ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 كلمة جمعية العاديات \ أ. محمد قجة *

إن تراث الأمة هو حصيلة المكونات الثقافية والحضارية التي يتركها الأقدمون، لكي يفيد منها اللاحقون. ويبرز هذا التراث في صور شتى: منها الآثار الماثلة، واللقى الأثرية بما فيها من رُقم ورموز، ومنها الكتب والوثائق سواء أكانت مخطوطةً أم مطبوعة. ومنها التراث الفني والاجتماعي المتناقل شفوياً….

ولكل أمة من الأمم تراثها المتكون عبر الأجيال من معطيات تتفاوت بحسب العقائد والإقليم والزمان والوضع السياسي والاقتصادي. ومن هنا يأتي التمايز بين الأمم في تراث كل منها. ومما لا شك فيه أن تراث الحضارة الإسلامية يأتي في طليعة تراث الأمم الأخرى من حيث الحجم والتنوع والاستمرارية، وبخاصة التراث المكتوب باللغة العربية.

وعلى الرغم من أن اللغة العربية تضرب جذورها عميقاً في التاريخ لعدة قرون قبل الميلاد. فإن هذه اللغة لم تتح لها فرصة السيدة الثقافية والحضارية إلا مع القرآن الكريم والدعوة الإسلامية، فغدت بذلك لغة الثقافة العالمية منذ القرن السابع الميلادي، واستمرت كلغة أولىفي العالم حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، موزعة ظلالها الوارفة على قارات العالم القديم: آسيا وأفريقية، وأجزاء هامة من غرب أوربا وشرقها.

وقد خلّفت لنا هذه الحضارة الإنسانية العالمية ملايين المؤلفات من كتب ورسائل وشروح ودواوين، ضاع أكثرها في الهجمات الظالمة التي تعرضت لها أمتنا عبر تاريخها، وبخاصة في غزو بغداد عام ١٢٥٨م. وسقوط غرناطة ١٤٩٢م. إلى جانب عشرات الحروب والفتن الداخلية والزلازل والحرائق.

وعلى الرغم من ذلك، فإن التراث المخطوط الباقي حتى اليوم والمكتوب باللغة العربية لا يزال يحتل المكانة الأولى بين لغات العالم الأخرى.

وتمتاز هذه المخطوطات بعدة ميزات أهمها:

١ - توزعها على سائر العلوم الدينية والأدبية والإنسانية والعلمية البحتة والتطبيقية، وأثرها الحاسم في تطور المعرفة البشرية في شتى الميادين.

٢ - تمتعها بمقدار عال من الموضوعية واحترام الآخر والتعددية.

٣ - توزعها الجغرافي على سائر أنحاء العالم، نتيجة الحروب أو النهب أو البيع أو المصادرة. وهذا ما يفسر لنا وجود مئات ألوف المخطوطات العربية في مراكز مثل: بطرسبورغ ولندن وليدن والفاتيكان والأسكوريال إلى جانب وجودها في أماكنها المألوفة في مدن العالم الإسلامي: في إيران والهند وتركيا ومصر والمغرب وبلاد الشام والعراق وغيرها.

٤ - بدافع من قدسية الرسالة الإسلامية واللغة العربية، انتشرت الكتابة بالحرف العربي لدى الشعوب الإسلامية الأخرى من غير العرب، وكان لهذه الشعوب دور ريادي كبير جداً في مضمار الحضارة الإسلامية، وبخاصة إيران. وقد لفت نظري لدى إجراء بعض الدراسات أن العلماء الذين يحملون تسمية (أصفهاني) في تاريخنا يأتون في المرتبة الثانية بعد تسمية (بغدادي). وكذلك الأمر بالنسبة للأوردية في شبه القارة الهندية، والتي بقيت سائدة حتى نهاية القرن التاسع عشر، وقد استطاع الاستعمار البريطاني زرع الفتن وتمزيق وحدة الهند التاريخية التي حكمتها الحضارة الإسلامية أكثر من ألف سنة.

كذلك بقيت التركية تستخدم الحرف العربي حتى عام ١٩٣٨. وكذلك شعوب آسيا الوسطى الذين فرض عليهم الحرف السلافي بدلاً من الحرف العربي. ولغات أخرى في جنوب شرق آسيا وشرق افريقية وغربها.

