ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 أثر المخطوطات في حركة إحياء التراث الإسلامي \ د. نزار أباظة *

شهدت دمشق على مر العصور الإسـلامية نهضة علمية راقية، وكان من آخر النهضات الثقافـية تلك التي قامت أيام الزنكيين ثم الأيوبيين، الذين أُغْنِيَت المؤسسات الثقافـية كدور القرآن والحديث والبيمارستانات والمساجد والمدارس فـي زمنهم بخزائن الكتب.

ولما قدم إليها المقادسة الذين فروا من ظلم الفرنجة فـي فلسطين عمروا جبل الصالحية فـي شمالها، وأسسوا نهضة خلال القرنين السادس والسابع الهجريين، فشيدوا المدرسة العمرية التي أسسها أبو عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي المتوفى سنة ٦٠٧هـ / ١٢١٠م، والمدرسة الضيائية التي أنشأها محمد بن عبد الواحد المعروف بالضياء المقدسي المتوفى سنة ٦٤٢هـ / ١٢٤٥ م. وكان فـيهما كتب خطية هامة، وخصوصاً فـي الحديث الشريف وعلومه وأجزائه.

ثم تعرضت دمشق لمحن كثيرة وكوارث وفتن، ودخلها أقوام شتى غزوها فـي العهد المملوكي والعثماني، فضاع كثير من المخطوطات وسُرق وأُتلف، ورُحّل إلى بلاد الغرب … ولم يبق إلا بقية قليلة. كانت موزعة متناثرة فـي كبريات المساجد والمؤسسات الثقافـية التي تعطلت، ونسيت فـيها مخطوطاتها. أو طمع بها ناظرو الوقف، يريدون أن ينتفعوا بها تنتظر من يعرف حقها ويعنى بها.

ثم ظهر رجال متنورون عرفوا ذاك الحق، وعملوا على إظهاره ونهضوا به، وآلمهم ما وجدوا الناس عليه من التأخر فـي الفكر والعلم، فدعوا إلى اليقظة والتحرر والأخذ بأسبابهما.

كان على رأس أولئك الشيخ جمال الدين القاسمي، والشيخ سليم البخاري والشيخ عبد الرزاق البيطار والأمر عبد القادر الجزائري والشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني والشيخ محمود الحمزاوي، والشيخ عمر أمين عابدين وابنه الشيخ علاء الدين عابدين ١٨٨٩م. وقد التف حول هؤلاء وأمثالهم فـي دمشق من الشباب حملت أفكارهم وبشرت بها وطبقتها فـيما بعد.

ولعل من أعظم رواد النهضة الحديثة فـي بلاد الشام، ومن أبرز العلماء المتنورين الشيخ طاهر الجزائري، وكان أوتي من الحصافة والفهم والجرأة وسعة الأفق ومعرفة ما يراد بالأمة من كيد. فرأى أن البلد لا تنهض النهضة الحقيقية إلا بالشباب الذي يجب أن يتسلحوا بالعلم، فعمل على افتتاح المدارس للذكور والإناث وألف الكتب اللازمة لها، وسعى لإنشاء دار الكتب الظاهرية أول مكتبة وطنية بدمشق. جمعت ما تناثر من مخطوطات بالإضافة إلى الكتب المطبوعة يمثل الشيخ طاهر الجزائري معلماً مهماً فـي حركة إحياء التراث الإسلامي، إذ أدرك أهمية الثروة من المخطوطات المتوزعة فـي مساجد دمشق وزواياها ومدارسها القديمة، المعرضة للضياع، فعمل على جمعها، وأودعها فـي دار الكتب الظاهرية. ولقي فـي سبيل ذلك مقاومة شديدة من الجهلة، وممن يستحلون أكل مال الأوقاف. وهددوه بالقتل إن لم يكفّ عن جمع الكتب فـي مكان واحد؛ لأنه كان يستولي بسيف الدولة على جميع ما بقي من المخطوطات.

وكان الشيخ طاهر مع بعض العلماء الذين ذكرناهم قرروا القيام بتلك الخطوة الجريئة، فجمعت المخطوطات من عشرة محلات من محال الوقف بدمشق فأحدث ذلك قيام مؤسسة ثقافـية جديدة هي دار الكتب الظاهرية فـي باب البريد، أخذت تنمو فـيها المخطوطات وتزداد يوماً بعد يوم. ووضعت تحت إشراف دائرة الأوقاف ولجنة خاصة وضع لها نظامها عام ١٢٩٩هـ / ١٨٨١م. ثم ألحقت بالمجمع العلمي العربي عام ١٣٣٨هـ / ١٩١٩م.

