ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مسعى إيراني في حقل إحياء التراث \ د. أبو القاسم إمامي *

عاش أبو علي مسكويه الرازي صاحب تجارب الأمم ووصل إلى أرذل العمر الذي امتد من سنة ٣٢٠هـ على الأقوى، إلى التاسع من صفر سنة ٤٢١هـ على ما حدده ياقوت نقلاً عن يحيى بن مندة. لقد وصفه المترجمون له من القدماء والمتأخرين بقولهم: الحكيم، المتكلم، الفيلسوف، الأخلاقي، المورخ، الرياضيّ، المهندس، اللغوي، الأديب، الشاعر، الكاتب، الذكيّ، الناقد، النافذ الفهم، الكثير الاطلاع على كتب الأقدمين ولغاتهم المتروكة. كما كان من ألقابه، علاوة على لقب مسكويه: الخازن (لعضد الدولة البويهي) والنديم، كما لقّب بالمعلم الثالث، مع أن اللقب كان قد ترشح له ابن سينا أيضاً. ويقال إن مسكويه لقب بالمعلم الثالث لدوره الفذّ الذي أدّاه في إعادة بناء الفلسفة اليونانية في فرعها العملي، أي في فلسفة الأخلاق، بصورة لم يزد عليها أي مصنف صنف في الأخلاق حتى زماننا هذا. أضف إلى ذلك أن أبرز كتاب في الأخلاق، ظهر في اللغة الفارسية، هو كتاب: أخلاق ناصري، الذي ليس إلا ترجمة لكتاب مسكويه: تهذيب الأخلاق، نقله إلى الفارسية نصير الدين الطوسي وكان معجباً بمسكويه وكتابه إعجاباً كبيراً يعرب عنه بأبياته المعروفة التي نظمها في زمن سابق وقبل أن يقوم بترجمته، وأولها: (بنفسي كت

ا

ب حاز كل فضيلة …. ) انظر أخلاق ناصري: ٣٦).

إن هذه الألقاب والنعوت التي لقّب بها مسكويه ونعت، لهي دليل على تعدد عناصر شخصيته وسعة آفاقه في العلم والحكمة، تعززه أدلة أخرى تتمثل في تلك الآثار الكثيرة القيّمة التي تركها لنا، منها: جاوذان خرد (الحكمة الخالدة)، والهوامل والشوامل (أسئلة أبي حيان التوحيدي وإجابات مسكويه عليها)، والفوز الأصغر، وترتيب السعادات، وأخيراً كتابه القيّم: تجارب الأمم الذي نحن بصدد الكلام عنه:

وكلامنا في هذا المجال على قسمين: قسم يتعلق بالكتاب واتجاه مسكويه في تأليفه، والمصادر التي اعتمد عليها في كتابته، وأهميته كمصدر من الدرجة الأولى في الدراسات التاريخية وقسم آخر يمكن أن نعتبره تقريراً عن مصير هذا الكتاب من حيث نشره الناقص سابقاً، وعرض مخطوطاته وما عملناه بدورنا اليوم نحن في إيران، في تحقيقه وإحيائه بكامل أجزائه، علماً بأن ذلك يتم وأول مرة في تاريخ نشر التراث العربي الإسلامي في الشرق والغرب فنقول:

اتجاه مسكويه في تصنيف كتابه

بنظرة إلى مقدمة تجارب الأمم، يتضح أن التاريخ في رأي مسكويه، يشتمل على أحداث يمكن للإنسان أن يستفيد منها تجربة في حياته الفردية والاجتماعية، في أمور لا تزال يتكرر مثلها، وينتظر حدوث أشباهها، وإذا عرف الإنسان تلك الأحداث وقيمتها التجريبية ثم اتّخذها إماماً لنفسه، يقتدي به، فهذا يجعله يحذر مما ابتلي به قوم، ويتمسك بما سعدوا به. والنظرة هذه تبتني على رأيه القائل: إن أمور الدنيا متشابهة، وأحوالها متناسبة. فباستطاعة الإنسان أن يقارن الحاضر بالماضي، ويهتدي بهدي التجارب التي حصلت فيه للأسلاف. ثم إن ما يحفظه الإنسان من التاريخ، كأنه تجارب له، باشرها بنفسه، فأصبح خبيراً بالأمور التي لم يجربها فعلاً في حياته، حتى إنه يعرفها بعد ذلك قبل وقوعها، فيستقبلها استقبال الخبر، فيفعل في علاجها الأنسب والأجدى، فيحل مشاكله، وينجح في مشاريعه نجاح الخبير الواعي.

بيد أنّ مسكويه لاحظ أنّ تلك الأخبار التاريخية الحقة مغمورة بالأسمار، متبدّدة في الخرافات والأساطير التي ليست لها فائدة إلا استجلاب النوم بها، والتأنّس بالمستطرف منها. فأخذها بالنقد واستخراج ذات القيمة منها، وضرب صفحاً عما لم يجد فيها قيمة تاريخية تجريبية وتركها وهو يرى أنّ للأحداث التاريخية الحقة أيضاً أنس السمر الذي يوجد في الخرافات والأساطير. إنّ مسكويه لم يثق بروايات ما قبل الطوفان، لفقدانها القيمة التاريخية التي ينشدها هو، كما لم يجد في المعجزات تجربة إنسية يستطيع الجميع أن يمارسوا مثلها أو يعتبروا بها، وهذا لا يعني أنه ترك ما كان للأنبياء من تدابيرهم البشرية التي ليست مقرونة بالإعجاز، لأنّ هذا النمط من أخبارهم وارد في صميم ما اهتمّ به مسكويه في كتابة التاريخ. مع العلم بأن لمسكويه كتاباً في صفات الأنبياء السالفين بعنوان: أحوال الحكماء وصفات الأنبياء السالفين (انظر التصدير: الآثار). وهذا ردّ على المستشرق كرادي فو (I,١٠٦) في ما اتّهمه به من أنّه لم يحترم السنّة. وأخيراً، عمد مسكويه إلى إحداث تجربة على البخت والاتّفاق، ممّا هو خارج عن نطاق تدبير الإنسان وقدرته، حتى تكون في حسبانه، ولا تسقط من ديوان الحوادث ع

نده، وما ينتظر وقوع مثله، وإن لم يستطع تحرزاً من مكروهه.