يأتي هذا المؤتمر في سياق مؤتمرات ودعوات نبيلة سابقة حول التقريب بين المذاهب الإسلامية، ثم حول حوار الحضارات، في مقابل الدعوة الخبيثة إلى صراع الحضارات التي أطلقها بعض رموز الحضارة الغربية من ساسة ومفكرين ورجال استخبارات. ومن هنا تكتسب هذه الدعوة إلى هذا المؤتمر أهميتها لأننا اليوم - نحن المسلمين - محاصرون بالأكاذيب والتلفيق وتهم الإرهاب والعنف والتخلف، بعد أن حوصرنا طويلاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. ويراد منا اليوم أن نستسلم للإرادة العالمية الشريرة التي تريد عولمة البشرية في قالب ذي رؤية أحادية تفرض الإلحاق الحضاري والتهميش على الآخرين. ملغيةً ذاكرتهم وحضارتهم وتميزهم وتراثهم. وهذه الإرادة العالمية تستخدم أحدث الأساليب والتقانات الإعلامية لفرض نموذجها في الحياة اليومية والثقافة والفكر والعادات والطعام والشراب والملبس. ولذا فإن المهمة المطلوبة منا أداؤها عسيرة وشاقة وتتطلب الوعي والتخطيط البرمج والمتابعة والصبر.

إننا في جمعية العاديات السورية التي تضم أكثر من خمسة آلاف مثقف في المركز الأم حلب وفي فروع الجمعية الاثني عشر في المدن السورية، يجمعنا حبّ التراث والرغبة في المحافظة عليه وربطه بالواقع المعاصر، واستشراف آفاق المستقبل على أساس من جذور الماضي العريق، ونعمل كجمعية أهلية طوعية في هذا السياق. ونحن المسلمين إذا كنا قد هُزمنا عسكرياً في بعض المرات، أو حوصرنا اقتصادياً فإن لدينا الإمكانات الكبرى التي تجعلنا نستند إلى تاريخ إنساني عظيم بعطاءاته الحضارية. وعلينا أن نعرف كيف نوصل صوتنا للآخر، وكيف نشرح قضيتنا، وكيف نزيل اللبس المفروض مسبقاً على حضارتنا وثقافتنا والمرسوم ضدنا في المناهج الدراسية وأجهزة الإعلام المختلفة.

إننا أمة تؤمن بالحوار والشورى ومحبة الآخرين:

ولكننا في الوقت نفسه لا نسمح للآخر أن يستخف بنا أو يلغينا أو يزوّر هويتنا الحضارية.

دور المخطوطات في مشروع الإحياء الإسلامي

ينصرف مفهوم الإحياء الإسلامي في العصر الحديث إلى الحركات التي نشأت عبر امتداد العالم الإسلامي من المغرب إلى الهند، وكانت نشأتها رداً على المشروع الغربي الهادف إلى إلغاء الوجود الحضاري الفاعل للمسلمين، أو تهميش هذا الدور وإخراجه من حلبة دورة التاريخ.

وعقب انتهاء الحرب العالمية الأولى وقف (كليمانصو) رئيس وزراء فرنسا ليقول: أما آن للخيول الآسيوية أن تغادر التاريخ. وبعد ثلاثة أرباع القرن، وفي مؤتمر مدريد ١٩٩٢. وقف جميس بيكر وزير الخارجية الأمريكي ليقول: إن اختيارنا مدريد مكاناً، وسنة ٩٢ زماناً يعني الشيء الكثير، فقبل خمسة قرون خرج المسلمون من أسبانيا ومعها خرجوا من أوربا. أما آن أن يخرجوا من حلبة التاريخ.

إن الصدام الحضاري يعود إلى قرون عديدة، ولم نكن نحن البادئين بهذا الصدام. فالحروب الصليبية منذ القرن الحادي عشر اكتسحت المشرق والمغرب. وإذا كان المسلمون قد تمكنوا من طرد الغزاة الفرنجة من المشرق العربي، فإن هؤلاء الفرنجة قد تمكنوا من إخراج المسلمين من الأندلس، وتصفية وجودهم البشري والحضاري.

واستمرت تلك الحروب تشتد وتخبو. حتى جاء الاستعمار في القرون الأخيرة بأشكاله المختلفة: البرتغالي والإسباني والهولندي والبريطاني والفرنسي… وصولاً إلى الذروة المتوحشة مع الولايات المتحدة وتمكنت الحضارة الغربية من تسديد ضربة قاصمة للعالم الإسلامي تمثلت بالإجهاز على الدولة العثمانية وإلغائها كرمز لخلافة المسلمين. وأعقب ذلك تلك التجزئة الرهيبة للعالم الإسلامي، وتمزيقه إلى دويلات وقوميات وطوائف و إلحاقه بصورة أو بأخرى بدائرة النفوذ الغربي.

