ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 دور المخطوطات في مشروع الإحياء الإسلامي \ د. محمود حلاوي *

يتناول هذا البحث طرح عدّة نقاط (تسـاؤلات) تتعلّق بمفهوم الإحياء الإسلامي، وبدور المخطوطات فـي هذا الإحياء، حتى يُصار إلى مناقشته والوصول إلى مدلول واضح له، وكذلك تقديم مقترحات عمليّة تساعد على تحقيقه.

أوّلاً - ما المقصود بالإحياء الإسلامي؟

هل هو إحياء التراث الإسلامي، أم إحياء الاهتمام به، أم إحياء التعاون بين العلماء والباحثين المهتمّين بدراسته ونفض الغبار عنه، أم بإحياء العلاقة بين شعوب العالم الإسلامي، أم كلّ هذا مجتمعاً؟

إن كل هذه التساؤلات تتزاحم معاً عند قراءة عنوان المحور العاشر من محاور هذه الندوة، وتتطلّب منّا البحث عن إجابات واعية لها، إجابات تكون على مستوى طموحات المشاركين فـي هذه الندوة وآمال العاملين فـي حقل المخطوطات العربية.

من البديهيّ القول: إنّ مفهوم الإحياء الإسلامي يجب أن يتناول إحياء التراث الإسلامي الذي خلّفه لنا الأجداد فـي مختلف المجالات الثقافـية والأدبية والعلميّة، والذي ما يزال معظمه قابعاً فـي المكتبات العامة والخاصة والمساجد والأديرة وغيرها من الأماكن، يبحث عمّن ينفض عنه غبار السنين، ويخرجه من عالم النسيان إلى عالم التذّكر، ومن عالم الظلمة إلى عالم النور.

إنّ أول عمليّة إجرائيّة فـي هذا الخصوص يجب أن تتركز على فهرسة هذا التراث، فهرسةً علميّةً دقيقةً، تُجَنِّب الباحثين الوقوع فـي متاهات المفهرسين غير الرصينين، أو الذين لا يملكون العلم والخبرة الضروريين للقيام بمثل هذا العمل.

لكن الوقوف عند عمليّة الفهرسة دون نشر الفهارس لا يجدي نفعاً ولا يحيي مواتاً، لأن المهم تعريف الباحثين والمهتمّين بالتراث وبنشر ما لدى هذه المؤسسة أو تلك من مخطوطات يمكن الاستفادة منها فـي عمليّة إحياء تراثنا الدّفـين والثمين.

ومما لا شكّ فـيه أنّ تراثنا المكتوب باللغة العربية هو تراث إسلامي عالمي، بمعنى أنّ علماء العالم الإسلامي فـي مختلف العصور الإسلامية هم الذين ساهموا فـي تكوينه، حيث كانت اللغة العربية هي لغة الثقافة والفكر والأدب، باستثناء بعض الواحات الثقافـية والفكرية التي استُخدمت فـيها اللغة المحلّية.

من هنا يمكن القول: إنّ إحياء التراث الإسلامي يساهم بشكل مباشر فـي إحياء العلاقات بين الشعوب الإسلامية كافة، ويعيد إلى الأذهان فكرة الوحدة الثقافـية والفكريّة، فكرة الانتماء إلى هذا الإرث الحضاري الذي جمعنا الإسلام تحت لوائه، خاصة إذا تمّت صياغة أسس تعاون بنّاء بين العلماء والباحثين المنتشرين فـي مختلف بلاد العالم الإسلامي.

ثانياً - هل للمخطوطات دور حقيقي فـي مشروع الإحياء الإسلامي؟

وما هو هذا الدَّوْر؟

لا أظنّ أنَّ للمخطوطات بحدّ ذاتـها دوراً حقيقيّاً فـي مشروع الإحياء الإسلامي، فهي مصدر من مصادر المعرفة، وهي تختزن إرثاً فكريّاً وحضاريّاً يجب إخراجه من ظلمات الجهل به إلى نور التعرّف عليه؛ فالتعرّف يشكّل اللبنة الأولى لبناء علاقة بين قُطبيْن: المخطوط من جهة والمتعرِّف عليه من جهة ثانية.