إنّ المؤرخين المسلمين - ومعظمهم ممّن تأخّر عن مسكويه وتأثّر به بالذات - نظروا إلى التاريخ من حيث هو درس وعظة وعبرة، ولكن مسكويه، السابق في هذا المضمار، هو المؤرّخ الوحيد الذي نهج منهج الاستدلال الفلسفي مع ما كان له من نظرة أخلاقية عملية برغماتية (Pragmatic) إلى حوادث التاريخ (زرياب: ١٨٠ بتصرف). إنك لا تجد بين المؤرخين المسلمين مؤرخاً عمد إلى التاريخ عن وعي وجدّ، نشداناً للفوائد التي تنطوي عليها أحداثه، بالمستوى الذي عمد إليه مسكويه. إنّه حكيم أخلاقيّ، ومصنف كتاب حكيم باسم تجارب الأمم. كما هو رائد في الكتابة العلمية للتاريخ، وأول من شق الطريق إلى فلسفة التاريخ ليكون أسوة حسنة فيما بعد، لأمثال رشيد الدين فضل الله (٦٤٥ - ٧١٨هـ) في جامع التواريخ، وابن خلدون (٧٣٢ - ٨٠٦هـ) في مقدمته، ثم الكافيجي (القرن التاسع) في كتابه: المختصر في علم التاريخ، والسخاوي (٨٣٠ - ٩٢٠هـ) في كتابه: الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ أهل التاريخ (زرين كوب: ٧١ / ٧٤ بتصرف).

وهنا ميزة أخرى أشار إليها كيتاني في مقدمته حيث قال: إنّ الأثر الذي بقي لنا من مسكويه، بني على أساس منهج قريب جداً من المبادئ المتبعة عند مؤرخي العالم الغربي والمؤرخين المتأخرين، ومسكويه خلافاً لسلفه الشهير الطبري الذي استهدف - أساساً - جميع المواد التاريخية، وعرضها على ترتيب تاريخي لائق، عزم على أن يصنف تاريخه كبناء عضوي يكون الفكر الأساسي المحدد عنصراً بناء في الكتاب بأسره، رابطاً كل أجزاء التصنيف بعضها ببعض. يرى القارئ على صفحات هذا الكتاب عنصراً شخصياً لا يجده في المصنفات التاريخية الأخرى المؤلفة في تلك الحقبة.

إن تجارب الأمم - وبصورة جلية - عمل فكري نتج عن ذهن استدلالي بناء، يسوده انطباع سام من غرض المؤرخ وواجبه، وبهذا، يبدي مسكويه فضلاً كبيراً على من سبقه أو عاصره من المؤرخين الذين كتبوا آثارهم باللغة العربية. إنه لا يرضيه مجرد جمع المادة التاريخية وعرضها في ترتيب تاريخيّ، لأنه يعتقد أن أحداث الماضي تترابط في ما بينها بشبكة من المصالح الإنسية. وفي الحقيقة، فإن التاريخ - كما يراه مسكويه - ليس غير هذا، كما يرى العاقل في رواية التاريخ الحقة ينبوعاً من العلم الثمين (كيتاني، المقدمة: XI - XII).

إن مسكويه لا يميل إلى أحد في كتابة التاريخ، ولا يحيدبه عن المنهج القويم أي انتماء. (لقد كتب تاريخه - كما نبّه عليه مرجوليوث أيضاً - في حياد تامّ، مع أنّه عاش في خدمة الأمراء والوزراء البويهيين، وكان من المتوقع أن يشيد بهم ويمدحهم، ولا يتعرض لنقدهم أبداً، في حين نراه لم يمل إليهم في كتابة التاريخ) ولم يراعِ جانبهم في ما كتبه عنهم، بل نراه يؤاخذهم على أشياء في سلوكهم وتدابيرهم.

مصادر مسكويه في كتابة التاريخ

صرّح مسكويه بأنّه لما قرأ أخبار الأمم، وسير الملوك، وأخبار البلدان، وكتب التواريخ (انظر مقدّمة المصنّف) وجد فيها ما تستفاد منه تجربة، وهذا دليل واضح على تعدّد مصادره، في كتابة التاريخ. بيد أنّه اعتمد اعتماداً كلياً على الطبري (٢٢٤ - ٣١٠ هـ)، كما اعتمد على المصادر الأخرى التي تتنوع وتختلف، حسب الفترات التاريخية التي أرّخها في تصنيفه، وحسب مصادر كانت في متناوله، بحيث لا يمكن عدّها وحصرها إلا بعد المصرح منها في الكتاب، وحصر غير المصرّح منها بإرجاع نقول مسكويه المختلفة إلى أصولها وأصحابها، وهذا يتطلب دراسة مستقلة قد تأخذ وقتاً طويلاً. فمصادر مسكويه حسب هذه العجالة هي:

