ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 التواريخ النائية - تاريخ بيهق \ يوسف الهادي *

خلال ترجمة أبي الطيب طاهر بن أحمد البيهقي من كتاب تاريخ الإسلام للذهبي [١]، ذكر محقق الكتاب الفاضل الدكتور عمر عبد السلام تدمري بهامشه الملاحظة التالية: «لم أجد له مصدراً، ولعله من تاريخ بيهق أو تاريخ نيسابور اللذين لم يصلانا». ولقد صح حدسه في الشطر الأول من كلامه ولم يصح في الثاني، ذلك أن أبا الطيب البيهقي قد ترجم له فعلاً في هذين الكتابين اللذين وصلانا. والذي أعاق المحقق الفاضل عن معرفة مصير الكتابين مع طول باعه في هذا المضمار، هو كونهما بالفارسية [٢].

ويمكن أن ندعو هذه التواريخ التي على شاكلة هذين الكتابين، التواريخ النائية، مع الحاجة الماسة إليها في تحقيق مخطوطات التراث العربي ودراسته. وقد نأت عنا لسببين: الأول كونها باللغة الفارسية التي تشكل هي واللغة التركية ضرورة ملحة لكل من يشتغل بالتراث الإسلامي؛ والثاني أنها عندما تطبع تظل حبيسة حدود جغرافية معينة.

وتكمن أهمية هذه التواريخ في أنها علينا مقتبسات من مصادر لم يعد لها وجود اليوم بسبب عوامل معروفة، أو أن مؤلفيها قد عايشوا الوقائع فدوّنوها وإن اختلفت وجهات النظر بشأنها من كاتب إلى آخر.

فإذا ضربنا أمثلة مختصرة لذلك ذكرنا تاريخ كرديزي (أو زين الأخبار) لعبد الحي بن الضحاك الكرديزي المعاصر لأبي الريحان البيروني الذي نقل نصوصاً من تلكم المؤلفـات المفقودة، ومنها نصوص من مؤلف الوزير عبد الله محمد بن أحمد بن نصرالجيهاني (أتم تأليف كتابه نحو سنة ٣١٠هـ) [٣] حيث نقل منه نصاً طويلاً عن الهند وعاداتها وتقاليدها. وهناك (جامع التواريخ) لرشيد الدين فضل الله الوزير الذي أتم تأليف كتابه سنة ٧١٠ هـ واعتمد فيه بشكل رئيس على الوثائق الخاصة والسرية المغولية حيث يحظى القسم الخاص باجتياح هولاكو لبغداد بأهمية خاصة لوجود معلومات فريدة في هذا القـسم لا نجدها في أي مصدر آخر [٤]. وهناك تاريخ طبقات ناصري لمؤلفه أبي عمر منهاج الدين عثمان بن سراج الدين الجوزجاني المعروف بمنهاج سراج المتوفى سنة ٦٦٠هـ الذي قدم لنا معلومات على غاية من الأهمية عن بدايات الغزو المغولي للعالم الإسلامي والأسباب المباشرة لذلك الغزو. وهناك تاريخ مجمل فصيحي [٥] لمؤلفه أحمد بن جلال الدين محمد الخوافي من أحفاد الصاحبي أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي، والذي كان من كبار رجال بلاط السلاطين التيموريين والمتوفى بعد ٨٤٥ هـ، وهو تاريخ عام منذ القـدم حتى عصره

مرتباً بحسب السـنين وفيه من المعلومات عن الوقائع التاريخية وتراجم الشخصيات ما لا يوجد في أي مصدر آخر؛ ولي تجربة خاصة مع هذا الكتاب خلال تحقيقي لكتاب القند في ذكر علماء سـمرقند لنجم الدين عمر بن محمد النسـفي (٤٦١ - ٥٣٧هـ) وكذلك خلال ترجمتي وتحقيقي تاريخ بيهق الذي سيرد الكلام عليه لاحقاً. فقد كان يحدث في مواضع كثيرة من هذين الكتابين أن أستعين بالعشرات من كتب التاريخ والتراجم لنقل معلومة أو العثور على ترجمة إحدى الشخصيات ثم تنقضي الساعات فلا أعثرعلى شيء، ولا يسعفني عندها سوى مجمل فصيحي فأعلم عندها أن مؤلفـه قد نقل معلوماته من مصادر لم تكن موجودة لدى مؤلفينا.

