ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 أهمية توثيق المخطوطات وتطويرها \ د. علي آل بويه *

يسرني نيابة عن الأساتذة والباحثين، والمصححين والخبراء والمختصين في شؤون المكتبات والزملاء الأعزاء المرافقين والعاملين في مكتبة ومتحف ومركز مستندات مجلس الشورى الإسلامي الإيراني أن أبلّغكم خالص التحيات والشكر وأن أشكر الجهود الثمينة للملحقية الثقافية الإيرانية في الجمهورية العربية السورية لتبني إقامة هذا المؤتمر العلمي وأتمنى لجميع الضيوف والمشاركين الأعزاء الاستفادة القصوى من برامج هذه الندوة.

أريد هنا التطرق لبعض الأمور سريعاً.

لقد كان لبزوغ شمس الإسلام المضيئة في الجزيرة العربية تأثير بارز وكبير، حيث استطاع أن يفتح آفاقاً جديدة في مجال الفكر والتوعية البشرية والذي لم يسبق لها المثيل من قبل. وبعد ذلك استطاع العلم والمعرفة أن يدخلا مرحلة جديدة بقيت آثارها الناصعة على جبين العلم والفكر حتى يومنا هذا. مع تفاعل الدين الإسلامي وانتشاره في بلدان الشرق الأوسط وتنامي العلوم والفنون في هذه المناطق ومن ثم آسيا الوسطى وجنوب شرقي آسيا، لقد كان للإسلام دور كبير في مجال نشر العلوم والثقافة في هذه البلدان.

وفي القرون التي تلت ذلك، استطاع المسلمون بعلمهم وثقافتهم أن يقوموا بإيصال جميع العلوم والفنون إلى البلدان الغربية المتخلفة آنذاك والتي أدت في النهاية إلى ثورة علمية كبيرة في أوربا.

إن عدداً كبيراً جداً من المخطوطات الموجودة حاليـاً والتي تم تدوينها من قبل المسلمين إنّما يدلّ على ازدهار الحضارة في البلدان الإسلامية. وكما تعلمون فإنّ عدداً كبيراً من هذه المخطوطات أصابها التلف من جراء الحروب والأعداء والحوادث.

المخطوطات المتبقية هي أفضل دليل على الآثار المتبقية من الحضارة الإسلامية العظيمة حيث قام المسلمين بتدوين أفكارهم وعلومهم في هذه المخطوطات والتي وصلت إلينا اليوم. تحفظ هذه المخطوطات القيمة في معظم متاحف ومكتبات العالم، وحصة إيران من هذا التراث العلمي الإسلامي لكبير حقاً.

تعدُّ المخطوطات، تراثاً وطنياً لكل بلد من بلدان العالم، ويجب على جميع أجيال المجتمع معرفة هذا التراث ويجب على الباحثين والدارسين أن يقوموا بتصحيح هذه المخطوطات وتنقيحها وتثبيت دعائم تاريخ البلاد من خلال إحياء هذا التراث العريق.

لقد أمضى الكثير من علمائنا حياتهم في مجال كتابة هذه المخطوطات لكي تبقى ذكرى للأجيال القادمة، ولقد تحملوا كثيراً من المشاكل والمتاعب في هذا المجال، ولكنهم استمروا في جهودهم الجبارة هذه حتى استطاعوا أن يخلقوا آثاراً خالدة في جميع الحالات.

إنّ الأهمية كامنة في هذا الأمر، لقد حَثَّت الشعوب على الاهتمام بالتراث القديم وخاصةً في مجال المكتبات وتبادل المعلومات وتأسيس قسم خاص في هذه المكتبات يدعى بقسم المخطوطات. ولقد اهتمت كثير من الشعوب بهذا الأمر، حتى تلك التي لم تكن - كالمسلمين - تمتلك مجموعة كبيرة من هذه المخطوطات الثمينة.

يجب أن نذكر هنا، أنَّ المسلمين على الرغم من امتلاكهم لحضارة عريقة ولكنهم في حال عدم وجود باحثين أجانب مثل بروكلمان واهلورث وغيرهم لم يستطيعوا أن يتعرفوا هذا التراث القيّم أو على الأقل، كان يستغرق هذا الأمر فترة زمينة كبيرة وفي ظل هذه الجهود المثمرة، لقد بدأت اليوم نهضة علمية شاملة لمعرفة المخطوطات وجمعها وحفظها من قبل المسلمين في العالم الإسلامي والبلدان الأخرى.