١ - تاريخ الطبري: عوّل مسكويه، أولاً وقبل كل شيء، على الطبري. وذلك بحذف كثير من موادّ الطبري، من مكرّره وما لم يدخل في إطار منهج مسكويه في كتابة تاريخه. فمسكويه يوازي الطبري ابتداء من العصر الفيشداذي وذكر أوشهنج بالذات، أو مما بعد الطجوفان حسب تصريحه إلى سنة ٢٩٥هـ، مع العلم بأن الطبري استمر في تاريخه حتى سنة ٣٠٢هـ. ومسكويه ليس المؤرخ الوحيد الذي ينهل من مناهل الطبري ويعوّل عليه في تصنيفه. فمن هو الذي لم يعوّل على الطبري؟ فها هو ابن الأثير يصرّح في مقدمته (ص ٣) قائلاً: (فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي صنفه الإمام أبو جعفر الطبري، إذ هو المعول عند العامة عليه، والمرجوع عند الاختلاف غليه. فأخذت ما فيه من جميع تراجمه، لم أخلّ بترجمة واحدة منها، وقد ذكر هو في أكثر الحوادث روايات ذات عدد، فقصدت أتمّ الروايات، وأضفت إليها من غيرها ما ليس منها…. فلما فرغت منه أخذت غيره من التواريخ المشهورة [منها تجارب الأمم] فطالعتها، وأضفت منها إلى ما نقلته من تاريخ الطبري ما ليس فيه…. ).

هذه هي الحالة عند جلّ المؤرخين منهم ابن خلدون أيضاً (العبر ٤: ١١٤٠). إنهم وجدوا تاريخ الطبري ينبوعاً ثرّاً يتدفّق منه ذلك الحجم الهائل من المواد التاريخية، والروايات المختلفة الكثيرة التي أوردها فيه، دون نقد، أو تعليق، واعياً عامداً ما يفعله، كما صرّح به في مقدمته. ولكن المؤرّخين صاغوا ما أخذوه عن الطبري في قوالب ارتضوها لتصانيفهم، كلّ على شاكلته. ومن هؤلاء مسكويه، الذي أخذ بدوره عن الطبري أخذ نقد واختيار وتمحيص وحذف وإضافة من مصادر أخرى، وفقاً لأغراضه التي تحدّث عنها في مقدمة تجارب الأمم.

والجدير بالذكر أن هناك مناسبة خاصّة بين مسكويه والطبري يمتاز بها مسكويه من بين سائر المؤرخين، حيث تعتبر مسكويه تلميذاً غير مباشر للطبري في استماع تاريخه عن صاحبه، وقراءة كتابه عليه، والحصول على الإجازة منه. قال مسكويه بهذا الصدد (تجارب الأمم ٦: ٢٤٤): (وفيها [أي في سنة ٣٥٠هـ] مات أبو بكر أحمد بن كامل القاضي، رحمه الله، ومنه سمعت كتاب التاريخ لأبي جعفر الطبري، وكان صاحب أبي جعفر، قد سمع منه شيئاً كثيراً، ولكني ما سمعت منه عن أبي جعفر غير هذا الكتاب، بعضه قراءة عليه، وبعضه إجازة لي، وكان ينزل في شارع عبد الصمد، ولي معه اجتماع كثير).

٢ - نفائس المكتبات: لم يكتف مسكويه بالطبري، حتى بالنسبة إلى القسم الذي قلنا إنه عوّل فيه عليه تعويلاً كلياً (العصر الفيشداذي إلى سنة ٢٩٥)، بل أورد في تاريخه نصوصاً إيرانية عديمة النظير لا نجدها لاعند الطبري ولا عند غيره من كبار المؤرخين من أمثال المسعودي وابن الأثير ومن إليهما، ونخصّ بالذكر عهد أردشير الذي يعدُّ من أقدم النصوص الإيرانية المدونة التي وصلت إلينا، وكذلك السيرة الذاتية لأنوشيروان، وخطبته المشحونة، اللتين نقلهما مسكويه عن كتاب كتبه أنوشروان نفسه في سيرته.

من أين أتى مسكويه بهذه النصوص٣ وغيرها مما تفرّد بنقلها بين المؤرخين؟ إنه كان خازناً لمكتبات البويهيين من أمثال ابن العميد، وابنه أبي الفتح، وعضد الدولة. لقد دامت صحبته أو خزانته سبع سنين لابن العميد فقط (تجارب الأمم ٦: ٣١٥)، وكان لفهرس مكتبة ابن العميد ١٠٥٦ ورقـة (= ٤٤ كراسة لكلّ منها ٢٤ ورقة - متز ١: ٢٩٧) ولم يثبت في هذا الفهرس إلا أسـماء الكتب، وقد اجتمعت في تلك المكتبـة كل أنواع العلوم والحكم والآداب، تحمل على مئة وقر وزيادة (تجارب الأمم ٦: ٢٦٢). وعن مكتبة عضد الدولة حكى لنا المقدسي (الذي كان يختلف إليها، فيمكن أنّه زار مسكويه أيضاً) حيث قال عند وصفه لدار عضد الدولة بشيراز وغرفها و عجائبها:

(…. وخزانة الكتب، عليها وكيل وخازن ومشرف من عدول البلد، ولم يبق كتاب صنّف إلى وقته من أنواع العلوم كلـها إلا وحصّله فيها، وهي أزج طويل، في صفّه كبيرة، فيه خزائن من كل وجه، وقد ألصق إلى جميع حيطان الأزج والخزائن بيوتاً طولها قامة في عرض ثلاثة أذرع من الخشب المزوّق، عليها أبواب تنحدر من فوق، والدفاتر منضّدة على الرفوف، لكلّ نوع بيوت وفهرستات، فيها أسامي الكتب لا يدخلها إلاّ وجيه …. ) (المقدسي: ٤٤٩).

فلا شكّ أنّ مسكويه استفاد من هذه المكتبات كثيراً من علمه والمواد التاريخية التي أوردها في كتابه مما لا يوجد عند سائر المؤرخين سواء ما أضافه إلى تاريخ ما قبل الإسلام مستمداً من مصادر إيرانية قديمة موجودة في تلك الخزانات، أو ما أضافه إلى تاريخ ما بعد الإسلام آخذاً عن مصادر إسلامية كانت فيها.

