ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الفصل الثانـي: مجال بحث حكمة الفنّ الإسلامي

يمكن لحكمة الفنّ الإسلامي أن تكون موضوعاً للبحث في إطار العلوم الثقافية [١]. وهنا يطرح السؤال التالي: هل يمكن للعلوم الأخرى أن تكون مجالاً لبحث حكمة الفنّ الإسلامي؟ فهل يمكن مثلاً لعلم الاجتماع مع كلّ جوانبه المعاشة أن يكون ذاك المجال؟ أو هل يمكن لعلم النفس مع كلّ ما فيه من غوامض وتشعبات يمكن تفسيرها؟ أو أن تكون الأيديولوجيات حيث المكان المناسب لانبثاق ما يجب وما لا يجب؟ وهل يمكـن للإلهيات أن تكون ذاك المجال مع كلِّ مافيها من التساؤلات الماورائية؟

وللإجابة على هذا السؤال نقول: بأن مجال حكمة الفن الإسلامي مجالٌ خاص متعال، وعندما تستدعي الحاجة لمزيد من إيضاح الموضوع أو البحث نضع المجالات الأخرى في موضـع البحث ثم ينظر في علاقة المفاهيم واللوحات مع المجالات الأخرى تحت مظلّة مجال (الحكمة) الخاص.

الاتجاه الاجتماعي في الفن

لا تعتبر حكمة الفن الإسلامي طريقة فنيّة اجتماعية، لأن اجتماعية الفن تبحث في الحالة الاجتماعية والمستوى الاقتصادي، والمخاطب ومكانة الفنّان الاجتماعية، كما وتبحث أيضاً في الظروف السياسية الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بعملية خلق الأثر الفني، بالإضافة إلى المؤثرات الوطنية والدولية، إنّ الموضوع الفنيّ - حسب الاتجاه الاجتماعي في الفن - يوضّح الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الفنان أو المعتقد الذي يعتنقه ومدى تأثير ذلك في إلهام الفنان، كما ويبحث في هذا الاتجاه حياة الطبقة التي اختارها الفنّان ثم صوّرها أو عبّر عنها أو مثّلها في عمله الفني، كما لا يهمل في هذا الاتجاه الموقع الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي للمخاطب، فقد يكون من الطبقة الحاكمة أو من عامة الشعب أو قد يكون من جيل الشباب أو من جيل الكبار أو من المفكرين والعلماء أو من العوام أو من القائمين على التربية الفنيّة أومن الحكام والسياسيين أو من المثقفين والمتعلمين، وقد يكون المخاطب أيضاً أولئك الذين يخصّون الفنان بنوعٍ من الاحترام والتقدير ويقدمون ميزانية خاصة لعلمية الاستثمار الفنيّ سواء أكانت طبقة الحكام والمتمولين وأفراد الحكومة أو المؤسسات الحكومية والد

ينية والمؤسسات الخاصة والفنانين.

وكلّ ما ذكر لحد الآن يختص ببحث الاتجاه الفني الاجتماعي وليس لحكمة الفن الإسلامي البحث في الفنّ من هكذا جوانب.

الاتجاه النفسي في الفنّ

فعلى الرغم من أن بحوث الاتجاه الفنيّ النفسيّ ذات ماهية نفسية إلا أن ذلك لا ينحصر بهذا النطاق، ومن الممكن للأبحاث المتعلّقة بالتاريخ، الأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع أن تبحث الفنّ بماهية نفسية. فالاتجاه النفسي في البحث الفني يهتم بمزايا الفنان النفسية، كما ويهتم بتاريخ حياته الفردية وكيفيتها وبمقدار تأثير اللاشعور في أحداث حياته المتعلقة بمختلف مراحل نموّه ومعتقداته، كما وتقع الموضوعات الفنيّة أيضاً في مجال بحث الاتجاه النفسي من خلال البحث عن الطوطم الروحي الكامن في اللاشعور التاريخي القبلي الذي أثر في الفنان، كذلك البحث عن ماضي الفنان وما اعترضه خلاله من مآس وأحزان ربما تكون قد نجمت عن الشعور بالنقص ومدى تأثير ذلك في نفسية الفنان وعملية تجلّي ذلك في أثره الفني، ومن أين نشأت هذه الأفراح أو هذه الصبابة أو هذه الأحزان الفنيّة؟ ، فهل هي كما قال «يونغ» صادرة عن النموذج الأصلي (البدائي) [٢] وتأثيره على ساحة اللاشعور النفسي عند الفنان حتى تمكن من إخراج الصور الفنيّة بأشكال تجريدية أو تصويرية واقعية [٣]؟ أم هي كما قال «فرويد» ناتجة عن الغريزة الجنسية التي تمّ تعديلها بلطافة فخرجت عبر اللاشعور ومن خلال سيرورة من اليأس و

الهزائم المتكررة لتتمظهر في لوحات وتعابير فنية؟ أم هي كما قال «الفرد ادلر» ناتجة عن عقدة النقص والقماءة المتجلية بصورة رمزية في الأثر الفني؟

على كل حال، فإن المبدأ الأساسي حسب التحليل النفسي لظهور الصور واللوحات الرمزية في الفنّ هو اللاشعور، إذاً وبناء على ما تقدّم لا يمكن لحكمة الفن الإسلامي أن تكون اتجاهاً نفسياً في البحث الفني كما لا تبحث في مضمون الفنّ الإسلامي انطلاقاً من الجانب اللاشعوري.

المباني الأيديولوجية للفن

الفن الإسلامي ونظراً لطبيعته الإلهية يغاير في اتجاهاته العملية كافة الأوامر والسياسات المتبعة من الحكام والساسة، فالفنان المسلم لا يمكنه تقبل الأوامر من أي شخص أو مؤسسة إلا فيما يوافق طبيعة علاقاته وإيمانه ومعتقداته والتزاماته ولكن من الممكن تحليل الفنون والبحث فيها بالاعتماد على مبادئ وأسس أيديولوجية، ويَصدق هذا خصوصاً على الفنون التي تمت ونشأت ضمن إطار فكري واتجاه سياسي معيّن، ومثال ذلك الماركسية، فللماركسية أسسها الفنية الخاصة والتي تشتمل على الرؤية الكونية، التاريخ، المجتمع، العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، البطولة وضد البطولة، والشخصية، وعلم الجمال… وكذلك الفن الإسلامي، فنظراً لما يقدّمه من إيضاحات على كافة مستويات الحياة فهو يستطيع أن يضع لكافة الموضوعات الحلول المناسبة ويقدّمها للفنّ كالرؤية الكونية (الدنيا والآخرة)، التاريخ، المجتمع، الإنسان، البطولة، والروح البشرية وعلم الجمال وغيرها. وفي حال عدم وضوح هذه الأسس والمبادئ فلن يكون هناك أي خلق أو إبداع فنيّ إسلامي ولن يكون هناك معيار لتقويمه أو الحكم عليه، إذاً فلا يمكن أن تكون حكمة الفن الإسلامي تأويلاً أيديولوجياً للفنّ.

الإلهيـات والفـن

ليست حكمة الفن الإسلامي علم كلامٍ أو فلسفة إلهية خاصة تبحث في النبوة والمعاد والإمامة والتوحيد والصفات الإلهية وما يتعلق بإدراك الأبحاث الدينية، بل إن هذه الحكمة وبأسلوبها الذاتي الخاص تضع جميع هذه الأبحاث الفكرية موضع اهتمامها، أي على الرغم من أن حكمة الفنّ الإسلامي تنطوي على تجربة جمالية ترتبط بمجال الإلهيات، وعلم الاجتماع وعلم النفس وغيرها من المجالات الأخرى فهي في الوقت ذاته قائمة بذاتها وذات استقلالية تامة.

التأويليـة (الاتجاه التأويلي)

نظراً لما للفنّ الإسلامي من غنى وثراء بالرموز والعلامات المتنوّعة والتي يختفي وراء كلّ واحدة منها فضاء من المعاني والمجالات المختلفة، يمكننا القول بأن الاتجاه التأويلي أفضل أساليب حكمة الفن الإسلامي رغم أن تأويل وتحليل الصور الجمالية وإرجاعها إلى مبادئها وغاياتها يقودنا لا محالة إلى الدخول في حرم مجالات أخرى.

والاتجاه التأويلي المعتمد في مباحث هذا الكتاب يرجع تأسيسه إلى المفكر الألماني «شلاير ماخر» [٤] كما وقدّم «ويلهلم ديلتاي» بعضاً من الجهود في إرساء قواعده الأساسية حيث قال بعد المقارنة بين العلوم الطبيعية والعلوم الثقافية: إنّ العلوم الطبيعية تعتمد على التفسير في حين تعتمد العلوم الثقافية على الفهم والإدراك وذلك لأن هذه الأخيرة تنطوي على مفاهيم باطنية من الواجب فهمها.

التأويل هيكل ثلاثي الأبعاد وهي:

١ - العلامة أو الخبر أو نص من مصدر (في الفن الإسلامي رسوم، ألوان، وسائط، كلمات، شخصيات).

٢ - المفسر أو الوسيط (هرمس) [٥].

٣ - المخاطب (المتلقي).

فيما يتعلق بفهم الأثر الفنيّ يعتقد «شلاير ماخر» بأنه من الواجب علينا أن ندرك نوايا خالق الأثر ونعلم بظروفه التاريخية والثقافية وعند ذلك سيكون المفسّر أكثر علماً بنوايا وذهنية الفنان خالق الأثر منه بنفسه [٦].

البحث التأويلي المقارنة للفن في المذاهب المختلفة

«الفن الديني» [٧] هو الفن الذي يصوّر لنا سلوك الروح في عملية اتصالها مع الأمر الماورائي أو مع الغاية المتعالية التي تمّ ذكرها وبيانها في دينٍ أو مذهب معيّن خاص، وبعبارة أخرى فإن جميع الفنون التي يطلق عليها اسم «الفن الديني» تقدّم لنا «الصراط المقدس» [٨] من أجل «الخلاص» [٩] في قالب فنيّ معيّن وما هذه الفنون بأكملها سوى حديث تصويري وتمثيلي ورمزي عن «الخلاص» [١٠].

الخصائص الأساسية المشتركة في الفنون الدينية

هناك خصوصيتان أساسيتان تشترك فيهما جميع الفنون الدينية لتكون جميعها في صف واحدٍ على الرغم من تعدّد وجود الاختلاف ويتجلى ذلك في:

١ - مضمون ومحتوى «الخلاص».

٢ - المجال الفني.

وهنا سنبدأ بالتعريف والمقارنة التأويلية - التطبيقية في فن المذاهب المختلفة:

١ - الخـلاص

المعنى العام للخلاص هو السعادة، النجاة والحبور الأبدي [١١] حيث تشترك جميع الأديان في هذا المعنى ولكن الاختلاف يظهر في كيفية السير للحصول على الخلاص وفي طبيعة الأسلوب الذي تعينه تلك المذاهب للوصول إليه، وإذا ما دخلت مسألة الخلاص ميادين الفن سوف تظهر عندها الاختلافات الجمالية أي سوف تختلف طريقة التعبير الفني عن مسألة الخلاص - الخلاص ثمرة الروح البشرية الخالدة التي تصور في حالة قربها من الغاية العليا.

٢ - المجـال الفـنيّ

ذلك الفضاء الذي تعانق الروح فيه اليدّ والأنامل لتتخطى الموانع والعقبات وتأنس في أطرافه، وتحظى الروح بثلةٍ من الجلاّس، ومنه تهرب لتجتاز حدوده حتى ترقى إلى قمة الخلاص، قد يكون هذا الفضاء في المذاهب المختلفة الطبيعية أو ما وراء الطبيعية، التاريخ أو المجتمع، وقد يكون الروح أو الجسم أو السير والسلوك أو العيش والسرور، حيث يختلف باختلافها. وهنا ولكي نقترب من البحث الأساسي وهو حكمة الفن الإسلامي لا بد لنا من مقارنة بين البعض من المعتقدات الهامة والأساسية التي تنتمي إلى الثقافة الشرقية الأصيلة كثقافة الهند والصين ونتخذها بضاعة علّنا نستطيع بذلك التقدّم من فضاء حكمة الفن الإسلامي اللامتناهي نحو تلك الغاية الكلية والمبدأ الأعلى.

الفـن التـاوي

تعتبر التاوية واحدة من أساليب الفكر البشري وأحد الاتجاهات التي سلكت في مراتب المذهب والتدين والعرفان. ويرجع تاريخ هذا الاتجاه الفكري إلى القرن السادس قبل ميلاد السيد المسيح (ع). لقد استمر هذا المذهب في وجوده منذ قرون بعيدة متخطياً عصر ظهور الوطنية الصينية حتى العهد الشيوعي. ولم تستطع الشيوعية الصينية أن تمضي بالحضور الثقافي العميق للتاوية والكونفوشيوسية نحو العدم على الرغم من النواقص المسلّم بوجودها في هذين المذهبين.

لم يذكر «لاونزي» [١٢] مؤسس التاوية في هرمه المذهبي كلمة «الله»، ولكنه كان دائماً يعتبر (التاو) القوّة الإلهية الكونية العظمى قوة فعّالة وخلاّقة وسعادة المرء تكمن في الاتحاد معه.