لا يفوتنا ونحن في دمشق المحروسة أن نشير إلى مؤلفاته شهاب الدين عبد الله الخوافي المعروف بحافظ أبرو في التاريخ والجغرافية الذي كان في حاشية تيمورلنك وكان مصاحباً له خلال حملاته العسكرية ومنها هجومه على دمشق سنة ٨٠٣هـ حيث قـدم معلومات مهمة عن هـذه المدينة وقلعتها وكيفية السيطرة عليها وفنون القتال التي مورست من المحاصرين وكذلك عن طراز البناء في مدينة دمشق والحريق الذي شب فيها خلال تلك السنة في كتابه جغرافيا حافظ أبرو [٦]. ولا ننسى الإشارة إلى مجمل التواريخ والقصص الذي لم يُعرف مؤلفه والذي كتب بين ٥٢٠ و ٥٢٥هـ وما حفل به من معلومات فريدة في التاريخ والجغرافية.

كانت تلكم نماذج مما في هذا التراث الضخم المدون بالفارسية الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخنا وأدبنا العربي مما هو مطبوع ذلك أن بعض هذا التراث ما يزال مخطوطاً، فإذا انتقلنا إلى تاريخ بيهق لمؤلفه فريد خراسان أبي الحسن علي بن زيد البيهقي (٤٩٣ - ٥٦٥) من أحفاد الصحابي خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين المولود بقصبة سبزوار من ناحية بيهق من أعمال نيسابور [٧]، الذي تنقل في شتى البلدان مثل مرو وبلاد الري ونيسابور وسَرَخْس، كما عُين لفترة قاضياً ببيهق لكنه استقال من منصبه بعد ستة شهور معللاً ذلك بقوله: «فبخلت بزماني وعمري على إنفاقه في مثل هذه الأمور التي قصاراها ما قال شريح القاضي: أصبحت ونصف الناس عليَّ غضبان». ولأن ثقافته موسوعية فقد ألف في شتى الفنون من تفسير ولغة وأصول وأنساب وعلم كلام وعروض وأمثال وطب وفلك وحساب وفلسفة وتاريخ وتراجم وغير ذلك مما بلغ أربعة وسبعين مصنفاً كان منها ستة فقط باللغة الفارسية ومنها تاريخ بيهق موضع بحثنا، والذي انتهينا من ترجمته إلى العربية وتحقيقه وهو الآن قيد الطبع، نجد ما يلي:

يشترك تاريخ بيهق في السمات العامة مع مثيلاته من التواريخ المخصصة لمدن بعينها مثل تاريخ مدينة السلام للخطيب البغدادي، وتاريخ دمشق لابن عساكر، والتدوين في أخبار قزوين للرافعي القزويني، والقند في ذكر علماء سمرقند للنسفي وتاريخ جرجان للسهمي وتاريخ نيسابور للحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري وتاريخ طبرستان لمحمد بن الحسن بن إسفنديار (ألفه سنة ٦١٣هـ)، وغيرها، حيث تبدأ بذكر مناقب المدينة وخاصة ما ورد فيها من أحاديث نبوية شريفة وبعضها مختلق، ثم كيفية بنائها مع ذكر خططها والقرى التابعة لها بتفاصيل لا توجد في الموسوعات الجغرافية العامة، ينتقل الحديث بعدها إلى العلماء والشعراء والأدباء وكبار الشخصيات ممن ولدوا فيها أو زاروها والحديث عمن توفي منهم فيها وخاصة صحابة رسول p إن وجدوا تشرفاً وتبركاً بهم استناداً إلى حديث شريف أورده مؤلفنا وهو (ما أحد من أصحابي يموت ببلدة إلا كان قائداً ونوراً لهم يوم القيامة) [٨].

من الأمور المهمة في مؤلفات البيهقي التي طبع منها حتى الآن: تتمة صوان الحكمة (طبعة العلامة السوري محمد كرد علي بعنوان: تاريخ حكماء الإسلام، كما طبع في لاهور بتحقيق محمد شفيع اللاهوري سنة ١٩٣٥م) ولباب الأنساب والألقاب والأعقاب (طبع في قم سنة ١٤١٠هـ بتحقيق مهدي الرجائي) ومعارج نهج البلاغة (طبع في قم سنة ١٤٠٩هـ بتحقيق محمد تقي دانـش بزوه)، وجمعـيها بالعربية كما هو معلـوم، وكتاب تاريخ بيهق الذي بالفارسية (طبع بطهران سنة ١٩٣٥م بتحقيق أحمد بهمنيار الأستاذ بجامعة طهران) ثم طبع بعد ذلك في الهند سنة ١٩٦٨م تحقيق الدكتور كليم الله الحسيني.