٣ - ثابت بن سنان: هناك فترة تاريخية تبدأ من سنة ٢٩٥ إلى سنة ٣٤٠هـ يعتمد مسكويه فيها على مصادر مستقلة عن الطبري، منها: تاريخ ثابت بن سنان (المتوفى سنة ٣٦٣هـ) ابن ثابت بن قرة الصابي الحراني (٢٢١ - ٢٢٨هـ) خال أبي إسحاق هلال بن محسـن الصابي. كتب ثابت بن سنان تاريخه ابتداء من خلافة المقتدر (من سنة مئتين ونيّف - القفطي) إلى سنة ٣٦٠هـ فكتب أبو إسحاق هلال بن محسذن تتمة لتاريخ ثابت بن سنان وصلت إلى سنة ٤٤٧ (كلود كاهن، دانشنامه ايران وإسلام). ومن دلائل كونه مصدراً لمسكويه ما جاء في التجارب ٥: ٣١٣ حيث قال: (…. وحكى ثابت بن سـنان في كتابه أنّ …. ) فهـذا تصريح من مسكويه أنّه أخذ في تاريخ هذه الفترة عن ثابت بن سنان أيضاً.

٤ - أبو إسحاق الصابي، إبراهيم بن هلال بن إبراهيم بن زهرون (هارون) …. قال الروذراوري في ذيل تجارب الأمم (ص ٣٣).

(وعمل أبو إسحاق الكتاب الذي سمّاه: التاجي في الدولة الديلمية وهو كتاب إذا عمل منه جزءاً حمله على عضد الدولة حتى يقرأه ويصلحه، ويزيد فيه وينقص منه. فما كان تكامل ما أراده حرّر وحمل إلى خزانته. وهو كتاب بديع الترصيف حسن التصنيف، فإنّ أبا إسحاق كان من فرسان البلاغة، الذين لا تكبو مراكبهم ولا تنبو مضاربهم، ووجدنا آخره موافقاً لآخر كتاب تجارب الأمم، حتى إنّ بعض الألفاظ تتشابه في خاتمتهما، وانتهى القولان في التاريخ بهما إلى أمد واحد، والكتاب موجود يغني تأمله عن الإخبار عنه).

وللكتاب وصاحبه أبي إسحاق الصابي، وسبب تأليفه إياه بأمر من عضد الدولة البويهي حكاية طريفة تجدها عند الروذراوري في ذيل تجارب الأمم (ص٣٠ - ٣٣).

٥ - مسكويه مصدراً: مهما يكن من مر الفترة السابقة، أي التي تنتهي إلى سنة ٣٤٠هـ، فإنّ مسكويه بشهوده وعيانه تارة، وبسماعه من الأصدقاء والزملاء الساسة المشايخ تارة أخرى، يعدُّ مصدراً حياً لكتابة تاريخه. لقد صرح مسكويه بذلك في بداية ذكر الحوادث لتلك السنة حيث قال:

(أكثر من أحكيه بعد هذه السنة (٣٤٠هـ) فهو مشاهدة وعيان، أو خبر محصّل، يجري عندي خبره مجرى ما عاينته، وذلك أنّ مثل الأستاذ الرئيس أبي الفضل محمد بن الحسين بن العميد - رضي الله عنه - خبرني عن هذه الواقعة وغيرها بما دبّره، وما اتفق له فيها، فلم يكن إخباره لي دون مشاهدتي في الثقة به، والسكون إلى صدقه، ومثل أبي محمد المهلبي - رحمه الله - خبّرني بأكثر ما جرى في أيّامه، وذلك بطول الصحبة وكثرة المجالسة، وحدثني كثير من المشايخ في عصرهما بما يستفاد منه تجربة، وأنا أذكر جميع ما يحضرني ذكره منه وما شاهدته وجربته بنفسي، فسأحكيه أيضاً بمشيئة الله).

وهكذا يصل تاريخه إلى ٣٦٩هـ. مع أنه عاش حتى سنة ٤٢١هـ. أي لمدة نصف قرن، تاركاً كتابة التاريخ تلك المدة. وعلى الرغم من ذلك، فإن تجارب الأمم عرف كمصدر أساس لا يستغنى عنه لدراسة القرن الرابع الهجري والعصر البويهي الذي يعدُّ ألمع العصور الإسلامية علماً وحضارة.

تجارب الأمم: اسـمه

اسم الكتاب هو: تجارب الأمم، كما سمّاه مسكويه نفسه في مقدمته حيث قال: (… فجمعت هذا الكتاب وسمّيته: تجارب الأمم)، وقد ذكره بضبط أمين كلّ من ياقوت ٥ / ١٠؛ وابن الأثير ٧ / ١١٨؛ ٨ / ٨٦؛ وكذلك القفطي: ٣٣١؛ والبيهقي: ١٨ - ١٩؛ وابن خلكان ٢ / ١٩؛ وابن خلدون ٣ / ٧٧٢؛ والخوانساري ١ / ٢٥٥؛ وغيرهم. ولكنه ورد بزيادة (عواقب الهمم) عند كل من أبي سليمان في الصوان: ٣٤٧؛ والروذراوري في الذيل: ٥؛ والسخاوي نقلاً عن عمر بن الفهد الهاشمي المكي في إتحاف الورى (روزنتال: ٤٤١). والزيادة عند العاملي (١٠ / ١٤٦) هي (تعاقب الهمم) وهي ضبطت عند كيتاني (Caetani) في مقدمته Taaqib بكسر القاف وهو خطأ.

