ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الفصل الرابـع: عالم الألفيات و فن الإنسان الأول

عـالـم الألفيـات

على الرغم من أن تاريخ الفن زاخر بالأسرار ومفعم بالجماليات والفعاليات البشرية فإنه فيما يتعلق بفن الإنسان الأول هناك قائمة من التساؤلات التي تدور حول أول حركة أو جهد فني، تدفع بالقارئ أو المحب إلى عمق التاريخ وألفياته المغرقة في القدم ويلقيه في عالم مجهول غامض.

غموض وعدم وضوح عالم الألفيات يعود إلى غموض الموضوع وتعقيداته وإلى اندثار تلك المعلومات والإشارات الظريفة التي كان من الممكن أن تكون أفضل مرجع ووثيقة تدل على أول إنسان أبدع الفن، وتدل على أول الإبداعات الفنية في الوقت ذاته، وبصورة عامة تشمل هذه القائمة المدهشة الأسئلة التالية:

- ما هو تاريخ نشوء الفن؟

- من الذي خلق الفن الأول؟

- ما الدافع إلى خلق الآثار الفنية الأولى؟

هل كانت الحالة الاقتصادية والمعيشية هي الدافع أم كان الدافع هو الحالة الروحية والنفسية؟ أم الحالة الجمالية؟ أم أنه كان نتيجة للعب والتسلية؟ أو نتيجة لصنعة أو تقنية ما؟ أم أن العشق والعبادة والتوجه نحو المقدس والدين هو السبب؟ أم الدافع كان كل ذلك مع كل ما فيه من التنوع؟

يقول مؤرخو الفن في الإجابة على هذه الأسئلة إن الثروة الفكرية التي يمتلكونها جاءت نتيجة للتحولات الفكرية والثقافية التي تكونت منذ عصر النهضة إلى الآن.

عصر النهضة وتاريخ الفن

يعتبر عصر النهضة قياماً ذا جهتين: فهو من جهة يضاد الماورائية والغائية الإفراطية والميتافيزيقية القروسطائية المسيحية، ومن جهة أخرى يعتبر نضالاً ضد المعتقدات الشرقية، لأن مفكري عصر النهضة كانوا يعتبرون أن الفكر المسيحي جاء نتيجة لنظام المذاهب الشرقية وذو مبدأ فلسطيني (محل ولادة المسيح) وبهذا اتخذت أوروبا طريقين لنجاتها:

١ - العودة إلى الأصول الغربية للفكر والثقافة والفن أي إلى اليونان القديمة وخصوصاً العصرالذهبي وعصر «بارقليط» وهو عصر الاعتماد على العقل والمادة والجسم والجماليات الجسمانية والقيم الدنيوية (مقابل المبدأ الشرقي المسيحي).

٢ - الابتعاد عن الماوراء، الآخرة، النهاية، الغاية، والعالم الآخر. أي التعلق بالدنيا.

إذاً فالفن وجميع ما يرتبط به من نظريات وآراء كغيره من فروع الثقافة نما وترعرع في مثل هذه الأجواء، وعلى أسس كهذه.

وأكدت الحداثة وبكل إصرار منذ عصر النهضة حتى الآن على أن الحس يشكل آلية المعرفة، وأن أفضل متلقٍ للحقائق هو العقل، وأن العالم المرئي المحسـوس هو المخبر والمجال الوحيد للفحص والتجربة.

ففي أواخر القرن الثامن عشر وعلى طول القرن العشرين - الذي يعتبر بوضوح عصرالنظريات الفنية المبنية على أساس العصر الذهبي (عصر اليونان القديم) والمتضمن للعقلانية والاعتقادات المادية الحياتية الرافضة للأمور المعنوية - يبدأ تبلور النظريات الفنية.

وعلى الرغم من أن هذه المرحلة تعتبر في الغرب مبدأ النظريات الفنية إلا أن هناك بعض مفكري الغرب وفنانيه بدأوا يبحثون في الفن عن أصول وأسس غير تلك المباني التي تم ذكرها، ولكن وبسبب تطرف هذه النظريات أو بسبب الجو الحاكم على الفكر بعد النهضة غاصت الأصول الكلية لنظريات تاريخ الفن في التفاسير المادية.

الأسئلة الأساسية لتاريخ الفن

بعد تأسيس أول بناء لتاريخ الفن نشأت هناك بعض التساؤلات نظير: متى بدأ الفن؟ ومن هو الشخص الذي خلق الفن؟ والهدف من ذلك؟ هذه التساؤلات بمجموعها تشكل العناصر الأولية لتاريخ الفن، فهل يمكن الإجابة عليها دون الاستناد إلى إيديولوجيا تنظر إلى تعريف الإنسان والتاريخ وتوضح سيرورة نموهما وتكاملهما؟

متى خُلق الفن؟ : يرجع تاريخ ذلك إلى عصر اختراع وسائل الإنتاج والسيطرة على الطبيعة، أي العصر الحجري حيث استطاع الإنسان صنع آلات سيطر بواسطتها على بيئته المهيبة المستعصية ويسمى هذا العصر بعصر الالتقاط (عصر جمع الطعام).

من خالق الفن؟ : إنه الإنسان، هذا الموجود الزماني الذي نشأ وترعرع على طول الألفيات الزمنية، وتكوّن حسه وذوقه الفني عبر سيرورة خلقه وإبداعه لأدوات الإنتاج.

وعلى هذا نجد أنه إنسان ذو هوية تاريخية، في غابر الأزمان حين بدأ الإنسان بالإبداع الفني، لم يكن يمتلك تكويناً نفسياً خاصاً، ولا ديناً ولا معتقداً، ولا تصوراً، - ولو بسيطاً ابتدائياً - عن عالم ما وراء المادة، وعن النسيج الروحي المتعالي، كان لا يتجاوز الموجود المتطور لفصيل الحيوانات.

ما الدافع إلى الفن؟ : تتفاوت النظريات وتختلف في ذلك فمنها من يقول إن الدافع اقتصادي، وتعتمد في ذلك على عملية تطور صيد الحيوانات عبر استخدام السحر، ومنها ما يبتعد عن المادة ليقول إن الدافع هو الفكرة المبدعة للفن الموجودة في الإنسان الأول والتي تظهر إما بدافع اللعب واللهو أو بدافع ملء الفراغ والفضاء الخالي، ولكنها في النهاية تعتمد على التعريف الأساسي للإنسان، والذي ذكر سابقاً، والذي يعتبر وبشكل نهائي بأن الدافع والمبدأ الفني هو إما مسألة تقنية أو دافع عار عن الهدفية وذاتي المنشأ [١].

فن الإنسان الأول

كان الإنسان البدائي في الألفيات المتمادية لحياته يقارع الطبيعة المخيفة. وبدلاً من أن يقارع في مجتمعه التاريخي كما يفعل إنسان العصر في محاربة الجبارين الظالمين والمستبدين والطبقات المستغلة، كان يحارب في مجتمع الطبيعة الكبير ضد الذئاب والغيلان وباقي الحيوانات، وضد الجوع والطوفان والثلوج والعراء، وبدلاً من أن يكون - كما الإنسان في عصر المدنية - معرّضاً للاستغلال والاستعباد، كان ضحية الكفاح والعذاب من أجل العثور على نبات أو صيد حيوان يقتات به قبل الموت جوعاً. إذاً فما عسى أن يكون البناء الفكري النفسي لهذا الإنسان؟ وكيف يمكنه التعبير عن دوافعه وعواطفه القلبية؟ وكيف أرسى قواعد الثقافة الأولى وكيف كانت تصوراته؟ .

حاول علماء الأنثروبولوجيا والأنثروبولوجيا الفلسفية الإجابة على كل هذه الأسئلة ولكنهم لم يعثروا حتى الآن على جواب شامل ومتناسب مع تعقيدات روح الحضارة البشرية.

كما وحاول علماء الآثار أيضاً الإجابة على هذه الأسئلة بناء على الحفريات والآثار التي ترجع إلى أقدم عصور الحياة البشرية ولكن لم تكن هذه الإجابة متناسبة مع سعة هذه النتاجات الحضارية البشرية. وفي النهاية كرّس مؤرخو الفن ومفكروه جهودهم على التحليل والبحث في النتائج التي حققها باقي العلماء وعملـوا من أجل تدوين تلك النظريات التي تسمى الآن تاريخ الفن، وهي بدون شك لن تكون آخر النظريات في هذا المجال.