وفي غمرة ذلك أسس الغرب المشروع الصهيوني ورعاه وعززه وحينما ظهرت الثروات البترولية في الوطن العربي وبعض الدول الإسلامية، سارع هذا الغربي إلى السيطرة على تلك الثروات ونهبها، منعاً من تحويلها إلى قاعدة للتحرر والتطور والبناء.

في ظل هذه المعطيات الكارثية… بدأت الحركات الإسلامية الداعية إلى الإحياء والإصلاح والتحرر تنشأ على أرضيات متباينة: صوفية أو سلفية أو جهادية أو إصلاحية أو مزيج من ذلك.

فكانت في المغرب الكبير الحركات الخطابية والسنوسية ورباطات الجزائر، والحركة المهدية في السودان، والوهابية في السعودية ودعوات الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي ورشيد رضا، والحوزات الشيعية في العراق وإيران، وجماعات العلماء في الهند.

ثم تطور الأمر إلى تسييس كثير من الحركات في عدد من بلدان العالم الإسلامي. وارتبط العمل الفكري بالعمل السياسي، وتمكنت حركات من تحقيق انتصارات باهرة، كما حدث في الجزائر ١٩٦٢، وفي الثورة الإسلامية في إيران … بينما أخفقت حركات أخرى رغم محاولتها اتباع الأسلوب الغربي في اللغة الديمقراطية كجبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر التي اتخذ قرار فرنسي - أمريكي بمنعها من الوصول إلى السلطة لما يمثله ذلك من خطر شديد على مصالح الغرب الحيوية.

إلى جانب ذلك تمكن الغرب أو بخاصة أمريكا، من اختراق كثير من هذه الحركات وتوظيفها في خدمة المصالح الأمريكية، سواء أكان ذلك بفرصة محاربة الاتحاد السوفياتي تحت غطاء الجهاد الإسلامي، أو باستخدام تلك الحركات لتمزيق وحدة المسلمين، والترويج لإسلام (أمريكي) معولم يخدم الرؤية الاستعمارية الأحادية للعالم.

إن الظروف الرهيبة التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم، ونحن ندخل قرناً جديداً وألفية جديدة، إنما هي ظروف لم يمر على المسلمين أسوأ منها، فنحن مستهدفون بالتصفية الحضارية والثقافية، بل نحن مستهدفون بتحويلنا إلى نوع من الهنود الحمر وإخراجنا من مسار التاريخ، وقد استفادت أمريكا من توليفة حكاية ١١ أيلول لتصب جام غضبها على المسلمين عامة، وتعمم الصورة النمطية التي رسمها الغرب عن الإسلام في أذهان أبناء الشعوب الغربية وهي أن الإسلام يعني الإرهاب والتخلف والعنف والدموية والعدوانية وقمع حقوق الإنسان وإهانة المرأة.

ومما يؤسف له أن أكثر الأنظمة في العالم الإسلامي دخلت في اللعبة ورضيت بدور المتهم من غير أن يقدم لها المتهِم أي دليل قانوني على مزاعمه الباطلة.

لقد بلغت الهجمة علينا أوجها، ووصلت السكين إلى العنق، وإذا كان قلب العالم الإسلامي في فلسطين يعاني من هذه الهجمة الحاقدة المجرمة تحت زعم أن من يقود هذه الهجمة هو رجل سلام، فإن أطراف العالم محاصرة وتتساقط أجزاؤها، في أفغانستان، وأندونيسيا (تيمور الشرقية) ومحاصرة ماليزيا اقتصادياً، وفَرْنَسة دول المغرب وتمرد جنوب السودان واستفحال الأصولية الهندوسية، وتذويب جزر المسلمين في الفلبين بحرب تشبه ما يجري في أفغانستان.

في إطار هذا الجو المحبط القاتم، كيف لنا أن نتحدث عن المخطوطات ودورها في إحياء الحضارة الإسلامية وحماية الوجود الإسلامي الذي يشكل بشرياً ربع سكان العالم.

إن الواجب الملح علينا اليوم أن نبحث عن مصادر الوحدة في تاريخنا وحضارتنا، وأن نتجنب عوامل التفرقة والتشرذم.

وأبرز عوامل الوحدة التي يمكن التركيز عليها في إطار نبذ الخلافات والتفرقة هي:

- اتفاقنا جميعاً على وحدة العقيدة.

- اتفاقنا جميعاً على وحدة مصادر التشريع.

- اتفاقنا جميعاً على الأهداف العليا لمجتمعاتنا.

- اتفاقنا جميعاً على الرؤية الحضارية لدورنا في التاريخ.

