ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الفصل الأول: الأصـول الكليـة

المقدمـة

العروج النيلوفري

في فضاء اللازورد اللامتناهي حيث اللاسماء بل ما يشبه السياج على هذه الأرض، وحيث تموجات الرسوم الملوّنة الحمراء والفيروزية والخضراء والذهبية على الخزف اللازوردي المصنوع من الصلصال والذي ينتقل بك عبر أجنحة الخيال من التراب والطين إلى ما هو أعمق من السماء، وهاهي الخطوط والرسومات الرمزية، فهي إما نباتات قد تعرّى جوهر باطنها وانكشف سرّها، أو هي سروٌ طائرٌ وماء وإنسان قد انخطفت ألوانها عبر فتون الرقص العشقي الساحر، وإما قد ينبثق ويتجلّى لك من بينها طقس وشعائر وحضور إيماني أعلن للملأ … أو جسد عظيم مقتدرٌ أحمرُ اللون ذو عينين دمويتين وحدقةٍ واسعة استلّ سيفه وأطلق أرجوزته مفتخراً، وما إن يبرق سيفه حتى يكون قد خلق الموت…، تقرع الطبول والدفوف وتعزف الأبواق والمزامير، عندها يظهر بطل الحقيقة الذي لا يشقُّ له غبار جامعاً لكلّ جماليات الشكل والمعنى مقطوعَ الرأس صريعاً في مقتله، مخضباً بدمه، جسداً ممزقاً، قد أحرقه لهيب الشمس، فتقف عندها مشدوهاً مدهوشاً في برهوت صحراء العزاء الملتهبة، أو في قطب اللانهاية الندي تحت ظلّ انحناءات النيلوفر حيث اللاسماء بل نظيرها، لا في محاصرة الظلّ والأنوار الضبابية المبهمة المنبعثة من نسيج ا

لنوافذ الآجرية بل غَرقٌ في نور آلاف السنين السالفة أو الحالية أو في زمان مجهول وهكذا، الكرَّةُ تلوَ الكرّة أحداث وألغازٌ ورموز في كلّ مكان وزمان.

المنائر تمتد نحو السماء، تمتزج بها ابتهالاتك مع تلك الرسوم الملتوية والرُّقم الخطيّة المتصاعدة، وتوحّد بين الزخارف والرقوش والخطوط الخارجية للقبّة والجدران اللازوردية في فضائها الداخلي، عند ذلك ينمحق الاختلاف والتضاد وتزول الحرب والخصومة، وتتعانق الأرض والسماء ويقترن الداخل بالخارج، والظاهر بالباطن، ويجتمع الأوّل والآخر، فيكون الحيرة والمدح والسؤال، ويتناغم التجريد مع التجربة، والرمز مع الطبيعة، والعقل مع العرفان، والحس مع الشهود، وما ذلك كلّه إلا من عجائب الفن الإسلامي.

إنّ تلقّي وإدراك كل هذا الجمال بغزارته وتشعبه المحيّر لايتيسّر إلاّ من خلال حكمة الحكماء [١]، وإن مركب حكمة الفنّ الإسلامي عبارة عن مزيج بديع للعناصر المكونة للحكمة حيث أدخلها إبراهيم تيتوس بوركهارت للمرّة الأولى في بحوث الفنّ الإسلامي [٢]، ومنذ ذلك الحين ورثها المختصون بها فصارت الشغل الشاغل لهم ضمن حدود الفكر الإسلامي، فسعوا إلى إغنائها ومضاعفة محتواها.

لهذا ولكي نتمكن من إدراك هذا المركب المعرفي نجد أنه ربّما من الأفضل لنا أن نستعين بالأسلوب التأويلي [٣]، ونستمد العون من المركزين الباطنيين أي الإنسان والله، واللذين يشكلان بداية ونهاية كل فنٍّ ديني، وعلى رأي «ويلهلم دلتا» [٤]، فإن أسلوب «العلوم الثقافية» هو «الفهم» وإن أفضل أسلوب للفهم هو التأويل [٥]، والحكمة بذاتها هي نوعٌ من الفهم والمعرفة البحثية الباطنية.

قد يشكّل كلّ من الإنسان والله مفتاحاً للعناصر المعرفية المتعلقة بالكثير من الدراسات البشرية المتنوّعة (نفياً أو إثباتاً) ولكي نخصص هذين المركزين في مجال الفنّ لا بد لنا من أن نقيم وعلى نطاق واسعٍ صلة وصلٍ عاطفية مؤثرة تكون جسراً بينهما، وهنا ينبثق مفهوم «الغربة» والغربة حسب القراءة العرفانية في أدبياتنا هي نتيجة للانفصال والفرقة، وهي حسب تعبير مولوي حكاية طائر بحبوحة الملكوت في قفص التراب وأنين الناي لانفصاله عن قصبائه. والغربة حسب قراءة الوجودية عبارة عن دغدغة واضطراب وتغرُّب للإنسان في الطبيعة والمجتمع، وهي حسب قراءة الماركسية التغرّب عن الذات [٦] (الاغتراب)، وذلك بصيرورة الإنسان عبرةً على أثر الإمعان في استغلاله بالأعمال الشاقة المضنية، وهي على رأي «شارلي شابلن» عبارة عن الحالة الإنسانية تحت براثن الآلة والرأسمالية، وهي على رأي «كسلر» حكاية إنسان فقد المعرفة بالأمر «المقدس» بالإضافة إلى فقدانه القدرة على معرفته [٧].

«الغربة» في الفنّ تعتبر المنشأ للجهود المتواصلة والمتنوعة في المعرفة الجمالية التي تبحث عن الخلاص من قيود الوحدة والوصول إلى الخلود، وفي النهاية بإرادة أو بغيرها تحقيق الاتصال بالله.

هذا الجهد «الذاتي» الحثيث يخطو بالمعرفة الجمالية من كنه الروح المكنون إلى عالم الصور العينية الخارجية ويحولها إلى صيغة فنيّة ماثلة في أثرٍٍ فني.

وعلى هذا، وإذا ما اعتبرت الغربة مفتاحاً لخلق وتلقي الآثار الفنيّة، فسيكون الفن بمعناه العام ظاهرة استعلائية [٨] - بذاته - تسعى إلى إضفاء طابع الهدوء والتنظيم على الدنيا لتقلّل عبر ذلك من آلام غربة الإنسان وتكبح جوامح مثيرات الغربة والفراق المدهشة وتخفّف ذلك إلى حدّ يمكن تحمله.

فالمفكرون المعاصرون ومن خلال هذه القراءة العرفانية اتخذوا موضوع الغربة جوهراً فنياً فـ «مطهّري» يرى أن الغربة عبارة عن ذاك الشعور الناتج عن الإحساس بعدم التجانس بين الإنسان وباقي الموجودات في هذا العالم، لأن جميع هذه الموجودات تمضي نحو الفناء والإنسان وحده من بينها يمضي نحو الخلود [٩]، ويرى «شريعتي» أنّ الفنّ ظهورٌ روحيٌ لا يقنع بما هو موجود فيستصغر الدنيا من حوله ويعتبرها قبيحة جوفاء، بل كما يقول «سارتر»: حمقاء وعارية من كلِّ معنى، وتفتقد الروح والاحساس، والفنان يحمل بين جنبيه قلباً مضطرباً محلّقاً ساخطاً، ويرى نفسه غريباً على الأرض والسماء وما بينهما [١٠]، كلُّ ذلك ناشىء عن التناقضات المنطوية في أعماق الهوية الإنسانية، هذه الهوية التي تسانخ الطبيعة بدليل تعلّقها المادي بها وذات وجود روحي معنوي يخالف الطبيعة ويناقضها [١١]، يدأب الفنان دائماً للتقليل قدر المستطاع ممّا يُعبَّر عنه «بالسيطرة الكمية» والذي يقصد به قولبة الحياة الإنسانية بأشكال وصور مادية لاوجود للمعنوية والرمزية فيها [١٢]، ويسعى كذلك إلى إغناء الصور الحياتية والإكثار في تنوعها حتى ترقى في النهاية إلى المستوى الكيفي (الرمزي) الأفضل، الأكثر تعبيراً

عن الذات والأقرب إلى صميمها.

بالرغم من أنّ الرأسمالية في عصرنا قد فرضت على الفكر استراتيجيتها المتمثلة في رفض التعالي والإصرار على التفريغ المعنوي والانسلاخ من الرمزية، حتى قّدمت مجموع النتاجات المتعلقة بالظاهر والحسّ والشكل الخارجي للمراتب الوجودية كأكمل أنواع المعرفة البشرية - رغم أن أهم خصائص معنوية الفنّ توقها إلى التعالي والسمو.

فها نحن نرى أنّ الفنّ الحديث لم يخضع تماماً للطغيان الرأسمالي بل نجده قد عكس الأمر فتجلّى [١٣] من خلال نظرة تأويلية (هيرمنوطيقية) بردود فعل عكسية في مجالات واتجاهات عديدة أذاقت الرأسمالية وثقافتها طعم مرارة الهزيمة وقساوتها.