ولم يقتصر علم الشيخ طاهر على جمع مخطوطات الأوقاف وحفظها، بل كان ينقب عن نوادرها عند الخاصة ويبذل فـيها الأموال لشرائها وتحقيقها والتشجيع على حفظها واقتنائها، فأحيا بذلك عشرات الكتب التراثية القيمة بمقدار جهده.

كان عمل الشيخ طاهر الجزائري إذن عملاً جباراً متميزاً، ولولا الفضل الذي أولاه الله إياه لضاع كثير من مخطوطات دمشق الهامة ولما بقي فـيها بقية، وكان وضع المخطوطات فـي قبة الملك الظاهر مساعداً على حفظها لأنّ المناخ الذي توفره البيوت العربية مناخ صحي يناسب الكتب، فبقيت الخطيات فـي مجملها سليمة معافاة.

حتى إذا نقلت إلى مستودعات مكتبة الأسد عام ١٩٨٤ وضعت كـذلك فـي شروط فنية راقية، ورُمم منها ما يحتاج إلى ترميم. ثم صـورت كلها على (الميكروفـيش) ليتيسر للباحثين الرجوع إليها وقراءتها على الآلات القارئة المكبّرة.

وأضافت مكتبة الأسد إلى المخطوطات التي نقلتها من الظاهرية مخطوطات المكتبة الأحمدية بحلب وغيرها من المخطوطات الهامة فـي سورية. حتى وصل عددها اليوم إلى نحو عشرين ألف مخطوطة.

ذاع صيت دار الكتب الظاهرية التي افتخر بها الدمشقيون، وأهديت إليها الكتب والمخطوطات التي زادت يوماً بعد يوم، ومثلت مرجعية علمية ذات شأن … لكنها كانت تحتاج إلى عناية فائقة وخدمة مكتبية وتصنيف علمي ليتم الاستفادة المثلى منها.

وهنا جاء دور الدكتور يوسف العش (١٣٨٧هـ / ١٩٦٧م) الذي قدّم جهوداً مدروسة فـي سبيل إحياء التراث الإسلامي، حفظاً وفهرسة وتصنيفاً ودراسة.

تعلم الدكتور العش فـي باريس ومنها حصل على درجة الليسانس فـي الآداب عام ١٩٣٤م وعلى شهادة فـي تنظيم المكتبات من مدرسة الشروط فـيها واتصل بالثقافة الغربية خلال ذلك واطلع على حضارتها الحديثة.

ولما عاد إلى دمشق عيّن مديراً لدار الكتب الوطنية الظاهرية عام ١٩٣٥م واستمر بها نحو عشر سنوات فقام بتنظيمها أحسن تنظيم، وما زالت تسير إلى اليوم على ما نظمها به. كما نظم المخطوطات الظاهرية، وفصلها عن الكتب المطبوعة، وجعل لها نظاماً خاصاً للاستعارة.

والجدير بالذكر أن الدكتور العش اقترح إنشاء معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية، ثم كان مديراً له فـيما بعد. وتجلى عمل الدكتور العش فـي سبيل إحياء التراث الإسلامي بعد قيامه بتصنيف المخطوطات (ناقص من الأصل فـي ص ٨) فـي اتجاهين اثنين؛ الأول عمله بالفهرسة، والثاني كتابه الرائع (دور الكتب العامة وشبه العامة فـي العراق والشام ومصر).

أما الاتجاه الأول، فنطالع فـيه عملاً مبكراً فـي الفهرسة المنهجية الأكاديمية للمخطوطات، فـي كتابه (فهرس مخطوطات التاريخ وملحقاته فـي دار الكتب الظاهرية) الصادر عام ١٩٤٧. ويعدّ البداية الحقيقة لوضع فهارس تفصيلية للمخطوطات العربية فـي الشرق.