وبشكل أكثر دقّة، فإنَّ التعرّف يحصل بين مؤلف المخطوط وما يعنيه لنا هذا المؤلف من فكر وثقافة وتاريخ وحضارة وعلاقات علميّة وإنسانيّة من جهة، والمتعرّف على المخطوط بكل ما يعنيه من فكر وثقافة وما إلى ذلك من جهة ثانية.

إنّ إحياء هذه العلاقة بين هذين القطبين قد يساهم فـي مشروع الإحياء الإسلامي، لأن المعرفة نور والجهل ظلام، ولأنّ الإنسان عدوّ مايجهل، فبناء قاعدة معرفـية صحيحة يساعد على بناء جسور التواصل والتلاقي التي تُعدُّ أساس عمليّة الإحياء.

إنّ دور هذه المخطوطات يكون إيجابيّاً وفعّالاً إذا أخذنا بالحسبان أننا عندما ندعو إلى لقاءات أو ندوات أو مؤتمرات تتمحور حول المخطوطات، أننا نجمع فـي هذه المؤتمرات رجال العلم والفكر والثقافة فـي العصور الغابرة، فنستحضرهم ونضعهم على طاولة واحدة مع رجال العلم والفكر والثقافة المعاصرين، ويكون النقاش إيجابيّاً، يهدف إلى الاستفادة من علمائنا القدامى بالقدر الذي يحتاجه علماؤنا اليوم، فـيكون البناء الحديث قد أُسس على قواعد متينة وجذور صلبة قويّة راسخة، فلا قيمة لبناء بلا أُسس، ولا بناء بلا قواعد راسخة، وويـل لأمُّة تبني بأُسس غيرها أو على أرض لا تمتلكها، خاصة إذا كانت الأسس التي لديها متينة ضاربة فـي الأعماق، وكانت الأرض التي تمتلكها شاسعة واسعة، أورثها إيّاها الملك العزيز، صاحبها ومدبّر أمرها وأمر من عليها.

ثالثاً - كيف يمكن تفعيل دور المخطوطات فـي تحقيق هذا المشروع؟

إن مشروع الإحياء الإسلامي باستخدام وسيلة المخطوطات هو مشروع يحتاج بقدر أهمّيته إلى جهود الكثير من المخلصين المؤمنين بالدوْر الذي يمكن أن تؤديه هذه الوسيلة، فتأتي المؤتمرات والندوات واللقاءات متقنة التنظيم، واضحة الأهداف، متعاونة إلى أبعد حدود مع معظم الجهات القادرة على إنجاحها، بحيث تتضافر الجهود وتتكامل دون منافسة إلاّ على إنجاح هذه المؤتمرات لا إلى تحقيق نجاحات ذاتية وفردية ضيّقة، فـيد الله مع الجماعة وعليها. وعلى جميع المشاركين تقديم أقصى ما لديهم من قدرات وإمكانات مادية وعلمية وتنظيمية، دون أن يبخل أحد بما أعطاه الله من قدرات.

رابعاً - من هي الجهة أو المؤسسة أو الهيئة التي يمكن أن تتولّى هذا المشروع

مـن حيث إدارته والإشراف عليه وتمويله ومتابعة قراراته أو توصياته وتأمين كل متطلّبات نجاحه؟

إن الإجابة على هذا السؤال تتعلّق مباشرة بالإجابة على السؤال الأول، وهو تحديد مفهوم الإحياء الإسلامي والمقصود منه؛ فإذا تمّ الاتفاق أنَّ المقصود بالإحياء الإسلامي هو إحياء مفهوم التعاون بين الباحثين والعلماء فـي العالم الإسلامي أو بين المؤسسات العاملة فـي حقل المخطوطات الإسلامية المنتشرة فـي بلاد العالم الإسلامي، فإن كل ذلك يتطلّب تضافر الجهود وتعاون الجميع بحيث يمكن تكوين هيئة إسلامية عامة تضم فـي عضويتها المؤسسات العامة والخاصة، الحكومية والأهلية، وكذلك الأفراد العاملين فـي هذا المجال، على أن يشارك كلٌّ على قدر الطاقة، ويمكن وضع نظام تأسيسي يحد د الأهداف العامة، كما يبيّن أسس الانضمام إلى عضوية هذه الهيئة وأنواع العضوية وكل ما يتعلّق بالنظام الأساسي، وكذلك يمكن وضع لوائح تنظيمية داخلية لهذه المؤسسة.