لقد تم تحليل شخصية ورؤية الإنسان البدائي كأول خالق للفن وأول منتج للآثار الفنية بأساليب مختلفة تعتمد على ماتوصلت إليه الأنثروبولوجيا الفلسفية، فكانت النتيجة أن هذا الإنسان يفتقر في وجوده إلى حس التعالي والارتقاء إذ أن كل سعيه كان يتجه إلى إشباع جوعته وتحقيق الأمن والتغلب على الطبيعة، وجميع الآثار الفنية الظاهرة في الكهوف أو الألواح الفخارية أو الأدوات تصور لنا جهوده من أجل الحصول على تحركه من أجل كسب قوته بشكل أكثر وأيسر [٢]. وهذا مجمل ما يتعلق به وبأول إنتاجاته الفنية.

يرى «لوي برول» وهو أحد علماء الأنثروبولوجيا، أن إدراك الإنسان الأول للوجود هو إدراك عرفاني [٣] ويعتقد بعدم تطوره الفكري إلى المرحلـة المنطقية. أما «مالينوسكي» فله رأي آخر في ذلك حيث يرى أن حياة ذاك الإنسان كانت ذات اتجاهين الأول دنيوي والآخر ما ورائي، وأن الحياة الدنيوية تعتمد على قواعد وأسس الحياة العقلية.

يعتقد «كاسيرر» أن فن العصر الحجري القديم بما فيه الواقعية المتجلية في الرسوم والنقوش الحيوانية المرتبطة بأول لحظات الثقافة الإنسانية التي يثني عليها علماء الفن، إنما تعبر في الواقع عن الحقيقة القائلة بأن الإنسان البدائي ذو معرفة لا بأس بها بما يحيط به من أنواع وأقسام الحيوانات. وهذه المشاهدات تكفي لنقض النظرية القائلة بالعرفانية الذهنية للإنسان البدائي. كيف كان إدراك الإنسان الأول للعالم؟ هنا يقدم «كاسيرر» تفسيراً جميلاً ويقول: نمتلك نحن أناس هذا العصر نوعين من العلاقة مع العالم: علاقة نظرية [٤] وعلاقة عملية [٥] تتعلق بمجال النشاطات العلمية.

هذا التقسيم يجعلنا ننسى أن هناك علاقة أخرى، فتصور الإنسان البدائي عن الطبيعة لا يعتبر نظرياً صرفاً كما لا يعتبر عملياً صرفاً بل إن علاقته بالطبيعة وكل ما يحيط به هي علاقة عاطفية فحواها الألفة والأنس [٦] (Sympathetical) وعلى هذا فهو يرى أن الفن والأسطورة وغيرها من النتاجات الثقافية وليدة العواطف والميول وذات بناء عاطفي ولا يعني هذا بالضرورة أن الإنسان البدائي كان يفتقد الاستعداد لمعرفة الأشياء بالطريقة التجربية، وإنما يعني ذلك أنه يمتلك إحساساً قوياً مؤسساً على نوع من التشابك والمعاضدة الأساسية التي لا تقبل الانفصام فيما بين الحياة البشرية والحياة نفسها، وهو الطابع الغالب على أكثر الأنواع والصور الحياتية الأخرى. وعلى الرغم من إجماع مؤرخي تاريخ الفن وبشكل كلي على أن بداية الفن كانت عبر سيرورة استعمال السحر في صيد الحيوانات، إلا أننا نجد «مالينوسكي» يعتقد أن السحر في حياة الإنسان البدائي لم يكن وسيلة للنشاطات القليلة الأهمية كالصيد وجمع الحبوب والجذور وجمع الفواكه، بل إن أخذه كتفسير وحافز في نفس الوقت على الشجاعة والاعتماد على النفس هو أكثر صحة [٧].

فما الدافع إذاً إلى بذل الجهود لدراسة الإنسان البدائي والثقافة والفن برغم كل التنوعات والتناقضات والاختلافات الفكرية في النظريات والبحوث الأنثروبولوجية؟ الدافع هو تكريس الفكر الناتج عن عصر النهضة، الذي يرى أن جميع الظواهر تعتمد على المحاور الخارجية، المادية، المعيشية ومظاهر العالم المادي المحسوس، جميع تحليلاتها وتفسيراتها قائمة على هذا الأساس.

بهذه النظرة إلى الإنسان الأول تتشكل نظريات تاريخ الفن معتمدة على أيديولوجية مادية ودنيوية تم صياغتها في القرون الثلاثة الأخيرة.

نظريات تاريخ الفن

المدهش في تقسيمات تاريخ الفن هو وحدة الرأي بين كل من النظريات الماركسية والرأسمالية حيث قسمت أول ألفيات الحضارة البشرية على الشكل التالي.

العصر الحجري القديم [٨]، العصر الحجري الجديد [٩]، العصر البرونزي، وعصر الحديد. فلم يقتصر تأثير هذا التقسيم عبر سيرورة تكامل الفن على الاتجاه الماركسي وحسب بل وشمل عصر الحداثة بكليته أيضاً واعتبر بأنه يشكل أحد الأصول التاريخية التي تعتمدها جميع كتب تاريخ الفن، أي إن المبدأ المادي المعيشي، الأدواتي والتقني اعتُبر بمثابة المهد الأول المفروض على الفن وتاريخ الفن [١٠]. وسيتم إثبات ذلك بعد توضيح مجمل لبعض نظريات تاريخ الفن.

النظرية الاجتماعية للفن

تعتمد هذه النظرية في تفسيرها للفن على امتداد التاريخ على التحليل في أسبابه وعلله الاجتماعية ونرى بأن محور هذا التحليل في أسبابه وعلله الاجتماعية، هو طريقة الإنتاج والعلاقات الاقتصادية حيث يعتمد معظم رأيها على أن (أنواع الفن) ليست أنواعاً من الشعور الفردي التابع للعوامل البصرية أو السمعية وحسب وإنما هذه الأنواع تعتبر رؤية عالمية ترتبط بعوامل اجتماعية عدة [١١]. ويرى «هاوزر» صاحب هذه النظرية أن هذا التأثير يتم ضمن سيرٍ وتطور معقد جداً.

وعلى كل حال، فقد كانت تستخدم في العصر الحجري القديم للسيطرة على الطبيعة أدوات كالحجارة غير المصقولة بأطراف حادة، كما كان يجري تأمين حياة الإنسان ومعيشته عن طريق جمع والتقاط الأطعمة. وبناء على هذا يمكن القول بأن الفن كان وليداً للظروف الاجتماعية المحيطة به. وكان يتجلى فن هذا العصر في أدوات السحر وطرقه المستخدمة في صيد الحيوانات، وهذا ما تعبر عنه الكهوف الحجرية القديمة برسوم عجيبة لتقدمه بأحسن وجه ممكن نظراً إلى أن رسم ونحت أشكال الحيوانات في أعماق الكهوف المظلمة لم يكن ليتم إلا بعد إضاءتها بنور تلك الشعلة المرتجفة، ورغم ذلك نرى أن هناك أشكالاً لحيوانات تم رسمها ونحتها على أكمل وجه ممكن، وكذلك نرى رسوماً قديمة قد اندرست معالمها فنُحت فوقها رسوم جديدة لتكون شاهداً على أهمية النقاط الخفية المظلمة للكهف في عملية السحر.

كما وتدل على مراحل عملية صيد الحيوانات (اللوحة ٣٤) فالسهم الذي كان يخترق جسد الوعل يبدو وكأنه صيداً واقعياً في ذهن الإنسان الأولي الذي لم يعتقد بوجود تمايز بين الصورة والواقع. وكذلك أعماق الكهف لم يكن سوى تمثيل رمزي لرحم الأرض الذي كان يلقي ببذرة الحياة على وجه الحياة المعيشية للإنسان الأول.

على الرغم من أن التفسير الاجتماعي - التاريخي للفن لا يستطيع إثبات القوانين الصعبة والحاكمة على طبيعة العلاقة بين الصورة الاجتماعية والصورة الفنية، فهو يمتلك ادعاءات علمية. ويعتقد «هاوز» بعدم إمكانية العثور على أي شيء يمكن تلقيه كقانون كلي يحكم تاريخ الفن [١٢].

على أي حال، رغم أن الاتجاه الروحي والذهني وكذلك الحياة الفكرية للإنسان الأول أمر غامض بالنسبة لنا، نستطيع القول إن الفن في هذا العصر (العصر الحجري القديم) فن عملي نافع يرجع إلى المعيشة وبالنتيجة يعتبر فناً طبيعياً والدليل القطعي البالغ على هذا الأمر هو تلك الأشكال العائدة إلى العصر الحجري القديم، وبما أن هذا الفن يصور لنا الطبيعة بعينها يمكننا تسميته الفن الطبيعي (Naturalist) وبما أنه أيضاً يصور لنا الحوادث الواقعة نستطيع تسميته واقعياً (Realist).