فضاء الفكر التاوي وتأثير ذلك الفن

لا يعرف المذهب التاوي كالمذاهب الإبراهيمية والهندية للوجود ذاك الفضاء الواسع، كما لا يملك الإشارة المباشرة إلى العالم الآخر… ولكن، ومما لاشك فيه، أن الاتجاه التاوي ليس اتجاهاً حسناً صرفاً وذلك لأنه يشير إلى «التاو» وهذا التاو ليس شخصاً وكينونته غير معلومة رغم أن كل شيء يكتسب وجوده منه فلا صفات ولا صورة له… «تنظر العين بحيرة، فلا تراه أبداً، فيسمى آي» [١٣] تستمع الأذن إليه فلا تسمعه أبداً فيسمّى «شي» [١٤]، وهو في متناولنا لكنّ الأيدي لا تصل إليه فيسمى «واي» [١٥] ولا يمكن التدقيق أكثر من ذلك لأنّه يتبدل ويعود إلى واحد، ويوصف التاوي في كتاب Taoteching (رسالة في التاو وقوّته) على النحو التالي:

«الإنسان منسجم مع الأرض. الأرض منسجمة مع السماء. التاو منسجم مع طريق الطبيعة. إذاً التاو هو طريق الطبيعة».

التاوّية تعتقد بأن الوجود غارق في التاو وعليه فهي وفيما يتعلّق بالسياسة والحكومة والمجتمع ترفض جميع أشكال الحكومة والحكام، وترى بأن وجود الحكام يضرّ بالمجتمع كما أن القوانين الاجتماعية في تضاد مع البشر. «فكلما ازدادت القوانين والأوامر والنواهي في العالم ازداد الناس فقراً، وكلما كانت أسلحة الناس أكثر حدّة ازداد الاضطراب والشغب في البلاد، وكلّما ازداد ذكاء الناس ومكرهم ازداد التسامح والتساهل الذي يلحق الضرر، وكلما فرضت عليهم القوانين أكثر ازداد عدد اللصوص وقطاع الطرق».

«إن سهولة حكم وإدارة البلاد الواسعة مرهونة بمقدار الحريّة التي يتمتع بها الناس. الناس تحت وطأة الجوع يتألمون لأن الولاة يفرضون الضرائب التي لا طاقة للناس بها، الحكومة تستبد بالناس، وبما أن الحكام يتدخلون في شؤون الناس، فالناس يفضلون الموت على أن يبقوا في ألم واضطراب».

لهذا الكلام مكانة خاصة في تاريخ الفكر السياسي وله بالغ الأهمية في مجال الفن أيضاً، لأن الفنّان يبقي على المجتمع والسياسة والحكم كمبادئ أساسية للمحتوى الفني ويتجه ليعثر على مبتغاه في مجال آخر، لذلك فالتاوّية ترفض الحكومة والقوانين الاجتماعية وتكتفي بنظام الطبيعة المنسجم المترشح عن القوّة الكونية العليا (التاو) التي تحيط به حتى يتمكن الإنسان في ظلها (الطبيعة) من الخلاص والنجاة، وبهذا الطريق تأخذ مسألة الخلاص أهميتها ومعناها كعنصر ثانٍ ومؤثر في مجال الفكر الديني التاوي.

مضمون الخلاص في الفكر التاوي وتأثـيره في الفـن

إن الإنسان الذي تخوض روحه غمار تجربة «الخلاص» ذو فطرة سليمة طاهرة، والقائد الجيّد يسعى كي يبقي على الإنسان في «بدائيته» بالمعنى البسيط للكلمة الذي يدل على الطيبة والعصمة الفطرية الجبلّية. «بقدر ما تقلّل من العمل يصلح الناس، وبقدر ما نعشق الهدوء يستقيم الناس، وبقدر ما تقلّل من السعي يصبحون أكثر قوة، وبقدر ما نحرّر أنفسنا من الآمال يصبح الناس أكثر صفاء وشرفاً.

فبما أن الغاية العليا عند جميع الأديان والمذاهب هي الخلاص، فكيف يمكن لهذا الإنسان السليم الفطرة أن يصل إلى هذا الخلاص؟ … هذا السؤال كان له وقع تصويري وخطابي تبلور في الفن التاوي على الشكل التالي:

لايحصل التناغم والانسجام مع الطبيعة إلاّ بالقراءة والانفصال عن المجتمع وقوانينه والحكومة ومحدودياتها المدنية وضوابطها، وإذا ما حصل ذلك يتحقق الاتصال مع التاو الذي هو طريق الطبيعة، وذلك لأن الإنسان والطبيعة ليسا مقولتين مختلفتين بل هما شيء واحد ونطق واحد وجنس واحد وبما أن التناغم والانسجام التام والكامل بين الأرض والسماء قد تحقق من خلال انسجامهما ذاتياً مع التاو، كذلك يستطيع الإنسان أن يصل إلى أعلى درجات السعادة بتناغمه وانسجامه الكامل مع التاو.

إن أفضل وسائل السعادة الأبدية (الخلاص) التي تعتبر تجربة روحية عظيمة هو العيش السليم والحياة المنسجمة مع الطبيعة والعودة إلى الحالة البدائية البسيطة، ولهذا نجد لاوتزي وهو يصف القدماء الذين تبصّروا في الغاية وتطلعوا إلى

النهاية: «ناغموا أنفسهم مع التاو، وكانوا أصحاب حكمة لطيفة رقيقة ونافذة، وكانوا في تواضعهم كالجليد الذي يذوب، وكانوا في سلوكهم بسطاء كالخشب على حاله دون إعمال التجمّل فيه، وكانوا في معرفتهم للعالم وسعة وعمق اطلاعهم كالأبواب المشرعة، وكانت نظراتهم كالمياه الهائجة المضطربة دالّة على صدقهم وجَلدهم».

وعليه فالخلاص هو تلك السعادة الأبدية التي تكتسب معناه وتنعكس مباشرة في الفن من خلال: هجران الذات، الكشف، والشهود في العلاقة مع التاو، الاتصال بالطبيعة، الدخول في عالم السماء باعتبارها العالم المعقول الأسمى (لاالسماء المادية) الاندماج مع التاو والوصول إلى الخلود كما يعبّر تاو: «ما إن يعرف المرء الطبيعة والطبيعية حتى يكون قد حاز «الكل» وبما أنه غير معجب بنفسه سيكون الأفضل، وإذا كان الأفضل سيكون سماوياً وإذا كان سماوياً سيكون مع التاو … مع التاو خالداً أبداً» [١٦].

فعلى ضفاف هذا الفكر العرفاني الرافض للمدنية ولكافة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية نتساءل عن الجهة التي يمكن للفنان أن يحدّد فيها مجال عمله؟ وماهي العناصر الغائية المتبقية حتى يعدّ تصويراً أو تعبيراً؟

والجواب هو: أن المجال المتبقي هو الطبيعة، والعنصر الغائي المتبقي هو الإنسان المتحد مع تاو الطبيعة، هذا النوع من الاتصال يعني الاندماج والانصهار في الطبيعة التي تعتبر خير قريب ونسب وإلى ذلك يرجع سرّ الاهتمام بالطبيعة في الرسوم الصينية وسرّ أولئك الذين نالوا الخلاص ومعهم مظلاتهم التي تقطر ماء تحت مطر التاو حيث غرقوا في جوهرة التاو الطاهرة النقيّة رمز البداية والنهاية. (اللوحة ٧).

الفـن الهنـدي

الفكر الحاكم بشكل أساسي على الفنّ الهندي هو الفكر «الفيدي» العظيم والعجيب بأئمته الكثيرين وآلهته التي لاتحصى حيث أن كلاً من هذه الآلهة قد قام بدوره من أجل تناسق هذا المذهب بتنظيمه دون التطلّع إلى خلق دين جديدٍ فكان هذا التنظيم عظيم القيمة باهظ الثمن.

فالفن الهندي بطبيعته غاية في العمق الديني حيث حافظ على رابطته وعلاقته بالفن المقدس ولم ينفك عنه إلاّ فيما شذّ وندر من بعض الأعمال الفنية الجديدة.

كما سعى خلال ذلك إلى اختيار الموضوع المناسب وتطويره لأن الفكر الفيدي يخوض في دائرة معرفة الروح والوجود ولا ينظر إلى المجتمع والتاريخ والعلاقات السياسية.

فضاء الفن الهندي

لقد حصر الفكر الفيدي مساحة نشاط الفنان وسعيه في اختيار الموضوع والمحتويات التصويرية ضمن عالم الروح والكائنات الروحية وذلك لا يرجع إلى اعتبار المجتمع عنصراً ذميماً في الفنّ وإنما يرجع إلى ارتباطه بالطبقات المغلقة [١٧]، التي لا تقبل الجدل، وبالتالي يخرج المجتمع تلقائياً من دائرة الفن. يتكون المجتمع الهندي من خمس طبقات وبالتالي فالسعادة والألم يتوزعان على اختلاف الشرائح الاجتماعية: طبقة البراهما وطبقة الكاشتاريا أو الدرك، وطبقة الفلاحين ثم الصنّاع والعمال ثم طبقة المنبوذين (النجسين).

هذا التصنيف الطبقي يرجع إلى معيارٍ واحدٍ هو «الولادة» فكل شخص يولد في طبقته عليه أن يبقى فيها حتى الموت وليس له الحق في الانتقال أو الترقي إلى طبقة أخرى.

ولقد أيّد جميع المفكرين الهنود وعلماء المذهب الفيدي هذا التصنيف الطبقي وقدّموا له المسوّغات والمبررات اللازمة يُستثنى من هؤلاء المهاتما غاندي زعيم الحركة الاستقلالية في الهند وفئة من المفكرين الآخرين.

الحياة حسب العقيدة الفيدية عبارة عن عالم طبقي ظاهري كاذب يضم مجموعة من الروابط والعلاقات الاعتبارية المضطربة ويسمى هذا العالم الظاهري (سانسارا) [١٨] ومن الواجب على الإنسان أن ينجو بنفسه من هذه الحياة المضطربة الخادعة بأي طريقة كانت كما تنجو حبيبات الماء الطافية المملوءة بالهواء من الكأس، ولكن ما السبيل إلى ذلك؟

والجواب هو أنه لا يمكن الخلاص إلاّ في التحرّر من دوامة «الكارما» [١٩].

يدخل الإنسان عالم الدنيا، يتألم، يتزوج، ويتناسل ويلتزم بعمل معين وفي النهاية يدخل دائرة الشيخوخة ويموت، ولكن ما أن يموت حتى يكون قد عاد إلى العالم من جديد فإن كان فاسقاً فاجراً تكون عودته بصورة حيوان متألمٍ ومضطهد في ظاهر الأمر. وهكذا فلا نرى هناك تبريراً للظلم أشدُّ سوءاً من هذا، وإذا كانت أعماله السابقة حسنة وسيرته نقية فإنه سوف يعود إنساناً سيّداً وغنياً آمراً (اللوحة ٨).

إذاً لا هروب من الظلم والعبودية ولا يوجد أي مسوّغ لمخالفة الثروة والجاه والمنزلة والسعادة التي يحظى بها الأمير. لأن المذهب هو الذي يبرّر ذلك فيعطي الحقّ للشخص السعيد والقوي الذي ولد في هذه الطبقة.

كيف يمكن للإنسان أن يتحرر من دوامة الكارما هذه حتى لا يعود بصورة مشؤومة إلى هذا العالم؟ يكون ذلك ببصيرة (فيديا) [٢٠] أي بالدخول في دائرة اليقظة الروحانية وكشف حقيقة الوجود الذاتي المتصلة بحقيقة الوجود كلّه. إذاً فالجهاد في سبيل التخلّص من هذه الآلام والقيود والعلاقات التي تنتهي عبر تتابع الدورات بالكثير من الناس والأسياد والأمراء إلى مهاوي العبودية والشقاء ليس جهاداً اجتماعياً أو سياسياً في العالم الخارجي وإنما هو جهادٌ روحاني معنوي فلا يجب محاربة السلطة الحاكمة التي تعيش الآن في مرحلة الزراعة الروحية والنفسية مما يقومون به من أعمال فالخلاص من دوّامة الكارما والعودات المتكررة لا يتم إلاّ عبر جهاد الإنسان في ذاته العاقلة المفكّرة أو من خلال إنجاز الفضائل عبر سيرورة الحياة العادية حتى يكتسب الطمأنينة التي عبّر عنها بوذا «بالنيرفانا» [٢١] إذاً نتيجة بصيرة الفيديا هي كشف حقيقة وجود الذات وفي النهاية وبعد الرياضة والجهاد الروحي تتحقق النيرفانا [٢٢].

نستنتج مما تقدّم أن الفضاء الذي يسبح فيه الفن الهندي هو عالم الروح واللاهوت تلك الروح المستقرة في متن الوجود، الروح المتصلة بالحياة الكونية والمندمجة مع حقيقة الحياة، ويتجلى هذا الفضاء الفنيّ في تماثيل ولوحات تلغي تلقائياً موضوعات الفن الاجتماعية.

في الفن الهندي يتم تصوير العبادة، العذاب وجهنم، والفلاح والطمأنينة، أما العلاقات الطبقية، والنزاعات السياسية والاجتماعية فلا مكانة لها.