وفضلاً عن المصادر التي اعتمدها البيهقي في تأليفه كتابه هذا مما سنشير إليه بشكل وافٍ لاحقاً، كانت بين يديه مصادر من مكتبات عامة احتراقت خلال الحروب والغزوات ومن ذلك:

أ - خزانة كتب بلاد الري

قال عنها وهو يعلّق على قول الصاحب بن عباد (عندي من كتب العلم خاصة ما يحمل على أربع مئة جمل أو أكثر): مما فيه دلالة على كثرة الكتب بتلك البلاد آنذاك: (وأنا أقول: بيت لاكتب الذي بالري على ذلك دليل بعدما أحرقه السلطان محمود بن سبكتكين. فغني طالعت هذا البيت فوجدت فهرست تلك الكتب عشرة مجلدات. فإن السلطان محموداً لما ورد إلى الري (سنة ٤٢٠هـ) قيل له إن هذه الكتب كتب الروافض وأهل البدع، فاستخرج منها كل ما كان في علم الكلام وأمر بحرقه) [٩]. وكان يقول مؤلف مجمل التواريخ والقصص: فإن محموداً الغزنوي (نصب المشانق الكثيرة وصلب كبار الديلم [١٠] على الأشجار وألبس قسماً منهم جلود الثيران ونفاهم إلى غزنين، وأخرج من بيوتهم خمسين حملاً من كتب الروافض والباطنية والفلاسفة ووضعها تحت أشجار المشنوقين وأحرقها …) [١١].

ب - مكتبة الخاتون مهد العراق

وهي أميرة سلجوقية اسمها جوهر خاتون وكانت شقيقة السلطان سنجر، تزوجها مسعود ابن إبراهيم الغزنوي عقب توليه الحكم سنة ٤٩٢هـ لتعزيز حكمه [١٢]، ويستفاد من حديث البيهقي عن مكتبتها أنها كانت عامة، وأنها كانت في نيسابور.

ج - مكتبة مسجد عقيل

ومسجد عقيل أحد مساجد نيسابور الشهيرة وكانت تعقد فيه مجالس الإملاء والوعظ ودروس الفقه [١٣]. كما كانت فيه مكتبة ضخمة توقف عليها المكتبات الخاصة [١٤].

وكلتا المكتبتين احترقتا خلال اجتياح التركمان الغزو المدمر لإقليم خراسان سنة ٥٤٨هـ الذي أحرقت فيه المكتبات والجوامع والأسواق والدور وقتل فيه الآلاف من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال بلا رحمة، كما قتل جمع غفير من علماء هذا الإقليم وأدبائه وشعرائه، الاجتياح الذي كان بالإمكان تلافيه لولا عناد السلطان سنجر الذي لم يكن له مسوغ سوى حمقه [١٥] وامتد بلاؤهم حتى ٥٤٩هـ حيث يقول السمعاني عن المحدثة عائشة النيسابورية: (فقدت في أيام الفترة وإغارة الغز منتصف شوال سنة ٥٤٩، ولا يدري أأحرقت أو قتلت في العقوبة وأكلتها الكلاب) [١٦].

من المصادر التي اعتمدها البيهقي في تأليف كتابه، مؤلفات عين الزمان الحسن بن علي القطان المروزي التي يبدو أنه عثر على بعضها حيث قال: (ولولا هذا السيد الإمام العالم النسـابة وكتبه لما تيسر في تلك الفتنة العمياء التي لم يبق فيها بنيسابور بيوتُ كتبٍ ولا واحد) [١٧]. لقد مات القطان هذا ميتة مأساوية خلال هجوم الغز ذاك. يقول ياقوت: (مات مقتولاً، قتله الغز لما وردوا خراسان وتغلبوا على مرو، فقبضوا عليه في من قبضوا، فجعل يشتمهم وجعلوا يحثون التراب في فمه حتى مات سنة ٥٤٨) [١٨].

