ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 بداية نقد النصوص ومقابلة المخطوطات \ د. مهدي محـقـق *

أبو زيد حنين بن إسحاق العبادي من أئمة الترجمة في الإسلام كان تلميذاً ليوحنا بن ماسويه وبارعاً في اللسانين براعة بلغ بها تمييز علل اللسانين العربي واليوناني، وقد كان رئيساً لبيت الحكمة في بغداد يرشد المترجمين ويُصلح ترجمتهم ويقابل النسخ لتخريج النسخة التي تكون قريبة من النسخة الأصلية. يقول البيهقي في حقه: كان أول من فسر اللغة اليونانية ونقلها إلى السريانية والعربية ولم توجد في هذه الأزمنة بعد الاسكندر أعلم منه باللغة العربية واليونانية.

توجد ترجمة أحوال حنين بن إسحاق في كتب أرباب التراجم نحو ابن النديم وابن القفطي وابن الجلجل وابن العبري وابن أبي أصيبعة، ومن علماء القرن العشرين المستشرق قبرايلي كتب مقالة عن حياة ابن حنين وآثاره نشرت في مجلة ايزيس ١٩٢٤ المجلد السادس، وكذا الدكتور إبراهيم مدكور كتب مقالة بعنوان حنين بن إسحاق المترجم استل من كتاب مهرجان افرام - حنين وطبع في مطبعة المعارف، بغداد ١٣٧٤.

لقد بقي من حنين بن إسحاق رسالة وجيزة بعنوان: رسالة حنين بن إسحاق إلى علي بن يحيى في ذكر ما ترجم من كتب جالينوس بعلمه وبعض ما لم يترجم. أبو الحسن علي بن يحيى بن أبي منصور كان من أصدقاء المتوكل الخليفة العباسي كان حامياً لحنين بن إسحاق. كتب حنين هذه الرسالة في سنة ٤٢ - ٤٢١ في زمان مضى من عمره ثمانٍ وأربعون سنة. لقد حقق هذه الرسالة برجستراشر المستشرق الألماني مع الترجمة والمقدمة باللغة الألمانية ونشرها في ليبزيك سنة ١٩٢٥، وبعد ذلك كتب المستشرق ماكس مايرهوف مقالة باللغة الإنجليزية بعنوان: الأضواء الجديدة حول حنين بن إسحاق وزمانه ونشرت المقالة في مجلة ايزيس سنة ١٩٢٦ المجلد الثامن. هذه الرسالة مفيدة جداً لأخذ المعلومات حول طريقة الترجمة وطرق انتساخ المخطوطات ومقابلتها وإصلاحها وكذا المصطلحات التي ترتبط بفن الترجمة وتحقيق النصوص. وهذا يبطل نظر الذين يعتقدون بأن الغربيين كانوا مبدعين لهذا الفن. وها نحن نذكر بعض الفقرات المهمة من الرسالة حتى تتبين كيفية نشاطات بيت الحكمة العلمية وإتقان طرق العلماء والباحثين والمترجمين في مهنة الترجمة والتحقيق.

البحث عن المخطوطات

يقول حنين حين يذكر كتاب «البرهان» لجالينوس: ولم يقع إلى هذه الغاية أحد من أهل دهرنا لكتاب البرهان نسخة تامة باليونانية على أن جبريل قد كان عُني بطلبه عناية شديدة طلبته أنا غاية الطلب وجُلت في طلبة بلاد الجزيرة العربية والشام كلها وفلسطين ومصر إلى أن بلغت الإسكندرية فلم أجد منه شيئاً إلا بدمشق نحواً من نصفه على أنها مقالات غير متوالية ولا تامة.

ترجمتان من كتاب واحد

وحينما يذكر كتاب في القوى الطبيعية يقول: وقد ترجم هذا الكتاب إلى السريانية سرجس ترجمة سوء، ثم ترجمته أنا إلى السريانية وأنا غلام قد أتت عليّ سبع عشرة سنة أو نحوها لجبريل بن بختيشوع، ولم أكن ترجمت قبله إلا كتاباً واحداً سأذكره بعد وترجمته من نسخة يونانية فيها أسقاط، ثم إني تصفحته إذا أحسنت فوقفت منه على أسقاط أصلحتها، ثم إنّي بعد استكمال السّنّ تصفّحته ثانية فوقفت أيضاً على أسقاط أُخر فأصلحتها. وأحببت إعلامك ذلك حتى إن وجدت لهذا الكتاب من ترجمتي نسخاً مختلفة عرفت السبب في ذلك.