- اتفاقنا جميعاً على توصيف العدو المشترك وضرورة التصدي له؛ وفي هذا الميدان وتأكيداً لعوامل الوحدة تأتي الإنجازات التالية:

- المحاولة الجادة للتقريب بين المذاهب الإسلامية

- حوار الحضارات محلياً بين المسلمين، ومع الحضارات الأخرى.

- احترام التعددية والرأي الآخر، انطلاقاً من قوله تعالى:

وقوله:

إن رؤيتنا الحضاريـة عبر التاريخ كانت تنطلـق من قولـه تعالى: (البقرة ٢٥٦) ولكننا كنا نتعرض دائماً للإكراه والإلغاء، وليس الاهتمام الغربي بدراسة الإسلام نابعاً من الرغبة بمعرفة مضمونه كدين وفكر وحضارة، وإنما كان هذا الاهتمام في أكثر الأحيان لتحديد مدى وحجم تأثير الإسلام في استقرار النظام السياسي العالمي الخاضع للهيمنة الغربية. ومدى تهديده لمصالح تلك الهيمنة.

ونعود إلى التساؤل: ما علاقة المخطوطات والتراث بهذا الحديث عن الحركات الإسلامية والإحياء الإسلامي.

إن الجواب في غاية البساطة … فنحن اليوم مطالبون بالوقوف على أقدامنا أمام هذه الأمركة للعالم التي تستبيح الثقافات والاقتصاد والوجود الحضاري والبشري، وهي ترغب في تحويل العالم إلى مزرعة ملحقة بالبيت الأبيض المجلل بالسواد.

ونحن نهدف من عملية إحياء التراث إلى جملة من الأهداف، أهمها:

١ - تأكيد هويتنا الحضارية العريقة وتميزنا كأمة.

٢ - تأكيد دورنا الحضاري الرائد في حمل مشعل الحضارة البشرية وإغناء تلك الحضارة. هذا الدور الذي أرادج الغرب - عن عمد - أن يطمسه في سياق أكذوبتي: المعجزة الإغريقية، ومعجزة عصر النهضة الأوربية في القرن السادس عشر.

٣ - توثيق الدور الحضاري لتراثنا المخطوط والمطبوع في شتى ميادين العلوم: الدينية والأدبية والإنسانية والبحثية والتطبيقية. وإبراز الأمثلة التي كان لها بصمات حاسمة في مسار الحضارة البشرية مثل:

- عقلانية ابن رشد.

- طب ابن سينا.

- فلسفة التاريخ لدى ابن خلدون.

- فلسفة التصوف لدى ابن عربي.

- الإنجازات الكبرى في الفلك والهندسة والصيدلة والرياضيات وسواها.

- ملاحقة الأكاذيب الغربية حول إلغاء دور المسلمين الحضاري في مسائل مثل: الدورة الدموية - الجراحة - علم الاجتماع - كوميديا دانتي …. الخ

٤ - إن المخطوطات العربية في العالم هي أضخم نتاج معرفي عرفته البشرية في أية لغة من لغاتها عبر كل الأزمنة. ويقدر الموجود منها بقرابة ستة ملايين مخطوط، ناهيك عن المفقود منها في عمليات الحروب والحرائق والإتلاف والزلازل والفتن الداخلية، ومن أبرز تلك الحوادث: نكبة بغداد ١٢٥٨م ونكبة غرناطة ١٤٩٢م حيث دمر في هاتين النكبتين أكثر من مليون كتاب.

٥ - إن المخطوطات العربية موزعة جغرافياً على أكثر مناطق العالم. وهذا التوزع يتصل بمسارات النفوذ السياسي في فترات التاريخ. وهذا ما يفسر لنا أن أكبر مجموعة من المخطوطات توجد في تركيا حيث كانت الدولة العثمانية وريثة الخلافة الإسلامية، وامتد نفوذها على رقعة واسعة في آسيا وأفريقية وأوربا لمدة ستة قرون ولكن المؤسف أن هذه المخطوطات رهينة قرارات متعسفة تحارب الحرف العربي بعد التحول الكارثي باللغة التركية إلى الحرف اللاتيني في نطاق عملية (التغرّب) التي سلخت تركية من نطاقها الإسلامي والمشرقي، ولم تتمكن من إدخالها في المجموعة الأوربية التي لا تريدها.

وتأتي إيران في المقام الثاني من حيث عدد المخطوطات العربية التي قد تقترب من المليون. والمهم في ذلك أن أكثر هذه المخطوطات لعلماء فرس أسهموا بشكل حاسم في معارف الحضارة الإسلامية بشتى جوانبها ولمعت منهم مئات الأسماء على مرّ التاريخ في خدمتها للتراث العربي والإسلامي والإنساني. إلى جانب العدد الهائل من المخطوطات باللغة الفارسية.

