ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 تصور لتعاون سوري إيراني في حقل المخطوطات \ د. محمود أرناؤوط [١]

مقدمة

لا يشك أحد من المراقبين أن هناك تعاوناً فـي أمور مختلفة وعلى جميع الأصعدة بين سورية وإيران، ولا سيما فـي الفترة التي تلت قيام الثورة الإسلامية فيها وأن ذلك التعاون عاد الخير على البلدين بشكل خاص وعلى المنطقة بشكل عام. وما من شك بأن أي جانب جديد يدخل فـي إطار التعاون بين البلدين يزيد فـي الخير المرجو من تقارب الشعبين وتفاهمهما وتعاونهما فـي سبيل الوصول إلى الغد المشرق لهاتين الدولتين الهامتين من دول منظمة المؤتمر الإسلامي.

ولعل التعاون فـي مجال المخطوطات العربية بين الدولتين يزيد تعاونهما ألقاً ويخطو به خطوات إلى الأمام، ويسهم بشكل هام فـي ترسيخ التقارب والتفاهم بين طبقة المثقفين فـي كلا البلدين إن شاء الله تعالى.

وهذا البحث يطمح إلى عرض ما فـي ذهن صاحبه مما يتصل بهذا التصور الأُمنية.

سبب وجود المخطوطات العربية فـي سورية وإيران

لعل الفتوحات الإسلامية التي أدخلت كلاً من سورية وإيران فـي الرقعة الجغرافية للدولة الإسلامية الأولى التي قامت فـي المدينة المنورة على يد رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام، وما رافقها من انتقال العلماء من الجزيرة العربية إلى بلاد الشام وبلاد فارس ونشرهم للعلم فـي هذين الإقليمين الكبيرين، كانت سبباً عظيماً فـي تبدل الصورة الثقافية بهما، الأمر الذي جعل العربية لغة التأليف والبحث والتدوين فيهما، فأدى ذلك إلى ظهور العدد الكبير جداً من العلماء والأدباء والشعراء من كلا البلدين، الذين خلَّفوا أحاسن المؤلَّفات فـي مختلف الفنون العلمية والأدبية. وإذا كان وصول الثقافة الإسلامية إلى الأندلس وانتقالها من ثم إلى أوربا قد تم على أيدي نفرٍ من أهل الشام، فإن انتقال الثقافة الإسلامية إلى بلاد آسيا الوسطى وما حولها من بلدان إسلامية كثيرة قد انطلق من بلاد فارس فـي حَيّزه الأوفر على أيدي أبناء ذلك الإقليم الكبير فـي ذلك الحين. وقد أصبحت للمخطوطات العربية أسواق رائجة فـي كل من إقليم الشام وإقليم فارس وفـي الحواضر الكبرى منهما على وجه الخصوص، كدمشق وحلب وحمص، ونيسابور وأصفهان وقم، وأسهم ذلك فـي انتشار صنعتي ا

لوراقة والخط فـي الحواضر المشار إليها من كلا الإقليمين، وفـي غيرها أيضاً «وكانت جودة الخط وصحة النقل ودقة الضبط شروطاً أساسية للنجاح فـي صناعة الوراقة …. وقد بدأت عملية تطوير خط كتابة الكتب مع نشأة حركة التأليف والترجمة ومع إنشاء خزائن الكتب الكبرى، التي كانت تُزوّد بالكتب عن طريقٍ وحيدٍ هو النسخ، فبدأت حرفة الوراقة لاستنساخ الكتب بالأجرة، وهي حرفة كانت تفرِض على صاحبها أن يكون مليح الخط صحيح الضبط واسع العلم. وقد طوَّر هؤلاء الورّاقون الخط المعروف بالمُحَقَّق الورَّاقي؛ والذي خُصّص لنسخ الكتب فـي القرنين الثالث والرابع الهجريين. وكان يلزم الناسخ وهو ينسخ الكتب - وخاصة ما يتعلق منها باللغة العربية والأدب العربي - مراعاة الدقة فـي قواعد الإملاء، وأن يكون على إحاطةٍ تامةٍ بأمور التدوين والرواية فـي مختلف أدوارها، وقد تحققت هذه الصّفات فـي الورَّاقين والنُّسَّاخ الذين يمكن أن نُطلق عليهم تسمية النُّسَّاخ العلماء» [٢].

وتشاء المصادفة أن يظهر جَوْهَريَانِ من العلماء النُّسَّاخ فـي كل دمشق ونيسابور، كإشارة إلى وحدة أقاليم الأمة الإسلامية من القرون الهجرية الأولى وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهما:

إسماعيل بن حمَّاد الجَوْهَريّ، المتوفى سنة (٣٩٣) هـ [٣] «فقد تعلّم الخط ببغداد ثم انتقل إلى نيسابور وأقام بها على التدريس وتعليم الخط الأنيق وكتابة المصاحف والدفاتر اللطاف، فكان الجوهري هذا أول من حمل إلى الشرق طريقة ابن مُقْلَةَ ونَشَرَهَا هناك» [٤].

