أن‌ يقابل‌ العلماء علّه‌ يصرفهم‌ عن‌ موقفهم‌، ويقنعهم‌ بأنه‌ يتعهد أن‌ يبعد الروس‌ عن‌ حدود إيران‌. فأجابه‌ المجتهدون‌ بأن‌ الحديث‌ مع‌ الكفار بلين‌ واستسلام‌ ذنب‌ كبير فـى شريعتنا، وأننا نعتقد بوجوب‌ جهاد الروس‌ حتي‌ ولو ابتعدوا عن‌ حدودنا. وفـى النهاية‌ استدعي‌ الشاه‌ سفير روسيا وقال‌ له‌: الأمر الآن‌ أصبح‌ يقوم‌ علي‌ أساس‌ مبانـى الشريعة‌، ونحن‌ فضلنا دائماً قوامَ الدين‌ علي‌ مصلحة‌ الدولة‌. وأجازه‌ أن‌ ينصرف‌، وأعطاه‌ ألف تومان‌ ذهباً وأشياء أخري‌…. » [٩].

«…. من‌ جانب‌ آخر أمر الشاه‌ «الميرزا أبو القاسم‌ مستوفـى الأصفهانـى» أن‌ يستضيف‌ «جان‌ مكدانولد كيز» البريطانـى الذى‌ أرسلته‌ حكومة‌ الشركة‌ الهندية‌ ليقيم‌ فـى إيران‌ وكيلاً لدولة‌ بريطانيا خلفاً لـ «هنرى‌ دلك‌…».

«… وأرسل‌ «نيقولا» امبراطور الروس‌ «كينياز بخشكوف‌» ليكون‌ سفيراً فـى إيران‌…. واستقبله‌ الشاه‌ فـى السادس‌ عشر من‌ ذى‌ القعدة‌، فتسلم‌ الشاه‌ رسالة‌ الإمبراطور وعرشاً من‌ البلّور مهدي‌ إليه. وهذا العرش‌ كان‌ قد أعده‌ لشاه‌ إيران‌ «الكسندر بادلويج‌»، ولكنه‌ لم‌ يبق‌ فـى الحكم‌، وعندما جلس‌ أخوه‌ نيقولا علي‌ عرش‌ السلطنة‌ أرسل‌ ذلك‌ العرش‌. وهو بطول‌ ثلاثة‌ أذرع‌ وعرض‌ ذراعين‌ من‌ البلور الأبيض المرصع‌، علي‌ كل‌ جانب‌ منه‌ ثلاث‌ مشارب‌ يفور منها الماء، وخلف‌ المقعد تمثال‌ قرص‌ الشمس‌ من‌ البلور الصافـى…».

«… كان‌ معتمد الدولة‌ الميرزا عبد الوهاب‌ ووزير الخارجية‌ الميرزا أبو الحسن‌ (خان‌ المعروف‌ بايلچى) ممن‌ لا يرتضى‌ محاربة‌ روسيا. أرسل‌ المجتهدون‌ إليهما خطاباً شديد اللهجة‌ وقالوا لهما: إنّ فـى عقيدتكم‌ ودينكم‌ لفتوراً، والاّ فِلمَ تستكرهون‌ جهاد الكفار… فسكت‌ هذان‌ عن‌ المعارضة‌…. ».

ولنتعرف‌ علي‌ ميرزا أبو الحسن‌ خان‌ المعروف‌ بـ «ايلچي‌» الذى‌ أصبح‌ فيما بعد وزيراً للخارجية‌:

«…. فـى سنة‌ ١٢١٥ هـ حين‌ أمر فتح‌ على‌ شاه‌ بتنحية‌ الحاج‌ إبراهيم كلانتر عن‌ رئاسة‌ الوزارة‌ واعتقاله‌، وحين‌ أصبح‌ أعضاء أسرة‌ الحاج‌ إبراهيم بين‌ أسير أو قتيل‌ أو مسمل‌ العيون‌ أو مشرد، كان‌ ميرزا أبو الحسن‌ خان‌ آنئذ حاكم‌ شوشتر، فجىء به‌ أسيراً إلي طهران‌، وهمّ الشاه‌ أن‌ يقتله‌ لولا وساطة‌ بعض‌ أعضاء البلاط‌، فعفـى عنه‌ وأُجبر علي‌ الإقامة فـى شيراز. لكن‌ الميرزا هذا استطاع‌ بمساعدة‌ الإنجليز أن‌ يذهب‌ إلي الهند عن‌ طريق‌ البصرة‌، وأقام‌ فـى بمبـى. وفـى سنة‌ ١٢٢٣ توسط‌ الصدر الأصفهانـى فأعاده‌ إلي طهران‌. وبعد عامين‌ ذهب‌ إلي لندن‌ سفيراً يرافقه‌ جيمز موريه‌ سكرتير السفارة‌ البريطانية‌…»

«السير جور أوزلـى بارت‌ «Sir Gore Ouzely Bart» مستضيف‌ أبو الحسن‌ خان‌ ومن‌ زعماء الماسونية‌ عرف‌ ضيفه‌ بسرعة‌ ورآه‌ مناسباً للورود فـى حلقة‌ الماسونية‌. والميرزا أبو الحسن‌ خان‌ مثل‌ الميرزا عسكرخان‌ (أول‌ ماسونـى إيرانـى) طوي‌ كل‌ مراسم‌ الماسونية‌ بسرعة‌، وخلال‌ مدة‌ قصيرة‌ اعتلي‌ منصب‌ «پاست‌ جراند ماستر» «Past Grand Master» وتولي‌ من‌ قبل‌ «جراند لوج‌ انجلند» مهمة‌ التعاون‌ مع‌ السير جور أوزلـى‌ - الذى ارتقي‌ إلي منصب‌ رئاسة‌ الماسونية‌ الإقليمية فـى إيران‌ - لتأسيس‌ لوج‌ ماسونـى فيها…» [١٠].

ولنميط‌ اللثام‌ أكثر عن‌ ردود الفعل‌ المتباينة‌ تجاه‌ الاحتلال‌ الروسى بين‌ أصحاب‌ «الأصالة» و «المتغربين‌» نلقى الضوء علي‌ واحد من‌ كل‌ من‌ الفريقين‌.

***

[١] - اسماعيل رائين، فراموشخانه وفراماسونري در ايران (فارسى)، طهران، منشورات أمير كبير.

[٢] - نصر الله فلسفي، تاريخ روابط ايران واوروپا (فارسي) / ١٨٨.

[٣] - نفس المصدر / ١٢٢.

[٤] - مذكرات جونز، نقلاً عن رائين، مصدر مذكور ١ / ١٦.

[٥] - وثائق وزارة الخارجية البريطانية ١٤٢ / ٦٠، نقلاً عن رائين، مصدر مذكور ١ / ٣٣٤.

[٦] - ابراهيم تيموري، عصر بي خبري (فارسي) نقلاً عن: رائين مصدر مذكور ١ / ١٨.

[٧] - جرنت واتسن، تاريخ ايران في العصر القاجاري / ١٩، نقلاً عن رائين١ / ١٨.

[٨] - علي أكبر بينا، تاريخ سياسي و ديبلوماسي ايران (فارسي) ١ / ١٢.

[٩] - ميرزا محمد تقي سپهر (لسان الممالك)، ناسخ التواريخ، طبعة حجرية، ج١، من» تاريخ القاجارية «ذيل» وقائع سنه ١٢٤١هـ وابتداء نقض الروس لعهدهم مع إيران «.

[١٠] - رائين، مصدر مذكور / ٣١٩ / ٣٢١.



[ Web design by Abadis ]