على كلِّ حال فإنّ الاعتقاد الناتج عن (سيطرة الكم) وما ينشأ عنه من رؤية ظاهرية مولّدة للمعرفة السطحية المحدودة بالظواهر والوقائع والأشياء في موقع الذم والاستهجان، وذلك طبقاً لما جاء بلسان الدين وحسب ما أتت به آراء المفكرين منذ «أفلاطون» المثالي حتى «ميشيل فوكو» حيث ما بعد الحداثة.

فالقرآن الكريم ينعتُ أولئك الذين يقنعون بالمعرفة السطحية بقوله (يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون [١٤]، كما تحدّث «أفلاطون» خلال مسيرة التطور الإدراكي للمعرفة الجمالية عند الإنسان عن المرحلة التي يستطيع فيها الفرد العبور من الظاهر وحسب تعبيره من الجسد إلى مرحلة التلقي والشهود للجمال الحقيقي حيث الفكرة السامية المترفعة عن الظاهر والجسمية [١٥]، وكذلك تحدث «ميشيل فوكو» عن موت التعالي والرمزية والمعنوية والسحر بصورة تمثيلية ضمن مرثية تثير الشجون والأسى حيث أن: «البشر قد قتلوا آلهة الأولمب ولكي تكتمل هذه الملحمة قتلوا أنفسهم أيضاً وبذلك انتهى عهد التعالي» [١٦].

فالحكمة التي تعتبر من الموضوعات الأساسية للكتاب الحاضر إنما هي واحدة من المفاهيم والمعاني المثالية الماورائية ولها بنيانها الباطني الضمني الخاص بها والمرتبط بعمق مع العرفان والفلسفة والدين والفن. وإذا ما انضمت هذه الحكمة إلى الفن الإسلامي الديني فإنها وبلا شك سوف ترتقي إلى رواق أعظم وفضاء أوسع.

على الرغم من أن التوجهات الظاهرية السطحية والميول الضمنية الشخصية المحدودة هي الروح التي تحكم أكثر الجهود الفكرية والطابع الغالب على جميع الاتجاهات المعاصرة. فإنّ الحكمة كما الفلسفة والعلم والعرفان ذات جذور ثابتة مغرقة في القدم لا تبيد ولا تفنى تأصلت في الحياة البشرية إلى أن تجلّت من خلالها بصورة خطاب [١٧] قد اكتسب هويته الكليّة المتأرجحة ما بين التسنّم تارةً والترجّل تارة أخرى عبر سيرورة النقد لقابلية الترشح المعرفي من الأعلى والإبداع الفنيّ من جهة أو عبر مقاومة ذلك من جهة أخرى.

وهنا نحن نرى بغض النظر عن الأديان الاستعلائية الباحثة بكليتها عن المفاهيم المعنوية العميقة أن الاتجاه الفكري لأقدم المفكرين الداعي إلى الدفاع عن المفاهيم الباطنية العميقة والمعقِّدة قد ساهم في تنظيم هذا الخطاب الحكموي، ولا بد هنا أيضاً من الانتباه إلى أن فهم وإدراك حكمة الفنّ الإسلامي التي احتضنتها أبحاث هذا الفصل من الكتاب الذي يشتمل على مفاهيم من قبيل الحكمة الاستعلائية، الفن المقدس والفن الإسلامي وعلى مجموعة من الكلمات التي سيشار إليها حسب آراء بعض المفكرين.

خطاب الحكمـة

الحكمة في اللغة هي نوعٌ من الإحكام في الأمور بحيث لا يوجد أي فراغ فيها، وهذا ما يؤخذ في الأحكام العقلية التي لا تقبل البطلان والتحريف [١٨]، كما وأخذت الحكمة بمعنى المعرفة، العلم، التعقّل والعرفان وكذلك أطلقت على معرفة الحقّ واكتساب علوم الشريعة والطريقة والحقيقة وكذلك بمعنى أنها البرهان والغاية لكل شيء [١٩].

«سقراط» واحدٌ من ثلّة المفكرين الرافضين للمعرفة بمعناها الحسي حيث يقول إنّ المعرفة هي معرفة القيم الخالدة وليست معرفة القيم التابعة للتأثيرات الحسيّة المتغيّرة أو التابعة للعقيدة الشخصية [٢٠]، ومن الواجب على البشر برأيه أن ينقّبوا عن الفضيلة والحكمة لا عن المكاسب الشخصية، كما أن جلّ اهتمامه كان منصبّاً في تأدية رسالته الهادفة إلى إثارة الناس وحثّهم للوصول إلى أعظم وأهم ممتلكاتهم وهي «النفس» ولايتسنى ذلك إلاّ بالحكمة والفضيلة [٢١].

إن هذا التلقي للحكمة من قبل «سقراط» إنما هو تبصُّر في الحقيقة التي هي مصدرٌ لخير الإنسان وهي الحقيقة التي تقوده إلى السلامة والتوازن النفسي [٢٢].

أما «أفلاطون» فهو ينظر إلى الفن بصورة سلبيّة، وهذا ناشئ عن اعتقاده بأن الفنّ لا يصوّر الأشياء بالشكل المطلوب وإنّما يقلّد ما يراه في الظاهر، ومثال ذلك الرسّام الذي يرسم السرير فعمله هذا نشأ عن تأثير الحواس الظاهرية وهو بعيد كلّ البعد عن المعرفة الحقيقية [٢٣].

أما «أرسطو» ومن خلال مواجهته الدائمة مع الأمور السطحية الحسية أثناء بحثه عن حقيقة الأشياء والوقائع تمكّن من الوصول إلى مفهوم الحكمة، والحكمة والفهم الماورائي عنده يشكلان شيئاً واحداً. ويرى أن الفيلسوف هو الشخص الذي يبتغي معرفة العلّة الأولى وماهية الأشياء وواقعيتها وهو الذي يطلب المعرفة لذاتها.

فالحكمة باعتقاده هي التي تجعل من الأصول والعلل الأولية للأشياء موضوع بحثها وعليه فإن المعرفة الكلية تشغل أعلى المراتب العقلية، وكذلك تعتبر الحكمة من أصعب العلوم وأبعدها عن الحواس لكونها انتزاعية وتحتاج إلى الكثير من إعمال الفكر والروية، وذلك خلافاً للإدراك الحسّي الذي تتساوى فيه جميع الحيوانات ولا يشير إلى أي شيء من الحكمة.

الحكمة - حسب رأيه بمعناها الكامل والتام - هي عين ما وراء الطبيعة وإن ما تبحثه الحكمة عبارة عن أربعة أشياء هي:

- جوهر الأشياء أو ذواتها.

- المادة أو الموضوع.

- منشأ الحركة أو العلة الفاعلة.

- الخير أو العلة الغائية [٢٤].

فمن يمعن النظر في هذه الأسس الأربعة يدرك مدى قدرة الحكمة على سبر أغوار الأشياء والظواهر والوقائع وكشف حقائقها، وعليه فإن أساطين الفكر والفلسفة الغربيين عرّفوا الحكمة بأنها أرقى أنواع السلوك الفكري الإنساني المتجلي بأعظم قدرة على كسب الحقيقة.

وفي الإسلام فإن هذا الخطاب الحكموي المذكور في الدين والفلسفة والعرفان إنما هو نابعٌ من ذات الرسول الأكرم (ص) من خلال تأكيده على أن الحكمة تمثّل السرّ الذي ينجلي الضياع وتتبدد الحيرة بكشفه وإعلانه «الحكمة ضالة المؤمن» [٢٥]، وكثيراً ما يشير القرآن إلى «الحكمة» فيقدّمها كلفظة أساسية لها معناها الخاص بها حسب المعرفة اللغوية القرآنية. ويعتبرها إحدى نتائج التبليغ والمرحلة النهائية له، كما ويرى بأنّها ثمرة التدبّر والتبصّر في آيات الوحي السماوي وما يعقبه من تزكية للنفس وتطهير لها، حيث يقول: (لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة [٢٦].

إذاً فإنّ هذا الخطاب المشبع بالرموز والأسرار انتشر وتوسع عبر أكثر من ألف وأربعمائة عام ضمن سير تعقلي تكاملي مواكباً إياه التجربة الدينية والمعرفية الفلسفية والشهود العرفاني. وها نحن نرى أن هناك جمعاً غفيراً من الفلاسفة والعرفاء قد ساهموا في إغناء هذا الخطاب فأفشوا وأعلنوا الكثير من أسرار الحكمة على الرغم مما قد بقي من غوامض مكنونات جواهرها فلم يتمكن أحد من الكشف عنها فبقيت بكراً في خزانتها، ومن هؤلاء الفلاسفة والعرفاء نجد «أبو علي ابن سينا»، و «شهاب الدين السهروردي»، و «محيي الدين ابن عربي»، و «صدر الدين الشيرازي»، و «الحكيم هادي السبزواري»، وبالنسبة لابن سينا وما يراه في الحكمة نجد أنه استدلالي البرهان، وهذا يتناسب مع شخصيته العقلية إذ أنه أساساً يعتبر الحكمة طريقة عقلية لإدراك حقيقة الواقع، كما ويرى بأنها صناعة يتمكن الإنسان بواسطتها من إدراك كلّ ما في هذا العالم بواقعية النفس الأمرية أي يدرك الموجود بما هو هو [٢٧]، وكذلك يعتبرها نوعاً من الأفعال والتصرفات الواجب على الإنسان تعلّمها كي يتمكن من الرقي والتعالي [٢٨]، وفي النهاية نجده يقدمها بشيء من الإغراق فيعرّفها بأنها أشرف علم بأشرف معلوم [٢٩]، أما «شهاب الدّي

ن السّهروردي» وعلى الرغم من أنـه إشراقي المشرب شهودي المعرفة ويتلقى الحكمة على هذا الأساس لا يرتب درجاتها طبقاً لهذا الاتجاه وإنما ينظر إلى الحكمة والحكيم بوجهين: تألهي وغير تألهي، قيقسّم الحكماء بناء على ذلك على ثلاثة أقسام:

١ـ حكيم بحاث عديم التألّه.

