ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 كلمة معهد التراث - جامعة حلب \ د. علاء الدين لولح *

إن تراث الأمم والشعوب هو ذخيرتُها الحيةُ وقلبُها النابضُ وسجلها الحافل المعبر عن مقوماتها الحضارية والفكرية، والذي يتجسد في إنجازاتها العلمية والثقافية خلال مسيرتها التاريخية ويعبر عن قيمها الإنسانية والأخلاقية المتوارثة؛ وهو الحافز الأساس والدافع القوي لدراسة وتقويم ما كانت تتمتع به مجتمعاتهم من جد ونشاط وفاعلية في أدائها الاجتماعي والثقافي والأخلاقي وتعاونها وتكاملها مع غيرها من الحضارات السابقة لها والمتزامنة معها.

ولا يمكن لأمة من الأمم أن تنهض أو يُكتب لها سبل النجاح إلا بالاعتماد على إحياء مكنونات تراثها والكشف عن كنوزه وأسراره وبعثه من جديد، فهو الأساس الذي يجب اعتماده في بناء الحاضر بعد إغنائه بمعطيات العصر وذلك لتحقيق المتطلبات المتجددة والمتحركة والنوعية للحياة الإنسانية المعاصرة.

والتراث العربي بمحتواه الغني ومضمونه الثقافي والعلمي المتنوع إنما يمثل مخزوناً هاماً يشمل مجالات العلوم والفنون كلها، وهو إنتاج غزير ليس له حدود وبحر زاخر لا تُدرك أطرافه، وقد أتت عليه السنون والمحن فتشتت شمله وتفرق جمعه، بل وتعرّض إلى التلف والدمار على أيدي الحملات الأوربية التي أغارت على الشرق وأضاعت منه الكثير، وتلف بعضه على أيدي العرب أنفسهم نتيجة الاختلاف في الملل والنحل والمذاهب والآراء حتى قضي على معظمه من قبل هولاكو بحملته على بغداد في عام ٦٥٦ هـ.

وقد بذل الأوائل الجهـد والمال لجمع هذا التراث والحفـاظ على لغته الخالدة. وقد تمثل ذلك في جمع كتاب العربية المجيد وسيد المخطوطات قاطبةً، كتاب الله الذي أنزله الله هدىً للمتقين }كتابٌ أُحكمت آياته{، كتابٌ }لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيم حميد{، وقد تم جمعه في عصرٍ مبكرٍ وتلته محاولات لجمع بقية العلوم حيث تم جمعُ الحديث فالشعر واللغة وتم تدوينها جميعاً.

ولم يقتصر الأمرُ على ذلك بل قام المؤلفون بالتأريخ لهذه الجهود وصنفوا الكتب المتعددة الأشكال والأنواع، وبذلوا في تصنيفها وتقسيمها وفهرستها جهوداً تفوق الوصف والتعبير.

ومما لا شك فيه أن هذه العلوم العظيمة والحكم الغالية والخبرات الغنية التي احتوتها هذه المخطوطات كانت السبيل المنير الذي أضاء للغرب مسالك التقدم والحضارة، حيث تم ترجمةُ معظمها فأفاد من نظرياتها ومحتواها العلماء والباحثون مما غيّر مجرى حياتهم من بداوةٍ إلى حضارةٍ ومن عصورٍ وسطى وظلمةٍ إلى عصور نهضةٍ حديثةٍ عامرةٍ بالعلم وغنيةٍ بالثقافة والمعرفة.

وقد انتبه الغربيون لهذا الخضمُّ الزاخر من مخطوطات التراث العربي وما فيها من علومٍ وفنونٍ فملؤوا بها مكتباتهم وهكذا أصبح الغربُ يمتلك من تراثنا أكثر مما نملكُ مما يفسرُ لنا الكمَّ الهائل من المخطوطات التي تستأثرُ بها مكتبات العالم وبخاصةً مكتبات أوربا (ألمانيا وإنجلترا وفرنسا والنمسا).

لقد تشتت شمل هذه الدرر العظيمة القيمة التي كانت ذات يومٍ تزيّنُ مكتبات المشرق والمغرب العربيين مثل: مكتبة بيت الحكمة ببغداد، والعزيز بالله الفاطميّ بالقاهرة، والمدرسة النظامية وخزانةِ كتب النجف الأشرف، وخزانة سيف الدولة بحلب، والمدرسية النورية ومكتبة أبي الفداء بحماة، والظاهرية بدمشق، وبني عمار بطرابلس.

وكذلك بالمغرب مكتبة الزهراء بقرطبة، والجامع الأعظم بالقيروان، وجامع الزيتون بتونس، وجامع القرويين بفاس، والحكمة بمراكش، والجامع الأعظم بمكناس.