مخطوطات تجارب الأمم

لم يصل إلينا من مخطوطات هذا الكتاب إلا القليل، ولا سيما إذا كان المراد المخطوط الكامل المشتمل على كل أجزائه. وهذه المخطوطات بغضّ النظر عن كمالها ونقصها هي:

١ - أياصوفيا (الأصل): مخطوط كامل في ستة أجزاء محفوظ في أيا صوفيا بأسطنبول برقم ٣١١٦ إلى رقم ٣١٢١. انتسخه محمد بن علي بن محمد أبو طاهر البلخي بكامل أجزائه، بحيث فرغ من انتساخ الجزء الأول في شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسمئة (٥٠٥) ومن انتساخ الجزء السادس والأخير منه في منتصف شهر ربيع الأول سنة ست وخمسمئة (٥٠٦). أي في مدة سنة واحدة. قطعه صغير، وفي الصفحة الواحدة منه ١٢ سطراً، وفي كل سطر ١٣ كلمة. أوّل هذه المخطوطة أي في فاتحة الجزء الأول وبعد البسملة والتحميد: (قد أنعم الله علينا…. ) وآخرها أي في نهاية الجزء السادس: (إلا أنه لم يظهر أمره لأحد. هذا آخر ما عمله الأستاذ أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه رضي الله عنه والحمد لله وصلواته على محمد النبي وآله أجمعين وحسبنا الله ونعم الوكيل).

أما تجزئة الكتاب في هذه المخطوطة فهي كما يأتي:

الجزء الأول (أياصوفيا، رقم ٣١١٦، ٢٩٦ ورقة: ٥٩١ صفحة). تاريخ النسخ: ربيع الأول سنة خمس وخسمئة (٥٠٥). يشتمل هذا الجزء على الحوادث التاريخية من العصر الفيشداذي الإيراني حتى سنة ٣٧ هجرية.

الجزء الثاني (أيا صوفيا، رقم ٣١١٧، ٢٩٧ ورقة ٥٩٣ صفحة، طهران، المكتبة المركزية، الميكروفيلم رقم ١٢٠، والصورة رقم ٢٩٠). ويشتمل هذا الجزء على الحوادث من سنة ٣٨ إلى سنة ١٠٣ هجرية.

الجزء الثالث (أيا صوفيا، رقم ٣١١٨، ٢٩٧ ورقة: ٥٩٣ صفحة؛ طهران، المكتبة المركزية، الميكروفيلم رقم ١٢١، والصورة رقم ٢٤٤). يتضمن هذا الجزء على الحوادث من سنة ١٠٤ إلى سنة ١٩١ هجرية.

الجزء الرابع (أيا صوفيا، رقم ٣١١٩، ٢٩٠ ورقة، ٥٨٠ صفحة؛ طهران، المكتبة المركزية، الميكروفيلم رقم ١٢٢، والصورة ٢٩٣). يشتمل هذا الجزء على الحوادث من سنة ١٩١ إلى سنة ٢٣٣ هجرية.

الجزء الخامس (أيا صوفيا، رقم ٣١٢٠، ٢٩٣ ورقة: ٥٨٥ صفحة) تاريخ الانتساخ: شهر محرم سنة ست وخمسئة (٥٠٦). يشتمل هذا الجزء على الحوادث من سنة ٢٣٤ إلى ٣٢٦ هجرية.

الجزء السادس (أيا صوفيا، رقم ٣١٢١، ٢٦٠ ورقة؛ ٥٢٠ صفحة) تاريخ الاستنساخ: منتصف شهر ربيع الأول سنة ست وخمسمئة (٥٠٦) يشتمل هذا الجزء على الحوادث من سنة ٣٢٦ إلى سنة ٣٩٦ هجرية.

ما نشر من هذه المخطوطة: نشر كيتاني (L. Caetani) الجزء الأول، والجزء الخامس، والجزء السادس من المخطوطة (ليدن ١٩٠٩، ١٩١٣، ١٩١٧م) عن مؤسسة جب (Gibb) التذكارية، طبعة فوتوغرافية (facsimile edition). إنه قدم الجزأين الخامس والسادس على الأجزاء الأخرى (الثاني والثالث والرابع) نظراً لكونهما مكمّلين لتاريخ الطبري. وكان مشروع المؤسسة يقضي بأن يعود كيتاني وأعوانه إلى العمل لنشر الأجزاء الوسطى (٢، ٣، ٤) بعد الفراغ من الجزأين الأخيرين (كتاني، مقدمة الجزء الخامس: XIV) ولكنهم لم يوفقوا في إنجاز مشروعهم لأسباب قد تكون ظروف الحرب العالمية الأولى منها. فلم تنشر تلك الأجزاء وبقيت بعيدة عن متناول الباحثين.

أما الملاحق التي ألحقت بهذه الطبعة (طبعة كيتاني الفوتوغرافية) فهي في الجزء الأول: مقدمة لكيتاني (٥ صفحات) وكلمة آمِدْ روز (Amedroz) عن حياة مسكويه (١٣ صفحة) وملخّص لمضمون الجزء الأول بقلم ملوني (G. Meloni) وفهرس أعلام لملوني أيضاً، كما ألقى لي سترنج (G. Le Strange) نظرة على الملخص والفهرس قبل إرسالهما إلى المطبعة. وفي الجزء الخامس، مقدمة لكيتاني أيضاً (٤ صفحات) مع ملخص وفهرس. أمام الجزء السادس فليس معه غير مقدمة كتبها لي سترنج (صفحتان).