وأحمد بن محمود بن إبراهيم بن نَبْهان الدمشقي، المعروف بابن الجَوْهَريّ، المتوفى سنة (٦٤٣) هـ [٥] «فقد رحل إلى بغداد سنة إحدى وثلاثين وست مئة، وكتب الكثير واستُنْسِخَ، وحَصَّل، وكان ذكياً متقناً رئيساً ثقةً، وكتب ما لا يُوصف كثرة» [٦].

تنافس المكتبات الدولية على اقتناء المخطوطات العربية

وحين تأسست المكتبات المركزية الدولية فـي العصر الحديث، حرص القائمون عليها على اقتناء نسخ أصلية من المخطوطات العربية بكل الوسائل، وما تعذّر عليهم تحصيله من المخطوطات من بلدانهم - إن كانت ضمن الرقعة الجغرافية للأمة الإسلامية - حصَّلوه عن طريق الشراء والاستهداء، وإن فاتهم تحصيل المخطوط الأصلي لكتاب ما فقد حرصوا على تحصيل مصورة فوتوغرافية عنه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وقد خَلَصْتُ إلى هذه النتيجة من خلال اطلاعي على محتويات عدد كبير من المكتبات التي زرتها فـي سورية والأردن ومصر والكويت والسعودية وتركيا وألبانيا وأوزبكستان ويوغسلافيا والنمسا [٧]. وقد دوّنت بعض الانطباعات عن مشاهداتي واطلاعاتي على ما تيسر لي الاطلاع عليه من مخطوطات تلك المكتبات فـي بعض ما سطرته من مؤلَّفات ومقالات [٨]. وكم كنت - وما زلت - أحلم بزيارة المكتبات العظيمة التي تحتوي عليها المدن الإيرانية الكبرى، ولكن ذلك مما لم أُكرم به إلى الآن، ولعله يحصل قريباً إن شاء الله.

عالمية اللغة العربية لصالح العرب والمسلمين جميعاً

لا يختلف اثنان من الدارسين فـي الوطن العربي والعالم الإسلامي بأن اللغة العربية تعد اللغة الأهم بين لغات شعوب العالم الإسلامي، نظراً لكونها لغة القرآن الكريم من جهة، ولكون أحكام الدين الإسلامي الحنيف ومقاصده لا يمكن أن تفهم الفهم الصحيح دون إتقانها والتعمق بمعرفتها معرفةً سليمةً، ولما كان عالم اليوم يشهد تكتلات كبرى ارتدت أثواباً مختلفة وحملت أهدافاً متباينة، كان لزاماً علينا أن نجعل من اللغة العربية - لغة المليار من عرب ومسلمين - لغة مشتركة للدول الإسلامية جميعها، وأن نطالب كمثقفين من عرب ومسلمين بتعميم تعليمها فـي جميع البلدان الإسلامية تعليماً إلزامياً، لجعل العربية واحدة من اللغات العالمية فـي عالمنا المعاصر، ويكون ذلك المدخل الأولي للوحدة الثقافية الإسلامية مستقبلاً كأضعف الإيمان [٩].

(الاهتمام بالمخطوطات العربية فـي إيران من قبل الجهات الثقافية العربية ليس جديداً)

لقد أوفدت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بعثة من معهد المخطوطات العربية إلى إيران سنة (١٩٦٠) برئاسة مدير المعهد فـي حينها الدكتور صلاح الدين المنجد، بغية تصوير نوادر المخطوطات العربية المتوافرة فـي مكتباتها، واستغرق عمل البعثة آنذاك أربعين يوماً، وقد جالت تلك البعثة على عدد من المكتبات الهامة فـي طهران ومشهد، وعادت وفـي جعبتها ما يزيد على مئة وعشرين من مصورات المخطوطات المفردة والمجموعات أيضاً، وتوزعت تلك المخطوطات على فنون اللغة، والأدب، والتاريخ، والتراجم، والفلسفة، والطب، والجغرافيا، والتفسير، وغير ذلك [١٠].

المدخل إلى التعاون بين سورية وإيران فـي مجال المخطوطات العربية

أعتقد بأن خير مدخل للتعاون بين سورية وإيران فـي مجال المخطوطات العربية هو إبرام اتفاق بين حكومتي البلدين لتنظيم التعاون بين الجهات العلمية والثقافية والأدبية فـي كلا البلدين، كمجمع اللغة العربية، واتحاد الكُتَّاب العرب، ومعهد التراث العلمي العربي، والجامعات، ومكتبة الأسد الوطنية، من قبل الجانب السوري، وما يقابلها من الجهات العلمية والثقافية والأدبية ومن يمثلها من الجانب الإيراني، وتشكيل لجنة من كلا البلدين، تحدد مهمة كل منها بإجراء مسح شامل لمحتويات مكتبات البلد الآخر من المخطوطات الأصلية فـي اللغة العربية والأدبين العربي والفارسي، وتصوير كل جانبٍ لمخطوطات الجانب الآخر، فـي المرحلة الأولى، وتبادل الخبرات بشأن مناقشة الأطروحات الجامعية المتصلة بتحقيق النصوص المتعلقة باللغتين العربية والفارسية والأدبين العربي والفارسي فـي المرحلة الثانية، فقد آن الأوان للبحث عن نقاط الالتقاء بين الطرفين وصرف النظر عن نقاط الاختلاف بينهما حرصاً على مصلحة الأجيال اللاحقة.