مفهوم الخلاص في الفن الهندي

من المهم جداً إدراك مفهوم الخلاص - النجاة (السعادة الأبدية) في الفكر الهندي نظراً للتفاوت الكبير بينه وبين مفهوم الخلاص في الفكر الإسلامي، ولما لذلك من تأثير لاينكر على مستوى الإبداع الفني في كلا الاتجاهين.

يتسم مفهوم الخلاص في الفكر الفيدي الذي يعتبر من أهم الاتجاهات الفنية - الدينية الهندية بسمتين أساسيتين وهما: ١ - الحركة الفردية، أي ظهوره عبر حركة فردية.

٢ - الدلالة الروحية.

يقول «رادها كريشنان» المفكر الهندي السياسي الكبير والشهير: «هناك موهبة روحانية كامنة في الفطرة البشرية والأعماق الوجودية للإنسان، ولا يكون الإنسان إنساناً إلاّ عندما يستيقظ إحساسه بروحه» [٢٣].

أو قوله: «عندما تجفّ عيون الروح المبدعة التي ينهل منها الفرد والمجتمع سوف تنتشر أنواع الأمراض العقلية والأخلاقية والاجتماعية» [٢٤].

تُسلّم جميع الأديان والمصلحين بهذه الحقيقة الوضاءة، ولكنّ الاختلاف من حيث اعتبار الفكر الهندي أن الفردية خير وسيلة لعروج البشر في هذه السيرورة الروحانية: «إن العظمة الحقيقية الأساسية تكمن في فردية الإنسان وقد تشير الكتب المقدسة إلى الطريق ولكن الفرد هو الذي يسلكها».

كيف يمكن للفرد سلوك هذا المسير؟ هناك لكلّ فرد روح ونفس تجربية كاذبة تنشأ من العلاقات الثقافية والتاريخية، الاقتصادية، الاجتماعية، والسياسية، وهي أيضاً نتيجة للتربية والمكانة الاجتماعية الأسرية. فالإنسان بمعرفته بالنفس الحقيقية المتصلة بالحياة الكونية يستطيع التخلّص من «الأنا» والنفس التجربية الكاذبة ليصل بعدها إلى «أتمان» [٢٥] [٢٦].

إن الإدراك «الفيدي» لهوية الإنسان لا يخالف الإدراك الإسلامي لها وحسب بل ويناقض تماماً الإدراك الماركسي لها والحضور الإنساني في الفن الواقعي الاشتراكي وذلك لأن الماركسية تعتبر الإنسان فيما وراء التاريخ والطبقة مفهوماً لامعنى له، وهوية الإنسان هوية تاريخية وليست غير ذلك، ويرفض ماركس أيضاً من الإنسان تعبير «الاشتراكية الطوباوية» لأن من قال بها تحدّث في الواقع عن الإنسانية فيما وراء التاريخ والطبقة. فالخلاص في «الفيدية» حسب قول «كريشنان» هي كشف تلك الحقيقة الروحانية المكنونة في ذات كلّ فرد، ولا يتحقق كشف هذه الحقيقة إلاّ بالرياضة والمجاهدة الفردية وعدم الخوض في الأمورالسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تشبه الغبار العالق على ظاهر هوية الإنسان الذاتية، هذا الأسلوب المتبع للحصول على الخلاص يضفي على الفنّ الطابع الروحاني وينفي الطابع الاجتماعي.

من أبرز المصلحين في الأديان الهندية كان «بـوذا» الذي ترك الدنيا وما فيها فارتقى مرتبة النيرفانا بعد الرياضة والمجاهدة الروحية الشاقة.

هناك بوذا القابع على نيلوفرٍ في محيط كما جزيرة «أوبا» ذلك الإنسان الذي عرج إلى روح «أتمان» العليا إلى حيث جوهر «براهمن» و «كريشنا». هذه الصورة تمثّل وجه الخلاص في الفن الفيدي والبوذي (اللوحة ٩) عبر شرحه لعملية الانتقال من «الأنا الكاذبة» إلى «الأنا الحقيقية» أتمان. يقول «رادها كريشنان»: هناك في أعماق ذات الفرد سرٌّ إلهي مكنون يجب الوصول إليه «يجب تنقية الذهن وتصفيته من جميع الشوائب حتى يصبح كالمرآة، تنعكس الحقيقة الإلهية فيها، الهدف في الحياة الإنسانية هو معرفة الذات (النفس) والمقصود هو تحرير جوهر البقاء الكامنة في ذات كلّ موجودٍ فانٍ من قيد صروف الحوادث التجريبية المؤقتة».

في نهاية هذا العروج النهائي يتّحد براهمن مع أتمان وهناك وفي نهاية هذه القمة يتجلى إله واحد هو «كريشنا».

نحن نستطيع أن نتخطى الحدود التي يسير ضمنها الوجدان البشري عموماً إلى ما هو أعمق من ذلك فالإنسان يستطيع أن يتجرد عن الأحاسيس والأوهام والغرائز بل وحتى من الأفكار التي تتلاحق كالموج في الظهور على سطح ذهنه حتى يصل إلى وجدان نقي ويلامس الذات الطاهرة، ومع الجهد المستمر يستطيع أن يعود إلى الوجود المجرّد (العادي) من كل شائبة وذاك هو مقام القرب والوحدة.

تكشف لنا آراء هذا الحكيم العبقري والسياسي المعنوي عن مدى العمق المعنوي الذي تبحث فيه العقيدة الهندية قضيّة «الخلاص». وهكذا فإن العروج يتم ضمن فضاء الروح والوجود (باستثناء المجتمع والتاريخ والعلاقات السياسية - الاقتصادية).

إن رياض الفنّ الهندية العظيمة مع كلّ ما فيها من مداليل واقعية عينية ترتوي من عين المثل الذهنية والمذهبية والروحية لتخرج بصورة لوحات وتعابير فنيّة.

إن فضاء الفن الهندي يخلو دائماً من العناصر الاجتماعية - السياسية والحالات المعبّرة عن الصراع مع الأمراء والحكام المستبدين أي أنها تخلو من كل ما يعبر عن الوقوف ضد الظلم في المجتمع ذلك لأن الشخصيات والمثل تكتسب معناها ضمن مجال الروح والفضاء الروحاني [٢٧]، ومثال ذلك بوذا الوادع فوق نيلوفر وحدته ومعانقاً النيرفانا، ذاك الذي تخلّص من دوامة الكارما بالرياضة والمجاهدة واتخذ من الكائنات أعلى الأمثلة وأسماها واستقرّ على جزيرته حتى اتصل بروح العالم الكليّة [٢٨].

وآلهة الخير والشرّ تنسجم مع الإنسان أو تناقضه، والكثير من الآلهة المؤنثة الظاهرة في التماثيل الهندية والتي تدلّ إلى اتجاهات وميول (الشاكتي) [٢٩] أو قد تشير إلى زوجات الآلهة العظمى مثل «فيشنو» [٣٠]. حيث تحكي بمجموعها السلوك الروحي المتّبع للوصول إلى الخلاص، (اللوحة ١٠).

الفـن الإسـلامي

ها نحن الآن نحطّ الرحال في واحة حكمة الفنّ الإسلامي علّنا نستطيع أن نعثر في رياض اللوحات على معبرٍ يؤدي إلى الملكوت، فهنا نجد الوادي المقدس الذي نبحث فيه جميع العناصر والمكونات الفنية المتعلّقة بالحقائق المتعالية وعلى رأسها الحقيقة المطلقة (الله).

في البداية نقدّم تعريفاً للفن الإسلامي نظراً إلى أن هذا البحث بجميع تفاصيله يعتبر نتيجة لجهد يروم الكشف عن أسراره الإلهية. الفن الإسلامي هو مكاشفة [٣١] صور الوجود المتنوّعة بهدف تجلّي هذه الصور بحقيقتها عبر كلام أو موسيقى أو تشكيل أو تجسّم أو عمارة أو مسرح أو غير ذلك وأن تقدم عبر سيرورة هذه المكاشفة حياة الإنسان الفردية والاجتماعية بأفضل شكل ممكن في سبيل وضع خاتمة لغربة الإنسان وتعبيد الطريق لنيل القرب في حضرة ذاك الواحد الأقدس (اللوحة ١١). إن اتصال الإنسان بالحقيقة الماورائية وحتى الحقيقة الماورائية المعقولة وذاك الواحد «الربّ الأعلى» يشكّلان جوهر الفن الإسلامي، وعليه فالفن الإسلامي مقدّس.

مجال الفن الإسـلامي

إن أعظم الفوارق التي تميز الفن الإسلامي عن كلٍّ من الاتجاهين الفنيين، الذين تم بحثهما في هذا الكتاب، يكمن في كيفية التلقي والإدراك لمجال الفن، بمعنى أن المجال الفني المتطلّع إلى الحقيقة العليا هل هو - كما ذكر سابقاً - ذو خصائص واقعية أم مثالية؟

فالفن التاوي طبقاً لما مرّ سابقاً رفض المدنيّة والمجتمع والحكومة والقوانين المنبثقة منها ورأى في الطبيعة الفضاء المثالي الذي استطاع عبر السباحة فيه تقديم الإنسان الكامل الذي نال الخلاص واتحد بالتاو في خطاب تشكيلي وتمثيلي.

أما الفن الهندي فقد اختار تجربة روحانية في فضاء الروح لأن المجتمع لا يستطيع أن يكون فضاء روحانياً لأنه وبطبقاته المغلقة أخرج نفسه تلقائياً من مجموع مصاديق دائرة الخلاص فكان المجتمع وبصورة استثنائية مع الروح بكل تشعباتها المرآة النقية لتجلي وظهور الخلاص والسعادة الأبدية، وكذلك الروح بكلّ تشعباتها المرآة النقيّة لتجلّي وظهور الخلاص والسعادة الأبدية، وأن ما يميّز الفن الإسلامي عن هذين الفنّين هو الطريقة التي يتبعها كل منهما، فالفن التاوي ذو طريقة انتقائية ومثالية حيث أنه من بين جميع مظاهر الوجود التي من الممكن أن تكون وسيلة لنيل الخلاص اختار الطبيعة واعتبرها بمفردها خير مشهدٍ مثالي لشهود وتلقي الخلاص البشري، وكذلك فالفن الهندي يتمتع بخصوصية الانتقاء حيث اختار من بين جميع ميادين الوجود المتعددة ميدان الكائنات والروح فرفض المجتمع واعتبر الروح ميداناً مثالياً وبحراً من الفضائل لا بل وجعل منها قمماً ومنخفضات وأعالي ومهاوٍ وخيرات وشرور فكانت بذلك بمثابة الاتجاه الواقعي ليظهر عبر ذلك تعاقب الخير والشرّ ويتجلّى الخلاص الروحاني في قالب تمثيلي تشكيلي.

أما بالنسبة لفضاء الفن الإسلامي نجد بأنه غير انتقائي ولا مثالي، وذلك يرجع إلى:

أولاً: يقدّم الفن الإسلامي للفنان فضاء واسعاً يمتدّ ما بين عالم ما قبل الولادة (عالم الذر) وعالم القيامة ليكون السبيل نحو الخلاص والعثور على الموضوعات الفنيّة.

والفنان هنا حرّ في أن يختار الفضاء الذي يريده فهناك العالم ابتداء يصبح الأزل حيث (قالوا بلى) وأقرّت جميع عناصر الوجود بوحدانية ذاك الباري الأحد وصولاً إلى جميع المجتمعات مع كل ما فيها من علاقات اجتماعية متناقضة، وانتهاء بدائرة يشمل محيطها عالماً من القيم كالشهادة والإيثار، وكذلك هناك الموضوعات المتعلّقة بالخير والشر والطبيعة والبرزخ والمعاد بصورة عامة بيّن الفن الإسلامي فضاءه فيما بين الغيب والشهادة، وبناء على هذا نرى أن مجال الفن التاوي (الطبيعة) ومجال الفن الهندي (الروح وعالم الكارما) لايشكلان سوى جانب من جوانب هذا المجال الواسع الممتد.

ثانياً - هذا الميدان الواسع مع كل ما فيه من تسنّم وترجّل ومع كل ما يحتوي من واقعيات يقدم للفنان مواضيع فنيّة واقعية مثل المفاسد، الرذائل، الظلم والاستبداد والكذب وهذه جميعها قضايا واقعية وليست مثالية ولكن الوقوف في وجه هذه الأمور الواقعية ذو وجه مثالي، كما ويطوي الفنّ الإسلامي طريقه نحو الخلاص سواء على صعيد الأفاق أم على صعيد الأنفس [٣٢] والفنان حرّ في انتخاب موضوعاته ضمن هذا الفضاء الواسع.

ثالثاً - إن تجربة الفن الديني الروحية [٣٣] التي تسعى إلى تمثيل وتصوير خلاص الإنسان ونجاته تعتبر في الفن الإسلامي تجربة ذات اتجاهين: تجربة شهودية [٣٤] حيث تضم بجاذبيتها أرقى وأرفع المستويات والدرجات المعنوية والتي كثيراً ما تتخطى التجربة الحسيّة [٣٥] التي تعتبر بحد ذاتها تجربة بالغة الأهمية ومقدّمة لتجربة أسمى.