أما ما نشره آمد روز (مد) فهو الجزءان الخامس والسادس من هذه المخطوطة (القاهرة شركة التمدن ١٩١٤، ١٩١٥م) بإسقاط ٥٦ صفحة من أول الجزء الخامس وضم ٢٨ صفحة من الجزء السادس إلى الجزء الخامس، كما نشر معهما جزءاً ثالثاً يتألف من ذيل تجارب الأمم للوزير أبي شجاع محمد بن الحسين الملقّب بظهير الدني الروذراوري (من سنة ٣٦٩ إلى سنة ٣٨٩ هجرية)، وجزءاً رابعاً يتشكل من الجزء الثامن من تاريخ أبي الحسين هلال بن المحسّن بن إبراهيم الصابي الكاتب (من سنة ٣٨٩ إلى سـنة ٣٩٣)، وهذان الجزءان صدرا في مجلد واحـد بعنوان: ذيل تجارب الأمم (القاهرة شركة التمدن ١٩١٦م)، مع العم بأن آمد روز لم يوفق في إكمال تحقيق نص الذيل بسبب وفاته، فتابع عمله مرجوليوث، فحقق النصف الباقي منه (مرجليوث، المقدمة: I). فكل ما نشره آمد روز هومجلدان (٥، ٦) من تجارب الأمم، ومجلد ثالث عرف بذيل تجارب الأمم (= ذيل الروذراوري + الجزء الثامن من تاريخ هلال الصابي). والأجزاء الثلاثة هذه (نشرة آمد روز) نشرت بترجمة انجليزية (ثلاثة أجزاء) ترجمها مرجوليوث بمقدمة من ١١ صفحة وفهرس من ١٤٤ صفحة (جزء واحد) والمجموع من النص العربي والترجمة الإنجليزية والفهرس سبعة أجزاء، بعنوان: The Aclip

s

e of Abbasid Calphate (أكسفورد ١٩٢٠ - ١٩٢١م).

أما نشرتنا هذه، كما هي بين يدي القارئ، فتشمل أجزاء تجارب الأمم الستّ مع الذيل: الجزء السابع، والفهارس: الجزء الثامن لنكون قد نشرنا الكتاب وأول مرة بأجزائه الكاملة (طهران، سُروش ١٩٨٧ - ٢٠٠١م)، كما ستشمل ترجمة الكتاب إلى اللغة الفارسية التي نُشر الجزء الأول منها حتى الآن، وليكتمل العمل وفي نهاية المطاف، في ١٦ جزءاً، فنكون بذلك قد أسهمنا في سدّ الفراغ الذي طالما شغل بال الكثيرين من المعنييين بالدراسات التاريخية الإسلامية الإيرانية.

٢ - ملك (مط) برقم ٤١٤٥. نسخة كاملة من حيث الكمية، في مجلد واحد من القطع الكبير. عدد صفحاتها ١٠١٤، في كل صفحة منها ٢٥ سطراً ولكل سطر ٢١ كلمة. هي مثل أياصوفيا في أولها وآخرها. وعبارة الفراغ في الختام هي: (قد تم الفراغ من هذه المسودة في عشر (= العشر) الأول من شهر ذي الحجة الحرام في الليلة (= ليلة) الأضحى منه، من سنة أربع وتسعين ومئتين بعد الألف (١٢٩٤) من الهجرة المقدسة، على يد أقلّ الطلاب والسادات محمود الطباطبائي الأردستاني الأصفهاني. ) خط النسخة نسخيّ جميل مقروء، ولكنّ الهفوات والأخطاء الناتجة عن قلة الثقافة لدى الناسخ، حطّت من قيمتها كنسخة. وسيأتي الكلام عنها في مكانه.

٣ - ملك الثانية: (مح) برقم ٤٣٢٤. عدد أوراقها ٢٣١ وعدد صفحاتها ٤٦٢، بالقطع المتوسط في كل صفحة منها ٢١ سطراً. انتسخه محمد بن داود الحسيني المشهدي في سنة ١٣٠٧ هجرية. أولها: (ودخلت سنة إحدى ومائة وفيها ولي يزيد بن عبد الملك الخلافة …. ) وآخرها: (… واتصل خبر انصرافه بالمهتدي، فكتب إليه في ذلك كتاباً (= كتباً) كثيرة، فلم يؤثر (= تؤثر) شيئاً. فلما نظر…. ) تشبه في أولها وآخرها مخطوطة ملك الثانية (مح). يعود تاريخ انتساخ المخطوطة إلى شعبان سنة ١٢٩٧ وهذه المخطوطة ناقصة أيضاً كمخوطة ملك الثانية.

٥ - باريس: Paris, Bibil, Nat. , Arab, ٥٨٣٨ (Shefer, A. BI) نسخة ناقصة تشتمل على حوادث سنوات ٢٤٩ - ٣١٥ هجرية فقط. (كيتاني. المقدمة: XIII).

٦ - بودلي: (Marsh. ٣٥٧; Uri I, No. ٨٠٩). وهذه النسخة تشتمل على حوادث ٣٤٠ - ٣٦٥هجرية (كيتاني المقدمة: XIII).

٧ - أمستردام: مخطوطة ناقصة تشتمل على الحوادث من سنة ١٩٦ إلى سنة ٢٥١ هجرية (Cat. de Jong, ١٠١ كيتاني، المقدمة: XIII) أولها ناقص بأكثر من سطرين، ثم تبدأ هكذا: (…. أمر العراة باتخاذ تراس من البواري، وبالرمي بالمقاليع ومحمد قد أقبل على اللهو والشرب، ووكّل الأمر كله إلى محمد بن عيسى بن نهيك، وإلى الهرش…. ) وآخره: (…. ونزل الحسين بالقرب من دممّا. نجز الكتاب …. ويتلوه في الجزء السادس: ذكر رأي أشير به عليه صواب. والحمد لله رب العالمين، وصلواته على محمد النبي وآله الطاهرين وسلم).