جدوى مثل هذا التعاون بين البلدين

إن قيام مثل هذا التعاون بين البلدين سينعكس إيجابياً إن شاءالله - على الجهات العلمية والأدبية والثقافية ومن يتبعها فـي كلا البلدين، فيزداد تفهم كل طرف للطرف الآخر قوةً ورسوخاً، ويكون سبباً فـي متابعة تلاقح الثقافتين العربية والفارسية على المدى البعيد، ويصبح هذا التعاون - إن حصل - خير معبرٍ من بعد إلى تعاون عربي إيراني شامل، بل إلى تعاون عربي إسلامي تامٍ فـي مستقبل الأيام، إذا اقتدت الدول العربية والإسلامية الأخرى بسورية وإيران فـي هذا الأمر، وينتج عن ذلك قيام الوحدة الثقافية الإسلامية، ولو بعد حين، بعون الله فهل نخطو الخطوة الأولى فـي هذا الطريق؟ .

كلمة أخـيرة

وأخيراً فإن هذا التصور المتواضع يمثل وجهة نظر باحثٍ أحب العربية حُبَّاً جَّماً ونذر نفسه لخدمة تراثها منذ ما يقرب من ربع قرنٍ، وتمسَّك بالحيادية وعمل من أجل تحقيقها قدر الطاقة [١١]، وقدم هذا التصور لهذا المؤتمر الهام بعد أن تجاوز عدد مؤلفاته ومصنّفاته وتحقيقاته [١٢] ومراجعاته الستين كتاباً، فـي فنون مختلفة، وجميعها مطبوع منتشر والحمد لله.

[١] عضو جمعية البحوث والدراسات فـي اتحاد الكتاب العرب، عضو الجمعية السورية لتاريخ العلوم، محاضر فـي قسم التخصص بمعهد الفتح الإسلامي بدمشق.

[٢] انظر «الكتاب العربي المخطوط وعلم المخطوطات» (١ / ١٦٧ - ١٦٨) للصديق الدكتور أيمن فؤاد سيد، الدار المصرية اللبنانية، بيروت ١٩٩٧م.

[٣] انظر ترجمته ومصادرها فـي «سير أعلام النبلاء» (١٧ / ٨٠) و «شذرات الذهب» (٤ / ٤٩٧) بتحقيقي، و «الأعلام» (١ / ٣١٣) وهوصاحب «الصحاح» المعجم الشهير

[٤] عن كتاب «الكتاب العربي المخطوط وعلم المخطوطات» (١ / ١٧٠) مع بعض التصرف اليسير.

[٥] انظر ترجمته ومصادرها فـي «سير النبلاء» (٢٣ / ٢٦٤)، و «شذرات الذهب» (٧ / ٣٧٨) بتحقيقي، و «الأعلام» (١ / ٢٥٤) وهو من حفاظ الحديث.

[٦] عن كتاب «الكتاب العربي المخطوط وعلم المخطوطات» (١ / ١٨٢) مع بعض التصرف اليسير.

[٧] بعضها على هامش مشاركتي فـي بعض الندوات العلمية، وبعضها الآخر بمبادرة شخصية مني.

[٨] انظر على سبيل المثال كتابي «المخطوطات العربية فـي ألبانيا» طبع دار الفكر المعاصر ببيروت، ودار الفكر بدمشق سنة ١٩٩٣م وتقديمي لكتاب «الزهور المقتطفة فـي تاريخ مكة المشرفة» لتقي الدين الفاسي ص [١٨] طبع دار صادر ببيروت سنة ٢٠٠٠م، ومقالتي «المخطوطات العربية فـي طشقند» المنشورة فـي مجلة التراث العربي العدد (٧٣) ص (١٤٩ - ١٥٣).

[٩] للتوسع تنظر مقالتي «عالمية اللغة العربية» المنشورة فـي العدد المزدوج (٧١ - ٧٢) من «مجلة التراث العربي» ص (١٨١ - ١٨٣) وقد خصص العدد المذكور فـي حينها للعربية واللغات الأخرى.

[١٠] انظر التقرير الذي كتبه الدكتور صلاح الدين المنجد عن تلك الرحلة فـي مجلة معهد المخطوطات العربية، المجلد السادس، ص ٣٢٥ - ٣٣٢.

[١١] يحسن الرجوع فيما يتصل بهذا الأمر إلى مقدمتي لكتابي «أعلام التراث فـي العصر الحديث» ص١٦ - ١٩ الصادرعن مكتبة دارالعروبة للنشر والتوزيع بالكويت سنة٢٠٠١م

[١٢] بعضها عملت به مستقلاً، وبعضها الآخر شاركني العمل به بعض الأصدقاء والزملاء



[ Web design by Abadis ]