٢ـ حكيم إلهي متوغلٌ في التأله عديم البحث ولايقيم وزناً له.

٣ـ حكيم إلهي متوغل في التأله والبحث وذو براعة في العلوم العقلية [٣٠].

هذا الترتيب يدلّ على أن «السهروردي» ورغم اعتقاده بسموّ الحكمة ورفعتها لا يعتبرها إلزاماً إلهياً غايتها ساحة القدس السرمدية، والسهروردي يعتبر ممن ساروا على النهج الأفلاطوني الشهودي ولم يُعِر الاستدلال أيّ اهتمام.

أما «محيي الدين ابن عربي» مؤسس نظرية العرفـان النظري فهو ينظر إلى الحكمة من خلال تجربته الشخصية ويرى بأنها تكامل النفس عن طريق معرفة حقائق الموجودات بما هي، ويرى بأن الحكمة هي أيضاً الحكم بوجود تلك الحقائق بواسطة البحث والاستدلال والبرهان [٣١].

أما «صدر المتألهين» الفيلسوف الذي مزج بين العقل والعشق، فيرى في الحكمة أسلوباً خاصاً يمكّن النفس الإنسانية من الوصول إلى درجة التعالي تحصل من خلالها على أعظم قدرٍ من السعادة [٣٢]، كما ويعتبر الحكمة أحياناً صناعة نظرية يبحث فيها كيفية الوجود النفس الأمري [٣٣].

أما الحكيم «هادي السبزواري» فيرى في الحكمة صيرورة الإنسان عالماً عقلياً مضاهياً للعالم العيني (الخارجي) [٣٤].

على كلّ حال، فإننا نجد أن هذا الخطاب الحكموي المأثور وضمن إطار لغوي واسع يحتوي على طيف من الألفاظ يمكن عرضها وفقاً لهذا الترتيب: التعالي، الكمال، الباطني، الوجداني [٣٥]، الغاية، الحقيقة، الواقع، الذوق والشهود، الأسلوب، القاعدة، الوسيلة، الصناعة، العقل، التعقل، التوقّد، الإنسان، ونفس الإنسان، الحلم، والصبر.

هذه التعبيرات اللفظية تدل على وجود مفهومٍ معرفيٍ مكنون فيها وهذا المفهوم هو مفهوم واقعي حقيقي وجهته التعالي والكمال ونهايته عروج الإنسان وارتقاؤه إلى مرتبة الحقيقة وذلك من خلال البحث المستمر عنها سواء عن طريق الذوق والكشف والشهود، أم عن طريق المنطق والعقل والاستدلال.

إن اعتماد نتيجة الأبحاث اللغوية سوف يقود بلا شك وبدون أي غموض إلى مشاهدة عملية تجلّي الحكمة بفطرتها الشريفة القدسية التي تصبو إلى الحقيقة بمنهجي العقل والشهود، كما ويبيّن أيضاً سموّ الحكمة وتعلّقها بفضاءات التعالي المتسامية، وعليه فإن تلاقح تعالي الحكمة مع الفن الديني الإسلامي سوف يؤدي إلى الانتقال بهذين الإتجاهين (الفن والحكمة) إلى بعد ملكوتي ماوارئي وتفسير ديني إلهي ينتهي إلى روضة الإسرار وتجلي الأسرار حيث خلسات العشق العرفانية.

من المهم هنا قبل الدخول في الدائرة السماوية الملكوتية لهذه الحكمة التذكير بمدى حضورها في أفكار المفكرين اللاإلهيين، الحضور الذي يجعل باب الحوار مفتوحاً على مصراعيه في عالمنا المعاصر، فعلى سبيل المثال نجد أن «فرانسوا ليوتار» وهو واحدٌ من فلاسفة ما بعد الحداثة، ودون أن يكون له أي انتماء ماورائي أو حتى أي تأثير ذهني بالبعد الملكوتي الديني للحكمة والفن يقدّم لنا الحداثة بصورة نقدية فيقول: «إني أسمّي ذلك الفن "الحداثة" حيث أن مهارته الوحيدة تتجلى في الإشارة إلى الحقيقة التي تقول بأن الشيء الذي لا يمكن الإشارة إليه [٣٦] أمر موجود [٣٧] ».

وكذلك «جياني فايتمو» أحد مفكري «ما بعد الحداثة» نجده يذكّر بموت الفن الذي كان «هيغل» قد أشار إليه، ذلك الموت الذي سبّبته الثقافة والمدنية الرأسمالية حيث جعلت من الفنّ إنتاجاً فنياً [٣٨] استهلاكياً كغيره من البضائع والمنتجات الصناعية، ولكن هذا الإنتاج إنما يتم إنتاجه من خلال وسائل الإعلام الجماعية [٣٩]، والثقافات الشعبية المحليّة [٤٠]، إذ ينعدم عند ذلك وجود أي فنان كبير أو وجود أثرٍ فني كبير من الممكن أن تكون قد تجلّت فيه أحاسيس ومشاعر الفنان ذاته [٤١]. فهذا يعتبر نوعاً من الرؤية الحكمية الاستعلائية التي عبر عنها «السهروردي» بأنها تتعلق بحكيم بحّاث عديم التأله.

ويعتقد «فايتمو» في نهاية مرحلة «ما بعد الحداثة» أنه يجب على أتباع الفلسفة الجمالية في الغرب البحث في مسألة أفول الفن وهبوطه وأن ينظروا إلى مسألة الوجود والجوهر الفني بنظرة أدقّ وأعمق حتى يعتبروها حقيقة ماورائية. وكذلك من الواجب أيضاً على الفلسفة الوجودية أن تفسّر ظاهرة الهبوط الفنّي وتحديد موقع الوجود الأزلي الخالد في الآثار والنتاجات الفنية المعاصرة [٤٢]. إن الأفكار النقدية التي يحملها أولو النظريات ضدّ الاتجاهات المعاصرة التي تقود الفن نحو الحضيض إنما تشير إلى التقدم لبعض الخطى الأساسية في سبيل الفهم الفني العميق والارتقاء به نحو مراحل فوق حسيّة.

على كل حال، وعلى الرغم من أن الحكمة تعتبر خطاباً استعلائياً. والتعالي يرتبط غالباً بالدائرة القدسية المتعالية، فإنه لا يرتبط لزوماً بالدائرة الدينيّة إلاّ في حال انتمائه إلى خطاب ديني، وإن الاستعلاء «التعالي» الذي نتكلم عنه في هذا البحث لا يعتبر نوعاً من التعالي الكانطي لأن «كانط» كان يستعمل [٤٣]، هذه الكلمة كدليل على منطقٍ شكّلته المعلومات السابقة [٤٤].

الحكمة والاسـتعلاء

تشكل الحكمة ومجموع ما يعبّر عنها من الألفاظ مجموعة استعلائية، إذاً فما هو الاستعلاء؟ : الاستعلاء «التعالي» هو كل أمر يهدف إلى تجسيد الأمور الفوق حسية المتعالية، ويبتغي في نفس الوقت الإشارة إلى رموز وأسرار الوجود. وعليه وبما أنّه يتعلق بالساحة المتعالية فمن الممكن أن تساويه الفلسفة والعرفان والمذهب والفنّ والنظام الطبيعي للذات المتعالية لا بل قد تتحد معه هذه الأمور أحياناً، وحيثما كان الأمر مرتبطاً بالمضمار الديني طبقاً لرأي «رودولف أوتو»، فإنّه لا يتعلق بالساحة الباطنية [٤٥]، بل بساحة مغايرة مطلقاً [٤٦]، وفي هذه الحالة يكون الاستعلاء أمراً قدسيّاً ينظر إلى الأمور الإلهية المتعالية وكما يقول «كيسلر»: الاستعلاء هو التوجه من الذات إلى ما فوق الذات، وما فوق الذات إما أن يكون باطنياً أو أمراً علوياً له اتساعه الوجودي في العالم الخارجي وهذا ما يعني أنّ مجرّد وصول الإنسان إلى أقصى أبعاده الوجودية الخارجية فإنّه وبدون شك سوف يمضي به الأمر إلى ما وراء ذلك وهذا بعينه حاسّة الاستعلاء الإنسانية [٤٧]، فالاستعلاء يقدّم للسالك عبر سيرورة التعالي نوعاً من الهيام والشوق والوجد والجذب الذي يعبر أحياناً عن القبض والخوف وأحياناً

عن البهجة والبسط والرجاء، إذاً فليس غريباً أن تكون الحكمة بالمفهوم الاستعلائي سبباً في إضافة فضاء وفسحة واسعة من العشق والهيام إلى الاتجاه الديني.