المهمّ فـي كلّ ذلك ضمان مشاركة معظم المهتمّين بالمخطوطات لضمان الوصول إلى نتائج عمليّة قابلة للتنفـيذ فـي معظم بلاد العالم الإسلامي.

خامساً - ما هو دَوْر العلماء والباحثين والمحققين فـي إنجاح هذا المشروع؟

مما لا شك فـيه أنَّ نجاح أي مشروع يحتاج إلى تعاون وثيق وبنَّاء بين جميع الأطراف المعنيَّة به، وأنَّ العلماء والباحثين والمحققين يشكلون طرفاً أساسياً ومهمّاً فـي تنفـيذ هذا المشروع، ومن ثمَّ فـي إنجاحه.

إنَّ الدَّوْر الذي يمكن أن يقوم به العلماء والباحثون والمحققون يمكن أن يكون فـيما يلي:

١ - وضع أسس خطّة تعاون منهجي وواقعي بين بعضهم بعضاً وبين المؤسسات التابعين لـها أو التي يتعاملون معها.

٢ - وضع خطط عمل مرحليّة، قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، يمكنهم من خلالـها تنفـيذ مشروع الإحياء الإسلامي.

٣ - تحديد أُطُر الإحياء المطلوب العمل على أساسها، وأقصد بذلك تحديد مجالات الإحياء فـي كل مرحلة من مراحل العمل، وذلك باختيار المخطوطات التي سيجري تحقيقها والتي يتناسب موضوعها مع أهداف كل مرحلة.

٤ - توزيع العمل بين العلماء والباحثين والمحققين على ضوء خبراتهم وإمكاناتهم العلمية.

٥ - تسهيل تبادل الخبرات والمعلومات بين العلماء والباحثين والمحققين لرفع مستوى العمل المطلوب إنتاجه، وللتقليل من هدر الجهود والطاقات والإمكانات المبذولة.

سادساً: ما هي أشكال التعاون بين مالكي المخطوطات - أو المصوّرات عنها - من مؤسسات ثقافـية ومراكز بحوث ومعاهد متخصصة وأفراد وغيرهم، وبـين العاملين فـي مجالات البحث والتحقيق؟

هنا تكمن عقدة العُقد أو مشكلة المشاكل فـي عملية الحصول على المخطوطات بغية دراستها أو تحقيقها، فالعديد من المؤسسات والمراكز الثقافـية التي لديها مخطوطات أو الأفراد الذين يمتلكون مخطوطات، يضنّون بها على العلماء والباحثين والمحققين، ويحرمونـهم من إمكانية الإطلاع عليها أو نسخها أو الحصول على صورة عنها، لأسباب يقدّرونها هم فقط، وبعضهم المتساهل فـي هذا الأمر، يضع شروطاً قاسية أو تعجيزيّـة أحياناً.

ونسأل عن حلّ لهذه المشكلة، ونحاول إيجاد الوسائل الممكنة للحصول على صُوَر المخطوطات من الذين يمتلكونـها، وكثيراً ما تذهب جهودنا أدراج الرياح، ونُكرّر المحاولة تلو المحاولة، وأحياناً نصل إلى نتيجة وأحياناً أخرى لا، فـيتملّكنا اليأس من إمكانية تحقيق ذلك.

وهنا لا بدّ من إيجاد حلٍّ لهذه المشكلة باقتراح الحلول المناسبة لها، والتي تُرضي جميع الأطراف، وتحقق الهدف الأساسي الذي نسعى جميعاً إلى تحقيقه، وهو مشروع الإحياء الإسلامي. ولا يمكن أن يتحقق إلاّ باجتماع مصارحة بين المالكين للمخطوطات والعاملين على دراستها وتحقيقها، للوصول إلى تفاهم حقيقيّ بين الطرفـين. وقد يسفر هذا الاجتماع عن وضع صيغة تعاون، تصادق عليها جميع الأطراف المعنيّة بهذا المشروع وتلتزم بتنفـيذها، دون وضع عراقيل جديدة أمام عملية التنفـيذ.