المصادر التي اعتمدها في تأليف كتابه

بعنوان (ذكر تواريخ المدن والبلدان ومؤلفيها) أورد البيهقي أسماء مجموعة مؤلفات في هذا الباب، ونصّ على أسماء الكتب التي اعتمدها في تأليف كتابه، بينما عُرف أسماء بعضها من ثنايا كتابه وأهمها:

تاريخ نيسابور لأبي القاسم عبد الله بن أحمد الكعبي البلخي المتوفى سنة ٣١٩هـ. قال البيهقي إنه قد احترق وإن أصله في مكتبة مسجد عقيل غير أنه أكثر في النقل من كتاب الكعبي الذي دعاه مفاخر خراسان.

تاريخ نيسابور للحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري الضبي (٣٢١ - ٤٠٥هـ). قال إنه في ١٢ مجلداً.

تتمة تاريخ نيسابور وهو سياق التاريخ من تأليف أبي الحسن عبد الغافر الفارسي (٤٥١ - ٥٢٩هـ) ويوجد له منتخب وقد طبع في قم سنة ١٤٠٣هـ بتحقييق محمد كاظم المحمودي، ومختصر سيصدر قريباً بتحقيق المحقق نفسه.

تاريخ نيسابور بالفارسية من تأليف أحمد الغازي وهو في مجلدين. وقد دعاه المؤلف بالشيخ أحمد الغازي ونقل من كتابه هذا [١٩].

تاريخ بيهق من تأليف علي بن أبي صالح بن علي بن محمد بن أبي صالح الخواري البيهقي (كان حياً في ٥٢٦هـ) [٢٠]. وقد نقل منه في كتابه الآخر لباب الأنساب [٢١]. وهو باللغة العربية ويقع في عدة أجزاء كما قال.

كانت تلكم هي المصادر التاريخية لتأليف كتابه تاريخ بيهق، أما المصادر الأدبية فهي كثيرة وأغلبها مفقود اليوم.

وقد نفعنا مؤلفنا نفعاً آخر عندما ذكر ضمن هذا الفصل أسماء ومؤلفات في تواريخ المدن والبلدان وعرّفنا بأسماء مؤلفيها ومن ذلك:

تاريخ مرو: لأحمد بن سيار المروزي المتوفى سنة ٢٦٨هـ.

تاريخ مرو: لأبي العباس أحمد بن سعيد المعداني (٢٩١ - ٣٧٥هـ)

تاريخ هراة: لأبي إسحاق أحمد بن محمد بن يونس البزاز المتوفى بهراة سنة ٣٢٩هـ.

تاريخ هراة: لأبي إسحاق أحمد بن محمد بن ياسين الهروي الحداد المتوفى سنة ٣٣٤هـ.

تاريخ بخارى وسمرقند: لسعيد بن جناح البخاري الراوي عن وكيع وإبراهيم بن عيينة.

تاريخ خوارزم: في مجلدين ضخمين للسري بن دولويه الذي لا نعلم عنه شيئاً.

تاريخ خوارزم: لأبي عبد الله محمد بن سعيد٢٢.

تاريخ بلخ: لمحمد بن عقيل بن الأزهر البلخي الفقيه المتوفى سنة ٣١٦هـ.

ومن فوائده تحديد الزمن الذي ألف فيه كتاب مزيد التواريخ لأبي الحسن محمد بن سليمان حيث قال إنه كان على عهد السلطان محمود (ص ٢٠).

وقائع تاريخية ومعلومات أدبية

ينفرد البيهقي في مواضع كثيرة من كتابه بذكر وقائع تاريخية مهمة لا ترد في أي مصدر آخر، من ذلك مثلاً هذه العلاقة الودية التي ربطت بين ملك الشعب البلغاري وهو أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن يلطوار وبين بلاد نيسابور، فكما يقول البيهقي (ص ٥٣) فإن هذا الملك رأى في المنام سنة ٤١٥هـ هاتفاً قال له: يجب عليك أن ترسل مالاً إلى نواحي نيسابور إلى بيهق كي ينفق على المسجد الجامع بسبزوار وخسروجرد. فأرسل مالاً وفيراً لهذا الغرض. وقام ملك خراسان من جانبه بإرسال هدايا نفيسة لم يَرَ أحد مثلها وكانت من عجائب الدنيا. كما أنفق ذلك المال في عمارة الجامعين المذكورين في التاريخ نفسه. ونحن نعلم أن هذه العلاقة الودية ترجع إلى أوائل القرن الرابع الهجري عندما أرسل ملك بلغار نهر الفولغا المدعو ألمش بن يلطوار رسولاً إلى الخليفة العباسي المقتدر يطلب إليه (أن يبعث من يفقهه في الدين ويعرفه شرائع الإسلام ويبني له مسجداً) ويرجو عونه في مواجهة ضغط ملك الخزر عليهم (ببناء حصن يتحصن فيه من الملوك المخالفين. فأجيب إلى ما سأل) [٢٣].