الفروق والمشتركات بين الدين والفن

تتحدث حكمة الفن الإسلامي حول الفن الديني عموماً والإسلامي خصوصاً. والسؤال: هل من علاقة بين الدين والفن؟ .

يتفق أكثر المفكرين على أن العلاقة بين الدين والفن والتجربة الجمالية كيفيّة ذاتية قابعة في الفن ذاته، وبناء على ما تشير إليه آراء أولئك المفكرين نرى أن بين تجربتي الفن والدين الاستعلائيتين فروقاً واشتراكات وإن أهم ما يشترك بينهما توجههما نحو الأمر المتعالي.

وعليه يعتقد «رودولف أوتو» أن الأمر المقدس والأمر الجمالي المتعالي في الفنّ واحدٌ من جهتين: الأولى أن كلاً منهما خارج عن دائرة الوصف، والثانية أن لكلّ منهما خصوصية إيصال عملية التنزل المعرفي والتعالي إلى المتلقي، حتى أن شدة الاشتراك بينهما قد تكون حافزاً لاستخدام التجربة الجمالية الفنية في عملية إثارة التجربة الدينية [٤٨].

إن كلام أوتو هذا يذكرنا جميعاً بتجاربنا المشتركة والمتكررة فيما يتعلّق بالمعابد، فالتجربة الجمالية في المساجد الإسلامية تتجلّى في رقوشٍ وخطوط متنوعة، وتتجلّى التجربة ذاتها في الكنيسة في تماثيل ورسومات، وتظهر في المعابد الهندية والفيدية والبوذية عبر تماثيل متنوعة تسعى إلى إضفاء ماوراء الحس.

ويرى «رودولف أوتو» أن الفرق بين التجربة الجمالية وتجربة القداسة يشبه إلى حد بعيد الفرق بين الإحساس بالعظمة وبين لقاء الله من جهة أخرى [٤٩]، وهذان يختلفان في درجة الشهود. ويوضح «أى. أى تايلور» هذا التفاوت في المثال التالي: «إذا دخل شكسبير إلى الغرفة فمن الواجب القيام احتراماً له، أما إذا دخل المسيح فالواجب يفرض علينا الركوع أمامه [٥٠] ».

فالأمر الأول يحكي تجربة عرفيّة جمالية، والثاني يحكي لنا توجّهاً دينياً. إذاً فالتعالي عماد التجربة الجمالية للفن والدين، ومن الممكن لعلم الجمال أن ينظر إلى الأمر المقدس والقضايا الماوراء حسيّة، ويؤيده قول «كسلر» في أن علم الجمال يتضمن الإحساس بالحيرة والدهشة بينما يتضمن الدين التعبد والحمد والثناء.

ولكي يتضح هذا الاشتراك وهذا الاختلاف يمكننا القول: أولاً: إن التجربة الجمالية في الواقع غير غائية في حين أن التجربة الدينية غائية في واقعها.

ثانياً: إن طبيعة التجربة الجمالية للفن تختلف عنها في التجربة الدينية على الرغم من أن موضوعهما واحد ويتمثل في الأمر المطلق (٥١)، فأفلاطون وعلى الرغم من اعتقاده بمراتب الجمال فإنه يرى اختلاف التجربة الجمالية عن التجربة الدينية، خاصة عندما يكون موضوع الفن هو من الأمور المحسوسة. ولكن عندما تكون الغاية من أية تجربة هي الجمال المطلق فإن ذلك سوف يؤدي إلى الاتصال بالله ولا يمكن إدراك هذا الجمال المطلق في فضاء ما وراء الجمال الحسّي أو حتى العقلي أي عبر الاتحاد الشهودي العرفاني (٥٢).

ففي مقابل «أفلاطون» القائل بفضائي الفن المحسوس وما وراء المحسوس نجد أن «أفلوطين» يرفض أي اختلاف أو تفاوت بين التجربة الدينية والتجربة الجمالية لا بل يعتبرها أمراً واحداً (٥٣).

الفن الديني

عندما ندخل في أجواء تجربة الفن الديني المقدس نجده فسحة مليئة بالمفاهيم والتعاريف المتنوعة والتي نكاد نجزم أن هناك من بين جميع تلك المفاهيم مفهوماً واحداً يمكننا قبوله وإثباته وهو مفهوم «الأمر المتعال» أو «المقدّس» (٥٤)، والفن الديني في الحقيقة هو تجربة جمالية تتعلق بالأمر المتعال والمقدّس الأمر الصادر عن فضاء ما ورائي سماوي.

عندما نرى على طول الثقافة والحضارة البشرية دخول تجربة المقدّس في مجال الفن والأدب وعرصات الفكر والتنظير فإننا وبسبب التنوع في الخطاب نجدها قد أدت تلقائياً إلى التنوع في الإدراك والتلقي، وهذا ما يعتبر بذاته نتيجة طبيعته أيضاً تدخل ساحة الفكر والمعرفة الفنية. فبمجرد المرور على تاريخ الفنّ منذ الإنسان الأول وحتى اليوم يؤكد لنا أن الأمر المتعال المقدّس في الفن الذي يحمل طابعاً دينياً قد تجلّى بشكل تجريدي محض كالأشكال الهندسية والقوالب الزخرفية، وأحياناً نجده قد تجلّى بصورة طبيعية وتعبيرية Express (٥٥) conisme وزمانية عبر عرض رمزي وتمثيلي وأحياناً نجده عبر تعبير الأشكال والصور «تشويهها» Deformation (٥٦)، وذلك لاضفاء المعنى والعمق الحسي (٥٧) عليها.

هذه الآثار الفنيّة سواء أكانت لأغراض سحرية أم اقتصادية أم دينية (ابتهالية، طقسية) كما هو الحال في فنّ ما قبل التاريخ (٥٨)، أو كانت للتعبير عن توجهات دينية كما هو الحال بالنسبة للفن البوذي والإسلامي والفن الإيراني القديم، أو كانت تكملة للرسالة والتبشير الديني كما هو الحال بالنسبة للفن المسيحي فإنها جميعاً ساهمت في تحقق وتجلّي التجربة الجمالية المتعلقة بالأمر المقدّس، وعلى هذا استفاد الفن الديني من الأسلوب التجريدي في عملية التعبير بالرمز أو التمثيل أو في استخدام الرمز والدلالة والتمثيل من خلال عرض الأشكال والصور الرمزية Figuratif. ve (٥٩)، أو عن طريق إعادة تصوير الطبيعة الواقعية الصرفة (كما هو الحال بالنسبة لفن عصر النهضة أو فن المقاهي الديني). أو بأي شكل كان فإن ذلك يعتبر تجربة جمالية تتعلّق بالأمر المقدس حيث الجوهر الأساس لأي تفسير يتعلق بالفن الديني. وفي الحقيقة فإن أهم الخطى المتعلّقة بتعريف الفن الديني تكمن في تحليل الأمر المقدس وكيفية التعبير ونقل هذا التحليل.

يعتقد «ميرجا إيليادة» أن الثقافة والفن الديني يمتلكان التجلّي القدسي، ويقول في ذلك: «إن التجلّي المقدس هو عبارة عن ظهور الأمر المقدّس "المتعال" في واقع مادي وفي مرتبة تختلف تماماً عن واقعية العالم المادي وأعمق منها، كما ويظهر في الوقت ذاته في أشياء مكمّلة لعالمنا الطبيعي الفارغ من أي قداسة، وبالتالي فإن مجرد تجلي هذا الأمر المقدّس في هذه الأشياء يساهم في ترقيها إلى مرتبة ذات صبغة سرّية وفوق أرضية» (٦٠).

وكما قال السيد «حسين نصر» في مقاله «الفن المقدس في الثقافة الإيرانية» إن الأمر المقدس يحكي لنا تجلي عوالم سامية في عوالم الوجود النفسانية والمادية، كما وأن منبع إشراق الأمر القدسي هو العالم الروحاني المترفع عن العالم النفسي الباطني (٦١).

فمع الاهتمام بهذا المبدأ نرى أنّ كلّ مفكّر يبتغي تعريف الفن الديني فإنه بلاشك سوف يقدّم هذا التعريف بناء على معرفته أو مدى إعجابه بالرّمز أو الدلالة أو الإشارة أو تعلّقه بالواقع الخارجي، أو قد يقدّمه بصورة خاصة اعتماداً على الأسلوب التجريدي أو التجريبي أو التصويري الرمزي (Figuratif. ve) ومثال ذلك التعريف القائل بأن الفن الديني هو مجموع الآثار الفنيّة التي تعرّف المتلقي (القارىء - السامع - المشاهد) بالأمر المقدس، وهذه هي الآثار التي قد صنعها أو صوّرها أو اختارها البشر كتلك التماثيل واللوحات البيزنطية وحدائق (مراكز) الترويض الروحي التي تعرض لنا التجربة الاستعلائية عند البشر، إذ أن هذه الآثار ليست استعلائية وإنما تعكس التجربة البشرية مع الأمر المتعال والمقدّس (٦٢).