قد تكون هذه التجربة هي مسير مواجهة الطبيعة ومحاولة مؤانستها وتحقيق الألفة معها، وقد تكون معبّرة عن حقبة تاريخية مليئة بالعبر والمثل، وقد تكون حالة اجتماعية أو حالة روحانية محضة.

ففي الطبيعة ومن خلال النظر في قوانينها وسننها من توالد وفناء نستطيع أن نصل إلى تجربة روحانية تحكي لنا سيرورة الفناء والمعاد، وفي التاريخ ومن خلال إمعان النظر في تشكّل وسقوط الحضارات وما قدّمت من قوانين وتشريعات نستطيع أن ندرك سر ذاك التعالي السرمدي للمجتمعات في عهود المؤمنين والصالحين وكيف انتقلت عبر ذلك تجربة «الخلاص» العليا وارتقت مرتبة الشهود، هذا الطريق العجيب للتجربة الروحانية من المحسوس إلى المعقول إلى ما وراء المعقول يعتبر فضاءً عظيماً يصوّر ويمثل في الفن الإسلامي.

فالعبادة الجماعية والاجتماعية في الحج هي محصلة جماعية تتصل بتجربة الخلاص الروحانية الفردية، وكذلك فإن التكرار الأبدي للأذان في ساعات السحر لا بد سيكون خير مجال لإدراك معنى الفلاح [٣٦] أو الخلاص الإسلامي، فالخلاص الإسلامي عظيم في سعته وعظيم في معناه وأوّل مجرّب لهذه الحالة الخاصة كانت الروح البشرية، والخلاص في نهاية الأمر هو تجربة روحانية. رغم عبورها من معبر الطبيعة والمجتمع وما فيهما من أفراح ومصائب وتضاد بين الخير والشر والجمال والقبح.

هذه التجربة الروحانية مفعمة بالروح الدينية وغايتها الوصول إلى الواحد المتعال فالروح تنمو وترتقي حتى تنال القرب منه. وأن فلسفة عروج الروح والخلاص تتضمن نفي تعدّد الآلهة والإقرار بأحدية [٣٧] الباري «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» هذا هو الشعار العظيم الذي كان يبشر الظامئين المتعطشين إلى الحقيقة عبر ثلاثة أعوام بجوهرة السعادة البشرية سراً وعلانية كان ذلك في فضاء من الظلمة والتيه في شبه الجزيرة الواقعة بين أعظم دولتي ذاك الزمان الروم والفرس وكل ذلك يتجلّى في فضاء علوي قدسي يعبق فيه عطر الخلود فيثير الروح ويحثّها على العروج.

على كل حال فإن فضاء الفن الإسلامي هو عالم الوجود العظيم يبدأ بالغيب وينتهي بالشهادة، يبدأ بالروح وينتهي في الطبيعة ومن هناك إلى المجتمع إلى المعاد إلى … وبما أن الفن الإسلامي المقدس تجريدي صرف فإن جميع ما طرح فيه يستعمل كنوافذ جمالية أو كعالم رمزي في الرقوش والعقد والتذهيب الذي يستعمل غالباً لأغراض دينية سواء في المساجد أم في الأضرحة أم في رفوف الكتب وباقي الأمور الأخرى.

مفهوم الخلاص في الفن الإسلامي

الخلاص ثمرة خالدة [٣٨] وما إن تتذوق الروح طعم هذه الفاكهة الفردوسية، حتى تكون قد تحولت إلى جزء منها. ومن معاني الخلاص أيضاً نيل القرب في محضر القدرة المتعالية (الله).

صحيح أن فضاء الفن الإسلامي غير مثالي إلا أن الخلاص ذو معنى مثالي متعال، وتشترك في ذلك جميع الفنون الدينية وهذا يعني أن التجربة الروحانية العظيمة غير مصحوبة بالخبث والفساد والظلم، وبما أن الفنون الدينية تسعى لتصوير الإنسان الكامل الذي حاز على الخلاص والسعادة الأبدية فهي تقدمه عبر مسير ينتهي بخلق صورة متكاملة الجوانب عن الإنسان وتؤدي بشكل تلقائي إلى تقديم صورة مثالية عن الخلاص.

ففي الفن الهندي يعتبر الإنسان الذي تحرر من دوامة الكارما والتحق بالنيرفانا أو عانق «كريشنا» إنساناً ناجياً نال الكمال، فهو بذلك قد تخلص من علائق (الأنا) الكاذبة ووصل إلى «أتمان» و «براهمن» و «كريشنا» حتى صار إنساناً كاملاً.

إذاً فالإنسان الذي خاض التجربة البوذية في باطنه إنسان كامل. والإنسان الكامل الذي نال الخلاص في الفن التاوي هو الإنسان الذي اتحد بالتاو بعد عبوره لطريق الطبيعة الأزلي. وفي الإسلام: انتخبت كلمة (الفلاح) للتعبير عن الخلاص والنجاة ويعتبر انتخاب هذه الكلمة من الناحية اللغوية معجزة بحد ذاته: الفلاحة، الزراعة، الفلاح، المزارع، الفَلاَح، الخلاص، مائدة السحر، البقاء في الخير والفضيلة، فلح: حرث الأرض ليزرعها (أفلح فاز ونجا) [٣٩].

الإنسان ذو بذرة وجودية قد أودعت القدرة الإلهية الملهمة [٤٠] فيها إمكانية الميل إلى الفسق والفجور أو إلى الإيمان والتقوى وفي هذا (ضمن إطار معرفة الإنسان) يتميز الإسلام عن باقي الأديان حيث يرتقي مفهوم الفلاح الإسلامي من هذا المقام إلى مقام يختلف تماماً ضد باقي المعتقدات…

وهنا إما أن يكون الإنسان فلاّحاً مدبراً خبيراً ينمّي بذرة وجوده (نفسه) في أرضٍ خصبة ويتخذ من الليل والنهار مطيّة في سعيه ومجاهدته إلى أن يأتي فجر السعادة مبشراً بنمو هذا البذر وإيراقه وإثماره فتطوف عندها ألوان الورود والثمار في ناظر ذاك الفلاح ويعبق أريجها في مشامّه فيقدم على أطباق من نور ثمرة يديه المهترئتين وجبهته السمراء وقامته الحانية التي أفسدتها سنون العمل والمجاهدة ويضعها أمام نفسه وأمام من يحتاج إليها من الآخرين، وإما أن يكون فلاحاً غبياً ينكبّ على الاهتمام بجسمه أو لئيماً يعتبر البذرة (نفسه) شيئاً غريباً عنه فيخفيها بلا رحمة في صحراء قاحلةٍ مجدبة وينثر التراب فوقها حتى إذا ما أراد الرجوع إليها تكون الآفات قد نالت منها وأفسدتها.

(ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها [٤١]، فالقسم هنا ببذرة الوجود وما ينظّمها وينميها وما يلهمها التقوى أو يلهمها الفجور. (قد أفلح من زكّاها [٤٢] فمن أخلص لها ونمّاها وطهّرها لا شك أنّه من الناجين المفلحين … (وقد خاب من دساها [٤٣]، ومن أخفى نفسه لؤماً وخبثاً ومنعها من الرشد فهو لا محالة من الخاسرين الذين ضلَّ سعيهم.

هذا العروج القيم والثمين يتم حسب العقيدة الإسلامية في فضاء الوجود الشاسع والقرآن يقول (ومن يوقَ شح نفسه فأولئك هم المفلحون [٤٤].

المبدأ الشخصي لخالق الأثر (الفنان)

يعتقد «بوركهارت» بعدم تأثير شخصية الفنان في أثره الفني. وإذا ما اعتقدنا بذلك التأثير فسوف نجد قسماً من صفات وخصائص الأثر الفني تعود إلى شخصية الفنان. والسؤال هو: ما هي العوامل التي ساهمت في بناء هذه الشخصية؟ تختلف الإجابة على هذا السؤال باختلاف أساليب العلوم الإنسانية وخصوصاً علم الاجتماع وعلم النفس اللذان يعتبران من أساليب التحليل في الفن الإسلامي، فعلم الاجتماع يسعى لإظهار مكانة ورؤى الفنان الإجتماعيتين والكشف كذلك عن الطبقة الاقتصادية التي ينتمي إليها والظروف الاجتماعية والتاريخية التي يعيشها على طول حياته فيصل ذلك إلى أساتذة الفن في الحقبة الزمنية المعينة فيعرفونه ويحددون الظروف التي كانت أكثر تأثيراً في بناء شخصيته.

أما علم النفس فيهدف إلى تحليل مساحة اللاشعور عند الفنان ولا يحكم على شخصيته إلا بعد معرفة خصائص ومكونات نظامه النفسي والعودة عبر التحليل النفسي بنسيجه اللا شعوري إلى النماذج الأصلية (البدائية) كما عبّر «يونغ» أو إلى الغريزة الجنسية كما رأى «فرويد» أو إلى عقدة النقص (الصَغَار) كما رأى «أدلر» وبعد ذلك يحلل الصور الذهنية الرمزية بما يطابق رأي كل واحدٍ من هذه المذاهب. كما أنه من الواجب تحليل الماضي الشخصي للفنان حسب ما يقرّه كلا الاتجاهين فيقع هذا الماضي وما يشمله من (فشل ونجاح، ألم وعشق وذكريات…) في بوتقة التحليل والبحث وعلى نطاق أوسع وأعمّ مما يراه علم الاجتماع أو علم النفس. ويرى علم الاجتماع بأن تحليل رؤية الفنان الاجتماعية ينتهي إلى معرفة مدى تأثير هذه الرؤية في بناء شخصيته، ما الشريحة الاجتماعية التي يحترمها الفنان؟ ، وما مقدار حضور ذلك وانعكاسه في فنه؟ وما هي وجهة المثاليات التي ينشدها: أهي قوى التعالي أم هي القوى الثابتة كالرأسمالية والإقطاعية وحكّام السياسة الجائرة والطبقة الغنية؟ وإذا ما دخلت هاتان القوتان في غاياته وأهدافه كأساس للتقييم فهل تؤديان إلى جعله بأي شكل كان محباً للحق والشرف والسمو أم تقودا

نه إلى عبادة النقود والجاه والسلطة؟ لا بد في التحليل الواقعي لشخصية الفنان من مراعاة النقاط التالية:

- الشريحة الاقتصادية ومكانة الفنان الاجتماعية: لا شك في أن لكل شريحة أو طبقة وبناء على ما تحمله من مفاهيم ثقافية واقتصادية خصائص تربوية وروحية تؤثر في شخصية الفنان.

- ففيما يتعلق بالانتماء الاجتماعي الذي يعتبره علم الاجتماع أحد أنواع التصنيف الطبقي ويبحث من خلاله عن الموضع الذي ظهر منه الفنان وتأثر به، وقد يكون المستوى الاجتماعي الذي ينتمي إليه الفنان عبارة عن فئة من الرؤساء أو المدراء أو نخبة سياسية، اقتصادية، أو ثقافية أو قد يكون منتمياً إلى فئات اجتماعية منحطة الشأن.

- فيما يتعلق بالانتماء الثقافي: لكل من الثقافة الدينية وغير الدينية تأثيرها الخاص في عملية صياغة شخصية الفنان وكذلك الأمر بالنسبة للثقافة الوطنية، فانتماء الفنان إلى أي ثقافة كانت يؤثر قطعاً في تكوين شخصيته.

- تاريخ حياة الفنان: تؤثر حياة الفنان بما فيها من آلام وأفراح ومخاطرات وهدوء في تكوين البناء الشخصي للفنان.

- ومما يؤثر أيضاً في تكوين شخصية الفنان نجد هناك التاريخ السياسي والاجتماعي وكذلك الظروف المرحلية والأزمات السياسية والاقتصادية والثقافية والثورات والحروب.

- كما أن لتراث المجتمع الثقافي والفني تأثيره الخاص في التكوين الذهني والنفسي للفنان فشخصيات التاريخ وأبطال الوطن والعقيدة وكذلك المثل الاجتماعية والثقافية تعتبر كلها من التراث الثقافي والفني.

- معارف الفنان الذاتية: كذلك فإن معارفه وما يملك من معلومات تتعلق بالشريحة التي ينتمي إليها ووطنه الذي يعيش فيه وما يحيط به من علم حول الوجود وعالم الإنسانية.

كل ذلك يؤثر في بناء شخصيته وتكوينها، فمعلومات الفنان وإدراكاته سواء أكانت ترتبط بالطبيعة أو الشريحة أو ترتبط بالشعب والثقافة والسنن الاجتماعية أو ترتبط بالإنسانية لها دورها وتأثيرها على مختلف رؤى الفنان الفكرية والعملية. وما يراد هنا بالمعارف الذاتية هي تلك الرابطة المتينة الناتجة عن الحب والتعلق بكل واحد من المجالات المذكورة والتي تُلزم الفنان العمل في حدودها، ومثال ذلك: المعرفة الذاتية المتعلقة بعالم الإنسانية إن دلّت على شيء فإنما تدل علىالمذهب الإنساني الذي ينتمي إليه الفنان، هذا الفنان الذي يحب الإنسان دون النظر إلى الانتماء الطبقي، الوطني، العرقي، الديني وأيضاً بصرف النظر عن المكانة الاجتماعية ونوع الدور الذي يشغله في النسيج السياسي الاجتماعي مستكبراً كان أو مستضعفاً، مؤمناً كان أو كافراً، ويجعل من نفسه خادماً له كما وينظر إلى نفسه من خلال المعيار الذي ينظر عبره إلى الآخرين بتجرد عن العرق والوطن والطبقة.