وكان البلغار آنذاك قد اعتنقوا الإسلام منذ عهد غير طويل، وقد غادرت البعثة بغداد في ١١ صفر ٣٠٩هـ / ٢١ يونيو ٩٢١، ووصلت إلى بلاد البلغار في ١٨ من المحرم ٣١٠هـ / ٢١ مايو ٩٢٢م [٢٤]. فكأن هدية الحفيد لجامعي سبزوار وخسروجرد، ردّ لذلك الجميل الذي أسدته عاصمة الخلافة للجد.

واقعة أخرى هي التي كتب فيها قيصر الروم قصيدة بالعربية بعث بها إلى الخليفة المطيع لله مشحونة بأنواع التهديد مطلعها [٢٥]:

إلى قائم بالملك من آل هاشم

من الملك الطهر المسييحي رسالة

وقد رد عليها بقصيدة طويلة أيضاً محمد بن علي بن إسماعيل المعروف بالقفال الشاشي المتوفى سنة ٣٦٥هـ [٢٦].

لكن البيهقي يضيف إلى ذلك قوله إن الأديب الشاعر محمد بن عبد الرزاق البيهقي الذي لم يقدم لنا معلومات ذات بال عنه سوى ان ديوانه يقع في خمسة مجلدات، قد ردّ أيضاً على قيصر الروم بقصيدة، ثم نقل بيتين منها. وأضاف أن نصر بن أحمد المرغيناني ردّ على هذه القصيدة ثم ذكر مطلعها. كل ذلك لا نجده في مصادر أخرى. فالسمعاني مثلاً عندما يترجم للمرغيناني هذا يقول إنه (من مشاهير الأئمة والعلماء وكان له شعر مليح لطيف في الزهد والحكمة سار في الآفاق وتداولته الرواة) [٢٧] ولم يذكر حتى سنة وفاته.

هذا فضلاً عن عشرات التفاصيل من وقائع تاريخية ذكرت بشكل إجمالي في المصادر الأخرى شملت رقعة واسعة من العالم الإسلامي.

كما توجد وقائع أدبية ينفرد بها مؤلفنا خاصة وقد نقل من مصادر فقدت ولا أثر لها اليوم مثل جونة الند ولباب الألباب ليعقوب بن أحمد الأديب الكردي، وقلائد الشرف لأبي عامر الفضل بن إسماعيل الجرجاني ولا أثر للكتب الثلاثة اليوم. فهو يذكر مثلاً شاعراً يدعى أحمد بن إبراهيم الأعسري وفد على الصاحب بن عباد ومدحه بقصيدة وصف الناقة في مطلعها الذي يقول:

علطميس عيرانة خنشليلُ

عرمس عيسرانة عنتريسُ

فقال له الصاحب: لو أن هذه الألفاظ وضعت على ظهر الناقة لناءت بحملها. ثم إنه أقام عنده ومدحه بقصيدة مطلعها:

إلى هاجع بالقفر والليل غاسق

خيال سرى من أم عمران طارقُ

كما أورد البيهقي لهذا الشاعر بيتين في وصف الفالوذج. وذلك جميعه لا نجده في المصادر الأدبية حتى في مجاميع ضخمة مثل يتيمة الدهر أو معجم الأدباء، ولعل ما سينشر من تراثنا العربي الذي ما يزال مخطوطاً سيلقي أضواء على حياة هذا الشاعر وعشرات آخرين ترجم لهم البيهقي وذكر نماذجَ من آثارهم شعراً ونثراً ممن لم نجد لهم أثراً في المصادر المتوافرة بين أيدينا.