إنَّ حلَّ هذه المشكلة المعضلة تفترض التنازل قليلاً عن الرغبة فـي الاستئثار الفردي لصالح الخدمة العامة، التي ستستفـيد منها الأمّة بأسرها، ولو ظلّت هذه المخطوطات حبيسة الخزائن المغلقة فلن يستفـيد منها أحد، حتى ولا مالكوها، ولا نظن أنَّ حرمان الآخرين من المعرفة عملٌ يُرضي أخلاقنا وتوجّهاتنا الإسلامية.

سابعاً - ما هي أشكال التعاون بين المحققين من جهة، وبين مؤسسات نشر التراث من جهة ثانية؟

علينا هنا أن نميّز بين نوعين من مؤسسات نشر التراث:

١ - مؤسسات تجارية تابعة لأفراد أو لشركات تجارية.

٢ - مؤسسات غير تجارية تابعة لجامعات أو مراكز ثقافـية أو ما شابه.

أما المؤسسات التجارية فهي فـي معظمها تهدف إلى الربح المادي ولو على حساب الجودة أو الأمانة العلمية أو حقوق المحققين والباحثين، ومثل هذه المؤسسات كثيرة فـي العالم العربي، وقد عانى المتعاملون معها الكثير وما زالوا يعانون من المشكلات العلمية والمادية أيضاً. وليس هناك من سبيل حتى الآن لضمان الجودة والنوعية فـي الإنتاج، إلاّ إذا كان على حساب المحققين والباحثين أنفسهم، بحيث يتنازلون عن قسم من حقوقهم المادية إرضاء للنـزعة العلمية التي يتحلّون بها.

أما المؤسسات غير التجارية فإنها لا تبغي الربح من وراء نشر كتب التراث، بل تطلب الجودة فـي العمل والدقّة فـي التحقيق، بما يتوافق مع الأسس العلمية المتعارف عليها؛ وهذا ما يجعل التعامل معها أفضل وأيسر. لكن هذه المؤسسات تشكو فـي معظمها من التباطؤ الإداري فـي اتخاذ القرارات أو الموافقة على عقود العمل التي تجريها مع المحققين والباحثين.

وحتى لا تبقى المشكلات بلا حلول، لا بدّ من وضع معايير علمية، على المؤسسات التجارية التي تنشر تراثنا أن تلتزم بها التزاماً أدبياً وقانونياً، ويمكن للجنة متخصصة أن تضع مثل هذه المعايير وأصول الالتزام بها تحت طائلة المسؤولية.

كما أن على المؤسسات غير التجارية أن تحاول التخفـيف من الإجراءات الإدارية مع الاحتفاظ بالشروط العلمية التي تفرضها فـي عملية تحقيق التراث، حتى يأتي العمل على المستوى العلمي المطلوب، والذي يستحقّه تراثنا العظيم.

إن عقد لقاء مصارحة يتّسم بالشفافـية والصدق، قد يساعد فـي وضع أسس التعاون المنشود بين العاملين فـي مجال البحث والتحقيق من جهة، وبين مؤسسات نشر التراث من جهة ثانية، بما يحفظ عملية تحقيق تراثنا من الخفّة والتهاون واللامبالاة، ويحفظ حقوق أصحاب دور النشر وحقوق المتعاملين معها إلى السواء.

ثامناً - كيف يمكن الاستفادة من التقانات الحديثة كالكومبيوتر مثلاّ فـي تسهيل تبادل المخطوطات أو الاطلاع عليها أو الحصول على مصوّرات عنها؟

لقد أصبح من الممكن الاستفادة من التقانات الحديثة فـي تسهيل عمليات تبادل المخطوطات أو الاطلاع عليها أو الحصول عل مصوّرات عنها، وذلك بفضل هذه التقانات المتطوّرة، والتي لم يعد مقبولاً تجنّب استخدامها أو تأخير هذا الاستخدام.