- النظام العقائدي: فمجرد كون الفنان مسلماً أو هندوسياً أو ماركسياً أو تاوياً أو بوذياً سيكون له تأثير خاص في التكوين الذاتي.

على الرغم من العالم الذي يخوض الفنان فيه تجربته ثم يسعى لبيان ذلك والتعبير عنه. فعلى كل حال يعبر هذا الفنان من مصفاته الشخصية التي صنعتها الخصائص المذكورة ليتلون بلونها ويكتسب طبيعتها. إلا أن حكمة الفن الإسلامي تنظر إلى شخصية الفنان بمنظار آخر وهذا المنظار منظارٌ مثالي وغائي معياره في التصنيف هو الحب والعشق الذي يعتبر مبدأ للفن والتفنن.

الحب والعشـق

تجتاز شخصية الفنان المسلم مسير الواقعيات لتبلغ ذروة شخصية مثالية. يتخطى هذا الفارس جميع المنازل، ويعبر تلك الخربات التي تخيف الروح وترعبها، ويتعدى موانع ومضائق المجتمع الحقيقية أو الوهمية، وقد يبطئ أحياناً خائفاً متردداً ويسرع أخرى بقوة وشجاعة، وهكذا حتى يصل الوطن المقصود. هناك حيث موطن العشق الأبدي، حيث القيم العليا السامية حيث الشرف والكرم والعدالة والإيثار والجمال والخير، وعلى قمة ذلك هناك محضر القدس الإلهي وفي هذا المقام يحصل على معرفة تختلف عن المعرفة بالعقيدة الإسلامية، فهنا يحصل على معارف تختلف عن معارفه المتعلقة بالطبقة أو وضعه الاجتماعي والوضع الاجتماعي لباقي الناس. فهنا يتجرد الفنان عن ضميره، عالمه الروحي وعن معتقداته التاريخية وعلومه الثقافية فيدرك «ذاته»، الذات الحقيقية التي اكتسبت معناها من خلال علاقتها بالذات الأحدية [٤٥]. وهنا يجد الفنان نفسه شريكاً لجميع مظاهر الوجود في غرف سمفونية العشق والوجد والهيام، يغني مع أوراق الشجر ومع الجبال أغنية الأبد، ويخوض مع السماء والأرض في رقصٍ أثيري رائع، يسجد كما الحصى في الصحراء، والأوراق على الشجر يؤدي طقوس العبادة ركوعاً وسجوداً خضوعاً وخشوعاً مع سائر سك

ان الوجود اللامتناهي وقد نرى سماعه ورقصه ووجده وترانيمه ونسمع نطقه في كل مظهر من مظاهر الخلق منذ ذاك الصبح الأزلي حيث استوى عرش سابحه الذي التحق برهط من سبقه من السالكين. ها قد تحرر الآن من أنياب الطموح النتنة المتعفنة الطامحة إلى المال والجاه والثروة والشهرة والتي ترجع في أصولها إلى سلسلة من السنن والمعتقدات التي سنّها الظالمون على طول آلاف السنين، ولم يعد في نسيج تلك القيم المنحطة ليتخبط فيها كفريسة العنكبوت، فهو الآن اتصل بأشرف وأجمل وأطهر عشق لذاك المبدأ، مبدأ الفضيلة والجمال والحمد والعلم والجلال. فمعرفته تمثل ارتقاء المقولات المذكورة إلى مقام «أعلى»، معرفته هي شهود الروح النقية للحقائق والوقائع وشهود لخالق الوجود ومعبوده وهي عرفان ناشئ عن عشقٍ عظيم وشريف قد انطوى فيه حب الناس أيضاً.

فالعشق أساس معرفته، ذلك العشق الذي يضفي على العلم نوراً وضياء (والذين آمنوا أشدّ حباً لله [٤٦] والآن بتنا ندرك أن العلوم العقلية والمعارف التاريخية والسياسية والاجتماعية تأخذ رونقها من هذه الحضرة العبقة بالمحبة والشهود، فهو ينظر إلى الآفاق والأنفس بمنظار آخر ويبدع، فيكون إبداعه عين السجود والحمد والتسبيح والعبودية والإقرار بوحدانية الله، وفي هذا المقام يصبح فنه تمثالاً للعشق والعبودية وقد يكون ذلك بصورة تجريبية أو يكون بشكل تجريدي.

الرؤى الأساسية في الفن الإسلامي

وهي عبارة عن:

١ - الرؤية الآيوية.

٢ - الرؤية التسبيحية.

٣ - العدل في المنظومة الكونية.

٤ - التصوير المثالي للجنة والعالم السرمدي.

٥ - المدينة الفاضلة (المجتمع ونظام القسط والعدل الإسلامي).

٦ - الإنسان.

تمام السعي هنا من أجل وضع الأسس النظرية للفن الإسلامي التي تم تصويرها وتمثيلها في بوتقة البحث والتحليل، وفي البداية لا بد لنا من الالتفات إلى معرفة تاريخ الفن نظراً لدوره كعنصر هام في عملية التفسير، وكذلك يجب الإطلاع على أصول (المعتقد) أو الاتجاه الذي يتم بحثه وتحليله.

ومن المهم أيضاً الاطلاع على التاريخ والثقافة والأساطير والأمثال الرائجة التي نشأ وترعرع في كنفها الأثر الفني، كما أن وجود معرفة إجمالية بعلم الاجتماع وعلم النفس يحوز على الكثير من الأهمية في هذا الأمر، وفيما يتعلق بالأفكار الإلهية والدينية والفكر الإسلامي خصوصاً، فامتلاك الاطلاع المجمل حول ما يتعلق بالعرفان والآثار الفنية العرفانية يعتبر من العلوم المحورية بالنسبة للباحث وذلك لأن العرفان يشكل الجانب الباطني للفن الإسلامي، كما أن الإحاطة بالفكر المعاصر وفروعه المختلفة في مرحلتي الحداثة وما بعد الحداثة يساهم إلى حد ما في إغناء معرفة الفنان الباحث في الفن الإسلامي أو الفنان المحترف في الفن، وبما أن الفن الإسلامي يجيب على هذا السؤال الذي طرحه جميع الفنانين والباحثين في الفن ورواد الفن ويعطي تفسيراً لهذا الهاجس في عالم الفن المطروح بصورة: ما هو الفن؟ هل هو نتيجة الميل إلى اللعب؟ هل هو نتيجة الفراغ؟

هل هو نتيجة للغريزة الجنسية؟

هل هو ظهور لانفعالات الإنسان إلى الخارج في أصدق حالاتها للمتلقي؟

هل هو تقليد؟ هل هو جمال؟

هل هو مزيج من الأخلاق والجمال؟

هل هو جمال منفصل عن الأخلاق؟ [٤٧]

وباعتباره فناً مقدساً يجيب كالتالي: الفن مكاشفة لصور الوجود المتنوعة عبر سيرورة تجربة جمالية وعرفانية حتى يتسنى إخراج هذه الصور في قوالب الكلام أو الموسيقى أو عبر تصوير تشكيلي أو معماري يضعها في متناول الجميع، وهو مجاهدة عرفانية جمالية هدفها وصول الإنسان إلى الحقيقة الماورائية الفضلى، حقيقة ما وراء المعقول ذلك الواحد الأعلى، (الرب الأعلى) حيث جوهر الفن الإسلامي، وفي هذا قول الشاعر الإيراني:

مـراد ما ز تما شـاى باغ عـالم جيسـت

به دست مردم جشم ازرخ توكل جيدن

بمعنى (أنه ليس الغاية من التأمل في روض هذا الوجود وما فيه من بديع الجمال وبهاء الجلال سوى قطف باقة من أنوار قدسك وآيات صنعك وتقديمها رائعة في أبصار الناظرين من البشر)، وعلى هذا فإن التسليم بموضوعية الجمال الفني في الإسلام وقبوله فيه يرجع إلى أن الحقيقة هي عين الجمال وغاية الفن ومقصود كل مكاشفة فنية، ولهذا فالفن ذو بعد جمالي وسينفرد هذا في بحث خاص.

تشكل كل من الرؤية الآيوية والرؤية التسبيحية طريقتين للنظر في هذا الوجود، كما تشكلان في اجتماعهما معاً وحدة متكاملة تهيئ الظرف للفنان ليستطيع خلق الفضاء التشكيلي المقصود، وكذلك تنمية حالة (القرب) التي يعيشها في ذاته.

١ - الرؤيـة الآيويـة

وهي تلك الرؤية الناظرة إلى كل جزء من أجزاء الوجود بمفرده وكذلك هي نظرتها إلى الظواهر فتبحث فيها بطريقة تعبر من خلالها إلى ما وراء الظاهرة حيث تقبع حقيقتها. هذه الرؤية تتخطى معرفة الوجود وتتخطى معرفة الماهية لتصل إلى عالم المعاني لتدرك آنذاك معاني الظواهر وما تحمله من مداليل ورسائل.

وكثيراً ما دعانا القرآن إلى مثل هذه الرؤية لتكون الظاهرة المعاينة نقطة انطلاق للسفر إلى أعماق المعاني حيث يتجلى النور المشعشع (الله) فهو محور كل مجاهدة ونهاية كل سير وسلوك، وهو صاحب القدرة والخالق الأحد الذي يطمح الإنسان (الفنان عبر سيرورة هذه الرؤية إلى الوصول إليه وإدراكه بالوجه الأمثل.

(انظر): ما كيفية هذا النظر وما اتجاه النظر؟

(فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها… [٤٨] هذا الإحياء بكل مافيه عظمة وهيبة وجمال، بعد الموت والذبول وبرود الأرض وهودها، إنما يشكل جانباً من الطيف الكامن وراء هذه الرحمة. وتتجلى هذه الرحمة بجانبها الآخر في عملية التكرار المستمر للحياة بعد الموت والذي يعتبر تأكيداً للحياة السرمدية في العالم الآخر، فالحياة بعد الموت تعني بالنسبة لنا المعاد.

والإشارة التي هي أشد عمقاً هي إشارة (الرحمة) إلى الوجود والحضور الجمالي الدائم والسرمدي للواحد المتعال. فعندما يصور الفنان هذه الغاية وهذا الواقع من خلال هذه الرؤية فإنه يخرج الواقع وما وراء الواقع بصورة تشكيلية. وتكون رؤيته ولقاؤه هذا عين المكاشفة وليست معبراً أو سلوكاً نحو الكشف والشهود.

هكذا هو الفن الإسلامي، مكاشفة تشكيلية للتعبير عن حقيقة ما وراء الواقع، وعلى هذا فالطبيعة تتمتع بقيمة خاصة باعتبار أنها تشكل ساحة للواقع والواقعيات التي تشكل نقطة انطلاق الفنان في سيرورته الفنية، إذ أنه لا يقف عنده ولا يستغرق فيها لأن الطبيعة وما فيها من الواقعيات لا يمكن أن تكون مبدءاً للقيمة والحقيقة، لأن حقيقتها ومعناها مترشحان عن مثالها الماورائي، والفنان يسعى كل السعي لإيجاد الوصل فيما بيننا وبين ذاك الجوهر الماورائي المتعال المتربع على عرش الوجود، والتوجه بأبصارنا والإرتقاء بأرواحنا نحو الماورائيات، إذاً فهذه الرؤية تعتبر السبب في تجنب تصوير الواقع أو الطبيعة إلا فيما يتعلق بمعانيها المترشحة عن مثالها الماورائي.

وعندما نقول بأن الفنان المسلم ليس طبيعياً ولا واقعياً فهذا لا يعني أنه لا ينظر إلى الواقع والطبيعة بصورة ذهنية أو أنه لايعيرها أية أهمية. بل على العكس فهو يرى في الواقع والطبيعة إشارة إلى معناهما الماورائي مما يجعل من أثره مجالاً للربط بين الواقع والطبيعة من جهة ومعناهما من جهة أخرى وذلك من خلال عمل تشكيلي فني: وكما يقول «شرايدر»: (الفن الاستعلائي (المقدس) يتجنب كلاً من المذهب الواقعي، والرومانتيكي، والتعبيري التجريبي والطبيعي بهدف الوصول إلى أعلى مستوى في رمزية الوجود وسريته [٤٩].