ثم تأتي دول أخرى كالمغرب ومصر والعراق وبلاد الشام ودول أخرى ذهبت إليها المخطوطات بعمليات المصادرة أو النهب أو الشراء أو الاحتواء أو التهريب، وأبرزها مدن: بطرسبورغ ولندن وباريس وليدن والفاتيكان والاسكوريال …. الخ

٦ - بقيت اللغة العربية سيدة المعارف الإنسانية منذ القرن الثامن الميلادي حتى منتصف القرن الثامن عشر. وهذه السنوات الألف كانت فيها أوربا تغط في سباتها العميق، وهي لذلك تسمي تلك الفترة: السنوات الألف المظلمة، أو الحلقة المفقودة.

وبقي الحرف العربي سائداً في عدد كبير من اللغات العالمية حتى منتصف القرن العشرين. وقد تحولت التركية إلى الحرف اللاتيني عام ١٩٣٨م في عملية جراحية قيصرية دمرت مئات الألوف من المخطوطات والمطبوعات باللغة العثمانية وجعلتها مدفونة تحت غبار النسيان، كما بقيت لغات آسيا الوسطى تستخدم الحرف العربي حتى منتصف القرن العشرين حينما استبدلته بالحرف السلافي تحت تأثير الهيمنة الروسية.

٧ - إن المخطوطات أبرز صور التراث، وهو تراث ضخم جداً، وإذا كانت هذه المخطوطات مرآة الماضي، فإنها نافذة إلى المستقبل المبني على ذلك الماضي، فلا يمكن لأمة أن تولد في فراغ، ولا أن تعيش معلقة في الهواء.

ولذلك فإن هذا التراث يرتب علينا ما يأتي:

أ - ضرورة اتخاذ قرار سياسي رفيع المستوى على غرار قرار المأمون بإحداث بيت الحكمة. هذا القرار السياسي يوفر كل الإمكانات البشرية والتقنية والفنية والمالية والمؤسساتية التي تعمل لصيانة هذا التراث وتوظيفه في معطيات العصر.

ب - توحيد الجهود على المستوى العربي الإسلامي بالتنسيق وتوزيع الأدوار لئلا تضيع الجهود سدى، وتتكرر الأعمال نفسها في ميدان واحد. ويتم هذا التنسيق عبر المؤسسات القائمة مثل المجامع اللغوية، ومعهد التراث العلمي العربي بجامعة حلب والجامعات والمؤسسات الأكاديمية الرسمية ومؤسسات جامعة الدول العربية.

ج - تفعيل دور المنظمات الأهلية وغير الحكومية في مجال إحياء التراث وتوثيق المخطوطات، وهذا تطوير لمفهوم (الوقف) في الحضارة الإسلامية. ومن المبشر بالخير أن هناك عدداً من المنظمات الأهلية التي توظف الجهد أو العلم أو المال في ميدان التراث، كمؤسسات مرعشي نجفي في إيران، وجمعة الماجد وسلطان العويس في الإمارات، والبابطين في السعودية، وجمعية العاديات في سورية ومؤسسة الزهراوي في المغرب، ودار إحياء الآثار الإسلامية في مصر وهذا على سبيل المثال وليس الحصر.

ويمكن لهذه المنظمات الأهلية أن تنسق الجهد فيما بينها توخياً لتنظيم العمل واختصاره والإفادة من التجارب المختلفة لكل واحدة من هذه المنظمات.

د - التعاون مع المؤسسات العالمية ذات الاهتمام المشترك كمؤسسة فؤاد سزكين وزكي اليماني وأحمد يوسف الحسن وسليم الحسني وكمال الدين أوغلو وشامل شاهين - مثلاً.

هـ - الاستخدام الأمثل للمعلوماتية في توثيق المخطوطات والتراث بما يسهل على المعلومات ويختصر الوقت والجهد. ويمكن للجهات الحكومية والأهلية أن تقوم بذلك.

الشكر الجزيل للمستشارية الثقافية الإيرانية، ولكل من ساهم في إنجاح هذا المؤتمر الجليل. وإن إيران الثورة الإسلامية تبقى نموذجاً رائداً في العالم الإسلامي في ميادين التقريب والحوار والتثاقف واحترام الآخر والغيرة على التراث الإسلامي. وهذا ما يفسر الهجمة الشرسة التي تتعرض لها من مراكز الاستعلاء والغطرسة العالمية.

* رئيس جمعية العاديات وهي جمعية أهلية تراثية، مقرها مدينة حلب ولها فروع عدة.



[ Web design by Abadis ]