ثم تتغير طريقة الإنتاج فلم يعد الحجر عادياً بل تحول إلى حجر مصقول وحاد (اللوحة ٣٥) وتكاملت كذلك آلات الكسب والسيطرة على الطبيعة فانتقل الإنسان الأول بذلك من مرحلة العصر الحجري القديم ليدخل مرحلة العصر الحجري الجديد.

كما أن العنصر البشري البدائي انتقل من مرحلة الطفيلية الالتقاطية إلى مرحلة إنتاج الطعام وهذه هي مرحلة الزراعة، وبذلك تم التخلي عن الاقتصاد الطبيعي والاستهلاك الشخصي للصيادين وملتقطي الطعام ليحل محله الاقتصاد الإنتاجي أو اقتصاد زيادة الإنتاج…. كما أن الإنسان البدائي في العهد الحجري القديم كان ذا فكر دنيوي وذا فكر توحيدي مصحوب بتفوق القوة السحرية، إذ لم يكن آنذاك يقسم العالم إلى ناسوت ولاهوت، أما الآن وبما يتناسب مع الاقتصاد الجديد، الذي يخطو إلى معرفة كونية وفكرية ثنائية، لم يعد الإنسان مجـرد صياد حتى يكون مراقباً جيداً لما يجري حوله لتكون رسوماته طبيعية تعتمد على مشاهداته وذهنياته… حيث أقدم فيما بعد بما يتناسب مع النوع الجديد للإنتاج والإدراك المزدوج للعالم (الطبيعة وما وراء الطبيعة) على التجريد في الفن، فأصبح هناك رسومات هندسية وزخرفية، ولم يعد الفن بحاجة إلى الانتفاع لأنه لم يعد في خدمة المعيشة كما كان عليه على طول المرحلة الأولى حيث كان يشكل ردة فعل على الأحوال والأحداث المعيشية الواقعية، وباختصار نقول إن اقتصاد الصيد يخلق فناً طبيعياً، واقتصاد الزراعة يخلق فناً هندسياً يميل نحو رؤية دينية مذهبية (اللوح

ة ٣٦) [١٣].

التاريخية وتاريخ الفن

ترى النزعة التاريخية، أو المدرسة التاريخية، سواء في فلسفة التاريخ أو تاريخ الفن، أن الحوادث مع كونها منسوبة إلى منشأ يفوق الفردية، بما في ذلك المنشأ التاريخي أو الجبري أو الأزلي أو المثالي، فهي ممزوجة بنوع من الفردية.

لخص «وولفلين» [١٤] الخطوط الكلية لنظرياته كما يلي: لا يمكن لأي شيء أن يكون ممكن التحقق في كل زمان، كذلك لا يستطيع الفنان تخطي حدود الزمان، لأنه لا يمتلك سوى بعض الإمكانيات البصرية التي تتحدد من خلالها قدرته التعبيرية. ويقول أيضاً: إن لكل من القدرات البصرية والأشكال البصرية والبرامج التمثيلية تاريخها الخاص بها لتحفظ بواسطة هذا التاريخ قدرتها على السيطرة على جميع الأذواق الشخصية والقومية التي قد يمتلكها الفنان.

في نظريات النزعة التاريخية يعالج تاريخ الفن عن طريق السرد التاريخي لأجزاء الفن، بما في ذلك الدوافع وشخصية الفنان والأساليب الفنية والأشكال الفنية…

يعتقد «ولفلين» إجمالاً أن أية مجموعة من الآثار الفنية لا بد وأن تخلق ضمن ظروف جبرية خاصة وليس في كل الظروف، وأن من أهداف (تاريخ الفن المجهول) التأكيد على عدم تأثير الفنان في خلق الآثار الفنية مستنداً في ذلك إلى وجود مجموعة من الظروف الحاكمة تؤدي مجتمعة إلى ظهور الأثر الفني، وأن تاريخ الفن ليس تاريخاً لتقليد الطبيعة وإنما هو تاريخ التفنن في عملية إدراك النور، أي تاريخ الظروف الفيزيولوجية والنفسية لكل تعامل خاص مع العالم الخارجي. فهو يبحث تاريخ التكامل الاجتماعي، ولذلك يؤكد قائلاً: حتى ولو سلمنا بأن الإنسان ينظر إلى الأشياء كما يراها قلبه فلن ينفي ذلك أن هناك قانوناً حاكماً على التغييرات على عملية الرؤية.

ويرى «ولفلين» - خلافاً لعلماء الاجتماع - أن تكامل الأساليب لا يرتبط بالظروف الخارجية إنما هو تابع لشبكة من القوانين الداخلية التي تختلف باختلاف أنواع الفنون (الشعر، الرسم، الموسيقى، المسرح). فالأسلوب الذي تشترك فيه الفنون البصرية ويحكمها ليس له أي تأثير على الفنون غير البصرية. على الرغم من التعديلات التي أجراها «ولفلين» على اتجاهه ومذهبه الفني أصر على الأخذ بأن تكامل الفن هو عبارة عن سيرورة مثقلة وتابعة للضرورة الذاتية التي لاتقبل وبشكل كلي الجدل في الفرض الأساسي لنظرية (تاريخ الفن المجهول) ويقول بأن الهدف الواقعي لتاريخ الفن المجهول، هو تجريد تاريخ الفن من أي طارئ يؤدي إلى ظهور تحولات اتفاقية واختيارية وتقديمها باعتبارها تجل وظهور لقوانين ذاتية قوية وضرورية.

ثم يوضح في شرحه لنظريته مسألة تكامل الأساليب قائلاً: إن تكامل الفن سيرورة مستقلة وتابعة للضرورة الذاتية. وإن أي مضمون لا يتحقق إلا ضمن إطار مفهوم صوري خاص، وما الآلة الحسية سوى عنصر هام في عملية التشخيص وليست شيئاً محسوساً.

إن الغرض الأساسي لتاريخ الفن المجهول يكمن في أن تتكامل (رؤية التاريخ) وتتسع متطابقة مع منطقه الذاتي وقوانينه الذاتية وباستقلالية تامة عن التأثيرات الخارجية التي لا تمثل البيئة الاجتماعية وحسب بل تشمل أيضاً الطبيعة النفسية للفنان أيضاً [١٥] وهذا النوع من العلل الباطنية الداخلية يشكل جزءاً أساسياً في فكر نظرية تاريخ الفن المجهول الذي أرسى دعائمها «ولفلين» حيث حوّل تاريخ الأهداف والدوافع الشخصية للفنان إلى تاريخ للأشكال والمسائل غير الشخصية وجعل منها تفسيراً تاريخياً.

فنظرية (المنطق الذاتي) الجبرية التي تعتبر من أهم العناصر النظرية لتاريخ الفن المجهول طُرحت من قبل ريجل بصورة أخرى، حيث أنه ومع اعتقاده بالفكر الخالق للفن يرى أن الأساليب الفنية ترتبط بالعودات الدورية التي تظهر في الآثار الفنية بأشكال مختلفة.

كما ويطرح نظرية (القصد الفني) أو (الإرادة الفنية) عبر انتقاده لنظرية «سمبر» [١٦] المادية الذرائعية التي تعتبر أن الصناعة والتقنية تشكلان مبدأ الفن، وكذلك يقدم أيضاً نوعاً من المعنوية في مقابل الاتجاه الطبيعي السائد في زمانه، كذلك وعبر دفاعه عن نظرية (الإرادة الفنية) يرى أن قدرات وضروريات الفنان بالإضافة إلى التقنية والمادة تشكل مجتمعة السبب المكون للأسلوب والأثر الفني.

وبإعلانه عن الإرادة الفنية ينكر المثيرات والهواجس الباطنية للروح الإنسانية على الرغم من اشتراكه مع «ولفلين» في الرباط الخاص بين الضرورة الذاتية للأسلوب الفني ومنطق الرؤية المحض. إذاً وعلى كل حال فإن كلاً من «ريجل» و «ولفلين» يؤمن بالجبر في المجال الفني إلا أنهما يختلفان فأحدهما يعتقد بالجبرية الذاتية للأسلوب وهو «ولفلين» وآخر يعتقد بالجبر الناشئ عن ضروريات الإرادة الشخصية وهو «ريجل».

النظرية النفسية في الفن

لم يقدم علم النفس نفسه كنظرية في تاريخ الفن وإنما طرح نفسه في مجال تاريخ الفن كأسلوب مفيدللتحليل الفني.