على كل حال فلقد كان للفن المقدس بأشكاله وأساليبه المختلفة حضورٌ فعال في مجال الحضارة والثقافة البشرية. ولكنه من الناحية النظرية ومن خلال تصنيف كلّي يمكننا القول بأن المفكرين عمدوا إلى تحليل أساليب التعبير الفنية عبر اتجاهين أساسيين حيث يتحد كلاهما في أمرٍ أساسي وهو أن الفن المقدّس بجميع وجوهه وتجلياته يهدف إلى إعلان الحقيقة الذاتية للأشياء والظواهر وهذا التحقق العيني الخارجي (الإعلان) بدوره يتم بأسلوبين حسب رأيهم:

فالأسلوب الأول: يعتمد في تلقّي الفن المقدس والديني، على أنه يقدّم لنا الحقائق المتعالية والماورائية والدينية في رموز وإشارات أو بصورة تجريدية خالصة.

الأسلوب الثاني: يعتمد في أنه لن تتمكن الفنون الدينية من تقديم التعبير الواقعي أو الطبيعي (Naturalist) الناجح إلا عندما يعبّر عن المفاهيم الدينية التي تظهر معها وتتجلّى حقيقة باطن الأشياء والوقائع.

فالتوجه إلى الطبيعة بنظرة طبيعية وعشقية صرفة مع إهمال بعض جوانبها يؤدي في الواقع إلى أن يكون الفني الديني الطبيعي والواقعي أقرب إلى الرمز والإشارة، ومثاله فن العصور القديمة في مختلف الحضارات أو الفن الهندي في مختلف مراحله التاريخية، هناك أيضاً بالإضافة إلى هذين الأسلوبين أسلوب ثالث يمثّل في الحقيقة نوعاً من التنظير مبني على أساس: النظر إلى الأشياء والظواهر والوقائع بمنظارين في آن واحد، أي بنظرة واقعية خارجية من جهة، وأخرى معنائية رمزية وهذا ما يطلق عليه (الرؤية الآيوية).

فالشكل الخارجي الظاهري للأشياء يمتاز بناء على هذه النظرة بأهمية لا بأس بها ولكن هذا الشكل يشير إلى ميادين واسعة من المفاهيم تشمل طيفاً واسعاً يمتد فيما بين التراب وأفلاك السماوات وصولاً إلى الديار المقدسة. ومع وجود مثل هذه النظرة المفعمة ذاتياً بالرموز والإشارات يمكن توضيح الفن المقدس بالصورتين العينية (الخارجية) والذهنية.

وتستطيع الظواهر الحسيّة بناء على هذه النظرة الإعلان عن حقيقة الأشياء مع احتفاظها بقيمتها الذاتية. ومن الطبيعي والحالة هذه أن تتحول الظواهر الحسية إلى صور خيالية تتغيّر هيئاتها دون أي انتقاص من واقعيتها أثناء عملية الإنشاء الفني وذلك بهدف اكتساب المعنى والتعبير عن الرموز وقراءتها.

يؤكّد «بوركهارت» وبكثير من الإغراق على الخطاب الرمزي في الفن المقدّس، ويعتقد أن هذا الخطاب يشكل ذاتيّ الفن المقدس ويعتبر جزءاً من طبيعته، وكذلك يرى في الفن المقدس ذاك الفن الباثُّ للرموز الإلهية والمرآة العاكسة للرموز والكتابات والتمثيلات التي أنشأها الإله وصورها (اللوحةرقم: ١) هذا الاتجاه الرمزي يؤدي إلى سلب الطبيعة عن الفن المقدس وبالتالي تنحصر قدرته في الكشف عن صبغة الأشياء الإلهية. وعلى هذا ستكون كيفية عمل الروح الإلهية هي المثال والنموذج المحتذى في الفن الإسلامي وهذا ما لا يمكن التعبير عنه إلا بطريق الرمز والدلالة والكناية.

ومن خلال توضيح «بوركهارت» لرأيه توصّل إلى أنّ للفنّ المقدس فيما يتعلق بالشكل والمعنى والأسلوب تعبيراً خاصاً، وعلى هذا لا يمكن للموضوع الديني ذي الخطاب الواقعي (اللوحة: ٢) أن يسمّى الفن المقدس أو الديني، لأنه يفتقر إلى الرمزية والكتابات الخاصة والأسلوب المعرفي الخاص الذي يهب الفن الديني معناه (٦٣).

هذا التأكيد لـ «بوركهارت» على هذا الأسلوب الرمزي قابله علماء الفن بالنقد تارة وبالرفض تارةً أخرى، وذلك لأنه يخرج الكثير من الآثار الفنية الدينية، الهندية والمسيحية القروسطائية من دائرة الفن المقدس. ومن المحتمل أن يكون بوركهارت قد توصل إلى هذا المنهج بإلهام من أفلاطون الذي لم يكن ليعتبر تقليد الطبيعة فناً. ولكننا نجد في مقابل «بوركهارت» «فريتهوف شو آن» والذي يناقضه فيما يتعلّق بعملية إظهار الطبيعة أو الواقع في الفن المقدس ولا ينفيهما بهذه الشدّة، لأنه يعتقد أن حقيقة الأشياء معلنة وبشكل تلقائي في ذات الطبيعة كما ويمكنها أن تتجلّى عبر صورٍ وأشكال ملموسة ذات صبغة طبيعية (Naturalist) (اللوحة: ٣) وينظر إلى التهرّب من التعرّض للطبيعة من جميع النواحي على أنه من أخطاء أتباع المدرسة الطبيعية والمدرسة الواقعية، وإن هذا الإشكال لا يرد على المدرسة الطبيعية في مسألة كيفية مشاهدة الطبيعة وتبرير ذلك، بل يرد على عقيدتهم المنحازة القائمة على حصر الفن في تقليد الطبيعة الصرف.

يقول «شو آن»: إن مشاهدة الطبيعة الصحيحة تتطابق إلى حدّ ما مع الفن التقليدي، ومع الفن الرمزي المقدس كما هو الحال في الفن المصري الذي لا يرجع إلى العهد الفرعوني (اللوحة: ٤) أو فن الشرق الأقصى، وفي هذه الحالة ستكون المشاهدة الطبيعية ذات صبغة عقلانية أيضاً وليست مزاجية فردية، كما أن الواقعية الروحية عند الرسامين الصينيين لاتشـبه بأي شكل كان الاتجاه العالمي القائل بأصالة الجمال، ولذلك يقول شو آن منتقداً للاستهتار بالطبيعة وعدم الاهتمام بها مسيحياً.

إن إهمال الطبيعة في الفن المسيحي أدى إلى عدم التطابق أو حتى التناسب فيما بين الحد الأعلى أو في مشاهدة الطبيعة والحد الأكمل للرمزية في ذاك الفن، كما يرى أن الفن المسيحي يستطيع أن يجمع عمق مشاهدة الطبيعة مع رمزيته ومعنويته كما حصل في عدّة مجالات. (اللوحة: ٥) (٦٤).

يرى المفكّر الهندي كوماراسوامي كما الكثير من المفكرين أن مبدأ كلّ من الفن التقليدي والفن المقدس واحد لا بل ويرى هؤلاء أن كلا الفنين فنّ واحد. كذلك وضمن دفاعه عن الفن التقليدي الموجود بصورة رمزية يرى الفن المقدّس فنّاً تقليدياً (٦٥)، ويشارك «بوركهارت» في أن شرعية الفن المقدّس تكمن في رمزيته وكنائيته وتجريديته، ويرى بعد المقارنة بين أسلوبي التعبير للفن المتعالي (التمثيلي والتجريدي) إن الناظر إلى رسوم الفن المقدس كمن ينظر من خلال نظارة شمسية ولكنها مع ذلك فهي أفضل بكثير من أن لا نرى شيئاً (٦٦). وهكذا يصل «كوماراسوامي» ومن خلال التجربة الفنية للفن الهندي إلى أن الحضور المباشر للفن الديني والتلقي المباشر له يبقى أكثر اعتباراً وأهمية من الفن التمثيلي الذي يشبه النظارة الشمسية الحاجبة للنور، ويسترسل بكلامه العرفاني هذا قائلاً: إن الفنّ التمثيلي لن يكون مفيداً إذا ما حدثت الرؤية المباشرة وجهاً لوجه (٦٧) (اللوحة: ٦)، ويرى الدكتور «علي شريعتي» أن الفن أساساً ذو ذات مقدسة، وتشير التعاريف التي قدّمها عن الفنّ المقدّس إلى أنه لم يطرح الفن المقدس كنوع خاص من الفنون، وإن الأثر الفني الأصيل يكوّن مع العرفان والمذهب عائلة واح

دة إلاّ أن طريقهما مختلف في المرحلة التي يعاني فيها العرفان والمذهب هاجس الانتقال من «الأين» إلى «اللا أين» بينما يكون الفن في هذه المرحلة عبارة عن محاكاة وهذه المحاكاة ليست كالمحاكاة الأرسطوية المعبّرة عن تقليد الطبيعة، وإنما هي محاكاة تعبّر عن ما وراء الطبيعة وعن الانسجام والتناغم الجميل الموجود في هذا العالم والشبيه بجمال العالم العلوي، فالفنّ إذاً تقليدٌ عن وراء المحسوس بهدف إيجاد ما هو غير موجود في الطبيعة رغم التنقيب عنه فيها (٦٨).