ولكن بفضل الوعي الذي أسس لهذا التراث أصبح جمع ما تبعثر من كنوز التراث وما تفرق منه نتيجة المحن الذي تعرض لها أمنيةً بذل الأوائل في الوصول إليها كل ما يملكون. فعكف المؤلفون والباحثون على جمع ما حفظته الصدور وإزاحة الغبار عن البقية التي نجتْ من حملة التتار التخريبية، فألفوا في ذلك وكتبوا الموسوعات الكبيرة والغنية بالتراث القديم ونقل معظمه إلى مركز الخلافة ومنها إلى أوربا بعد سقوط الدولة العثمانية.

وإدراكاً لقيمة المحتوى العلمي والفني لهذا التراث وغزارته وتنوعه، فقد أصبح الاهتمام بجمعه وتحقيقه ونشره هدفاً رئيساً للعديد من المراكز العلمية والبحثية في العالمين الإسلامي والعربي، وعلى رأسها معهد التراث العلمي العربي في جامعة حلب الذي تأسس في عام ١٩٧٦ بهدف جمع التراث العلمي العربي وتحقيقه ونشره والنهوض بالبحوث العلمية في مجالاته المختلفة، والكشف عن كنوزه وأسراره ومكنوناته، وإبراز دور العرب والمسلمين في رفد العلوم وإغنائها، وتقدم المعارف وفي تأسيس الحضارة الإنسانية المعاصرة. ومن أهدافه إعداد الأطر العلمية والبحثية المؤهلة في مجالات التراث العلمي العربي. وتم منح العديد من شهادات الدكتوراه والماجستير المتخصصة بتاريخ العلوم الطبية والأساسية والتطبيقية، وله أنشطته العلمية المتميزة من خلال ندواته السنوية المحلية والعالمية حيث قام بتنظيم اثنين وعشرين مؤتمراً سنوياً وسبع ندوات عالمية ساهم فيها باحثون ومختصون من البلاد العربية والإسلامية والأجنبية. ويستعد لتنظيم مؤتمره السنوي القادم في مدينة حمص بالإضافة إلى استعداده لتنظيم ندوته العالمية الثامنة في مكتبة الإسكندرية مستجيباً لدعوتها المشكورة لاستضافة هذه الندوة.

وإنه من دواعي الفخر والاعتزاز أن نشارك في أعمال الندوة العالمية حول المخطوطات العربية في إيران التي تنظمها الجمهورية الإسلامية الإيرانية ممثلة بمستشاريتها الثقافية الموقرة مقدرين عالياً الجهود المخلصة في إعدادها، مشيرين إلى الدور العلمي والثقافي المميز الذي تحتله إيران في العالم الإسلامي من خلال حرصها على الحفاظ على التراث الثقافي العربية والإسلامي والعمل على جمعه وتحقيقه ونشره والتعاون من أجل ذلك بشكل صادق وكريم مع المؤسسات العربية والإسلامية من أجل إحياء التراث الإسلامي وإعادة قراءته على النحو الذي يركز على إنجازات الأمة وإسهاماتها الحضارية والإنسانية.

والمكتبـة الإيرانيـة غنيـة بالكتب الموسـوعية النـادرة، زاخـرةٌ بالمخطوطات والوثائق الثمينة التي تؤكد أصالة الثقافة الإيرانية وتميزها في جميع العصور وبخاصةٍ في العصر الإسلامي.

أيها الأخوة… أيتها الأخوات:

اسمحوا لي باسم جامعة حلب ومن خلال معهد التراث العلمي العربي والجمعية السورية لتاريخ العلوم أن أرحب بهذه المبادرة الطيبة لتنظيم هذه الندوة، وأن أتوجه بالشكر الجزيل إلى المستشارية الثقافية الإيرانية بدمشق ممثلةً بالسيد الدكتور محمد علي آذرشب على الجهود الكبيرة التي بذلت في إعدادها وأؤكد وحدة وتلازم المسـار والهدف لإحياء تراث الأمة العربية والإسلامية، كما أتوجه بخالص الشكر والامتنان للسيدة الدكتورة وزيرة الثقافة السورية لرعايتها لهذه الندوة واهتمامها بمحاورها العلمية والثقافية، وأشكر القائمين والمسؤولين في مكتبة الأسد على استضافتهم لأعمالها، كما يطيب لي أن أحيي الأخوة والزملاء الباحثين والمشاركين في فعالياتها وأرجو لهذه الندوة المباركة النجاح والتوفيق.

والسلام عليكم ورحمة الله و بركاته

* مدير معهد التراث العلمي العربي بحلب، رئيس الجمعية السورية لتاريخ العلوم



[ Web design by Abadis ]