مقابلة النسخ لتخريج النسخة الصحيحة التامة

وحين يذكر كتاب الفرق لجالينوس يقول: وقد كان ترجمه قبلي إلى السريانية رجل يقال له ابن سهدا من أهل الكرخ وكان ضعيفاً في الترجمة، ثم إنّي ترجمته وأنا حدث من أبناء عشرين سنة أو أكثر لمتطبب من أهل جندي سابوري يقال له شيريشوع بن قطرب من نسخة يونانية كثيرة الأسقاط، ثم سألني، بعد ذلك وأنا من أبناء أربعين سنة أو نحوها، تلميذي حبيش إصلاحه بعد أن كانت قد اجتمعت له عندي عدة نسخ يونانية فقابلت تلك بعضها ببعض حتى صحّت منها نسخة واحدة، ثم قابلت بتلك النسخة السرياني وصححته، وكذلك من عادتي أن أفعل في جميع ما أترجمه. ثم ترجمته من بعد سنوات إلى العربية لأبي جعفر محمد بن موسى.

مقابلة النسخة اليونانية مع النسخة السريانية

وعند ذكر كتاب في حيلة البرء يقول:

وكان ترجم هذا الكتاب إلى السريانية سرجس فكانت ترجمته السّتّ المقالات الأُوَل وهو بعد ضعيف لم يقو في الترجمة، ثم إنّه ترجمة الثماني المقالات الباقية من بعد أن تدرّب فكانت ترجمته لها أصلح من ترجمته المقالات الأُوَل، وقد كان سلمويه طلب مني «أرجأني» أن أصلح له الجزء الثاني هذا وطمع أن يكون ذلك أسهل من الترجمة وأجود فقابلني ببعض المقالة السابعة ومعه السرياني ومعي اليوناني وهو يقرأ عليّ السريانية. وكنت كلما مرّ بي شيء مخالف لليوناني خبّرته به فجعل يصلح حتّى كبر عليه الأمر وتبيّن له أنّ الترجمة من الرأس أرخى وأبلغ وأنّ الأمر يكون فيها أشدّ انتظاماً، فسألني ترجمة تلك المقالات فترجمتها عن آخرها.

التصحيح القياسي من النسخة الوحيدة

ويقول عند ذكره في علم أرسطوطاليس بالتشريح: ولم يترجم هذا الكتاب أحد قبلي فترجمته أنا إلى السريانية مع الكتب التي ترجمتها وذكرتها قبله، على أني ما وقعت له إلا على نسخة واحدة كثيرة الأسقاط ناقصة من آخرها قليلاً. وما لخّصته إلا بكد شديد ولكنّه قد خرج مفهوماً وتوجّبت فيه ألاّ أزول عن معاني جالينوس بمبلغ طاقتي، وترجمه إلى العربية حبيش لمحمد بن موسى.

تفاوت الترجمة في سنين مختلفة

وفي ذيل كتاب في أصناف الحميات نجد قوله: وقد كان سرجس ترجم هذا الكتاب ترجمة غير محمودة، وترجمته أنا في أول الأمر لجبريل بن بختيشوع وأنا غلام، وكان هذا أول كتاب ترجمته من كتب جالينوس إلى السريانية. ثم إني بعد ما استكملت في السّن تصفّحته فوجدتُ فيه أسقاطاً فأصلحتها بعناية وصححته عندما أردت نسخه لولدي.

إعادة الترجمة أسهل من إصلاحها

وهكذا نجد قوله في ذيل كتاب فيما وقع من الاختلاف في التشريح: وكان قد ترجم هذا الكتاب أيوب الرهاوي فأعياني إصلاحه، فأعدت ترجمته ليوحنّا بن ماسويه إلى السريانية وتخلّصته أحسن تخلّص. وترجمه إلى العربية حبييش لمحمد بن موسى.

ويجب أن نشير إلى أن حنين يقسّم كتب جالينوس على حسب نظر جالينوس إلى مكتب خاص مثل الكتب التي ينحو بها رأي أبقراط، والكتب التي وضعها ينحو بها نحو أرسطو طاليس، والكتب التي نحا فيها نحو فلسفة أفلاطون، والكتب التي ينحو بها نحو أصحاب التجارب وأصحاب القياس وأصحاب الطب الحيلي، والكتب التي نحا فيها نحو أصحاب الرواق والكتب التي نحا في نحو السوفسطاس، وبعض الأحيان يشير إلى عهد الخليفة الذي ترجم الكتاب في زمانه. مثلاُ يقول في ذيل ترجمة بعض مقالات كتاب حيلة البرء: فترجمتها عن آخرها وكنّا بالرّقّة في أيام غزوات المأمون. وفي ذيل ترجمة كتاب في تركيب الأدوية يقول: وترجمته في خلافة أمير المؤمنين المتوكل ليحيى بن ماسويه. وجاء في ترجمة كتاب طبيعة الجنين أنه ترجمه إلا قليلاً منه إلى العربية في خلافة المعتز. وفي ذيل ترجمة كتاب إن المحرك الأول لا يتحرك يقول: وقد ترجمته في خلافة الواثق إلى العربية لمحمد بن موسى.