يؤكد فرويد على تدخل اللاشعور الذهني في الفنون، ويرى أن الخلق الفني يفيض بصورة بواعث ذاتية ولا إرادية من المكامن الخفية للذهن، لأن الفنان - وحسب ادعائه - شخص انطوائي ذاتي يصطدم بالمحيط الخارجي بصورة دائمة فيلجأ لكي يتخلص من هذه القيود إلى دنياه الباطنية وما فيها من آمال وخيالات وأحلام، وهناك يعثر على نفسه المباشرة فيحقق آماله ولكنه في الحقيقة يكون قد وقع في مسيرٍ تبديل آماله اللا واقعية ليصل إلى أهداف معنوية لا يمكن تحقيقها إلا مجاملة، فالمادة الأساسية لهذه الطموحات المنكوسة عند «فرويد» هي الغريزة الجنسية وعليه فإن استمرارية الحس اللاشعوري والعجز النفسي عند الفنان يتبدلان إلى أشكال فنية. ويرى «فرويد» أيضاً أن الفن ينشأ نتيجة للنقص الجسدي والرهافة والدقة العصبية [١٧].

وفي مقابل هذا الرأي نرى رأي النفساني الكبير «يونغ» الذي يعتبر النموذج الأصلي (البدائي) أول العناصر التصويرية التي تنتقل باستمرار عن طريق الثقافة إلى أعماق اللاشعور عند الإنسان فتتسرب عبر زوايا الذهن الخفية لتظهر في الأحلام أو في الآثار الفنية ويجعل من ذلك مبدأ للتحليل ومعياراً له، فالنماذج البدائية التي تعتبر خلاصة الطقوس، والشعائر، والسلوك، والثقافة، واللوحات في مراحل حياة الإنسان الأول لم يظهر بصورة واقعية (Figuratiue) فقط بل ظهرت أيضاً بصورة تجريدية في جميع مراحل الحضارة البشرية وكان ظهورها على أشده في الآثار الفنية وكذلك في سيماء تنظيم المدن وبناء ميادينها.

نقد نظريات تاريخ

هل يمكن لنا أن نقيس عطر الورد بواسطة الميزان؟ وهل يمكن تقويم إيثار الأم وتضحيتها بالأمتار؟ وهل يمكن تقويم العشق البشري الشريف عن طريق الحجوم؟ لا يمكن قطعاً للعقل الصحيح والذوق السليم أن يتقبل هذه المقاييس اللامتجانسة، وكذلك الأمر في موضوعنا، فحديث التقسيم على أساس الحجر وعلى الرغم من فائدته في تحليل الحياة المادية للبشر واعتباره عنصراً هاماً في تاريخ التقنية، فهو لا يفيد البتة في تحليل وتقويم الفن. ومن الواجب البحث عن عناصر أكثر دقة وتعقيداً حتى يتم تحقيق السنخية اللازمة مع أكثر عناصر الثقافة البشرية رمزية. والمشكلة الأساسية الأخرى في تاريخ الفن، هي تعريف الإنسان، فتاريخ الفن يعتبر الإنسان الأول إنتاجاً تاريخياً صرفاً وذا هوية تاريخية أكان ذلك على الطريقة الماركسـية والآلية التي تعتبر الحضارة والثقافة البشرية نتاج للظروف العملية وحسب قول «ماركس» (الحياة بأكملها ليست سوى صيرورة الفرد إنساناً بواسطة العمل). أو كان ذلك على الطريقة المغايرة للماركسية والتي تتعلق أساساً بدنيا الرأسمالية التي تفقد الإنسان الذي تكوّن جوهره الوجودي الاستعلائي بصورة تدريجية عبر صيرورة التاريخ. كما أن نوعية المصادر العلمية لتاريخ ال

فن ومحدوديتها تعتبر من معضلات التدوين في تاريخ الفن.

وكذلك فإن بعض العلوم كعلم الآثار، وعلم الأنثروبولوجيا، وعلم الأنثروبولوجيا الفلسفية، وفلسفة التاريخ، والأيديولوجيا الماركسية، وسائر الإبداعات الفكرية الأخرى منذ عصر النهضة وحتى هذا الحين تعتبر علوماً ناقصة وقاصرة من ناحية استخدامها في تفسير الفن ونظراً لاستخدامها الهادف والمغرض.

وقد يمكننا القول في النهاية أن البعد الواحد في عمليات التنقيب الأثرية يعتبر من أهم المشاكل الأساسية التي تعترض مدوني تاريخ الفن، وبما أن نتائج التنقيب الأثري تشكل أهم المصادر والوثائق التاريخية لباحثي التاريخ الفني في عملية توضيح وتفسير الفن الأول فلا بد لنا هنا من التساؤل عن أية أعمال حفرية تم العثور فيها على المعتقدات، والنظرة الكونية، والعواطف، والتفسير الرمزي للكون، والشعائر والطقوس والسلوك وبصورة كلية كيف تم الكشف عن البواعث والدوافع غير المادية لصناعة الأشياء؟ وكيف يمكن التوصل عن طريق الحفريات إلى الحياة الباطنية الروحانية والعاطفية للأقوام الغابرة وعلى الخصوص الإنسان الأول؟

يذعن جميع مؤرخي تاريخ الفن بأنه ليس من الضرورة أن تأتينا البقايا الثقافية للحضارة البشرية عن طريق الحفريات والتنقيبات الأثرية فقط، ومن الممكن أن تبقى أدوات الإنتاج الحجرية الأولى سالمة تحت التراب والحجارة عبر آلاف السنين. ولكن ما السبيل إلى كشف الحياة النفسية، الاعتيادية والفكرية للإنسان الأول عن طريقها؟

فسؤالنا هذا لا يهدف إلى توقيف البحث وإنما يهدف إلى خلق الشك والترديد في النظريات التي توحد تاريخ الفن المعاصر والتنقيبات الأثرية للقول بأن الثقافة البشرية هي حصيلة الحجر وأدوات الإنتاج، أي القول بأن الظواهر اللاحسيّة كالثقافة مثلاً هي فقط نتاج ما يمكن أن يبقى طويلاً وبصورة عينية ملموسة تحت التراب.

إن الإدلاء بهذا النقد إنما هو للكشف عن الدعائم الأولى للثقافة البشرية والانتقال بها إلى مجالات أخرى في العلوم الإنسانية والرؤى الدينية، ولابأس من الإشارة هنا إلى المؤرخ الماركسي «غوردون تشايلد» الذي يشير إلى حفريات تتعلّق بإنسان النياندرتال [١٨]، إذ تشير هذه الحفريات إلى عمليات دفن وسائل الحياة الأولية مع الإنسان الميت فيستنتج منصفاً أن هذا الأسلوب ناشئ عن اعتقاد بالعالم الآخر كان موجوداً في ذهن الإنسان البدائي، وإن دلّ هذا الاستنتاج على شيء فهو يدلّ على التعقيد والتعدد في أبعاد الذهن والبناء النفسي عند ذاك الإنسان البدائي بما في ذلك إنسان ما قبل الإنسان المفكر [١٩].

جميع هذه النظريات المنبثقة عن العصر الجديد تجعل الإنسان يعتبر أول خالق للآثار الفنية إما ذا ماهية اجتماعية صرفة أو ذا ماهية تاريخية صرفة، وبرأي الجميع يفتقد هذا الإنسان جميع العناصر السابقة على التجربة [٢٠]، والتاريخ، وكذلك فهو يفتقد الإرادة التي تعتبر من المميزات الأساسية للإنسان.

وكما يقول «ميرجا إيلياده» أنه وعلى الرغم من أنّ الإنسان الحديث قد فقد حبّه للحياة في العالم القدسي فإن تلقيه عن ذاته يعتبر تلقيّاً ومعرفة تاريخية [٢١] وهذا التلقي ناشىء بلا شك عن العصر الجديد الذي أسست دعائمه منذ عصر النهضة.

فمع هذه المجموعة من التفاسير لم يأخذ مجال الفنّ أو تلك الجمالية التي يختص بها أيّ اعتبار سواء كان ذلك في منشأة أو في سيرورة ظهوره على عجلات التفاسير الاجتماعية والشروح التاريخية الجافة، لا بل نرى أنه قد أرجع إلى أقلّ مزايا الشخصية الإنسانية أهمية وهي الغريزة الجنسية «نظرية فرويد» كذلك على الرغم من جمال هذه النظرية أُرجعَ إلى النماذج والمثل البدائية التي تحكي لوحات تعبيرٍ عن السلوكيات التاريخية القديمة (نظرية يونغ).