مهما يكن فإن مفكّري الفن الديني يرون أن هذا الفن ذو فطرة سماوية معنوية وروحية، وعليه يمكننا القول بأن الحكمة مكنونة في ذات كلّ فنِّ ديني.

حكمة الفن الإسلامي

إن مصطلح الحكمة كما قيل بدايةً يعتبر خطاباً أو ثابتاً من ثوابت تاريخ الفكر والعرفان، وإنّ أوّل من أدخل هذا المصطلح في الأبحاث النظرية للفن الإسلامي كان «بوركهارت» وذلك بعد أن كان قد أخرجه وضمّه إلى الفن الإسلامي بقالب جديد، ومنذ ذلك الوقت وهذه الكلمة تستخدم بكلِّ ثقلها المفهومي عبر سيرورة تفسير الفن الإسلامي والكشف عن تفاصيله. ولابد من القول أن «بوركهارت» قد طرح هذا الاصطلاح بناء على تلقيه وفهمه الخاص للفن الإسلامي حيث كان يعتقد أن الفن الإسلامي يستند إلى حقائق أساسية تفسّرها مجموعة أو سلسلة من الكلمات المنتظمة وعلى رأسها لفظة التوحيد الإلهي.

وهذه الكلمات هي عبارة عن التوحيد الإلهي، الوحدة، الكثرة، النظم والعلم والجمال، فنرى بأن لكلمة الوحدة من بين هذه الكلمات مكانتها الخاصة وذلك نظراً للمعنى الذي تضفيه على التوحيد الإلهي. وفي ذلك يقول «بوركهارت»: "وينعكس الفن الإلهي (في القرآن الله فنان مصوّر) (٦٩)، حسب الاتجاه الإسلامي قبل كل شيء من خلال تجلّي الوحدة الإلهية في جمال وانتظام هذا العالم، هناك وحدة وتناغم وانسجام في عالم الكثرة وهذا ينعكس في النظم والتوازن. كذلك فالجمال بنفسه يمتلك كافة هذه الجهات والتوصّل إلى الوحدة من خلال هذا الجمال يعتبر الحكمة ذاتها. ولذلك فلا بد من أن يكون الفكر الإسلامي بالضرورة هو الصلة التي تصل بين الفن والحكمة.

كما ويقوم الفنّ في نظر المسلم على أساس الحكمة والعلم وليس العلم في الحقيقة سوى وديعة الحكمة التي صوّرت وتمّ التعبير عنها (٧٠).

وفي الحقيقة يعتبر الفن الإسلامي حسب رأي «بوركهارت» فيما يتعلق بالوحدة والكثرة بحرية جمالية غير فردية إذ تتحول هنا جميع الكثرة إلى وحدة عبر نسقٍ جماليّ بديع ومنظم، فبناء على هذا التعريف يستطيع الفن الإسلامي أن يمنح العالم وبأي شكل كان نوعاً من الصفاء والوضوح ويساعد البشر في تخطي الاضطرابات والهواجس الناشئة عن الكثرة ليصل بهم إلى ساحل الهدوء وبر الصفاء اللامتناهي، وكذلك يرى «بوركهارت» في «الحكمة» قانوناً يتم بموجبه وضع الشيء في موضعه، وإذا ما عُملَ بهذا القانون في الفن الإسلامي فسوف يكون معناها، هو أن تحليل أي أثرٍ أو إبداع فنيّ يجب أن يتم بناء على القوانين المحيطة بمساحته الوجودية الخاصة بحيث يجعل هذه القوانين قابلة للفهم والإدراك، ويستخدم «بوركهارت» قانون الحكمة من أجل تفسير مفهوم كلمة التوحيد الأساسية (لاإله إلا الله) في نفس الوقت الذي تحتفظ فيه كافة المراتب الواقعية المختلفة (الكثرات) باختلافها وتمايزها، فيأخذ كلّ شيء مكانه تحت قبة الأحدية العليا اللامتناهية ممّا يعني أنّه وبمجرّد تشخيص الأمر على أنه متناهٍ في نفسه فلن نستطيع آنئذٍ أن نعتبره أمراً واقعياً إلى جانب الأمر اللامتناهي، وهنا تذوب الظاهرة المت

ناهية في اللامتناهي.

ولكن عندما نعطي المكانة الرفيعة للأمر المتعالي اللامتناهي خطأً إلى الظاهرة الفانية سوف نكون قد وقعنا في شرك وهم عظيم وسوف يشاهد الفنان المسلم هذا الخطأ بعد سريانه وتجلّيه في الفن التصويري. إذاً فقانون الحكمة عبارة عن جهدٍ وقائي لمنع سريان هذا الخطأ الكبير (٧١).

يستعمل «بوركهارت» هذا القانون كنموذج في مجال العمارة والنقوش الرقشية ويرى أنّه من الواجب على العمارة إظهار التوازن الارتكازي والحالة الكمالية للأجسام الساكنة تحصل على مجال لتجليها بصورة بلّورية منتظمة، ثم يشرح مثاله المتعلق بالعمارة والنقوش الرقشية كالتالي: نحن نعلم أنّ البعض قد وجّهوا انتقادات إلى العمارة الإسلامية والرقش بنوعيه الهندسي والنباتي من جهة أنها لا تظهر الأعمال الثابتة الساكنة بصورة ظاهرة مبرّزة، خلافاً لعمارة عصر النهضة التي تمنح القوة والمتانة إلى مكوّنات البناء، وإنّ أوضح ما يبدو فيه من ذلك هو نقاط إسقاط الأبنية والخطوط الممتدة فيها من كل جانب فتمنح القوة للمكونات البنائية مع إعطائها نوعاً من الحركية الجسمية.

ولكن هذا الأمر في المنظور الإسلامي قد حقّق خلطاً بين النظامين الواقعيين، كما ويدل على عدم الصدق والإخلاص العقليين، فلو تستطيع هذه الأعمدة المنتصبة في الواقع أن تتحمل ثقل الأقواس فما الفائدة المرجوة إذاً من وصول بعض الرقوش والخطوط الممتدة على جوانب عدة إليها في نفس الوقت الذي نعلم فيه أن ذلك ليس من طبيعة الجماد.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالعمارة الإسلامية لاتسعى لتحقيق الغلبة على الحجر عن طريق إسناد الحركة الصعودية إليها كما هو الحال بالنسبة للفن القومي، فالتوازن الثابت يقتضي السكون، وكذلك فالمادة الخام سوف تلامس النور عن طريق صياغة الرقوش والزخارف والمنحوتات وإنشاء الفخاريات ذات الأشكال المدببة والصوامع المتعددة الأشكال والمنحوتة على طبقات متعددة، كما وتتحول الحجارة والطلاء الجصّي والرسومات والمنحوتات الجصّية إلى درر وجواهر بعد أن تكون قد اكتسبت النقاء والشفافية، ومثال ذلك أقواس باحة قصر الحمراء، أو أقواس بعض المساجد في المغرب حيث تراها وادعة في بحر من السكون اللامتناهي، كما وتتراءى لك في الوقت نفسه وكأنها تتلألأ بتموجات من النور تجعلها كالبلّور مما يحدو بك إلى القول عندها بأن جوهر هذه الأقواس ليس حجراً بل هو نور إلهي وعقل خلاق انداح وامتزج مع الأشياء في توليفة خفيّة مكنونة.

هذا الأمر يثبت لنا أنّ «عينية» أو «شيئية» الفن الإسلامي وبعبارة أخرى فقدان الحركة والانتقال الذهني والسرّي بالمعنى الصوفي (Mystique) ليس له أيّة علاقة بالاتجاه العقلي، إذاً أليس الاتجاه العقلي هو حصر الفهم والإدراك ضمن معيارٍ معين: المعيار الإنساني؟ والفن في عصر النهضة يفسّر هذا المعنى من خلال التفسير المعماري الهيكلي مادّياً والمعماري الشبيه بهندسة الجسد، في حين لا توجد هذه المدّة الزمنية الطويلة فيما بين الاتجاه العقلي وما جاء بعده من اتجاهات كالعبثية الفردية والرؤية الميكانيكية للعالم، ولا يوجد فرق كبير واضح فيما بينها.

بينما نجد أن الجوهر المنطقي العقلي للفن الإسلامي لم يكن شخصياً وكيفياً، وسوف يبقى كذلك، إذ لا يوجد ما يدلّ على مثل هذه الاتجاهات فيه.

فالعقل في الواقع - حسب رأي الإسلام - هو وسيلة لقبول حقائق الوحي والتي هي بحدّ ذاتها بالنسبة للإنسان ليست عقلية صرفة ولا غير عقلية، وفي هذا يكمن شرف ونبل العقل وما يتبعه من شرفٍ ونبل للفن.