وبهذا فتح العش مع كتابه هذا بوابة الفهرسة الصحيحة للمخطوطات وترسم خطاه من جاء بعده من المفهرسين. فهرس التاريخ هذا يتوسع بإيراد المعلومات عن المخطوطة حتى لكأن القارئ يطالعها أمامه. فهو يذكر عنوان الكتاب كاملاً مع الإشارة إلى ما اشتهر به من عناوين أخرى. كما يذكر اسم المؤلف كاملاً مصحوباً بلقبه وكنيته وشهرته وتاريخي مولده ووفاته. فإن لم يُعرفا بالضبط يحدد العصر الذي ألف فـيه الكتاب. ويورد أول عبارات الكتاب لتوضيح مقاصده وأغراضه. وكذلك عبارة الختام. ويحدد أبواب المخطوطة وفصولها بالاعتماد على مقدمة المؤلف. ثم يبين أجزاء الكتاب ومجلداته إن كان كبيراً. ولا يكتفـي بهذا بل يتكلم عن أوصاف المخطوطة الظاهرة له، فـيعين نوع الخط، ويذكر اسم الناسخ إن وقع عليه. ويشير إلى تاريخ النسخ إذا ظهر له، وإلا فإنه يثبت ما على النسخة من دلائل تعين عصرها، كالسماعات المذكورة والقراءات والمطالعات والتكملات. كما يبين عدد أوراق النسخة وعدد الأسطر فـي الصفحة الواحدة وحجم الكتاب طولاً وعرضاً بالسنتمترات. هذا بالإضافة إلى الإحالات الكثيرة للكتب ذات الأسماء المختلفة، أو التي اشتهرت بعناوين معينة، أو كانت اختصاراً أو شرحاً لكتب أخرى.

وجاء الباحثون بعد الدكتور العش فتقبلوا أثره، فصدر بعده من فهارس الظاهرية على التوالي فهارس علوم القرآن، فالفقه الشافعي، فعلم الهيئة ومحلقاته، فالطب والصيدلة، فالمنتخب من مخطوطات الحديث، فالفلسفة، فالنحو والصرف، فاللغة، فالتصوف، فالعلوم والفنون المختلفة، فالفقه الحنفـي، فالأدب، ففهرس المجاميع التي تتميز بها الظاهرية. فأفاد ذلك الباحثين، وأطلعهم على مكنونات الظاهرية بالتفصيل وكأنهم يطالعونها أمامهم. وكان من نتيجة ذلك إقدام المحققين على تحقيق نفائس مخطوطات هذه المكتبة وإخراجها للوجود.

أما الاتجاه الثاني الذي خدم به الدكتور العش تراث أمته الإسلامية وأسهم بإحيائه فهو كتابه (دور الكتب العربية العامة وشبه العامة فـي العراق والشام ومصر فـي العصر الوسيط). وقد زار لأجله دور الكتب فـي لبنان وتركية وفـيينا وباريس ومصر وغيرها، واطلع على نحو ثلاثة آلاف مخطوط فضلاً عن المطبوعات. كان الدكتور العش يستثمر ما يقع فـي يديه من مخطوطات استثماراً عجيباً، ليوظفها فـي كتابه المطلوب، مشيراً إلى أهمية الهام منها، مبرزاً أثرها فـي الحضارة الإسلامية.

فبعد أن تحدث عن تاريخ المكتبات العامة وشبه العامة فـي العراق والشام ومصر وخصوصاً قيام كبريات دور الكتاب التاريخية العظيمة مثل بيوتات الحكمة ودور العلم الفاطمية والمكتبات الملحقة فـي الشام، أخذ ينبش ما فـي بطون المخطوطات ليحدثنا عن عمله فـي الكتاب هو إحياء للتراث وإشارة إلى كيفـية تنظيم المكتبات التي يجب أن نفعلها وصفاتها العامة، وعن طريقة وقفها وأنواع وقفها، وفهرستها، وطريقة المسلمين فـي تصنيفها، حتى لنسأل أنفسنا اليوم أين نحن منها، وماذا قدمنا لخدمتها، مادام آباؤنا بذلوا جهدهم فـي نشر الخطيات فكيف نحافظ عليها؟ !

لقد أخرج الدكتور العش من المخطوطات ما قبع فـي الزوايا، وبعد أن أعطى فكرة واضحة عن كيفـية وقف الكتب، استعرض أمثلة من كثير منها عارض عبارات بدقة: فـينقل عن الضياء المقدسي صاحب المكتبة المعروفة فـي جبل الصالحية (٦٤٣هـ): (وقفه وحبسه وسبّله على جميع المسلمين الحافظ ضياء الدين محمد رحمه الله. وشرط أن يكون بمدرسته بجبل الصالحية، ولا يعار إلا برهن حافظ للقيمة، ولا يخرج إلى بلد أو إلى قرية أخرى سوى دمشق).