وإذا ما أردنا أن نتحدث بالإجمال عن كيفية تعامل الفنان التشكيلي مع الواقعيات وعرضها كفانا أن نقول بأن (القالب) الآيوي يشير إلى السعي نحو المطابقة بين الواقع الوجودي الخارجي للشكل من جهة ومعناها الماورائي من جهة أخرى سواء أكان هذا التشكيل تخيلياً وتمثيلياً ورمزياً أو كان واقعياً طبيعياً، ومن جانب آخر وعلى صعيد الإبداع والخلاقية الفنية في حالة (الشهود) نجد أن هناك للتعبير لساناً آخر، فالفنان وبغض النظر عن ثقافته ومستواه العلمي وبغض النظر عن كونه قروياً حرفياً لا يملك أي معرفة بالفلسفة والعرفان والعلوم العقلية أو كونه عالماً أو عارفاً وهو في حالة الإبداع والخلق الفني، نجده ذا روح شفافة تنساب عذبة رقراقة من المخزون الديني والثقافي الإسلامي العظيم تتجلى بأبدع صورة وأروع تشكيل. هذه السيرورة الاستعلائية تصل إلى ذروتها في الفن التشكيلي الإسلامي في نقوش السجاد وبصورتيها التجريدية والواقعية، وكذلك تتجلى في النقوش والرقوش الهندسية المرسومة على جدران المساجد وأماكن العبادة الدينية الأخرى (اللوحة ١٢).

فإذا امتلك الفنان هذه الرؤية يدمج على وجه السجادة كلاً من الإنسان والطائر و شجرة السرو والماء ويبدل كلاً منهم إلى الآخر بإبداع وجمال (اللوحة ١٣)، فالآية التي تشير إليها هذه الكائنات والعناصر التصويرية التي يستخدمها الفنان لإخراجها بنظام الكائنات الذي تظهر بطريقتين، وكلتا الطريقتين قائمتان على التوازن والمماثلة، فهو إما أن يعرض عناصره بجريان دائمٍ ينساب كالنهر لا مركزية له بتصرف وتبدل منتظم ومتماثل يرافقه في ذلك لحن وإيقاع ثابت لا يتغير، وإما أن يعرض عناصره التشكيلية المتماثلة مجتمعة في حلقة دائرية تدور حول مركز الوجود متبدلة في حركة دائمة مستمرة، كذلك فالرقوش لها الفلسفة التشكيلية ذاتها، فترى الورقة التي تشير عبر انعطافها الذاتي إلى جهةٍ ما ليست بورقة فقد تراها طيراً وقد تراها سروة وقد تراها دوحة، وفي كل الأحوال ترى توجهها نحو (القطب) حيث مبدأها ومعادها. (اللوحة ١٤) فإذا لم تقع هذه العناصر ضمن منظومة الكائنات المنكبة بمجموعها على الحمد والثناء والتسبيح لا يمكن آنئذٍ النظر إليها على أنها تملك كامل فلسفتها التشكيلية. لكننا في الرؤية الآيوية لا نجد تفسيراً أفضل من تفسير القرآن الكريم الذي يضفي على أذهاننا الم

حدودة وأبصارنا التي اعتادت الواقع الخارجي نوعاً من التنوير والإشراق. فالقرآن وحده هو الذي يحث الإنسان في آيات مختلفة ومتعددة على النظر الآيوي. وضمن هذه الدعوة يقدم لنا الواقعيات كمرحلة من مراحل العروج ومقدمة لها. ومن هذه الواقعيات: الطبيعة، الإنسان، والمجتمع، والمناظر الطبيعية، وأوراق الأشجار والأشجار، والسماء، وإحدى مراحل حياة الإنسان، والحادثة الاجتماعية، وكذلك تتّبع حدث في التاريخ، هذه الواقعيات تقود الإنسان من مكانتها الطبيعية إلى المعاني الماورائية الرفيعة والعظيمة وبذلك ومع مثل هذه الرؤية لن يكون الفنان مقيداً بالطبيعة والواقع أبداً.

كثيراً ما ذكرنا طيف ما وراء الواقع، ولا بد لنا من تعريف ماهية هذا الطيف، فما الذي نشهده إذا انتقلنا من هذا (الواقع) الوضيع إلى حديقة المعاني البهيجة؟ وما هي المقامات التي سنعبرها أثناء هذا العروج فيما بين النقطة المعنوية الأولى (الواقعيات) والنقطة العليا؟

طيف ما وراء الواقع

إن طيف ما وراء الواقع [٥٠] في الفن الإسلامي هو رموز وأسرار الوجود، النظام الكوني العجيب والمدهش، السنن والقوانين الحاكمة عليه، الأسرار الرفيعة الشفافة للمشيئة والتقدير الإلهي، نموذج من الحياة والبعث والنشور بعد الموت، سيرورة الموت والحياة وحياة وموت العالم، المعاد والحياة الأبدية، ومهما يكن فإن كل واحد من مقامات هذا الطيف نظّم بطريقة تجعله يشير إلى ذا الواحد وينتهي إلى شهودٍ مفعمٍ بالعشق والهيام (٥١).

٢ - الرؤية التسبيحية

إذا كانت النظرة الآيوية تهدف إلى تحقيق التطابق التشكيلي بين الظواهر ومعانيها الماورائية فيما يتعلق بالواحد الذي لا شريك له، فإن الرؤية التسبيحية عبارة عن عرض تشكيلي تصور فيه جميع لحظات حياة الظواهر ومعتقداتها وسلوكها وذلك من خلال الوجود المنتظم للكائنات في علاقتها مع الواحد المتفرد بالوحدانية. وفي الواقع فإن كلتا الرؤيتين الآيوية والتسبيحية تشكلان وجهين لرؤية واحدة، فإما أن تكون نظرة الفنان المسلم إلى الوجود رؤية آيوية تحكي منهجية الرؤية، وإما أن تكون تسبيحية تحكي لنا النتيجة التي توصل إليها من خلال هذا المنهج.

بكل ظاهرةٍ حياةٌ وتأريخ حياة وموت، تنطق وتتحرك وتمضي في مسيرتها، فلا الحجرُ جامدٌ ولا الجبل ولا الخشب ولا حصى البادية، ولكلٍ حياته الخاصة مروراً من أكثر الأشياء والظواهر صمتاً وسكوتاً إلى أكثرها صراخاً وتحركاً وهيجاناً، ولو رُؤيتْ حركتها وسمعت أصواتها لكان وراء هذه الأصوات أصوات أخرى، ووراء هذه الحركة حركات أخرى. قد تسمع بأذنك تغريد الطير، وخرير الماء، وشكوى المظلوم ونحيبه، لكنك تحتاج لكي تسمع هذه الأصوات فيما وراء هذه الأذن، ولكي ترى ما لا تراه هذه العين فيما وراء هذه العين إلى أذن وعين من نوع آخر والحقيقة تقول (…. فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ( (٥٢).

يجب أن تفتح عيون وآذان قلبك حتى تسمع وترى ما قاله «مولوي»:

ذكر وتسبيحات أجزاي نهان غلغلي افكند اندر آسمان

أي:

أجزاء العالم بتسبيحاتها وذكرها أثـارت ضجة في السـماوات

كان لهذه الرؤية - التي كثيراً ما أشار إليها القرآن الكريم وذكرت بنفس المصطلح في أشعار «مولوي» - سابقة الحضور في النصوص الإلهية المذهبية والأشعار العرفانية والآثار التشكيلية العرفانية الإسلامية.

ما إن يتحقق الوصل بين المادة والمعنى والشهادة والغيب والملك والملكوت حتى ترى الإنسان الذي خطا في هذا الطريق يصرف النظر عن ظاهر المادة، ويعود إلى الذات ومِن ثَمَّ ينشد بصره بعالم الغيب والمعنى حتى يتربع بعد عروجه قمة العالم مرة أخرى فيسمع النداءات والمناجاة ويدرك الحركات المأنوسة القديمة فيأنس لندمائه وجلسائه الأزليين القدامى.

فما أروع أن يرى نفسه في حدائق (ألست) حيث شهد وأقر مع جميع المخلوقات بوحدانية الخالق إذ (قالوا بلى) وحيث قال الله مخاطباً السماوات والأرض (إإتيا طوعاً أو كرهاً (فتجيبا بكل عشقٍ وهيام ورقة وتسليم (قالتا أتينا طائعين ( (٥٣) … فيرى بعين قلبه كيف تصلي جميع الموجودات له، فالورقة تسجد له وتسلم كل ذرات وجودك إذعاناً بربوبيته، وترى الطير ليس فقط في كل صباح بل في كل لحظة من عمره تراه قد اعتكف للعبادة في مسجد هذا العالم، وترى الماء مرنماً أذكاره وكذلك (والنجم والشجر يسجدان ( (٥٤) وترى كيف تمرّغت وجوهها المندهشة في تراب التسليم. وكما قال «مولوي» ضوضاء وضجيج حتى السماء.

وكذلك فلقد أخرج «مولوي» هذه الرؤية التسبيحية بصورة فكرية ومنطقية منظمة، إذ قال:

جملة أجزا در تحرك در سكون ناطقـان كأنـا إليـه راجعـون

أي أن جميع أجزاء الوجود متحركة كانت أم ساكنة تنطق بالعود إليه سبحانه. وكذلك كما عبر القرآن الكريم: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ( (٥٥).

فجميع موجودات هذا العالم مشغولة بالعبادة والتسبيح وأنتم لا تدركون هذا التسبيح، ولقد عبر عن هذا التسبيح آية الله «جوادي آملي» بأنه:

أولاً: مظهر من مظاهر الإدراك والشعور بجميع أجزاء الوجود.

وثانياً: إن جميع الموجودات ناقصة في وجودها فترى الله في تسبيحها منزهاً من كل عيب ونقص وتدرك نقصها، وهذا ما يجعلها تعتمد وتتوكل على وجودٍ لا نقص فيه (٥٦).

هذا التسبيح خطاب، وعبادة، وسجود، وتسليم، وفوران، ونطق، وتكلم، وضجيج. والفنان في هذه الحركة التسبيحية باعتباره موجوداً عاقلاً إلى جانب موجودات هذا العالم تراه أيضاً مشغولاً بالرقص والسماع ليشكل بذلك بيتاً في قصيدة الغزل والعشق في هذه المنظومة الكونية، حيث أن كل العظمة والرفعة تتجلى في تلك اللحظة التي يكتشف فيها مكانه بين هذه الموجودات فيكشف نفسه مسبحاً مع هذه الموجودات ومستجيباً للنداء الإلهي الأعظم (سبح اسم ربك).

فالنماذج التشكيلية المتعلقة بهذه الرؤية التسبيحية تظهر بصورة تجريدية أحياناً، وبصورة واقعية أحياناً أخرى، على نقوش السجاد وفي الرسوم المذهبة على جدران المساجد برقوش هندسية ونباتية توريقية ومذهبات خطية متصلة تعبر عن الحركة الكونية الإلهية المتعلقة بجميع ظواهر هذا العالم، فترى كيف أن هذه الخطوط والألوان والإيقاعات والألحان قد خلقت وحدة منتظمة أدت إلى تشكيل ورسم مثل هذه الحركة، لا بد في هذا التشكيل الفني من تكرار إحدى الصور والأشكال، وقد تكون تلك الورقة أو يكون ذاك الطائر أو قد يكون الإنسان، فكل ورقة أو طائر في الرسوم الرقشية أو أي شكلٍ أو جزء في الرسومات الهندسية يستطيع أن يكون واحداً من موجودات هذا العالم حيث لا هوية له ولا عنوان، وإنما هو موجود ضمن ظاهر وبادٍ وضمن نظام تسبيحي عام وما هو في الحقيقة إلا كذلك، ومن الأمور التي لا شك فيها أن لكل زمان أسلوبه ومضامينه التابعة لإلهاماته الخاصة وكثيراً ما يحتاج إلى إنسان أو لغةٍ جديدة، والعثور على هذه اللغة يحتاج إلى العناية بهاتين المسألتين.

أولاً: إن الأسس التي تقوم عليها الرؤيتان الآيوية والتسبيحية هي أسس قرآنية ذات حضور متواصل في الآثار الأوبية والعرفانية للفن الإسلامي.

ثانياً: إن اللغة العصرية للفن وتعبيريته الحالية تحيط بها الشروط الوطنية والدولية المعاصرة، ونحن نسعى جاهدين للحصول على موضوعات جديدة خاصة نستطيع إخراجها بصورة فنية تشكيلية، تناسب العصر، وذلك مع المحافظة على تسلسلها التاريخي الفني والفكري والتي ستكون بلا شك ذات انسجام خلاق وبنّاء.

٣ - العدل في المنظومة الكونية

يمكننا القول بأن العالم الذي يحسه الفنان ويدركه ومن ثم يخلقه يرتبط في تجزئته بثلاثة جوانب إدراكية.

الأول: إدراك الفنان للعالم (الوجودية).

الثاني: إدراك الفنان للنظام التخيلي (اليوتوبيا).

ثالثاً: الموقع الذي يشغله الفنان بين المجالين.

في عملية التحليل العميق لمحتوى أي عمل فني، يظهر دون شك فهم الفنان للكون والوجود بشكل من الأشكال: هل يرى الوجود ذا مبدأ ومعنى واتجاه وهدف ومجموعة من الظواهر المتعادلة والمتناسبة حيث أخذ كل جزء فيها مكانه ضمن نظام منطقي هادف، أم أنه ينظر إليه كمجموعة من الأشياء المبعثرة والمضطربة التي لا غاية لها؟ !.

أضف إلى ذلك: كيف يكون إدراكه للجهة والمعنى والتوازن الكوني في حال ظهور هذه المقولات بوضوح.