وهكذا فإن النظريات التاريخية تحمل سيرورة الخلق الفني بأنواع من المفترضات الإجبارية التي تجعل من الإنسان الخالق للفنّ تابعاً للقوانين التاريخية الحديدية الصارمة فلا يستطيع إلاّ أن يسمح عندئذٍ لإنتاجيات الجبر والضرورة أن تعبر روحه لتخرج بصورة منتوجات فنيّة صنّعت في مصنع التاريخ العظيم، ولا يعتبر هذا الإنسان سوى عضو ضعيف قليل الأهمية بين أعضاء هذا المصنع.

حتى أولئك الذين يرجعون الفنّ إلى التاريخ أهملوا عبر هذا التحليل الجوهر الفني الخاص الذي مازال باقياً رغم جميع التحليلات للصور المتنوعة الاجتماعية والتاريخية والروحية المتمثل بالجمالية.

يرد على النظرية الاجتماعية للفن انتقادان رئيسيان الأول أن تاريخ الفن الاجتماعي وضع نظرية مطلقية المادة التي لا تقبل الجدل مكان نظرية مطلقية الروح والتي هي الأخرى لا تقبل الجدل، أي أنه بدّل لا هوتاً بلاهوت آخر.

ولقد أجاب علماء الاجتماع على هذا النقد بالتبرير الذي طالما استعمله أتباع الماركسية الجديدة حيث يقول هؤلاء إن «ماركس» لم يكن يعتقد بالتأثير الدائم للمادة على المعنى، إذاً لانجد هنا إي إطلاق، ولكن حتى إذا تصورنا إرادة الفنان الحاكمة على عملية الإبداع الفني فإننا في النهاية نتوصل إلى أن هذه الإرادة حصيلة الظروف الاجتماعية.

هذه الإجابة تؤكد لنا حقانية الانتقاد المطروح (لاهوت المادّة بدلاً من لاهوت الروح) إلى الحدّ الذي تُعتبر فيه إرادة الفنان نتيجة للظروف والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية.

الثاني: الانتقاد الذي كثيراً ما أشار إليه نقاد النظرية الاجتماعية للفن والقائل بأن نقل الفن إلى مجال التحليل الاجتماعي يفرّغ الفن من معانيه واعتباراته ويحدّد خصائصه.

في الإجابة على هذا النقد يقول علماء اجتماع الفن: إن التركيز على الخصائص الجمالية هو انحراف بنفسه، لأن سيرورة تطور الفن كانت قد بدأت باستعمال السحر (من أجل صيد الحيوانات) ومن ثم استخدامه في مجال الأديان الروحية إلى أن رقى ودخل في مجال الشكر والثناء لله الواحد ونوابه الأرضيين، وفي النهاية ومع ابتعاد الفنّ عن المجتمع تحوّل إلى فنٍ من أجل الفنّ وبذلك يكون الفنّ مبنياً على الجمالية الصرفة وهذا بحد ذاته يعتبر مرضاً وعقبة أمام مسيرة تطوّر الفن ورقيّه [٢٢].

لما كانت إجابات أتباع المذهب الاجتماعي للفن بكليّته ناتجة عن نظامهم ونسيجهم الفكري الذي يتعلّق برؤيتهم التاريخية للإنسان البدائي والإنسان على طول التاريخ فانهم لن يستطيعوا أبداً ملء هذا الشرخ، وتعويض ما أضاعه التاريخ الاجتماعي للفنّ، نظراً لفراغه من أية فكرة أو نظرٍ ميتافيزيقي ما ورائي أو معنوي عاطفي يمكنه من خلاله التعبير عن جوهر الفن الجمالي المستمدّ لوجوده من وجود الإنسان الخاص والذي من أهمّ خصائصه استذكار الصور والكيفيات السابقة للتجربة وتاريخ الوجود الإنساني والقائمة بدورها على أسس ومبادىء الاستعلائية والسماوية للروح البشرية.

الاتجاه الديني والفني الأول

من هو الخالق الأول للآثار الفنية؟ من المعلوم وللأسف أننا لا نملك أية معلومات عن الشخص الذي بدأ خلق الآثار الفنية بما في ذلك المتعلقة بالرسم والنحت والتعريق والمسرح والغناء، إلاّ أن هذه الآثار المدهشة سواء كانت بصورة طقوس مسرحية شعائرية أو بصورة تشكيلية على جدران الكهوف والألواح الفخارية المتكسّرة أو بشكل مراسم دينية عبادية ما زالت حتى اليوم تثير دفائن أذواقنا الفنية بدهشة وإعجاب وتنتزع احترام كبار باحثي الفنّ.

وعلى الرغم من ذلك فلقد كان هناك إفراط وتفريط في عملية التعريف بالخالق الأول للفنّ حيث اعتبره البعض موجوداً لاهوتياً محضاً بينما اعتبره البعض من مؤرخي تاريخ الفن موجوداً مادياً محضاً، والأبحاث الأنثروبولوجية - بسبب التنوع والتشعب الموجود - لم تصل بعد إلى نتيجة يمكننا من خلالها إدخال نظرية متكاملة في أبحاث الفن النظرية، ولكنها - بمقدار ما توصلت إليه من نتائج - تدفعنا إلى الشك في نظريات تاريخ الفن أو اليأس منها، فالجرأة على نقد النظريات وإعطاء آراء جديدة لا يملكها إلا الذين أدركوا أنفسهم وانكبوا على البحث والتحقيق مرة أخرى في الأفكار الجزمية القطعية.

فلقد توصلنا فيما يتعلق بأول إنسان خالق للفن إلى أن نظريات مؤرخي تاريخ الفن تشكّل امتداداً للنظريات المادية التابعة لماركس التي تعتبره قرداً متطوراً. أو تعتبره على الأقل ذا نسيج وتركيبة غير روحانية. والواضح أن هؤلاء قد أنكروا كلّ ما يمت فيه إلى الماورائية والمعنوية بصلة وقدّموا جميع نظرياتهم على أساس أن الإنسان موجود مادي صرف يحكمه التاريخ والزمن.

في حين أننا نجد أن «ابن عربي» كغيره من العرفاء يقدّم نموذجاً مثالياً عن الإنسان ويعتقد بأن الإنسان الأول كان إنساناً ويريد بذلك أن آدم (ع) كان قد تجلّى بجميع الكمالات الروحية والمعنوية التي من الممكن أن يصل إليها الإنسان على طوال حياته أو على امتداد تاريخ البشرية [٢٣]، وعلى هذا فالإنسان الأول هو إنسان سابق للتاريخ ويمثّل النموذج الأكمل والأعلى من أجل «إدراك الإنسان الأول ومعرفته» فهو في الحقيقة مظهرٌ للقدرات الإنسانية الكامنة بالقوّة والتي قد تصل إلى مرحلة الفعلية حسب مقتضى الظروف والعلاقات.

الإنسان الكامل هو ذاك الإنسان الذي يمثّل النموذج الأزلي لكلّ فردٍ في الساحة البشرية إذ تكتسب حياة الإنسان من خلال التأسي بهذا النموذج روحها ومعناها وهذا من الأبحاث العرفانية التي لا جدل فيها، وهذا الإنسان ذو هوية تمتد في أصولها لتخرج عن طور الزمان والتاريخ، فلو لم يكن هذا الإنسان لما قامت الحياة، وإن رأس سلسلة الكاملين من البشر هو خاتم الأنبياء رسول الإسلام (ص).

فبالاعتماد على النصوص الدينية الإسلامية، وبالنظر إلى النظريات المتفاوتة والمتنوعة الإنسانية والأنثروبولوجية التي تمّ ذكرها، نصل إلى أن الإنسان البدائي كان يمتلك الدافع إلى التعالي والرقي كما كان يملك القدرة على تحقيق ذلك على الرغم من أن الإنسان - حسب الرأي القرآني - لا يعرف شيئاً في البداية [٢٤]. ولكن عدم المعرفة هذا لا يعني إلغاء القدرات والاستعدادات الكامنة في تركيبته الروحية والموجودة على شكل ودائع تزخر بها النفس، فهو ذو استعداد وامكانية على الإرتقاء والتسامي الروحي والوصول إلى ما وراء النفس، وكذلك يمتلك دوافع مختلفة وأهمها السير نحو أسمى المفاهيم الدينية والروحية والجمالية، هذه الدوافع تصبح من خلال البيئة الطبيعية والاجتماعية والسياسية والمعيشية وسيلة لصناعة النفس وصقلها وبعبارة أخرى تصبح وسيلة لاسترجاع الذات وفهمها.