إذاً فالقول بأنّ الفن يترشح عن العقل والعلم، كما يؤكد أساتذة الفن الإسلامي، لا يعني أن الفنَّ أمر عقلي ويجب عليه قطع اتصالاته مع الكشف والشهود الروحانيين، بل على العكس، فالعقل هنا لا يبطل الإلهام بل يبقي جميع نوافذه الوجودية مفتوحة أمام توارد قوافل الجمال اللافردي (٧٢).

وبناء على هذا فـ «بوركهارت» يرى في الحكمة أسلوباً تأويلياً لفهم الفن الإسلامي، وأن مضمون هذا الأسلوب هو تفسير وتأويل أشكال المعرفة الجمالية وإرجاعها إلى أسسها النظرية والعرفانية.

فالسيد «حسين نصر» يتوصل إلى وصف الحكمة من خلال سيرورة التعريف بالفنّ الإسلامي، ويقول بأن هناك نوعاً من التناظر والمحاكاة فيما بين الطبيعة باعتبارها إبداعاً لله وبين الفنّ الإسلامي باعتباره إبداعاً للإنسان، وهذا التناظر إنما هو ناتج عن فطرة وطبيعة الفنّ الإسلامي. وهذه الفطرة هي «الذكر الإلهي» ويرى أن الطبيعة مرتع «لذكر الله» والفن الإسلامي أيضاً مرتع لذكر وتسبيح «الأحد».

وكما أنه ومن خلال الاستمرارية في هذا التعريف يخلص إلى أنّ الحكمة، هي العلم الوحيد الذي يملك القدرة على معرفة الفن الإسلامي لأن الحكمة ذات إلهامٍ «فوق فردي» يعود في النهاية «إليه» وفي ذلك يقول: (إنما تستحقّ الطبيعة أن تكون مرتعاً لذكر الله وتسبيحه لأن صانعها هو الله والصانع من أسماء الله، ويستحقّ الفن الإسلامي أن يكون مرتعاً لذكر «الأحد» وتسبيحه لأنه وعلى الرغم من أن الإنسان هو من خلقه، حيث كان هذا الخلق ناشئاً عن نوع من الإلهام الفوق فردي إي إلهام ماورائي يعود في النهاية إليه) (٧٣).

ثم يضيف السيد «حسين نصر» الصبغة الروحانية والاستعلائية للحكمة في ارتباطها مع الفن الإسلامي، قائلاً: «يقوم الفنّ الإسلامي على معرفةٍ ذات صبغة معنوية روحانية أطلق عليها التقليديون من كبار الفن الإسلامي الحكمة فالحكمة هي المعرفة بفطرة روحانية» (٧٤). كما ويسعى «حسين نصر» في تعريفه للحكمة إلى إنهاء الاختلاف والتباين فيما بين العقل والروحانية، كما ويعتقد مع ذلك بأن الحكمة تقوم على علم باطني لا ينظر إلى ظاهر الأشياء وفي ذلك يقول: «لا فرق في الإسلام بين الروحانية والعقلية بل هما وجهان لحقيقة واحدة، والحكمة التي يقوم عليها الفن الإسلامي ما هي إلاّ الجانب العقلي للروحانية الإسلامية وكما قال "توما الإكويني" (الفن يشكّل شيئاً بدون الحكمة) وهذا القول يظهر في أوضح وأجلى وجوه الفن الإسلامي. هذا الفن ينطوي على علم باطني ينظر إلى الحقيقة الباطنية للأشياء حيث استطاع بواسطة هذا العلم وما أهدي إليه من النعمة المحمدّية (ص) أن ينتقل بحقائق الأشياء المكنونة في خزائن الغيب ويجسّمها في عالم الوجود المادي الجسماني» (٧٥).

كما وبحث الدكتور «غلام رضا أعواني» في الحكمة وطبيعة علاقتها بالفن فتوصّل إلى أنها ذات روح إلهي، وبعد نقده لرأي «أفلاطون» القائل بطرد الفنانين من المدينة الفاضلـة ونقده لرأي «أرسطو» القائل بالتباين بين الحكمة والفن يقول: «إن الرؤية الدينية وخلافاً لآراء المفكرين السابق ذكرهما تقول بعدم التباين بين الحكمة والفن، وإن الفنّ والعرفان والحكمة المقصود بها الفلسفة بالمعنى الحقيقي الإلهي يعودون إلى أصل واحد. عندئذٍ وضمن الإشارة إلى الفروق بين الحكمة والفلسفة والفن يقدم رأيه ويقول: (يمكن للفنان أن يكون حكيماً بالمعنى التقليدي للكلمة، ولهذا نجده يسعى إلى إضفاء العينية والتحقق على الحقائق التي رآها، كما هو شأن جميع الفنانين بمختلف أساليبهم، سواء أكان ذلك شعراً - كما هو الحال عند سعدي وحافظ ومولوي - أم عمارة حيث أن وسيلة التعبير الطين والحجارة) (٧٦).

وكذلك يعتقد أن بعض نماذجنا الفنيّة أساساً إمّا أن تكون تعبيراً عن الحكمة أو أن تكون خطاباً عرفانياً مباشراً، ومن الممكن تحقق هذه الحكمة بصورة خارجية عن طريق الموسيقى، لأن الموسيقى الحقيقية تستطيع أن تبث حقائق الحكمة عبر الأصوات (أنغام وألحان) وعن طريق فن رسم الخط ومظاهر فنيّة أخرى (٧٧).

ومهما يكن فنحن في نهاية هذا البحث (فهم حكمة الفنّ الإسلامي) ومن خلال ما قدِّم من تعاريف تتعلق بها من قبل المفكرين، نرى أنّه قد تم إثبات ما قيل في البداية حول حكمة الفن الإسلامي بأنها أشرف علم بأشرف معلوم. فأما كونها أشرف علم فهذا يرجع إلى أنها ذات طبيعة عقلية شهودية ومعنوية وإلهية، وأما ما يتعلق بمقولة أشرف معلوم فذاك يرجع إلى الفن الإسلامي لأنه ذو صبغة إلهية مقدّسة. فما يمكن إضافته إلى هذه الأقوال على أنه إدراك وفهم جديد لحكمة الفن الإسلامي بحيث يأخذ حيزاً في ساحة الفكر لابد من استنتاج تعقبه تعاريف جديدة.

وبصفة عامة، فإذا ما تركنا مفكري النحلة الدينية - الفلسفية والعرفانية الذين يقرّون قطعاً - وبدون أي جدل - بالصبغة القدسية المتعالية للفن الإسلامي وحكمة هذا الفن نرى أن أكثر المفكرين على أربع توجهات بالنسبة للفنّ الإسلامي:

١ - الاتجاه الأول الذي ينفي الشخصية في الفن الإسلامي ولقد تكلم في ذلك كلٌّ من «غانون» (٧٨) و «بوركهارت» (٧٩) وغيرهم من المفكرين الذين نفوا أي دافعٍ شخصي في عملية خلق الفن الإسلامي كما وحذّروا في نفس الوقت المخاطب أو المتلقي من النزوع الفردي الشخصي الخاص بالفن… وأكدوا أيضاً على أن النزعات الفردية والعواطف الشخصية تشكّل مانعاً وحجاباً أمام التوجّه المباشر إلى الله.

٢ - الاتجاه الثاني: وهو فرع لسابقه ويقول بالمبدأ والغاية القدسيين للفن الإسلامي حيث يرى المفكرون أن موضوع الفن الإسلامي هو ساحة القدس والملكوت، وعليه فلا يمكن لهذا الفنّ أن يحتوي على موضوعات ومضامين حياتية ومادية ملموسة، حتى ولو كانت طريقاً للعبور إلى العوالم القدسية، ويؤكدون على العلاقة القدسية المباشرة بين الله والإنسان، ويرفضون أي علاقة أخرى حتى ولو كانت تعبّر مع غيرها من العلاقات عن السير نحوه.

٣ - الاتجاه الثالث: يوضّح علاقة الفنّ الإسلامي بالزمان حيث أكثر المفكرين يرون أن الفن الإسلامي مقدّس خارج عن دائرة الزمان مخالف بذلك جميع الفنون الموجودة ضمن الدائرة الزمانية، وما تحمله من علائم تدلّ على الفناء، كما يرون أيضاً أن عدم ارتباط الفن الإسلامي بالزمان يعود إلى طبيعته الذاتية.

٤ - الاتجاه الرابع: ويتعلق بالتعبير الجمالي للفنّ المقدّس على أساس الرمز والإشارة والتجريد حيث يتفق جميع المفكرين على الرمزية إلا أنهم يختلفون في مسألة التصوير الواقعي.

سوف نبيّن في مباحث حكمة الفنّ الإسـلامي التي تتّخذ في هذا الكتاب شكلاً جديداً بناء على التجارب الفنية الجديدة الاتجاهات العملية والنظرية التالية:

١ - الاتجاه الأول: ويمثل الرؤية التأويلية للفن الإسلامي وفي هذا الاتجاه يتم تأويل الصور الجمالية الإسلامية وبحثها بنوعٍ من التحليل والتفسير بحيث يتسع أفق المعنى من الشكل إلى المفاهيم الإسلامية المتعالية، ومن أكثر الصور تجريدية إلى أكثر تجريبية. فلماذا لا نستطيع إذاً انطلاقاً من النظم البديع للرقوش والزخارف والرسومات الرمزية خلق تأويل قائم على أساس المعرفة الاجتماعية، أو على أساس معرفةٍ ترتكز في أسسها على العقائد الإسلامية، أي لماذا لا نستطيع أن نجد طريقاً يصل ما بين عالم القدس والأرض وعالم المادة بالملكوت؟ .