وكذا يشير حنين إلى كيفية قراءة الكتب الطبية في الإسكندرية ويقايس مع كيفية قراءة تلك الكتب في مواضع التعليم في زمانه بهذه العبارة: فهذه الكتب التي كان يقتصر على قراءتها في موضع تعليم الطب بالإسكندرية، وكانوا يقرأونها على هذا الترتيب الذي أَجريت ذكرها عليه. وكانوا يجتمعون في كل يوم على قراءة إمام منها وتفهّمه كما يجتمع أصحابنا اليوم من النصارى في مواضع التعليم التي تعرف بـ (الاسكول) في كل يوم على كتاب إمام ما من كتب المتقدمين وإما من سائر الكتب. وإنّما كانوا يقرأونها الأفراد كل واحد على حدته بعد الارتياض بتلك التي ذكرت كما يقرأ أصحابنا اليوم تفاسير كتب المتقدمين.

ومن مميزات رسالة حنين أننا نجد فيها بعض المصطلحات التي ترتبط بفن الترجمة ونقد النصوص وإصلاحها ونشير الآن إلى بعضها:

الإجمال: إنه أجمل كتابه الكبير في النبض في مقالة واحدة. الإخراج: عملت لهذا الكتاب جملاً كنت قد أخرجت جملتها. الارتياض في الترجمة: ترجم هذا الكتاب سرجس مرتين مرة قبل أن يرتاض في كتاب الإسكندرية ومرة بعد أن ارتاض فيه. الإصلاح: ثم عدت فيه الترجمة أو أصلحته. إصلاح الأسقاط: وتصفحت مقالات وأصلحت أسقاطها وأنا على إصلاح الباقي. إعادة الترجمة: وكنت لا أزال أهم بإعادة ترجمته. إفساد الترجمة: سبقني إلى ترجمته سرجس إلا أنه لم يفهمه فأفسده. الانتساخ: فاختار النسخة الأولى وانتسخها. التخلص: كان فضل حرصي على استقصاء تخلّص جميع ما ترجمته. الثبت: الحاجة إلى كتاب يجمع فيه ثبت ما يحتاج إليه من كتب القدماء. الجمل: انتزعت جمله وترجمته إلى العربية. الجوامع: وأما أنا فأخرجت جوامعه على طريق التقاسيم. العمل: وعملت من بعد مختصر الجوامعه. الفصّ: ولم أجد نسخة فصّ كلام أبقراط. المبالغة في التلخيص: وبالغت في تلخيصه بحسب ما كان عليه ذلك الرجل من حسن الفهم. المفتعل: وهو مفتعل على لسان جالينوس وليس هو لجالينوس. المقابلة: سألني يوحنا بن ماسويه المقابلة بالجزء الثاني من هذا الكتاب وإصلاحه. المقابلة والتصحيح وإخراج الجمل: وكانت قد اجتمعت له عندي

باليونانية عدة نسخ فقابلت به وصححته وأخرجت جمله. المنسوب: وقد توجد مقالة أخرى تنسب إلى جالينوس في هذا الباب وليست له. النسخة التامة: ولم يقع إلى هذه الغاية إلى أحد من أهل دهرنا نسخة تامة باليونانية. النقصان: فإن في آخرها (المقالة الخامسة عشر من كتاب البرهان) نقصاناً.

وجدير بالذكر أن رسالة حنين تكون مصدراً أساسياً لتعرّف أسماء المترجمين والمقابلين والمصلحين والناسخين للنصوص اليونانية والسريانية من جملتهم: إبراهيم بن الصّلت وابن سهدا من أهل كرخ وأيوب الرّهاوي ومنصور بن أثاناس وسرجس وتنوفيل الرّهاوي الذين كانوا يترجمون من اليونانية إلى السريانية وعيسى بن يحيى وعيسى بن علي وثابت بن قرّة ويحيى بن بطريق وحبيش بن الحسن وعيسى بن علي مترجمو الكتب اليونانية إلى العربية وكذا نجد أسماء بعض المشوقين والحُماة من جملتهم: محمد بن عبد الملك الوزير وداود المتطبب وإسحاق بن إبراهيم الطاهري وأحمد بن محمد معروف بابن المدبّر وتثودوري أسقف الكرخ وأبو جعفر محمد بن موسى.

وختاماً أذكر أنّي قد حظيت بتحقيق نصّ رسالة حنين وترجمتها باللغة الفارسية ونشرها مع المقدمة والتعاليق وها أنا أقدمها بين أيدي العلماء الذين يهتمون بتاريخ العلوم الإسلامية وأظنّ أنّ هذه الرسالة ترينا جهود علمائنا المسلمين في حقل نقد النصوص ومقابلة المخطوطات العلمية قبل جهد المستشرقين الأوربيين بأكثر من عشرة قرون والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

* رئيس جمعية الآثار والتراث في إيران.



[ Web design by Abadis ]