وبقول آخر: فالبيئة الطبيعية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والمعيشية تشكل أرضية مناسبة لإيصال الطاقات الكامنة العليا إلى مرحلة الفعلية التامة.

وهنا ينعكس التمايز الأساسي بين نوعي النظر إلى الإنسان أي بين هذه النظرية والنظريات الأساسية لما بعد عصر النهضة وخصوصاً عصر التنوير إلى اليوم، والذي يتجلّى في آثار مؤرخي تاريخ الفن. فهؤلاء جعلوا لاهوت المادّة بدلاً من لاهوت الروح.

وبناء على النظرية المطروحة في هذا النقد، نرى أن الإنسان يرتقي من مرحلة «الناسوت» أدنى المراتب إلى مرحلة اللاهوت أعلاها، كما ويعتبر الناسوت الفضاء والمجال المناسب للسعي الفكري والنفسي والروحي.

وما يجدر ذكره هنا تلك المقولة الرائعة التي أدلى بها «هيجل» والتي تتعلّق بمعرفة الذات عند الإنسان «الهادف» فهو يعتقد أن الإنسان «عارف بالذات» وهو على اطلاع تام بواقعيته ولياقته الإنسانية، وهنا يبرز الفرق الأساسي الذي يميّزه عن الحيوان الذي لا يرقى إلى ما هو أعمق من نفسه البسيطة. بينما يحقق هذا الإنسان موجوديته بواسطة «الهدف» وبذلك تنكشف «الأنا» له وللآخرين والتي تختلف بطبيعتها عن «غير الأنا» لا بل وتقابلها، إذاً فإن وجود الإنسان الصرف (الوجود الفعلي) يتضمن الهدفية كما هو مسبوق بها [٢٥].

ولا خير في الإشارة هنا إلى أنّ الأهداف التي يقصدها «هيجل» هنا حسب قوله هي الأهداف المعنوية الإنسانية، وبغير هذا فإن الماديّة تلغي الاختلاف بين الإنسان والحيوان، فمن الممكن أن يكون المضمون المعني للهدف هو الحنين إلى الوصال والميل إلى ما هو أعمق من النفس أو من الممكن أن يكون هو النفس الإبداعي الخلاق أو الميل إلى التقليد، أو أنه مجموعة العواطف كالشوق والوجد وغيرها، أو حب الإطلاع أو المعرفة، أو إقامة أوثق علاقة مع هذا العالم، أو التناغم والانسجام مع البيئة أو تحقيق ما يجب أن يكون على الرغم من أنّه غير كائن، ومن الممكن أن يكون هذا الهدف عبارة عن آمال دينيّة كما ذكر في بعض النصوص الدينية:

«يا منى قلوب المشتاقين، وغاية آمال المحبين» [٢٦]، كما ويمكن أن تكون هذه الآمال في بعض الأحيان غير مكتوبة وغير مخطوطة، والتي كثيراً ما كانت بالنسبة للإنسان الأول تشكل دافعاً لا شعورياً لحركته الجمالية الفنية وذلك نظراً إلى أن الإنسان يعتبر في الواقع تركيبة للمادة والمعنى، كما أن الحركة نحو التعالي والسمو، وفي النهاية الطاعة والعبادة تمثّل غايته الوجودية [٢٧].

نجد إذاً أن تفسير المساعي والجهود الثقافية الأولى للإنسان على أنها جهود مادّية بأهداف معيشية صرفة يعتمد بالدرجة الأولى على التعريف المادي للإنسان وبالتالي على سلب قيمته ورتبته الشرفيّة الذاتية منه، وعلى هذا فالإنسان الأوّل الخالق للفن كان موجوداً يمتلك بشكل فعلي بواعث مادّية ومعيشية لضمان استمرارية وجوده وتأمين منافعه، بالإضافة إلى وجود دوافع متضادة بالقوة كالخير والشر، والتقوى والفجور، العدالة والظلم، والعبادة والجمال والتبعيّة. هذه الدوافع الفطرية الكامنة في حالة «القوّة» وصلت إلى «الفعلية» من خلال احتكاك بعضها ببعض واصطدامها بالبيئة الخارجية.

إذاً وبناء على ما تقدّم نرى أن مقدمة خلق الآثار الفنية عبارة عن سيرورة معقدة ساهم فيها كل من الاتجاهين الباطني الذاتي، بما في ذلك الدوافع الاستعلائية الخيّرة والنزعات الشريرة والنسيج الروحي والنفسي والشهود الباطني المتعلّق بالمثل الحياتية والعرفانية، والخارجي بما فيه العالم الخارجي والبيئة الاجتماعية بكلّيتها والطبيعة مع كل ما فيها من نعومة وخشونة وباقي البشر.

ومن خلال مواجهتهما فإن التجارب الجمالية سوف تظهر وتتحقق، وبعبارة أخرى فإن هذا الكلام وهذا البحث يتعلّق بالتوجه الأساسي «الغربة».

فهناك لحظة يقف فيها الإنسان مع نفسه أمام هذا العالم فينتابه فيها الشعور بالغربة والفراق، هذا الفراق الناشئ عن طبيعة البناء الروحي الاستعلائي وكذلك عن التمايز فيما بين الدوافع والبواعث الذاتية الباطنية. يتطلّع إلى الارتقاء والغوص إلى ماهو أعمق من الذات فتجلّى ذلك صوراً إبداعية وجمالية محققة، وفي هذا يكمن اختلافنا مع مؤرخي تاريخ الفن بالنسبة لمسألة أول خالق للفن.

نحن نعتقد أن هذا الإنسان كان يفكر في لحظات معيّنة ويدرك أنّه ليس من جنس الطبيعة مهما يكن هناك من تناغم وانسجام معها، وكما ذكر «كاسيرر» في أنه على علاقة رقيقة وعاطفية مع الطبيعة لأنه كغيره من الموجودات الطبيعية يطوي مسيرة الولادة والتكاثر والتغذية والنمو وفي النهاية الموت. فهو من هذا الجانب مشترك المصير مع الطبيعة، رغم أنّه غريب عنها فمجتمعه الذي يعيش فيه هو العالم الخارجي وهو يسانخه من جهة ولا يجانسه من جهة أخرى، وبذلك يتعاطف مع البيئة من جهة ويشعر بالفرقة والغربة والوحدة من جهة أخرى وفي هذه اللحظات يظهر خالق الفن.

هاجس الغربة والعودة إلى السماء

إن هاجس الغربة الذي يعتبر «جوهر الفن» ناشئ عن التركيبة الشخصية التي كثيراً ما تحدثنا عنها.

إذاً وللإجابة على السؤال القائل من أول خالق للفن؟ نقول إن الإنسان بطبيعته الروحية النزّاعة إلى القيم الخيرة والشريرة، وبوديعته الروحانية المعنوية التي تمثل حب التعالي والعروج في المراتب العليا (السموات) الكامنة بالقوة، ومع الدوافع الحياتية المعيشية المتحققة بالفعل خاض تجربة خلق الآثار الفنية فكانت اتجاهاته الاستعلائية فيها خير إشارة إلى مبدئه الإلهي، فهو من الناحية البيئية نوع كامل من الحيوان ويملك من الناحية الروحية المقدرة على الوصول إلى أعلى المراحل وأسمى القيم كالعدل والعقل والجمال والإيثار والفن، وفي النهاية عشق الله وعبادته. هذا المبدأ السلوكي الجمالي والنتاجات الفنية للإنسان يمثلان على وجه الدقة نزعة التعالي والعروج إلى الماورائيات وتحقيق الوصل مع السماء، فالإنسان الغريب في الأرض لابد وأن يبحث له عن جليس وحبيب في أفق أسمى ولا يتم ذلك إلاّ بجهد معرفي جمالي.

أسلوبية تصنيف الدوافع

هناك طائفة من الأسئلة: ما الدافع إلى خلق الفن؟ إنتاج للطعام أم تلبية للحاجات البيئوية؟ أم كان استعمالاً للسحر بعنوان أنه وسيلة لزيادة كمية الطعام وتسريع عملية الصيد؟ أم كان الدافع هو إجراء الشعائر والطقوس؟ وهناك أسئلة أخرى تقول: هل كان إبداع تلك الرسوم الموجودة في أعماق الكهوف كالتي في كهوف ميرمبلاس في محافظة لورستان (إيران)، ولاسكو في فرنسا، وآلتاميرا في إيطاليا وأيضاً تلك الرسوم الموجودة على الأدوات والمحفورة على قرون الثيران وعلى الأبنية الفخارية والتي تم العثور عليها في هضاب سيلك بدوافع معيشية واقتصادية؟ أم كان هناك دوافع أخرى؟ . وهذا ما يمكن بحثه بواسطة الأسلوب الجديد المتبع فيما يتعلّق بالأبحاث الفنية في هذا الكتاب.