تظهر جميع هذه الرؤى وبشكل معقد في الأثر الفني على الرغم من أن التلقي (الإدراك) والخلق أمران يرجعان في النهاية إلى الشهود، والفنان المسلم يرى العالم بحكم معتقداته الدينية المتعلقة بالوجود مجموعة منتظمة هادفة لها غاية ونهاية، فإذا ماوجد نقص في مكان ما لا بد وأن يقابله زيادة في مكان آخر، ونهاية كل حادثة في زمان ما لا بد وأن تقابلها حادثة تنتهي أيضاً في زمان آخر، أي إن هناك لوناً من التضاد، فإما تقارن أو تكامل، والجميع قائم على أساس التوازن الحاكم في جميع أطراف الكون، وهذا يشير إلى فلسفة الوجود الدالة على تدبير كامل لبداية ونهاية هذا العالم المدهش: ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذا التوازن بقسميه: الباطني الضمني والظاهري الصوري بقوله تعالى: (وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدّل لكلماته وهو السميع العليم ( (٥٧)، وكذلك من الآيات الدالة على هذا التوازن شكلاً ومضموناً قوله تعالى: (والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان ( (٥٨).

تتجلى هذه الرؤية التسبيحية من خلال رحلة في تاريخ الفن الإسلامي لنرى الرقوش والرسوم التجريدية الموجودة في المساجد وكذلك في العمارة وفضاءاتها وخصوصاً في العمارة المتعلقة بالبقع الدينية (المذهبية) (٥٩) وإن ذكر مصداق عيني تصويري أو تشكيلي من تاريخ الفن الإسلامي ليس لضرورة التكرار في نفس الأشكال وإنما تعود أهميته إلى حفظ التسلسل الموضوعي لمثل هذه الآثار التشكيلية.

فلو وُجد ياباني، على سبيل المثال، وبدأ برسومه من زاوية الصفحة وتابع يرسمها بشكل امتدادي إلى الجهة الأخرى من الصفحة، فستكون هذه الطريقة المكانية للرسم وليدة إدراكه للعالم، وإذا قام فنانٌ في الفن الإسلامي برسم اللون والنور والأشكال بصورة حركة دورانية منتظمة حول مركز معين أو بصورة تيار يجري ضمن مسير معين وفي اتجاه محدد على أن يخلق حالة من التوازن في روح الناظر فسيكون هذا ناشئاً أيضاً عن ماهية إدراك الفنان ورؤيته الكونية، فالمعتقدات لاتنفذ إلى أعماق الآثار الفنية بشكل إرادي قصدي بل بصورة غير إرادية حيث أن مرور الأيام يكون قد أخرجها في تناغم جماعي وثقافة اعتقادية. وفي نهاية الأمر وبعد العبور من السطوح والمراتب النفسية للفنان تخرج ثمرة روحية جمالية في قالبٍ تصويري تشكيلي.

٤ - التصوير المثالي للجنة والعالم السرمدي

لا شك أن كل معتقد ديني يقدم صورة هيكلية تعبر عن نظام العالم السرمدي عالم اللافناء والعالم الذي يحصل فيه البشر على القرار والسكينة. ومن الطبيعي أن لا يخلو أي أثر فني نشأ وترعرع في مثل هذه الأجواء من التأثر بها على الصعيد التصويري والتشكيلي. إن أعلى مراتب الصفاء الإيحائي المتعلقة بالعالم السرمدي التي تتجلى وتظهر في الفن الإسلامي يمكن رؤيتها أيضاً في الفن البوذي، فهناك وبعد أن تخطى الإنسان الألم والشقاء يتحد مع (النيرفانا) ليصل دار القرار والسكينة وهذا ما تعبر عنه المنحوتات البوذية والرسوم التشكيلية التصويرية. وكذلك الأمر في الفن التاوي حيث ترى الإنسان الفاني في الطبيعة والمتناغم معها بكل حركاته وتقاسيم وجهه ولباسه وهيكله كنموذج معبر عن الاتصال بجوهر الطبيعة ورمزها.

أما في الفن المسيحي يتجلى ذلك في الصور المعبرة عن مريم (ع) وهي تحتضن عيسى (ع) وتضمه بكل حب وحنان بعدما كانت قد لاقته من ألم وتشاؤم لتضع قلبها على وليدها. وكذلك يتجلى في تلك اللوحة المعبرة عن المصلوب عيسى - حسب اعتقادهم - والتي تدل على قبوله وتحمله برحابة وعشق لكل أنواع الألم والتعذيب في سبيل إثبات صدق دعواه وحقانيتها.

كما ويعبر القرآن الكريم من خلال رسم لوحات عن هذا العالم بعباراتٍ مثل «دار الخلود» و «دار السلام»، والفردوس التي لا لغو فيها و لا تأثيم، ولا شمس فيها ولا زمهرير، حيث ألقت أشجارها بظلالها على المؤمنين فكانت ملجأ لهم ومأوى. هذه الأشجار التي تجري من تحتها أنهارُ اللبن والعسل فترى هناك كيف تسكن قوافل الناجين المخلصين في هذه الدار لتكون من سكان الملكوت السرمدي الذين تعبر وجوههم عن نضرة النعيم وما وعد به الرحمن الكريم.

وكذلك أيضاً فالقرآن الكريم يقدم لوحات فنية أخرى في غاية الجمال والعمق كتلك التي تبحث في الطمأنينة (الأمان)، والتي تحتاج من الناحية الفنية إلى بحثٍ خاص بمفردها. وعلى كل حال فإن هذا النوع من الاعتقاد والإيمان بالطمأنينة والأمان يؤدي بمرور الأيام إلى خلق عادة إدراكية لمسألة الطمأنينة في ذهن الفنان تتقولب لتتجلى في النهاية، وبعد عبورها من المجالات والسطوح الذهنية، في لوحاتٍ تصويرية وتشكيلية، فالعالم السرمدي يمكن رؤيته في ذاك الفضاء الاستعلائي المدهش للمسجد، وفي رسوم جدران المراقد والأماكن الدينية وفي نقوش السجاد، وكذلك يمكن رؤية ما يعقب ذلك العالم من أمانٍ وسلام متجلياً ومتمثلاً أمام الإنسان ليلقي إليه نوعاً من الهدوء والسكينة الفردوسية. وهنا يمكننا الرجوع إلى الفن الإسلامي للعثور على مصاديق حقيقية تمثل وتصور ذلك، وليس بغرض التكرار الفني التشكيلي لها… لأن العالم المعاصر والحاجة الملحة إلى التنمية الثقافية تتطلب المحافظة على المضمون بصورة عصرية متجددة حتى يتم عبر ذلك تقديم ورقة جديدة إلى خزانة الفن والتشكيل لم يسبق لها نظير.

٥ - المدينة الفاضلـة (المجتمع المثالي ونظام القسط والعدل الإسلامي)

لو اعتبرنا أن ما يشكل جميع العناصر الذهنية التشكيلية للفنان هو الإدراك المعرفي للوجود، بما في ذلك العالم السرمدي وما يكتنفه من التوازن والسكينة الخاصة وكذلك الرؤية الآيوية والرؤية التسبيحية لجميع الظواهر وعلاقتها بالواحد الأحد، فإننا من الممكن عندئذ أن نضطر إلى القول بعدم الحضور المعرفي التاريخي والسياسي في الآثار الفنية المقدسة. وعلى الرغم من أننا حتى الآن ما فتئنا نراجع تاريخ الفن الإسلامي لتقديم المصاديق التشكيلية والتصويرية الأكمل والأجمل. فلم نوفَّق في الحصول على أثر تشكيلي ذي مضمون تاريخي وسياسي لمجتمع العدل الإسلامي إلا بالطريقة التجريدية. وبالنظر إلى هذه الخصوصية التي يتمتع بها هذا التاريخ يجب علينا أن نأخذ الآثار التشكيلية التمثيلية (Figurations) على أنها الأكثر تعبيراً عن مثل هذا الموضوع. وبما أنه يخلو من هذه اللوحات أو من التجربة في هذا النوع من الفن فسيكون من المقدور لنا عندئذ أن ننظر إلى موضوع العدل في الفن الإسلامي بعين التجريد فقط، فالتعبير التشكيلي لنظام العدل وفي العالم والمجتمع الإسلامي بصورة تجريدية يقدم لنا وجهاً مشتركاً ومتطابقاً مع القرآن من حيث إرجاعه لجميع أشكال العدل المثالية إلى

أساسٍ ومبدأ فطري، فالتوازن هناك يقوم بين الأنظمة الاجتماعية من جهة وباطن المنظومة الكونية من جهة أخرى (السماء رفعها ووضع الميزان (وهذه هي الصبغة الحاكمة على العالم بأكمله: (ألا تطغوا في الميزان (وهذا يعتبر قانوناً طبيعياً واجتماعياً لإظهار الجذور الأزلية لنظامٍ وجودي واجتماعي.

وبعبارة أخرى، يمكننا القول بأن هناك توازناً بين عالمي (الخلق) و (الأمر) وحسب المعرفة الوجودية هناك أصل مشترك لكل ما هو كائن وما يجب أن يكون. وعلى هذا فإن اللوحات التشكيلية التي يقدمها تاريخ الفن الإسلامي تصور وبكل سهولة التطابق والتوازن بين نظام العدل الاجتماعي ونظام العدل والتوازن الكوني، هذا بالإضافة إلى أن هذا التوازن المتحقق في نظام العدل الاجتماعي بذروته يقدم وجهاً للطمأنينة والسكينة الوقورة التي تسود المدينة الفاضلة الإسلامية.

ولا ضير أن نذكر هنا أن الظروف السياسية والاجتماعية ووجود حكام الجور وما خلّف ذلك من ضغط وتوتر في الجو العام وكذلك وجود بعض الفنانين أو العاملين في هذا المضمار من الحكام وأولي السلطة والنفوذ قد أدت بكل ذلك إلى محقٍ ومحو أي لوحة تشكيلية تعبّر عن نظام العدل الإسلامي، وهذا ما حدا أيضاً بالفنان، وبشكلٍ تلقائي، إلى إيجاد نوعٍ من الرقابة الذاتية على إمكاناته الذهنية والروحية والفنية، والتي في الواقع لا يمكن أن تكون ناشئة فقط عن منع الرسم والتصوير التمثيلي الواقعي (٦٠).

على كل حال، فإن لكل اتجاه أو مذهب تعبيره الخاص عن المدينة الفاضلة، ويتجلّى ذلك فنياً في ذهن الفنان وآثاره. ففي الفن الواقعي الاشتراكي نجد أن هناك في أذهان الفنانين تصويراً كلياً عن النظام الغائي المثالي الشيوعي، ويتجلى ذلك في الآداب والفنون بصورٍ مختلفة منظومية واجتماعية، هذه المدينة الفاضلة تظهر في بعض دورات الفن اليوناني من خلال تكريم وتقديس الآلهة والأبطال والعظماء وفي بعض دوراته نجدها متجلية على وجوه العقلاء والحكماء، الذين يمثلون أسطورة الدولة العقلائية (٦١) وهذا ما عبرت عنه المقصورات من الدور والتماثيل واللوحات الفنية، هذا العنصر المثالي الغائي يظهر في تاريخ الفن الإسلامي وعلى الدوام عبر المعرفة الذهنية والروحية للمصور (الفنان) ولكن التعبير عنه كان يتم بصورة تجريدية.

النقطة المهمة هنا تكمن في أنه إذا كان التصوير الكلي للنظام الوجودي المتعالي والمتوازن، بما في ذلك الإنسان الموجود في منظومة منتظمة متوازنة عابداً وساجداً مسبحاً للباري الأحد، كل ذلك يعتبر من العناصر التي تبعث السكينة والأمان للروح في الثقافة الجمالية الإسلامية، فإن نظام العدل التخيلي (الطوباوي) الإسلامي يعتبر كذلك عنصراً من عناصر الطمأنينة والسكينة للجسم والروح عن طريق نظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهذان العنصران يتطابقان في الفن التجريدي ويتجليان في المساجد والكتيبات والحدائق ونقوش السجاد وباقي المظاهر الفنية الأخرى.

٦ - الإنسـان

في كل عقيدة هناك تعريف للإنسان تعبر عنه وتقدمه بما يتناسب معها. ويعتبر هذا الإنسان من جهة مخاطباً للفن وأحد موضوعاته من جهة أخرى، كما ويتجلى عبر التحليل كيفية تعبير هذه العقيدة عن الإنسان في قالبٍ تشكيلي. وفي فضاء حكمة الفن الإسلامي ينظر إلى الفن الديني على أنه مكاشفة تشكيلية فنية تتعلق بالعالم والمجتمع والتاريخ والحياة السرمدية والمدينة الفاضلة لتنقل الجوهر القدسي المتعال القابع في مكنون وجود الإنسان إلى حقيقة ما وراء المعقول (الله)، فالإنسان في الفن الإسلامي يعتبر مزيجاً من الروح والطين كما تعتبر الإنسانية ذات جوهر متعال (نفخت فيه من روحي (. والذي يجمع صورة هذا الإنسان هو الحركة … حركة تنقله من القطيعة إلى الوصل ومن الغربة إلى القرب.