(وقف الحافظ ضياء الدين أبي عبد الله، ولا يعار إلا برهن يحفظ القيمة، ولا يعار إلى غير دمشق والجبل). (وقف مؤيد محرم، لا يعار إلا برهن حافظ للقيمة) وينقل من عبارات موفق الدين المقدسي (٦٢٠هـ) الذي وقف كتبه فـي الضيائية: (وقفه على المنتفعين به ابتغاء ثواب الله ومرضاته، فلا يباع ويوهب ولا يورث ولا يعار إلا برهن). (لا يعار إلا برهن، فإن أُعير بغير رهن فكفارته ردّه إلى مقره بعد قضاء الحاجة منه).

وينقل الدكتور العش من وقفـية لغير من ذكرناهم: (وقف مؤيد وحبس محرم حارم على طلبة العلم، بشرط ألا يخرج من مقره إلابتذكرة حسنة).

المهم فـي كتاب الدكتور العـش أنه نثر بين أيدينا بطون المكتبـات وذكر ما فـيها، فأحيا بذلك دوارسها وأماط عنها غبارها، حتى قدّم صورة بدأت أجزاؤها من أول الكتاب ثم أخذت تستتم شـيئاً فشـيئاً حتى تكاملت فـي أواخره عن التراث الإسلامي فـي البلاد الثلاثـة المذكورة التي تناولها كتابه. على نحو لم يتعرض له من سبقه على هذا النحو الواضح.

وكان يماثل عمل الدكتور العش فـي بحوثه وخصوصاً فـي كتابه (دور الكتب) عملُ الشاعر المؤرخ خير الدين الزركلي (١٣٩٦هـ / ١٩٧٦م) فقد كان إحياؤه للمخطوطات والتراث الإسلامي من خلال كتابه العظيم (الأعلام) الذي أنفق فـي العناية به جُلّ عمره العلمي، واستغرق منه ما يربو على ستين سنة.

والذي يشار إليه فـي موضوعنا أنّ الزركلي لم يدع مخطوطة تقع بين يديه إلا واستثمرها، بل كان يسعى وكده إلى الاطلاع على الجديد من المخطوطات، ويسافر إليها إذا لزم.

اطلع على مخطوطات بلاد الشام ومصر وتركية والمغرب وغيرها من البلاد العربية والأجنبية فضلاً عن مخطوطات المكتبات الخاصة.

قال يتحدث عن عمله (فأنا أسافر فـي كل عام على الأقل مرة إلى مصر ومنها إلى أوربا، وأعرج فـي طريق عودتي على تركية، ثم أعود إلى بيروت … أسافر إلى مناطق فـي تركية مجهولة إلى يومنا هذا، وفـيها مخطوطات نادرة، وكثير منها بخط مؤلفـيها أنفسهم).

ولقد سافر إلى مغنيسية فـي تركية، وكانت لديه من المناطق المجهولة لما سمع بمكتبة مخطوطات فـيها، وظل يعاود إليها سنة بعد سنة حتى استوفاها.

لقد أظهر الزركلي بعمله كثيراً من المخطوطات المجهولة وأحياها بالإشارة إليها وبوصفها المكان الموجودة سواء أكانت فـي مكتبة عامة أم خاصة وكثيراً ما يعرض فـي كتابه صوراً منها، حتى عدّ كتابه من كتب (الببلوغرافـية) التي يعتمد عليها فـي توثيق المخطوطات، كتاريخ الأدب العربي لبروكلمان وتاريخ التراث العربي لسزكين وكشف الظنون وذيوله ونحو ذلك. وهذا واضح تماماً فـي كتابه الجليل. والشواهد عليه منشورة فـي صفحات الكتاب.

على أن المجمع العلمي العربي الذي كان يشرف على خزانة كتب المدرسة الظاهرية لم ينظر إلى التراث الإسلامي على أنه جمع للمخطوطات أو تجميع وحفظ لها فقط، بل سعى السعاية الحثيثة إلى إبرازها لنفع الباحثين.

وشجع المجمع العلمي العربي الباحثين على تحقيق المخطوطات تحقيقاً منهجياً، وفـي قائمة منشوراته كتب جليلة تنشر للمجمع وتدل على اهتمامه الراسخ بإحياء التراث حققها كبار العلماء فضلاً عن الشباب الموهوبين الناهضين الذين شجعهم التشجيع اللائق، وضع منهم محققين عرفوا فـي عالم التحقيق، وقدموا هم بدورهم خير ما عندهم.