إن الأسلوب الجديد المتبع في تصنيف الدوافع يضع أمامنا توقعاً جديداً ولكن يجب أن نكون من الآن فصاعداً أكثر قلقاً لأنه سيكون هناك اتجاهان افراطيان في تاريخ الفن:

١ - تحليل تاريخ الفن والبحث فيه على أساس اللاهوت وتبديله إلى إلهيات جديدة.

٢ - تحليل تاريخ الفن بناء على التحليلات الاجتماعية والاقتصادية الصرفة، وهذا يعني الغوغائية ذاتها التي وقع فيها المؤرخون لتاريخ الفن فحوّلوا بذلك تاريخ الفن إلى علم الجمادات وتصوير المعيشة وأدوات الإنتاج وامتنعوا عن الإجابة والإيضاح أمام الأسس الجمالية للفن.

ينقسم التصنيف القائم على أساس التمييز بين الدوافع حسب الأسلوب الجديد إلى قسمين:

١ - الدوافع المعنوية الاستعلائية الحاضرة في الفن شعورياً أو لاشعورياً والتي تتمتع بجذور عاطفية باطنية أو بمعلومات ماورائية وتتعلق ببناء الإنسان ونسيجه الروحي.

٢ - الدوافع المنبثقة عن الحاجات المعيشية والبيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية.

فالآثار الفنية الأولى تتعلق في آن واحدٍ بكلا المجموعتين اللتين تمتزجان وبصورة لا تقبل الانفصال أبداً وتحذوان بنا في النهاية إلى القول بأن الكشف عن المنبع الأساسي للخصائص الجمالية في الآثار الفنية لا يمكن له البتة أن يعتمد المنشأ الاجتماعي والاقتصادي، بل من الواجب له أن يبحث عن منشأ آخر يعيشه الإنسان وهو ذاك الاضطراب والهاجس الباطني الاستعلائي الذي انعكس بصور اجتماعية وثقافية بما يتناسب مع الظروف الطبيعية والاجتماعية الخاصة متخذاً الشكل المناسب.

هذا الأسلوب يعتبر أحد الأساليب التي اتبعها علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) وعلم النفس وخصوصاً فيما يتعلق بالأسطورة [٢٨] التي تتمتع بنسيج فكري نظري [٢٩] وعلى هذا يمكننا الاعتماد على نوعين من التصنيف في عملية تحليل الظاهرة الثقافية: أحدهما التصنيف على أساس الموضوع، والآخر على أساس الدافع أو حسب تعبير «هيجل» الهدف (الأمل)، هذا التصنيف يشبه أسلوب التحليل الذي اقترحناه.

هناك ومن حيث أن الأمور المادية والمعنوية النفعية منها وغير النفعية في غاية التشابك فإن استعمال هذا الأسلوب يؤدي كالنور الكاشف إلى كشف الكثير من الدوافع الغامضة المتواجدة في الآثار الفنية القديمة، وقد يكون رسم ما نتج عن دافع منبعث من ثنايا الروح الرقيقة للإنسان الأول أو قد يكون منبعثاً بدافع هواجس واضطرابات روحه الغريبة ما يؤدي به إلى إيجاد صورٍ وأشكال جديدة ومتنوعة تكسر وحدته وتجلب لروحه الغريبة الأنس في أجواء جديدة.

هذا التصنيف قائم على أساس الدافع حيث الدوافع المتعالية، ومن الممكن في الوقت ذاته أن يكون هذا الرسم متضمناً لموضوع الطقوس والشعائر والمراسم المتبعة في الصيد، حيث أن معيار هذا التصنيف هو الموضوع، ومن خلال تشابك هذين المعيارين توجد التجارب الجمالية، وكما قال «كاسيرر» «الطبيعة كلّ واحد، الشمس، الشجرة، الظهر، الماء، البحر، …. والمناظر الجميلة، ولكن الفنان وعبر مشاهدةٍ تصويرية يضفي عليها بعض التنوع ثم يرسمها، وكذلك فإنه يكتفي بتلقي خصائص الأشياء العامة والثابتة المحيطة بنا في عملية الإدراك الحسي، ولكن الثراء الموجود في التجربة الجمالية أساساً غير قابل للمقارنة مع المعرفة أو الإدراك الحسي، فالتجربة الجمالية تثبت لنا أن الاستعدادات الكامنة بالقوة والتي لا تحصى لم تكن لتتحقق بالفعل أبداً عبر التجربة الحسيّة اليومية، في حين نجد أن هذه الاستعدادات تصل إلى الفعلية في الآثار التي يبدلها الفنان ويزيح الستار عنها لتكون صورة معيّنة، ومن إحدى ميّزات الفنّ الكبرى وأشد الحوادث الفنيّة عمقاً وتأثيراً إيجاد خصوصية الحضور اللامتناهي للصور والأشياء الظاهرية [٣٠].

اعتماداً على هذا الأسلوب يرى العالم الاجتماعي المعرفي «ماكس شيلر»: أنه لا يمكن وفي أي وقت كان القول بأن الأسلوب أو حتى المضمون النادر والموجود في كنيسة كولن ناتج عن نوعٍ خاص من الظروف الاقتصادية. ويقول في مكان آخر «الظروف الاجتماعية سبب للحدوث وليست علّة لوجود العوامل والمؤثرات المعنوية، وإن كل ما يمكن لها أن تفعله هو أن تساهم في إضفاء طابع العينية والتحقق على ما يوافق أو يطابق الحياد الاجتماعي» [٣١].

هذه النظريات المتعلقة بعلماء الاجتماع والفلاسفة وعلماء الفن الذين يغوصون بتفكيرهم إلى أعمق تلافيف ذهن الإنسان تفصح لنا وبصورة كليّة عن حقيقة أن هناك مسألتين أساسيتين لم يتم التمييز بينهما في عملية تدوين التاريخ وهما عبارة عن: علّة الوقوع وعلّة وجود الحوادث المعنوية والثقافية والفنية، فإذا كانت بعض الظروف الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية علة لوقوع الحوادث الفنيّة فإنه من الواجب إن نبحث عن علة وجود الحوادث والآثار الفنية في النسيج والبناء الاستعلائي لروح الإنسان، وهنا نجد «لوكاتش» أحد مفكري الماركسية الجديدة يقول: «إن المسألة الاجتماعية يمكنها أن تساهم في تحقق القيمة الجمالية فقط ولا يمكنها أن تخلق هذه القيمة» [٣٢].

وعلى هذا يمكن القول أنه وعلى الرغم من إمكانية مشاهدة العناصر المعيشية أو التنبؤ بوجودها بعد تحليل الآثار الفنيّة التي أبدعها الإنسان الأول في العصر البدائي الأول فإنه من الواجب الانتباه إلى أن علل تحقق هذه الآثار تتعلق بالعناصر المعيشية وأيضاً الطقوسية والشعائرية، ولا تتعلق بتاتاً بذات تلك الآثار، ولكن علّة وجود الآثار الفنية وخصائصها الجمالية تتعلّق بعناصر أخرى ذات منشأ ذاتي باطني خاص بالروح الإنسانية ولذلك تم استنتاج هذه الآثار من الطبيعة والمجتمع والوسط المحيط.

إذاً وبالتوجّه إلى الملاحظة السابقة لا يمكن القول بأن أدوات الإنتاج ونظام المعيشة يشكلان مبدأ الفن أي ليس الأمر كما يقول «سيمر»: إن روح التقنيّة تشكّل مبدأ الفن وليس الفن سوى نتيجة فرعية للحِرف وما جوهره سوى الزينة والزخرفة الناتجة عن نوعية المواد وطرق استعمالها والغاية العملية التي أنتج الشيء من أجلها.

