ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 كلمة مجمع اللغة العربية \ د. إحسان النص *

لقد سعد مجمع اللغة العربية كلّ السعادة بالبادرة الكريمة التي صدرت عن الأخ الفاضل الدكتور محمد علي آذرشب، المستشار الثقافي في سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية بدمشق، بإقامة مؤتمر حول المخطوطات العربية المحفوظة في مكتبات إيران. وهذا المؤتمر هو من الثمرات الخيرية للتواصل الثقافي القائم بين الجمهورية العربية السورية والجمهورية الإسلامية الإيرانية.

والتواصل الثقافي بين الشعبين العربي والإيراني له تاريخ قديم يرجع إلى العصر الإسلامي والعصور التي أعقبته. فمنذ أن أظلّت راية الإسلام شعوباً وأمماً من مختلف الأقطار حملت معها هذه الشعوب، من فُرس وروم وهنود وتُرك وغيرها حضارتها وثقافتها، وامتزجت هذه الحضارات الوافدة بالحضارة العربية، وانصهرت في بوتقة الدولة العربية الإسلامية، فأفرز هذا التفاعل بين الحضارات حضارة جديدة خصبة متنوعة الآفاق: أدبية ولغوية وعقدية وفلسفية وعلمية وفكرية. ولم يكن في العالم عصرئذٍ حضارة تضارعها في خصبها وتنوع آفاقها المعرفية. وهذه الحضارة المتألقة هي التي استضاءت بها أوربا فيما بعد وقبست من شعلتها المتوهجة وعطائها الثرّ ما دفعها في طريق التقدم، وكانت في ذلك الحين غارقة في ظلمات الجهل والتخلّف. والحديث يكثر اليوم حول حوار الحضارات، وكأنه أمر طارئ لا عهد للناس به، وواقع الأمر أن هذا الحوار عرفه العرب والأمم التي استضاءت بنور الإسلام منذ العصر الإسلامي، وقد أثمر هذا الحوار أطيب الثمرات وقدّم للعالم ما أنار فكره وأخصب معارفه وحرّك مشاعره من ثمرات العلم والفلسفة والأدب والشعر والنظرات الفكرية.

وكان للحضارة الفارسية حضور متميز من سائر الحضارات الأخرى التي أظلّتها الدول العربية الإسلامية، فقد نبغ، سواء من بين من عاشوا في رحاب الدولة العربية، في مختلف أمصارها، ولا سيما في البصرة والكوفة وبغداد وبين من ظلّوا مقيمين في مواطنهم في بلاد فارس، أدباء وشعراء وعلماء وفلاسفة وأتباع المذاهب الدينية، لا يحصون عدداً، وكان لهم عطاؤهم الذي أغنى الحضارة العربية وأضاف إليها نتاجاً طيباً في شتى آفاق المعرفة، ولا سبيل في هذه الكلمة الموجزة إلى تعداد أسمائهم وعلى سبيل المثال لا الحصر عدد من فحول الشعراء في العصر العباسي، ومنهم من الكتاب والمترسلين والأدباء عبد الحميد الكاتب وابن المقفع وسهل بن هارون وابن العميد والصاحب بن عبّاد وبديع الزمان الهمذاني، ومن المفكرين والفلاسفة ورجال المذاهب الدينية إبراهيم بن سيّار النظام وواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وأبو الهذيل العلاّف وأبو بكر الرازي وداوود بن علي الأصفهاني وابن حزم، والرئيس ابن سينا، وحجة الإسلام أبو حامد الغزالي. ومن العلماء بالعربية والنحو: سيبويه شيخ النحاة، وأبو علي الفارسي، وأبو عبيدة معمر بن المثنّى، وغيرهم كثير.

وقد بدأ الاتصال بالثقافة منذ عهد مبكّر، فكان سلمان الفارسي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المقرّبين. وقد تجلّى التواصل الثقافي الحضاري بين الأمتين العربية والفارسية بأجلى مظاهره في العصر العباسي.

وموضوع مؤتمر اليوم هو المخطوطات العربية بإيران، ومن المحقق أن من هذه المخطوطات مؤلفات لباحثين من مختلف الأقطار العربية والإسلامية، وسوف يطلعنا المؤتمر على تفصيل أسمائهم أو أسماء مؤلفاتهم. وأنتم تعلمون أن المخطوطات العربية هي من أثمن الكنوز التي تعتز بها الأمتان العربية والإسلامية، وهي مجتلى تراثهما العريق ومرآة حضارتهما المتألقة.

وعلماً أن الهجمة المغولية على البلاد العربية والإسلامية قد أتلفت قدراً كبيراً من هذه المخطوطات النفيسة، فقد بقيت لنا بقية صالحة منها تحوي زبدة ما ابتدعته عبقرية المفكرين والعلماء والأدباء من العرب والمسلمين من الأمم الأخرى منذ العصر الأموي حتى العصر العباسي والعصور التالية، ولا يخلو بلد عربي أو إسلامي أو أجنبي من جانب من هذه المخطوطات، فهي موزعة في مكتبات العالم قاطبة، وليس ثمة مخطوطات لأمم أخرى تضاهي المخطوطات العربية في هذا الانتشار الواسع. وقد أحصى المستعرب الألماني الشهير بروكلمان في مقدمة كتابه (تاريخ الأدب العربي) المكتبات التي تحوي المخطوطات العربية في مختلف أقطار العالم، فبلغ عددها مع فهارس المخطوطات ثمانية وستين ومئة. وهذا الإحصاء يقفنا على مدى عناية مختلف الأمم بالمخطوطات العربية. ومن الجدير بالذكر في هذه المناسبة أن مجمعنا قد قام منذ إنشائه حتى اليوم بنشر ما يزيد على مئتين من مخطوطات التراث المختارة بعد تحقيقها. والندوة المنعقدة اليوم بعناية المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية سوف تطلعنا على جانب هام من هذه المخطوطات، وهي المخطوطات المحفوظة في مكتبات إيران.

إن في مكتبات العالم آلافاً من المخطوطات العربية، وأكثرها لم يحقّق بعد، وقد خطت الجامعة العربية خطوة سديدة بإنشائها معهد المخطوطات، وقد قام هذا المعهد بجهد مشكور في جمع ما تيسر له جمعه أو تصويره من المخطوطات المحفوظة في مختلف مكتبات العالم، ومن المكتبات الحافلة بالمخطوطات العربية مكتبات تركيا والهند والمكتبة الوطنية في باريس ومكتبة برلين ومكتبة بريل بمدينة ليدن في هولندا ومكتبات بطرسبرغ بروسيا والخزانة الملكية بالمغرب ودار الكتب المصرية بالقاهرة والمكتبة الظاهرية بدمشق، وقد نقل أكثرها إلى مكتبة الأسد الوطنية، ومنها كذلك مكتبة المتحف البريطاني في لندن ومكتبة الإسكوريال في أسبانيا ومكتبة شستر بيتي في إيرلندا.

وفي الختام فإن مجمعنا يتمنى لهذا المؤتمر كل التوفيق والنجاح.

* نائب رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق.



[ Web design by Abadis ]