ويمكننا القول إن جوهر التعريف الإسلامي للإنسان يكتسب عبر تضمنه لموضوعي الغربة والقرب. ومن الممكن بتعبير آخر أن تكون هذه المسألة موضوع الفن الأساسي لأننا نجد ذلك في المعتقدات المختلفة وتعاريفها المتنوعة والمتقاربة لكل من الإنسان والعالم والمجتمع…. فالمذهب الوجودي يعبّر عنه بالغربة، و «مولوي» الشاعر والعارف الإسلامي الكبير يعبر عنه بالفراق، والقرآن الكريم يعبر عنه بكلمات مثل (فإني قريب ( (٦٢) و (نحن أقرب إليه من حبل الوريد ( (٦٣) فهنا يُنظر إلى الفراق والغربة وفي الحقيقة إلى (المسافة) بمنظار اغترابي كما ويقرب المسافة من خلال القرب الذي يذكره مراراً فيجعل بذلك الوصل أمراً ممكناً. والمسألة التي تضاد هذا الأمر هي (النسيان)، ومع التأكيد على أن نسيان الله يؤدي إلى نسيان النفس (الذات). فالإنسان الذي يقاوم الظلم ويتعبد ويتزوج ويحيا ويموت يشكل حركة نحو القرب والوصال، وكذلك الإنسان حيث يصير عاشقاً فإنه يعشق المثال الأعلى فيعشق الحقيقة، وبالتالي فإنه يشكل حركة بدون انقطاع نحو القرب والوصال. وقد تكون هذه الحركة أحياناً عن قصد وإرادة كحركة السالكين لطريق الحق من الأحرار والعرفاء، وأحياناً تكون بشكل لا إرادي كبقية الحركات في

الحياة العادية للبشر. والإنسان الذي لا يحمل في طيات وجوده هذه الجوهرة المتعالية ما هو في الحقيقة إلا صادٍ يطلب ريا، كالسمكة التي وقعت في اليابسة وتطلب العودة إلى موطنها. وهو مع هذه الجوهرة السماوية العليا التي عبر عنها العارفون من الشعراء ببلبل بحبوحة الملكوت وطائر عالم الجبروت الذي يسعى دائماً للرجوع إلى أصله القدسي المتعالي. والقصدية هنا أو عدمها يكون تأثيرها فقط في معننة السلوك وليس في أصل وجوده، وعلى هذا فالفن الديني يملك جوهراً، وهذا الجوهر هو الذي يخلق هذا المصير، مصير الوصل واللقاء، مصير التخلص من الغربة وتحقيق القرب. ولا يخلو هذا المصير - الذي تم تقديره في السير ضمن سلسلة من الحوادث المعترضة والمانعة للوصول إلى القرب - من حضور ذاك العنصر التقديري الآخر، والذي يعتبر رمزاً للشر (الشيطان)، وإذا ما أشار هذا الشيطان - الموجود بقدر ومشيئة إلهية في وجود الإنسان - إلى شيء فإنه يشير إلى التعقيد والتشابك والتشعب في النسيج الوجودي لهذا الإنسان. وإن البحث في هذا العنصر النفسي لا يتم إلا بصورة نفسية ذهنية صرفة، ذلك حسب ما توصلت إليه البحوث النفسية.

وكل المدارس التي ترى أن الصراع بين علم الاجتماع وعلم النفس قائم فقط في ميدان العلوم الإنسانية وعلى الخصوص في مجال الفن والأدب، كالسريالية (الفوق واقعية) التي ترجع القدرة إلى علماء النفس، والواقعية الاجتماعية (الاشتراكية) التي تحيل النفوذ والسيطرة في هذا المجال إلى علماء الاجتماع. كلها تعلم مدى تأثير ذلك في التأسيس الواقعي لنظريات العلوم الإنسانية وتأثيره، كذلك في التجلي الفني في جميع اتجاهاته الشعرية والمسرحية والتشكيلية والنحتية، كما ويظهر الشيطان باعتباره عنصراً مؤثراً وفعالاً من الناحية النفسية والروحية في الشؤون والميادين السياسية والاجتماعية وذلك بقليل من الغموض والعمق.

إن موضوع الإنسان في الفن الإسلامي المقدس وخصوصاً فيما يتعلق بالفنون التشكيلية يرتبط بشكل رئيسي بمصير مجتمع العدل الطوباوي الذي تم تصويره بشكل مثالي محض لايمت إلى الواقعية بصلة.

هذا الفن يقدم الإنسان بصورة انتزاعية يشبه عبرها الورقة المستخلصة الرقيقة المنحنية كهامة شجرة السرو مشيرة بذلك إلى الخلود ودالة على الحركة العشقية نحو الله دون أي مانع أو رادع. ومثال ذلك، نراه في الرسـوم التجريدية الهندسية والرقوش النباتية التوريقية المرسومة على جدران وقباب المساجد أو دفوف الكتب.

وفي الظروف المعاصرة المحلية والدولية يحتاج تصوير التناقض بين الإنسان والشيطان مع ما يحتويه من جمال وقبح وملاحةٍ ومرارة إلى طرح فني تشكيلي جديد لأنه لم يعد باستطاعة الصورة التجريدية المحضة مواجهة هذه الظروف. على الرغم من أن الإنسان المجرد في الفن الديني الإسلامي المقدس يمثل عين الجمال والقرب الذي لا غربة فيه ولا فراق. وما يؤيد هذه النظرية التصوير القرآني الذي قدم لنا حضور التضاد الموجود في الشخصيات المختلفة مراراً وتكراراً.

وفي الواقع فإن الهدف من السعي في إظهار الشخصيات (الملامح) والوجوه يهدف في سيرورته إلى المطابقة بين هيئة هذه الشخصيات ومعناها الماورائي الذي يدل على السير النزولي (الهبوطي) للغربة أو على السير الصعودي (القرب إلى الله).

إن إيجابية الوجوه أو سلبيتها يتشكل بناء على المعنى الذي يستهدفه أصحاب هذه الوجوه (الفنانون). فالمجرمون يعرفون بسيماهم الدالة حكماً على ما اقترفته أيديهم، والمؤمنون يعرفون بما تحمله تقاسيم وجوههم وما تبطنه من تطلع نحو الله والقيم الإلهية والسعادة والطمأنينة الناتجة عن إيمانهم بهذه القيم. (يعرف المجرمون بسيماهم ( (٦٤).

(سيماهم في وجوههم من أثر السجود ( (٦٥).

(تعرف في وجوههم نضرة النعيم ( (٦٦).

(وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ( (٦٧).

فالقرآن عبر عن هذه الوجوه في مواضع كثيرة بالتفصيل، ولدراسة ذلك والبحث فيه يحتاج إلى إفراد فصل خاص أوسع وأشمل، حتى نستطيع من خلال ذلك الاهتمام أكثر بعملية رسم الصورة الإنسانية وما يتعلق بالوجوه الإيجابية والسلبية.

يحتاج الفن الإسلامي إلى تجربة جديدة في الفنون التشكيلية لأن الكثير من التحريمات السياسية والدينية قد زالت عن النشاطات الواقعية ووضحت استعمال التشكيل إلى حد كبير. والحديث في الفصل القادم سيتطرق إلى الحاجات التصويرية والتشكيلية المتزايدة التي تم طرحها بصورة واقعية.

[١] - Cultural sciences

[٢] - Archetypes

[٣] - يونغ، كارل غوستاف، وآخرون، انسان وسمبلهايش (الإنسان ورموزه) / ص٢٣.

[٤] - Friedrich Daniel Ernest Schleiermacher.

[٥] - Hermes إله يوناني، رسول الآلهة وإله الرموز.

[٦] - The Encyclepedia of Religion, vol. ٦ ,pp. ٢٧٩ - ٢٨٢.

[٧] - Religious art

[٨] - The way of sacred

[٩] - Salvation

[١٠] - Huxli, Aldos, the way of the sacred, p ١٢٠

[١١] - يقول «وليم جميس» في كتاب (الدين والنفس) في قسم (رأي حول فلسفة الدين) إذا كان الدين شيئاً يخالف ذلك الجهد الأساسي المتكامل للروح والهادف للحصول على الخلاص وإيصال الذات إلى المبدأ الأساسي فلن يكون له معنى.

[١٢] - Lao - Tse

[١٣] - Yi

[١٤] - Shi.

[١٥] - Wei

[١٦] - ما نقل في بحث (الفن التاوي) أخذ أكثره من كتاب (تاريخ فلسفة الصين القديمة) تأليف نشاي تشو، وتشاي وينبرغ.

[١٧] - Cast

[١٨] - Sansara

[١٩] - Carma

[٢٠] - Vidia

[٢١] - Nirvana

[٢٢] - ناس، جان، تاريخ جامع أدبان (تاريخ كامل الأديان) / ص١٨٥.

[٢٣] - Krishnan, Radha S. ; Recovery of faith; P. ١٤٤. . أنظر أيضاً كتاب: أديان شرق وفكر غرب (فارسي) ص٥٥ - ٥٦. لنفس الكاتب.

[٢٤] - المصدر السابق نفسه.

[٢٥] - Autman.

[٢٦] ـ. شريعتي، علي، تاريخ وشناخت أديان (التاريخ ومعرفة الأديان)، ص / ٢٨ - ٣١.

[٢٧] - أدرك «بوذا» وهو في منتهى درجات المجاهدة عدم جدوى الآلام والتعذيب الجسدي في عملية الوصول إلى الحقيقة لذلك ترك المجاهدة وعاد إلى الجسم لينقذه من نحوله ثم انطلق مسافراً حتى استقر إلى جـذع شـجرة (بو) فاسـتنار بنور البصيرة ووصل إلى درجـة البـوذا فأدرك عندها أنه لا بد من اتخاذ طريق الاعتدال من أجل هدوء البدن والغرائز فواجهته الآلهة والبراهمة لأنه نعى نظام الطبقات المغلقة ورأى بأن الخلاص يكمن في العودة إلى النفس أو على الأقل إقامة علاقات معها. ومثل للإنسان الذي عرف نفسه بالنيلوفر المستقر في وسط المحيط كجزيرة جافة في وسط المياه.

[٢٨] - Werry, Elizabeth, Ten Lives of Buddha, pp. ٣١ - ٣٧.

[٢٩] - الشاكتي. نوع من عبادة الآلهة المؤنثة، هذه الآلهة تتم عبادتها بطريقتين، فهي إما أن تأخذ شكل الإله الأم التي حازت على كثير من التقدير والاحترام عند العظماء والمفكرين في الهند من أمثال الشاعر (طاغور) أو أن تكون معبرة عن طقوس وشعائر خفية وغير أخلاقية.

[٣٠] - Hürlimann, Martin; india; pp. ١٤.

[٣١] - Intuitive insight

[٣٢] - سورة فصلت / ٥٣.

[٣٣] - Spiritual experience.

[٣٤] - Intuitive experience

[٣٥] - Sensible experience

[٣٦] - كلمة الفلاح في القرآن الكريم ذات معان عدة منها البذر، والنمو، كما أنها تتضمن المعنى الرمزي للزراعة.

[٣٧] - oneness.

[٣٨] - Immortality

[٣٩] - الشمس / ٩.

[٤٠] - divine inspiration

[٤١] - سورة الشمس / ٧ - ٨.

[٤٢] - سورة الشمس / ٩.

[٤٣] - سورة الشمس / ١٠.

[٤٤] - الحشر / ٩. التغابن / ١٦.

[٤٥] - يقول صدر المتألهين: قوام «النفس» بأمرين هما: العبودية لله وربوبيته، ومع معرفة كهذه تتكون «النفس» أو «الذات».

[٤٦] - البقرة / ١٦٥.

[٤٧] - تولستوي، لئون، هنر جيست / ص ١١٠ - ١١٧.

[٤٨] - الروم / ٥٠.

(. ٤٩) - سبك استعلائي در هنر سينما (الأسلوب الاستعلائي في فن السينما) / ص١٢.

[٥٠] - Super real

(٥١) - Rapture

(٥٢) - الحج / ٤٦.

(٥٣) - فصلت / ١١.

(٥٤) - الرحمن / ٦.

(٥٥) - الاسراء / ٤٤.

(٥٦) - جوادي آملي عبد الله، تفسير موضوعي قرآن مجيد / ص٢٧٣ - ٢٨٥.

(٥٧) - الأنعام / ١١٥.

(٥٨) - الرحمن / ٧ - ٨.

(٥٩) - يعتقد المفكر اللبناني «سمير الصايغ» بالاختلاف بين فن التوحيد وفن التجريد ولا يعتقد بتساوي التجريد والتوحيد، انظر كتاب: الفن الإسلامي، هامش فن التوحيد / ص١٢٦.

(٦٠) - الجدير بالذكر أن منع رسم الحيوانات بصورة واقعية يشكل أحد أسباب التجريد في الفن الإسلامي، وإن هذا البحث لم يتم طرحه في هذا الكتاب من الجانب الديني فقط بل أيضاً من خلال رؤية تأويلية اجتماعية جديدة.

(٦١) - Rationality

(٦٢) - البقرة / ١٨٦.

(٦٣) - ق / ١٦.

(٦٤) - الرحمن / ٤١.

(٦٥) - الفتح / ٢٩.

(٦٦) - المطففين / ٢٤.

(٦٧) - القيامة / ٢٢.



[ Web design by Abadis ]