يشمل التعريف المذكور جميع التعاريف السابقة المتعلّقة بالإنسان وحياته، بالإضافة إلى أنّه يرى أن الثقافة والأيديولوجيا والمعتقدات والمعايير الجمالية تنشأ عن هذا المبدأ، وينتهي هذا التعبير إلى حيث يقول «هاوزر»: «إن الصيد الطفيلي، يخلق الفن الطبيعي وهو ذو تطلّع دنيوي، وإن الزراعة المنتجة للخضرة، تخلق الفن الهندسي وهو تطلع مذهبي» [٣٣]. هذا التعريف ناتج عن حصر علّة النتاجات الثقافية المعّقدة في شيء واحدٍ مع عدم الالتفات إلى البناء الاستعلائي الإنساني، وكذلك فإن ظهور الأساليب الطبيعي والهندسي والتجريدي في الفن الأول مجتمعين أحياناً ومتفرقين فرادى أحياناً أخرى في آثار العصور الفنية المختلفة لايمكن أن تكون ذات مبدأ معيشي صرف، وهذا يعتبر تحولاً منطقياً من الطبيعة إلى التجريد الفني في العصر الحجري الجديد، ويعود ذلك حسب رأي «هاوزر» إلى سببين:

الأول: عبور الإنسان من الاقتصاد الطبيعي الاستهلاكي الصرف للصيادين وملتقطي الطعام إلى اقتصاد الزراعة وتربية المواشي.

الثاني: غياب المعرفة التوحيدية للعالم والقائمة على تفوق السحر ليحل محلها الحكمة العالمية الثنوية.

ويعني هذا ظهور إدراك عالمي يرتبط بنوعية الاقتصاد الجديد، فالرسام الصياد في العصر الحجري كان من الواجب عليه أن يكون مراقباً جيداً وذلك خلافاً للرسام في العصر الحجري الجديد الذي لم يكن يحتاج إلى هذه الدّقة في المراقبة والملاحظة حيث تحوّلت الآثار الفنية إلى هندسية زخرفية وتجريدية [٣٤]، كما أن هذه النظرية لا تشير إلى التشعّب الجمالي للآثار الفنية ذلك لأن نتائج التحليل أدّت إلى أن الفن يعتبر الرمز الأسمى للدوافع الروحية الإنسانية المتعالية، وإنّ مبدأ الفن هو هاجس إنساني باطني وذاتي يتشكل من خلال مواجهة الإنسان مع المحيط الخارجي: الطبيعة، المجتمع، التاريخ والظروف الحياتية والمعيشية وكذلك الاقتصادية والتكنولوجية، حيث تتطور وتتكامل التقنية وأدوات الإنتاج والأساليب الاقتصادية والتشكيلات الاجتماعية، ولكن الرسومات في أعماق الكهوف والزخارف والأشكال والنقوش المرتسمة على الألواح الفخارية تبقى آثاراً فنيّةً نقيّة رغم تأثرها بالوسط الخارجي المحيط كالطبيعة وكيفية الإنتاج وغيرها.

إذاً وللإجابة على السؤال الأساسي متى استطاع الإنسان خلق الآثار الفنية في بداية التاريخ؟ لابد من القول إن الإنسان وبعد الشهود والشعور بالغربة والوحدة الناتجة عن عدم تجانسه مع الطبيعة والوسط المحيط بدأ بالتجربة الجمالية وإثراء الصور الحياتية بالتنوع حتى جعل منها صديقاً وجليساً يستودعه سرّه ويرافقه ويكسر به وحدته، ويقدّم عبر سيرورة القرار عن الغربة علاجاً يقلّص بواسطته المسافة بينه وبين أصله المتعال، هذه السيرورة لا تتناقض أبداً مع الأبعاد المعيشية المادية الاجتماعية الطقوسية والشعائرية أي أنها لا تتناقض عموماً مع المقدمات الخارجة عن ذات الآثار الفنية رغم عدم وجود أي دليل على خلق الآثار الفنية المترافقة مع الدوافع المادية، وكم كانت التجربة الجمالية المحضة هي الدافع لخلق الكثير من الآثار الفنية.

وهنا لابد وأن نميز، كما أشير سابقاً، بين ظروف تحقق الفن والفن ذاته وجماله الخفي، وفي نفس الوقت يمكننا بالاستناد إلى ما ذُكر سابقاً القول: إن التجربة الجمالية للإنسان الأول تعتبر تجلياً لغربته ووحدته وعدم تجانسه مع الوسط المحيط به حتى ولو اعتبرنا أن الحالات الروحية مثل الوجد، الحزن، العشق، الكره، اللعب واللهو، الإبداع والخلق من مقومات تلك التجربة، أو اعتبرنا أن الأنماط المعيشية والحياتية أو الدينية والطقوسية لها، فإنّ انعكاس هذه الحالة الروحية والتنظيمية سواء بصورة شعورية أو غير شعورية كما هو الحال في الكثير من نماذج الفن الأول، والذي تمّت معاينته ومشاهدته في القوالب الحجرية والطينية والمعدنية والفخارية والخشبية ومواد طبيعية أخرى، لا يمثل سوى تلك الظاهرة المتعالية الثمينة التي نعتبرها من الآثار الفنية والتي بافتخارنا بها نحقق الوصل بين ساحة الإنسانية وساحة القدس والجمال الإلهي ونوحّد بينها.

[١] - تاريخ اجتماعي هنر (التاريخ الاجتماعي للفن) ١ / ٢ - ٣.

[٢] - بازتاب كار وطبيعت در هنر (صدى العمل والطبيعة في الفن) / ص٢٩.

[٣] - استعمل هذا التعبير بالمعنى اللاعقلاني في أكثر الأحيان.

[٤] - Theoretical

[٥] - Paractical

[٦] - كاسيرر، أرنت، فلسفة وفرهنك (الفلسفة والثقافة) / ص١١٨.

[٧] - نفس المصدر / ص١٣٢.

[٨] - Paleolithic

[٩] - neolithic

[١٠] - تاريخ هنر (تاريخ الفن)، وأيضاً:

Coomaraswamy, Ananda; The Anatolian Civilization

[١١] - هاوزر، آرنولد؛ فلسفة تاريخ هنر (فلسفة تاريخ الفن)، ص٣٢٨.

[١٢] - فلسفة تاريخ هنر (تاريخ فلسفة الفن)، ص٣٢٩. انظر أيضاً إلى: تاريخ هنر (تاريخ الفن)، بابريمتيو.

[١٣] - تاريخ اجتماعي هنر (التاريخ الاجتماعي للفن) / ص١٦.

[١٤] - Heinrich Wolfflin

[١٥] - فلسفة تاريخ هنر (فلسفة تاريخ الفن) / ص١٥٢ - ١٥٣.

[١٦] - Gottfried semper.

[١٧] - فلسفة تاريخ هنر (فلسفة تاريخ الفن) ص / ٥٧ - ٧٨.

[١٨] - Neanderthal.

[١٩] - Homo Sapiens.

[٢٠] - a priori أحد مصطلحات كانط المتنور الذي كان يعتقد بالمعلومات السابقة على التجربة.

[٢١] - الياده، ميرجا، آيين ها ونمادهاي آشناسازي (ترجمة فارسية) ص ١٠.

[٢٢] - وللتفسير الأعمق للجوانب غير المادية في الفن يرجى الرجوع إلى كتاب: Bussagli, Mario, Calembus sivaramamurti, ٥٠٠٠ years ٠f the Art of Indian

[٢٣] - كمال خوارزمي، تاج الدين حسين ابن حسين، شرح فصوص

الحكم ج١ ص ٥٥.

[٢٤] - (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ( / النحل (٧٨).

[٢٥] - هكل، ك. و. ف. خدايكان وبنده، ص ٢٤ - ٢٧.

[٢٦] - الدعاء المنسوب إلى الإمام السجاد (ع) الصحيفة السجادية الجامعة ص٤١٤.

[٢٧] - (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (الذاريات، ٥٦.

[٢٨] - يرى «ميرجا إلياده» - خلال تفسيره الأسطورة «إن الأسطورة تصف لنا عملية دخول العناصر الروحية الما ورائية إلى العالم. والذي يصنع العالم هو هذا الفيض المعنوي، وهذا يخالف الماركسيين الذين ينظرون إلى الأسطورة على أنها ذات عنصر بنياني اقتصادي ويخالف أيضاً الفرويديين اللذين يرون أن الأسطورة ذات أصولٍ تابعة للغزيزة الجنسية».

[٢٩] - الياده، ميرجا، جشم اندازهاى اسطوره (ترجمة فارسية) / ص ١٥.

[٣٠] - فلسفة وفرهنك (الفلسفة والثقافة) / ص٢٠٣.

[٣١] - آشتياني، جلال الدين، جامعة شناسي معرفتي (علم الاجتماع ونظرية المعرفة) / ص١٨٠.

[٣٢] - نفس المصدر / ص١٢٠.

[٣٣] - تاريخ اجتماعي هنر (تاريخ الفن الاجتماعي) / ص: ٣ - ١٦.

[٣٤] - المرجع السابق نفسه.



[ Web design by Abadis ]