نشر المخطوطة ذي خويه (M. J. De Goeje) بترجمة لاتينية ومقدمة (بريل ٧١ ـ١٨٦٩م) بعنوان: Fragmenta Historicorum كما نشرت مرة ثانية بالأفست وبحذف الترجمة اللاتينية (بغداد، المثنى، دون تاريخ) بعنوان: العيون والحدائق، لمؤلف مجهول (من خلافة الوليد بن عبدالملك إلى خلافة المعتصم) ويليه مجلد من تجارب الأمم. والعنوان الخاص بقسم تجارب الأمم هو: تجارب الأمم، تأليف أبي علي أحمد بن محمد بن يعقوب (بن) مسكويه، الجزء السادس، فالنشرة هذه هي من قسمين: القسم الأول هو الجزء الثالث المتبقي من كتاب (العيون والحدائق في أخبار الحقائق) (عح) اشترك (يونج P. De Jong) مع دي خويه في تحقيقه، والقسم الثاني وهو جزء صغير من تجارب الأمم (تد) حققه دي خويه وحده (من صفحة ٥٨٣، المجموع: ١٧٢ صفحة مطبوعة).

٨ - الاسكوريال: Escorial, No. ١٧٠٤. Cat. ١٧٠٩. نسخة ناقصة تشتمل على الحوادث من سنة ٣٦ إلى سنة ٦٧ هجرية (كيتاني، المقدمة، XIII) وغيرها …. مما لم نعثر عليه حتى هذه اللحظة.

تحقيق النص

وبمقارنة بسيطة بين هذه المخطوطات التي وصفناها، يتضح أن المخطوطة الكاملة الوحيدة التي عرفت في العالم حتى الآن، هي مخطوطة أياصوفيا، وهي التي يؤهلها تاريخها التقدم (٦٠٥ - ٦٠٦هـ) وأصالتها وصحتها نسبياً لأن تكون أساساً لعملنا في تحقيق نص الكتاب، وإخراجه بجميع أجزائه. لأن سائر المخطوطات، كما أشرنا إليه، ناقصة تشمل أجزاء متقطعة من الكتاب، وحتى لو سنح لنا جمع أشتاتها من مكتبات العالم، وضم بعضها إلى بعض، لا تعطينا النصف من نص الكتاب، لأنها إما تكرار لبعض أجزاء الكتاب وإما متقطعة لا صلة بين بعضها وبعضها الآخر (انظر السنوات التي تشتمل عليها هذه الأجزاء).

وأما مخطوطة (مط) فهي رغم اشتمالها على كل الكتاب، فهي متأخرة (انظر تاريخ الانتساخ) من ناحية، ومليئة بأخطاء الاستنساخ من ناحية أخرى. وأما كثرة الأخطاء والتصحيفات فيها فترجع في ما نظنّ، إلى أمرين: أولهما عدم وضوح الخط في الأصل الذي نقل عنه الكاتب، وثانيهما عدم الثقافة اللازمة لمثل هذا العمل عند هذا الكاتب. ولذلك بالذات، ظهرت في هذه المخطوطة أخطاء فادحة وتصحيفات عجيبة كثيرة تبلغ عشرين إلى ثلاثين خطأ في صفحة واحدة، وهي وصلت فعلاً زهاء الخمسين في الصفحة الأولى من الكتاب من خطأ وبياض.

وهنا لا بأس في أن نذكر نماذج من أخطاء هذه المخطوطة ليقف القارئ على نوعية الأخطاء، ومن ثم على قيمة هذه المخطوطة السلبية: لقد كتب الناسخ خطأ (عمر بن خان) بدل (غزا بُرجان)، و (عهته) ! بدل (عرضه)، و (على حاله مؤخراً) ! بدل (على خاله سوخرا) ! و (أبوال) ! بدل (أموال) ! و (يعرضوا السن) بدل (صغير السن) ! و (فطرر بن) بدل (وضرار بن) ! و (ما قدر جمعاً إنك في هذا الأمـر) ! بدل (ما قدر جعالتك في هذا الأمر)، و (قبالة بخطه) ! بدل (قبالة لحظه) ! و (ناش) ! بدل (باشر)، و (وكان سعد هذا تزوج أمه خدمة لجذيمة) ! بدل (تزوج أمةً تخدم جذيمة) ! و (خر شدن) بدل (خر شيدان) ! وأخطاء كثيرة أخرى، لا جدوى من ذكرها جميعها.

وبالنظر إلى الحالة هذه، فإننا اعتمدنا أساساً على نسخة أياصوفيا (الأصل) ثم (مط) كما استعنا بالأصول التاريخية خاصة بالطبري، وبالمخطوطات الناقصة الموجودة في متناولنا مثل مح، آ، تد، (والأخيرة عن طريق نشرة دي خويه) كما استعنا بصورة غير مباشرة للمخطوطتين اللتين استفاد منهما الدكتور إحسان عباس في نشرته لعهد أردشير التي رمز إليها بـ: ر، غ، خصيصاً لتحقيق العهد (انظر مقدمته لنشرته).

ونعني بالأصول التاريخية، تاريخ الطبري، والكامل لابن الأثير، والآثار الباقية للبيروني، وسير الملوك للثعالبي، والمروج للمسعودي، وحمزة والدينوري وغيرها. وهذه - ما خلا الطبري - استفدنا منها في قسم ما قبل الإسلام، أي ما يخص التاريخ الإيراني القديم، ولاسيما في تحقيق الأعلام الإيرانية.