ومن أهم ما صنعه المجمع فـي سبيل إحياء التراث الإسلامي عمله على تحقيق كتاب تاريخ مدينة دمشق للحافظ علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر الدمشقي، ويقع فـي ثمانين مجلدة كل مجلدة عشرة أجزاء من الأصل. تدخل فـي نحو تسعمئة صفحة من القطع الكبير.

بدأ المجمع بهذه الموسوعة المتميزة عندما نشر مجلدته الأولى سنة ١٩٥١م، بتحقيق الدكتور صلاح الدين المنجد، ثم صدرت المجلـدة العاشرة بتحقيق الشيخ محمد دهمان.

وكان العمل فـي هذا التاريخ صعباً جداً، وكان المجمع يقدر تلك الصعوبة ولذلك توقف المشروع حتى قدر له أن يحمل رايته الدكتور شكري فـيصل فـيخطو به خطوة متميزة، ويعطيه دفعاً متألقاً، حين انتخب أميناً عاماً للمجمع.

كان الدكتور شكري مدرسة فـي التحقيق لها معالمها وأسسها وتوجهاتها كما كان رجلاً أوتي حيوية غير عادية وأفقاً منفتحاً، ولهذا رأى أنه هذا العمل الجليل يحتاج إلى جهود غير فردية لدفعه إلى النور، ولهذا فقد أنشأ فريق عمل من طلابه وطالباته خريجي الجامعة الذين عُرف عنهم تميزهم ودأبهم، ندبهم للعمل فـي المجمع وفرّغهم ليشاركوه فـي تحقيق تاريخ ابن عساكر … وكان هذا العبء.

وزع الدكتور شكري العمل على فريقه هذا ووضع له برنامجاً دقيقاً يقوم على المنهج العلمي فـي آخر ما توصل إليه المحققون من أساليب ناجحة فـي التحقيق، يشهد على ذلك الجزء الكبير الذي أصدره وهو جزء يضم التراجم الواقعة بين (عاصم - عايذ) ثم الجزآن اللذان أصدرهما من بعد.

ولم يلبث الدكتور شكري أن انتقل إلى رحمة ربه، وتفرقت جماعة العمل بينما تابع على المنهج ذاته طلابه فدأبوا على إصدار الجزء تلو الجزء، بالإضافة إلى مشاركة بعض الباحثين فـي التحقيق من داخل المجمع وخارجه، حتى صدر منه حتى اليوم خمسة وعشرون مجلداً محققاً، ومجلدة مصورة، وعلى نسقه صدر خمسة مجلدات غيرها، عن دور النشر بأسلوب التحقيق نفسه.

ولكن فريق العمل الذي تفرق حمل أسلوب الأستاذ الكبير ومنهجه الذي يتصف به بدقة إخراج النص والتعليق المناسب عليه باقتضاب، والشرح الضروري فـي المكان الملائم وأصدر كل فرد منه عشرات الكتب المحققة التحقيق المتقن السديد واشتهروا من بعده… هذا بالإضافة إلى أن مدرسة الدكتور شكري صارت أنموذجاً يحتذى، يسير عليه المحققون فـي الشام.

ولقد حقق د. شكري على منهجه العلمي المتميز الذي لقي احتراماً وتقديراً من المتخصصين، كتباً مهمة فأصدر أربعة أجزاء من كتاب (خريدة القصر وجريدة العصر) للعماد الأصفهاني، وكتاب (الوافـي بالوفيات) القسم ١١ الجزء ٦.

والجدير الذكر هنا فـي مجال الحديث عن ابن عساكر وعن حركة إحياء التراث الإسلامي بدمشق أن الشيخ عبدالقادر بدران (١٣٤٦هـ = ١٩٢٧م) أسهم فيها من خلال إصداره لكتاب (تهذيب تاريخ ابن عساكر) الذي اختصر فيه هذا الكتاب فهذبه بحذف الأسانيد والأخبار المكررة التي اختصرها كذلك، وعمله هذا يعد خطوة رائدة مع ما فيه من أخطاء وتحريفات، ويكفيه أنه عرّف الناس بكتاب ابن عساكر الذي عجز الباحثون حتى اليوم عن إصداره محققاً بنصفه الكامل.