وحتى في التراجم التي اشترك فيها مع غيره، فإن في تاريخ بيهق من الإضافات والمعلومات الفريدة ما يجعله متقدماً على غيره، فإذا أخذنا ترجمة حياة المتكلم والمفسر والأصولي مسعود بن علي الصوابي والموجودة في معجم الأدباء (٦ / ٢٦٩٩) والتي نقلها من كتاب البهقي الآخر وشاح دمية القصر، نجد ياقوتاً قد اكتفى ببضعة أسطر عن حياته مع ذكر عناوين مؤلفاته مع بيتي شعر، في حين استغرقت ترجمته في تاريخ بيهق صفحة ونصفاً وفيها من التفاصيل ما لا يوجد في معجم الأدباء ولا في غيره من المصادر، حيث ذكر أسماء أساتذة ومنهم شمس الأئمة أبو القاسم وحجة الإسلام الغزالي، كما ذكر في موضع آخر من كتابه (ص ٢١٣) علاقته الحميمة بالمتكلم المعروف المحسن بن كرامة الجشمي [٢٨].

والبيهقي هو الذي كتب الترجمة الأوسع لحياة أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي مؤلف مجمع البيان في تفسير القرآن وغيره من المؤلفات المتوفى سنة ٥٤٨هـ حيث قدم عنه وعن مؤلفاته وعلاقاته الأسرية ما لا نجده في أي مصدر.

كما كتب الترجمة الفريدة لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد المغيثي [٢٩] المعاصر للبحتري وابن الرومي [٣٠] الذي دخل معهما في معارك هجائية انفرد بذكر شيء منها، وقد وجدنا فحسب هجاء ابن الرومي له في عدة مقطعات. قال مؤلفنا في نهاية ترجمته التي استغرقت ثلاث صفحات ونصفاً: وقد أطنب الكعبي البلخي في كتابه مفاخر خراسان في حكايات وأشعار إبراهيم المغيثي البيهقي. انتهى كلامه. وكتاب الكعبي البلخي مفقود.

وقد أورد البيهقي عشرات التراجم لعلماء وأدباء وشعراء ومحدثين ووعاظ لم نجد أياً منهم في المظان المتوافرة من عربية وفارسية، فضلاً عمن وجدناهم، كل ذلك مع تقديمه نماذج من آثارهم مما انفرد به في مؤلفه هذا.

* باحث في شؤون التراث والتاريخ الإسلامي، من مواليد العراق، له عدة أعمال في تحقيق المخطوطات والعديد من المقالات والبحوث.

[١] تاريخ الإسلام ٢٨٠ (٣٣١ - ٣٥٠هـ)

[٢] تاريخ نيسابور للحاكم بالعربية لكنه فُقد، وتوجد له الآن ترجمة مختصرة بالفارسية.

[٣] تاريخ الأدب الجغرافي العربي، ٢٣٩؛ وقد ترجمت تاريخ الگرديزي هذا إلى العربية أخيراً الأستاذة القديرة الدكتورة عفاف زيدان وطبع في القاهرة.

[٤] صدرت له مؤخراً طبعة متقنة بطهران بتحقييق الأستاذين روشن وموسوي، كما ترجمت بعض أجزائه إلى العربية وصدرت في القاهرة.

[٥] طبع سنة ١٩٦١م بمدينة مشهد طبعة فشا فيها الغلط والتصحيف، وما زال ينتظر طبعة علمية تعتمد جميع مخطوطاته المتوافرة وهي كثيرة.

[٦] طبع نصف هذا الكتاب بطهران سنة ١٩٩٧م بتحقيق صادق سجادي، والنص المتعلق بدمشق موجود في الجزء الأول، ص ٣٣١ - ٣٣٧ منه.

[٧] اعتمدنا بشكل رئيس على ترجمته التي كتبها بقلمه والتي نشرها ياقوت في معجم الأدباء ٤ / ١٧٥٩ - ١٧٦٨).

[٨] تاريخ بيهق ٢٢، سنن الترمذي ٥ / ٦٩٧، فيض القدير ٥ / ٤٧٠، تاريخ مدينة دمشق ٢ / ٤١٣، تاريخ نيسابور للحاكم ٦٧، تهذيب الكمال ١٩ / ٥٠٠، التدوين ٤ / ٣٦، البيان والتعريف ٢ / ١٩٦.

[٩] معجم الأدباء ٢ / ٦٩٧.

[١٠] كان البويهيون من الديلم.

[١١] مجمع التواريخ والقصص، ص ٤٠٤، لمزيد من التفاصيل عن غارة الغزنوي على بلاد الري، انظر مقدمة الجماهر في الجواهر بتحقيقنا، ص٣٤ - ٣٨.