من ذلك مثلاً نشر فهارس المخطوطات على أقراص مُدمجة CD مبرمجة، بحيث يسهل البحث على عنوان المخطوطة واسم المؤلف واسم الناسخ وتاريخ النسخ وعدد النُّسخ الموجودة، وغير ذلك من المعلومات الأولية التي يحتاجها الباحث أو المحقق.

إضافة إلى ما سبق فإن تصوير المخطوطات على أقراص مدمجة، بهدف حفظ صُور عنها أو إرسال صورة لمخطوطة يريد الباحث دراستها والاستفادة منها، أو لمحقق يريد تحقيقها بغية نشرها، أصبحت عملية سهلة وأكثر فائدة من تصويرها على ميكروفـيش أو ميكروفـيلم، خاصة وأن قراءتها أو الحصول عل صورة منها مطابقة للأصل بكل الدقائق والصفات والمميزات التي تتميّز، بها أصبحت أكثر سهولة وإمكاناً من أي وقت مضى. ولا يفوتنا القول إننا يمكن أن نحصل على صورة لهذه المخطوطة أو تلك بالألوان، أي صورة طبق الأصل عن المخطوطة، حيث كثيراً ما يلجأ المؤلف أو الناسخ إلى استعمال المداد الأحمر مثلاً لأسماء الفصول أو الأبواب أو الرموز أو الآيات أو المتون أو ما إلى ذلك، أو يضمّن كتابه بعض الرسوم أو الصُّوَر الضرورية الموضحة لكلامه بالألوان أيضاً، ولا ننسى ما قد يفعله بعض النُّسّاخ من تزيين أو ما شابه ذلك، وكل هذا لا يستفـيد منه الباحث على الوجه الأكمل، نظراً لصعوبة الوقوف عليه إذا كان التصوير قد اتبع الأسلوب القديم، أي التصوير بواسطة الميكروفـيلم. وقد قمت بتجربة ناجحة أضعها بتصرّف المهتمّين بهذا الأمر، مع أنـها تجربة متواضعة لكنها مفـيدة فـي الوقت ذاته.

إن تحقيق هذا الأمر لا يحتاج لأكثر من آلة تصوير سكانر تربط بجهاز الكومبيوتر وتنقل صورة المخطوط إلى القرص المدمج. وإذا عرفنا أن جهاز الكومبيوتر أصبح متوافراً لدى معظم الباحـثين والمحققين، فإن استخدام الأقراص المدمجة يصبح أكثر سهولة عندهم.

تاسعاً: كيف يمكن تسهيل التعرّف على مقتنيات المؤسسات (الجامعات والمراكز والمعاهد) والأفراد، من مخطوطات تخدم مشروع الإحياء الإسلامي؟

إنَّ تنفـيذ مشروع الإحياء الإسلامي يبدأ بالتعرّف على مقتنيات المؤسسات والأفراد من مخطوطات التراث الإسلامي، ومن دون التعرّف عليها لا يمكن البدء بتنفـيذ المشروع.

لكن هناك خطوة مهمة أيضاً تسبق عملية التعرّف على المقتنيات، ألا وهي التعرّف على أماكن وجودها، بمعنى أن نتعرّف أوّلاً على المؤسسات والأفراد الذين يملكون هذه المخطوطات، ومن ثَمَّ تبدأ الخطوة الثانية وهي التعرّف على المقتنيات.

ولا بدَّ هنا من إشاعة عملية فهرست المخطوطات، والقيام بـها بأسلوب علميّ موحَّد متفق عليه، وقد يحتاج الأمر إلى عقد ندوة خاصة لدراسة شؤون الفهرسة وإشكالياتها وتوحيد أساليبها، مما يساعد الباحثين فـي الحصول على المعلومات المطلوبة بشكل سريع وجيّد، فتوحيد الرؤية للعمل خطوة هامة فـي توحيد العمل ذاته، وإحياء روح التعاون بين الباحثين من جهة وبين المؤسسات الثقافـية والفكرية التي تُعنى بالتراث من جهة ثانية.