ولهذا عمدت دار الفكر بدمشق إلى إصدار مختصر الكتاب الذي صنعه ابن منظور تحت عنوان (مختصر تاريخ دمشق) فـي ٣٥ جزءاً غير الفهارس التفصيلية فسدّت بذلك ثغرة ريثما يقدر للكتاب الأصلي أن يظهر، وأسهمت فـي حركة إحياء هذا الكتاب.

وكان عملها خطوة مهمة فـي سبيل إحياء التراث، إذ وضعت منهجاً لتحقيق مختصر ابن منظور بإشرافها، ووزعت العمل على ثلة من الباحثين أنجزوه على كبره فـي زمن قياسي بتحقيق متقن.

على أننا يجب أن نذكر أخيراً جهوداً ظهرت فـي دمشق فـي الثلث الأخير من القرن العشرين، ولمعت معها أسماء علماء حمد الناس أعمالهم من أمثال الشيخ عبد القادر أرناؤوط والشيخ شعيب الأرناؤوط.

وقد حاول الشيخ عبد القادر أرناؤوط بآخره أن يكوّن فريق عمل لتحقييق كتاب (البداية والنهاية) لابن كثير.

النتائج

وبعد فـيمكننا القول بعد هذا الاستعراض لحركة إحياء مخطوطات التراث الإسلامي من خلال جهود العلماء الدمشقيين، أنها مرت بثلاث مراحل؛ الأولى مرحلة التجميع من خزانة الوقف وإنشاء مكتبة وطنية عرفت بدار الكتب الظاهرية الذي قام به علماء الشام وعلى رأسهم الشيخ طاهر الجزائري ثم تلامذته من بعده، الأمر الذي حفظ ما بقي من مخطوطات هامة من الضياع.

والمرحلة الثانية جاءت على يد الدكتور يوسف العش وهي مرحلة التصنيف والفهرسة لتلك المخطوطات تصنيفاً وفهرسة علميين فتحت الباب للباحثين لوضع فهارس على منوال ما صنع. وقد رافق هذه المرحلة عرض واسع لكثير من مخطوطات التراث والإشارة إليها فـي عمل الدكتور العش نفسه بكتابة دور الكتب العربية وعمل الزركلي فـي كتابة الأعلام وما شابه ذلك.

أما المرحلة الثالثة فمرحلة التحقيق العلمي الأكاديمي الذي شجع عليه المجمع العلمي العربي (مجمع اللغة العربية) اليوم فأخرج كتباً محققة من جليل مخطوطات التراث فـي العلوم الإنسانية. وكانت له مدرسة واضحة المعالم تحتذى تخرّج فـيها عدد من المحققين الذي عُرفوا بأعمالهم القيّمة.

وأثمر ذلك انتشار التحقيق المنهجي بخط واضح متميز فـي بلاد الشام وإخراج واسع لكتب التراث.

المصادر والمراجع

 الأعلام

 تاريخ الصالحية

 تاريخ علماء دمشق فـي القرن الرابع عشر الهجري

 تاريخ المجمع العلمي العربي، أحمد الفتيح، دمشق، المجمع، ١٣٧٥هـ / ١٩٥٦م.

 تاريخ مدينة دمشق (وخصوصاً مقدمة جزء عاصم - عاين)، ابن عساكر، تحقيق شكري فـيصل وآخرين، دمشق، المجمع، ١٣٩٧هـ=١٩٧٧م

 دور الكتب العربية العامة وشبه العامة لبلاد العراق والشام ومصر فـي العصر الوسيط، يوسف العش، دمشق، دار الفكر، ١٤١١هـ=١٩٩١.

 علم الأعلام.

 فهارس المخطوطات دار الكتب الظاهرية (فهرس التاريخ)، يوسف العش، دمشق، مجمع اللغة العربية، ١٣٦٧هـ=١٩٤٧م.

 الكتاب العربي المخطوط وعلم المخطوطات (١ - ٢)، أيمن فؤاد سيد، القاهرة، الدار المصرية اللبنانية، ١٤١٨هـ=١٩٩٧م.

 مجمع اللغة العربية بدمشق (المجمع العلمي العربي) فـي خمسين عاماً ١٩١٩ـ١٩٦٩، دمشق، المجمع، ١٣٨٩هـ=١٩٦٩م.

 المدرسة الظاهرية.

 مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق.

* رئيس شعبة البحث العلمي في معهد الفتح الإسلامي بدمشق، ومدرس مادة النقد فيه. له



[ Web design by Abadis ]