لقد قام الأستاذ فؤاد سزكين بتأسيس مؤسسة تاريخ العلم في ألمانيا، وقام أيضاً الشيخ زكي يماني بتأسيس مؤسسة الفرقان في لندن ومن خلال الدعم المادي المتاح لهم تتنافس هاتان المؤسستان في مجالات جمع المخطوطات في العالم العربي وباقي أنحاء العالم. وأما الجمهورية الإسلامية الإيرانية فهناك مؤسسات لجمع المخطوطات والتعريف بها ونشر الفهارس الخاصة عن هذه المخطوطات، يمكن نذكر منهم كلاً من: مكتبة مجلس الشورى الإسلامي، مكتبة آية الله العظمى نجفي المرعشي، مكتبة المقام المقدّس الرضوي، مكتبة جامعة طهران، المكتبة الوطنية الإيرانية وأخيراً مؤسسة أهل البيت i في مدينة قم المقدسة وبيروت. كل هذه المؤسسات تبذل جُلَّ اهتمامها في مجال إحياء هذا التراث الإسلامي.

إن الكتابة والاستنساخ من وجهة نظر الثقافة الإسلامية لا يعدُّ مجرد فن، بل إنه نوع من العبادة، حيث جاء في الحديث الشريف (مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء). هذه النظرة للكتابة ومن منطلق القسم بالقلم الذي جاء في القرآن الكريم لقد ظهرت نهضة عظيمة للكتابة القادمة، تلك السنة الحسنة التي نرى آثارها المباركة في كل مكان وزمان.

وهكذا نشاهد أنَّ الكتابة قد أصبحت من أهم معالم الثقافة الإسلامية في القرن الرابع الهجري حيث كانت الحضارة الإسلامية في قِمّة الازدهار، كانت تنتشر المكتبات الكبيرة في المدن الإسلامية المتناثرة وكان على العلماء والباحثين أن ينتقلوا من مدينة إلى أخرى لكي يستطيعوا الاستفادة من كتب هذه المكتبات. وكانت هذه المكتبات تؤمن السكن اللازم لروادها وكان العلماء يقومون بقراءة الكتب بفراغ البال.

وكانت الكتب رغم أهميتها، معرضة للصدمات والعوامل الجوية والنهب والحروب، وكان السعي لحفظ هذا التراث العلمي والديني يظهر البُعد الخلاق لجهود المسلمين كافةً.

وعلى الرغم من جميع هذه الجهود، فإن كثيراً من الكتب الإسلامية أصابها التلف من جراء العوامل الجوية والحروب الطائفية، وإنّ الكتب المتبقية خزنت في أماكن غير معروفة وتم نسيانها تدريجياً.

ولنا الفخر، كل الفخر بأنّ المخطوطات في البلدان الإسلامية كثيرة ولكنها مع الأسف متبعثرة، ويعدُّ كشفها وتصحيحها وتدقيقها من أفضل الأعمال في مجال معرفة تاريخ العلم في البلدان الإسلامية والاهتمام والعناية بالرسول الأعظم p حيث قال: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة). في تركيا، ذلك البلد المسلم الذي يعدُّ وارث الحضارة والإمبراطورية العثمانية توجد أعداد هائلة من المخطوطات، وحسب قول أحد خبراء المخطوطات، يوجد ما يقارب ٦٠٠ ألف مخطوطة في المكتبة الوطنية في أنقرة. وفي الجمهورية الإسلامية الإيرانية لقد تم إحصاء أكثر من ٢٠٠ ألف مخطوطة وهناك المزيد أكثر من ذلك.

يجب أن تتم فهرسة جميع هذه الكتب وإدخالها في الشبكة العالمية للمعلومات، حتى يستطيع الجميع الاستفادة من هذا التراث العظيم.

هناك أيضاً أعـداد كبيرة جداً من المخطوطات في البلدان الإسـلامية الأخرى: كمصر واليمن والهند وباكستان وبلدان أخرى يجب العناية بها وكشفها وعرضها على جميع الباحثين العاملين في مجال العلم والثقافة والحضارة.