[١٢] لغت نامه دهخدا، مادة: مسعود غزنوي؛ وفي أخبار الدولة السلجوقية (ص ١٦) أنها تزوجت شقيق مسعود. ويبدو أنها تزوجت بعد وفاة مسعود حيث نقرأ في القند (٥٦٨) ضمن حوادث ٥٢١هـ (تم زفاف خاتون العراق إلى نصر بن محمد بن سليمان) من ملوك الإيلكخانية في ما وراء النهر.

[١٣] انظر مثلاً: الأنساب للسمعاني ١ / ١٤٤، ٥ / ٤٨٢، معجم البلدان ٣ / ٤٨٦، المنتخب من السياق ١٢٧ - ٢١٧، ومواضع أخر.

[١٤] انظر مثلاً ‎: سير أعلام النبلاء ١٨ / ١.

[١٥] عن هذا الاجتياح، انظر: تاريخ دولة آل سلجوق لعماد الدين الأصفهاني (ص ٢٥٧ - ٢٥٩)، أخبار الدولة السلجوقية ص١٢٣ - ١٢٥.

[١٦] التحبير ٢ / ٤٢٢.

[١٧] لباب الأنساب ١ / ١٨٥.

[١٨] معجم الأدباء ٣ / ٩٦١.

[١٩] لباب الأنساب ١ / ٤٩٨.

[٢٠] انظر: التدوين ٣ / ٢٢٤.

[٢١] انظر مثلاً: ٢ / ٥١٠، ١٣ / ٥٢١.

[٢٢] ضمن تواريخ خوارزم في كشف الظنون (١ / ٢٩٣) ورد الكافي في تاريخ خوارزم لأبي أحمد محمد بن سعيد القاضي المتوفى سنة ٣٤٦هـ. لكن السبكي نقل في طبقاته (٣ / ١٦٤) ترجمة ابن أبي القاضي وهو نفسه المذكور آنفاً من كتاب الكافي في تاريخ خوارزم للخوارزمي الذي نرجح أنه محمود بن محمد بن العباس بن أرسلان المتوفى سنة ٥٦٨هـ. وليس لصاحبنا هذا الذي سماه السبكي (أبا أحمد محمد بن سعيد بن محمد بن عبد الله ابن أبي القاضي المتوفى سنة نيف وأربعين (وثلاثمئة). ويبدو أنه هو نفسه المذكور أعلاه وقد حدث تقديم وتأخير باسمه بفعل سهو النساخ.

[٢٣] رسالة أحمد بن فضلان ٩٧ - ٩٨ - ١٤٧.

[٢٤] تاريخ الأدب الجغرافي العربي.

[٢٥] حكم الخليفة العباسي المطيع لله من ٣٣٤ - ٣٦٣هـ / ٩٤٦ - ٩٧٤م؛ أما قيصر الروم المعاصر له فهو نقفورس الثاني وهو فقاس الذي حكم من ٩٦٣ - ٩٦٩م.

[٢٦] نقل قصيدة نقفورس بكاملها ابن كثير في البداية والنهاية (١١ / ٢٧٨) والسبكي في طبقاته (٣ / ٢٠٥). كما أورد السبكي قصيدة القفال الشاسي (٣ / ٢٠٩ - ٢١٣). وأورد بعدها قصيدة لابن حزم الظاهري.

[٢٧] الأنساب ٥ / ٢٥٩.

[٢٨] نقرأ في مقتل الحسين لأخطب خوارزم (٢ / ٧١) قول مؤلفه: أخبرنا الشيخ الإمام مسعود بن أحمد (كذا) فيما كتب إليّ من دهستان: أخبرنا شيخ الإسلام أبو سعد المحسن بن محمد بن كرامة الجشمي ….

[٢٩] في معجم الأدباء (٣ / ١٠٢٩) ورد أن المغيثي هذا كان أستاذاً لمؤرخ خراسان الشهير الحسين بن أحمد السلاّمي.

[٣٠] توجد مجموعة مقطعات في ديوان ابن الرومي في هجاء إبراهيم البيهقي هذا بلغ مجموعها ١٣ مقطعة منها البيتان الواردان في تاريخ بيهق: (أيها البيهقي أحسنت في شعرك …. ) ديوان ابن الرومي ٤ / ١٦٦٩، انظر أيضاً صفحات أخر في هذا الديوان.



[ Web design by Abadis ]