تبقى مشكلة أخرى، وهي مشكلة توزيع الفهارس ونشرها؛ فمن المعلوم أنَّ هذه الفهارس ليست كتباً للنشر والتوزيع العام، لذا تلجأ بعض المؤسسات أو الجامعات أو المراكز الثقافـية إلى طبع عدد قليل من فهارسها لا يلـّبي حاجة الباحثين والمحققين، كما تلجأ بعض المؤسسات إلى توزيع فهارسها على عدد قليل من الجامعات أو المراكز الثقافـية التي تربطها بـها اتفاقات تبادل ثقافـي، وهذا عمل جيد ولكنه غير كافٍ، لذا نتمنّى على هذه المؤسسات التي تطبع فهارس مخطوطاتـها أن تنشرها على نطاق واسع وتُدخلها ضمن منشوراتـها وتسهّل توزيعها على المهتمين بالتراث وبدراسته وتحقيقه.

وحبّذا لو تقوم هذه المؤسسات بالاستفادة من التقانات الحديثة، فتطبع فهارسها على أقراص مُدمجة، فـيسهل تناولها والتعامل معها والبحث فـيها، وكذلك نسخها وتوزيعها دون مشقّة أو تكلفة كبيرة. وكم يكون مفـيداً لو تتعاون المؤسسات المقتدرة مادياً مع المؤسسات غير المقتدرة، فـي دعم مشاريع الفهرسة لديها، فـيعمّ الخير الجميع.

عاشراً: كيف يمكن تجاوز مشكلة مُلكيّة المخطوطات لتصبح وقفاَ إسلامياَ، والانتقال من الرغبة فـي تملّكها إلى الرغبة فـي نشر العلوم التي تحتويها؟

من المعلوم أن المخطوطات عموماً، أو على الأقل بعضها، يُعدُّ كنـزاً ثميناً لا يجوز التفريط به، بل تجب المحافظة عليه وصيانته والاعتناء به على الدوام؛ وهذا أمر مشروع ومطلوب فـي آنٍ معاً، لكن المطلوب أيضاً أن لا يبقى هذا الكنـز رهين المحبسين، محبس الجهل به ومحبس عدم نشره. فمن حقّ أجيالنا أن تتعرّف تراث أمتها العريق، وأن تستفـيد منه فـي بناء مستقبلها، الذي يحاول الآخرون أن يبنوه لـها، لا كما تقتضيه مصلحة هذه الأجيال، بل كما تقتضيه مصالحهم، خاصة أنّ سياسة التغريب عن حضارتنا وثقافتنا آخذة فـي الانتشار بين أجيالنا.

وهنا لا نطالب بنـزع ملكية المخطوطات من مالكيها، فهذا مطلب غير مشروع لا ندعو إليه، بل ما نتمنّاه أن يشعر مالكو المخطوطات أنّ للأجيال حقاً عليهم فـي الاطلاع عليها، وأنـها إرث الأمة، ولها حقّ الانتفاع بـها. وقد يتحقق ذلك إذا وافق مالكو المخطوطات أن تصبح وقفاً إسلامياً، وأن يكونوا هم المتولّون على هذا الوقف.

ولا أدري إن كان اقتراحي هذا حلماً أو أملاً بعيد المنال، لكن الرغبة فـي نشر العلم هي التي حدت بي إلى ذكره.

إن مشروع الإحياء الإسلامي يصبح أكثر واقعية وأقرب للتنفـيذ إذا سُـمِح للعلماء والباحثين الاطلاع على تراثنا الذي خلّفه الأجداد للأحفاد، وأخشى أن تحلّ علينا لعنة الأجداد إذا علموا أننا نحرم الأحفاد مما تركوه لهم.

إنَّ للمخطوطات دوراً مهماً فـي مشروع الإحياء الإسلامي إذا ما نظرنا إليه بعينٍ صادقة وبعقول متفتّحة، وقلوب تغمرها محبة العمل الجماعيّ البنّاء، رغبة فـي نشر العلم، لأن زكاة العلم نشره، لا منعه عن طالبيه.

أرجو أن أكون قد وُفِّقت فـي طرح هذه التساؤلات، وأتمنّى أن تكون إجاباتي عنها قد ساهمت فـي إنارة بعض جوانبها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

* أستاذ علم تحقيق المخطوطات والدراسات الإسلامية، كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة الجامعة



[ Web design by Abadis ]