وانطلاقاً من هذه المفاهيم، لقد قمنا في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي في إيران والذي يحتوي على تراث ثمين في هذا المجال، بفهرسة جميع المخطوطات الموجودة في المكتبة ونحت الآن على وشك أن ننتهي من هذه المهمـة. وتقام سـنوياً ندوة خاصة لتكريم حماة المخطوطات ويتم فيها تكريم أحد الوجوه المرموقة في مجال الدراسة والبحث عن المخطوطات والذي أمضى طيلة حياته في هذا المجال. وستدخل هذه الندوة عامها الثاني، في هذا العام، وسوف نستمر بها إن شاء الله في السنوات القادمة.

اليوم تفتخر الأمة الإسلامية بمصادرها الثقافية الثمينة وتسعى بكل جهدها لإحياء هذا التراث القيّم.

كما تعلمون، فإن إيران تمتلك تاريخاً حضارياً عريقاً، ومنذ القدم وتعدُّ من الشعوب الحضارية المثقفة وقد يكون هذا السبب، هو الدليل الأصلي لتقبلها الإسلام. وبعد اعتناق الإسلام لقد بذل الإيرانيون كل جهدهم في نَشْرِ الإسلام وفي مجال تعلّم أصوله البنّاءة، ولذلك قاموا بتعلم اللغة العربية بشكل جيد، وكان لهم دور نشيط جداً في كتابة قواعد اللغة العربية، ويعدُّ سيبويه دليلاً واضحاً على هذا الادعاء. وكانت اللغة السائدة في الجامعات الإيرانية القديمة كالنظامية وري وجندي شابور ونيشابور والحوزات العلمية الإسلامية هي اللغة العربية، ولذلك نرى أنَّ معظم علماء بلاد فارسي كانوا قد كتبوا آثارهم القيمة باللغة العربية لكي تعم الفائدة جميع المسلمين.

من بين هؤلاء يمكننا أن نذكر كلاً من: الرازي وابن سـينا وأبو ريحان البيروني والفارابي والسهروردي ونصير الدين الطوسي والبخاري والترمذي والطبري وابن المقفع، وقطب الدين الشيرازي وعضُد الدين ايجي ومير سيد شريف الجرجاني، وجلال الدواني، وميرداماد وملا صدرا وغيرهم من الشـخصيات العلمية المرموقة الذين كتبوا معظم كتبهم باللغة العربية، وأنّ هذه السنّة الحسنة مستمرة حتى يومنا هذا، حيث إنَّ كبار علمائنا في الحوزات العلمية حالياً يقومون بكتابة كتبهم باللغة العربية وفي مجالات شتى كالفقه والفلسفة والعلوم القرآنية وأصول الكلام والأحاديث وغيرها، ويدرّسون كل ذلك باللغة العربية ويوصون تلامذتهم بأن يكتبوا مذكراتهم ومحاضراتهم باللغة العربية.

بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني لقد ازداد الاهتمام بالتراث الإسلامي وأصبح الكتاب ذا قدسية خاصة، وظهرت آثار قيّمة في هذا المجال، وأُصْدِرَتْ كراسات وكتب متعددة في مجال معرفة المخطوطات وفهرسة الكتب الخطية ومعرفة مؤلفيها ومعرفة طرق كتابتها، وكان هذا بداية لجهاد علمي بنّاء في هذا المجال.

وفي النهاية، نظراً لأهمية المخطوطات بعنوان تراث وطني وإسلامي والذي يعدُّ ثمرة جهد العلماء والباحثين الإيرانيين والعلماء المسلمين الآخرين، أقترح أن يتم الاهتمام بشكل أكبر بحفظ المخطوطات وتسهيل الحصول على هذه المصادر الثمينة عن طريق الملحقيات الثقافية في البلدان الإسلامية وتجميعها في فهارس مشتركة وتخزينها في بنوك الميكروفيلم وبجميع اللغات، واستخدام التقانات المعلوماتية الحديثة للحصول السريع على هذه المخطوطات وطنياً ودولياً.

* معاون مدير مكتبة مجلس الشورى في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.



[ Web design by Abadis ]