وأما بالنسبة للطبري (طبعة أوربا) فإننا استفدنا منه الكثير سواء بالنسبة للأعلام، أو بالنسبة لإزاحة الشكوك في قراءة الكلمات والعبارات، وملء الفراغ الناتج عن البياض والسقط والانمحاء والخرم وغيرها، ولا سيما من حواشي الطبري في نشرة دي خويه المليئة باختلاف النسخ، لأن الطبري منهل كبير ارتوى منه جل المؤرخين الآتين بعده ومنهم مسكويه. وهذا بالنسبة للفترة التاريخية الطويلة التي اشترك فيها الطبري ومسكويه في ذكر أحداثها، وأما بالنسبة للزمن الزائد عليها (العصر البويهي عند مسكويه) فرأينا أن نقارن النص مع أصول أخرى متأخرة عن الطبري حسب إلحاح الحاجة لأن الطريق كان معبّداً في هذا القسم من العمل وإلى حد ما، بعد أن نشر آمد روز الجزأين الخاصين بهذا العصر مع الذيل، فذلل لنا بعض الصعاب مشكوراً.

والجدير بالذكر أننا ذكرنا صفحات الإرجاع في كل مقارنة عملناها بين الأصل والطبري، مع ما في هذه المقارنة من صعوبات، لأنَّ المقارنة بين نصٍّ ما، ونصٍّ يخالفه في الحجم وترتيب الموادّ، تتطلب أناة، ولكنها في الوقت نفسه عمل فيه نفع كبير للباحثين.

وفي تاريخ ما قبل الإسلام، أي أوائل الجزء الأول، يوجد كثير من الأعلام الإيرانية القديمة ذات جذور في اللغات الفهلوية والأفستائية وغيرها، ضُبطت وصُحّفت في الأصول التاريخية ومنها تجارب الأمم، بصور شتّى، أولاً: بسبب غرابة أشكالها في أصلها القديم، ثانيا: اللعب الذي لعبته اللغة العربية في تعريبها، ثالثاً: عبث الكتاب والنسّاخ بها. وهذا هو ما أدّى إلى أشكال غريبة من التحريف والتصحيف. لذلك أرجعنا - قدر المستطاع - مثل هذه الأعلام إلى أصولها في الحواشي، بعد إثبات اختلاف صور الضبط فيها، مستفيدين من عمل سابق قمنا به بهذا الصدد، معوّلين على قواميس اللغات الإيرانية القديمة ودراسات المختصين في هذا المجال. ومما هو جدير بالذكر هنا، أنه، لما كانت الأعلام كثيرة متوالية في الصفحات الأولى من الجزء الأول، وذلك لاختصار تقارير مسكويه لتلك الفترة، لذلك، نرى حواشي تلك الصفحات مكثفة، مع أننا حاولنا - قدر المستطاع - تلخيص تعاليقنا وإثباتها بأوجز وجه. وكذلك حاولنا شرح الأعلام الجغرافية، أو بعض الكلمات، قدر ما تيسّر وسنحت لنا فرص البحث والتتبع، أو بدافع حاجتنا في تحقيق الكلمة وضبطها، دون أن نكون قد وفّقنا في شرح كلّ تلك الأعلام أو المفردات.

كما استعملنا لهذا الغرض الرموز الصوتية الدولية، ولكن بشيء من التغيير الذي دفعتنا إليه الظروف الطبعية.

وقد اتبعنا في رسم الكلمات وكذلك في إثبات الحوار الوارد في النصّ وما إلى ذلك، معدّل الطرق الحديثة المقترحة في تحقيق النصوص، مما يتلاءم وطبيعة نصّ تاريخيّ مثل تجارب الأمم، وبالنتيجة، فقد غيّرنا ضبط رهط من الكلمات نثبت هاهنا نماذج منها: أثبتنا: أثنائها بدل أثنائها؛ وبقاؤه، بقاءه، بقائه بدل بقآه؛ والحياة بدل الحيوة؛ وتدنو بدل تدنوا؛ وإساءة بدل إسآة؛ وجاءت بدل جآت؛ وإبنة بدل ابنت؛ وثمانين بدل ثمنين؛ وحارث بدل حرث؛ ورؤوس بدل رؤس، سبعة آلاف بدل سبعة ألف؛ وأربعة آلاف بدل أربعة ألف؛ وأية، بدل أيّت؛ وما إليها. وأما، بشأن إثبات الحوار فقد اتبعنا المناهج المألوفة ليكون النص عند القراءة، أوضح وأنطقُ ووضعنا العبارات المنقولة بين، كما جعلنا كل كلمة دخيلة مقحمة مما نقلناها عن الأصول الأخرى، أو اقترحناها نحن، جعلناها بين []، حفظاً للأمانة وحرصاً على أصالة النص، وأثبتنا رقم صفحات مصورة كيتاني، أي صفحات المخطوطة، بين []، أولاً: لتسهل على القارئ المقارنة بين نشرتنا وبين الأصل إن شكّ في صحة ما أثبتناه، ثانياً لسهولة المراجعة حسب الإرجاعات الموجودة في دراسات الباحثين، ثالثاً: لسهولة الإرجاعات الداخلية التي احتجنا إليها، خصيصا

ً بالنظر إلى ثبوت مواضعها قبل الطبع وبعده. ثم يرى القارئ أننا أوردنا النصوص الطويلة الهامة بسطور أقصر تمييزاً بينها وبين النصّ العادي، وما إلى ذلك من القواعد المألوفة.

وفي الختام، نسأل الله تعالى شأنه، وذلك بعد شكره على هذا التوفيق، أن يوفقنا في إكمال الترجمة الفارسية لهذا الكتاب أيضاً وفي إتمام ما تبقّى من العمل لسائر مصنفات هذا العالم العلم الإيراني الإسلامي، نصّاً وترجمةً، وفي نشر دراستي المستقلة الشاملة، الخاصة بمسكويه ودوره العلمي في عصره، والتي أودّ أن تكون آخر حلقة من هذه السلسلة، وذلك لسدّ الفراغ المشهود على هذا الصعيد، في لغتنا الفارسية.

* باحث من إيران، دكتور في الثقافة العربية وعلوم القرآن، له ترجمة للقرآن إلى الفارسية



[ Web design by Abadis ]