٢ - الاتجاه الثاني: ويمثّل هذا الاتجاه ظهور مرحلة جديدة في الفن الإسلامي تقابلها تعابير جمالية جديدة وذلك دون المساس بساحته القدسية، وهذه التعابير هي حضور الأشكال غير التجريدية في الفن الإسلامي، ومما لا شك فيه أنّ هذه التعابير الجمالية احتفظت برمزيتها وكنائيتها ومعانيها المقدّسة إضافة إلى تأثير الموضوعات الخارجية والتاريخية على تلك المعاني واقترانها بعنصر الزمان الذي جعلها تخرج بصورة تصويرية ملموسة.

٣ - الاتجاه الثالث: إن الظروف الجديدة والمعاصرة تتطلب حضور فردية الفنان وإمكانية الحضور العاطفي للمخاطب في الأثر الفنّي، وإن المقصود بالظروف الجديدة على وجه التحديد الصورة المثالية الهدفية وغير الفردية على الرغم من الاهتمام بالجوانب الفردية والعاطفية.

٤ - الاتجاه الرابع: تأمين فضاء واسع لبث الموضوع الفني، ومن البديهي أن لا تكون هذه المساحة مختصة بالعبادة والتقديس المحض فقط بل لابدّ من دخول موضوعات ومضامين تتعلّق بالخير والشرّ في نفس الوقت الذي تشغل فيه هذه المساحة امتداداً تصل ما قبل الدنيا بما بعدها، وبذلك يتسنى لهذا الفن معالجةُ ما يتعرّض له الإنسان من قضايا اجتماعية ونفسية.

إن النظر إلى هذه الاتجاهات انطلاقاً من الاعتقادات بأن المبدأ والمعاد أمران قدسيان فإن ذلك سوف يكون مورد إلهام الفنّانين ومخاطبيهم بتمام أبعادهم الوجودية.

فمع هذه الرؤية ومع اتساع الرقعة المفهومية للحكمة والفنّ الإسلامي لا بدّ وأن يعتري الرداء الكبريائي للفنّ المقدس بعض التراب لكنه سوف يتخطى ذلك من خلال التوجه نحو الملكوت بجهد تصاعدي تكاملي. وبعبارة أخرى، فالأمر المتعال موجود في كامل مراحل تكوين الفن وغير غائب عنها وهنا يكون لمخاطب الأثر الفني دورٌ فعال في فهم وخلق المفاهيم.

فعلى الرغم من أن الخطاب أو التعبير التجريدي الرمزي يشكل في جميع الأحوال أرقى أو أعلى وسيلة لإظهار المضمون المقدّس فهو لا يعتبر الطريقة الوحيدة، وإن ما سيأتي من بحوث في الفصول القادمة سيتضمن عملية الكشف عن رمزية الأشكال والصور الجمالية والهياكل الإسلامية وذلك طبقاً لما تقدّم من تعاريف.

[١] - Wisdom

[٢] - بوركهارت، إبراهيم (تيتوس)، هنر مقدس (الفن المقدس) / ص١٢.

[٣] - Hermeneutics

[٤] - Wilhelm Dilthey

[٥] - Eliade. Mircea, the Encyclopedia of religion; pp. ٢٧٩ – ٢٨٢.

[٦] - Alienation.

[٧] - كيسلر، فلسفه دين (فلسفة الدين) / ج١ / ص٤٢.

[٨] - Transcendental.

[٩] - مطهري مرتضى، اهتزاز روح، مباحثى در زمينه زيباشناس هنر (اهتزاز الروح، دراسات في حقل المعرفة الجمالية للفن) / ص٩٣.

[١٠] - شريعتي على، هنر مجموعة آثار (الفن ضمن مجموعة مؤلفات) / ج٣٢ / ص١٠٢.

[١١] - يقول القرآن المجيد (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ( «التين / ٤» (ونفخت فيه من روحي ( «الحجر / ٢٩» (ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأٍ مسنون ( «الحجر / ٢٦».

[١٢] - كَنون عبد الواحد يحيى (رنه)؛ سيطره كميت (سيطرة الكمية) / ص٧.

[١٣] - Obsorn, Harold; Twentieth century Art; p. ٤٤٥

[١٤] - سورة الروم «الآية / ٧».

[١٥] - أفلاطون، مجموعة آثار / ج١.

[١٦] - برنر، اريك، ميشل فوكو / ص١٧.

[١٧] - Discourse الخطاب، الكلام التاريخي، سلوك فكري تعبيري تواجه من خلاله الأشياء أو المواضيع أو الأفكار بصورة انتخابية بالإضافة إلى تقديم جميع الأسناد والشواهد بعد تنظيمها بنيّة خاصة ولمزيد من الإطلاع يراجع:

Lyotard, Jean, François, Toward the past modern; p. p ١٢ – ٢٩.

[١٨] - طباطبائي محمد حسين، تفسير الميزان. ج٢ / ص٣٥٥.

[١٩] - دهخدا؛ لغتنامه؛ ذيل «حكمت» وكذلك راجع سجادي سيد جعفر: فرهنك علوم فلسفي وكلامي (قانون العلوم الفلسفية والكلامية) / ص٢٦ – ٢٧.

[٢٠] - كابلستون، فردريك: تاريخ فلسفة اليونان والروم / ص ١٧٢.

[٢١] - ن. م / ص ١٣٣ - ١٣٤

[٢٢] - نفس المصدر / ص ١٢٩.

[٢٣] - ن. م / ص ١٩٢.

[٢٤] - ن. م / ص ٢٣٢ - ٢٣٣.

[٢٥] - راهنما، مجموعة أحاديث الرسول الأكرم / ص٢٠٧.

[٢٦] - آل عمران / ١٦٤.

[٢٧] - ابن سينا، الرسائل / ص ٣.

[٢٨] - هو الشفاء، الإلهيات / ص ٨٠.

[٢٩] - فرهنك علوم فلسفي وكلامي (فهرس العلوم الفلسفية والكلامية) / ص ٢٩٦.

[٣٠] - ن. م / ص ٢٩٩.

[٣١] - عربي محي الدين - البلغة في الملّة / ص٤.

[٣٢] - صدر الدين الشيرازي، محمد بن إبراهيم، هداية الحكمة / ص٣.

[٣٣] - صدر الدين الشيرازي، الأسفار / ج١ / ص٢٠.

[٣٤] - سبزواري، هادي بن مهدي، شرح منظومة / ص٧.

[٣٥] - Esoteric.

[٣٦] - Unpresentable

[٣٧] - Jenks charles; the past modern reader ; p. ١٤٦

[٣٨] - . Artistic product

[٣٩] - Mass media

[٤٠] - Mass culture

[٤١] - Vatimo, Gianny, The end of Modernity, p. ٥٨.

[٤٢] - Ibid, ٦٣

[٤٣] - A priori

[٤٤] - هارتناك، بوستوس، نظرية معرفت در فلسفة كانت (نظرية المعرفة في فلسفة كانت) / ص١٠.

[٤٥] - Wholly other

[٤٦] - . Otto, Rudolf; the Idea of the Holy,P. ٥٠

[٤٧] - فلسفة دين، / ج١ / ص ٤٤.

[٤٨] - The Idea of the Holy; ٢٢

[٤٩] ـ. Ibid P. ٤٥.

[٥٠] - فلسفة دين / ص ٢١.

(٥١) - ن. م / ص٣٠.

(٥٢) - أفلاطون، مجموعة آثار / ج١.

(٥٣) - أفلاطون، مجموعة آثار / ج١ و ج٥.

(٥٤) - Sacred.

(٥٥) - المذهب التعبيري: مذهب في الفن لايصور الحقيقة الموضوعية بل يصور المشاعر التي تثيرها الأشياء في نفس الفنان.

(٥٦) - Deformation تشوّه.

(٥٧) - هاوزر، آرنولد، تاريخ اجتماعي هنر (التاريخ الاجتماعي للفن) / ج١ ص١٢، وانظر أيضاً: الياده، ميرجا، تاريخ أدبان، ترجمة جلال ستاري، فصل أول / (ص٢٣ - ٥١).

(٥٨) - Primitive art.

(٥٩) - Figuratif. ve رمزية مجازية.

(٦٠) - Eliade, Mircea; The sacred and profane, P. ١٢

(٦١) - رجوع كنيد به، أوينى محمد. جاورانكي وهنر (الخلود والفن) / ص٣٨.

(٦٢) - شرايدر، بل؛ سبك استعلايي در هنر سينما (الأسلوب الاستعلائي في فن السينما) / ص٧.

(٦٣) - هنر مقدس / ص ٧ - ١٠.

(٦٤) ـ. شوآن، فريتهوف؛ مقالة: مشهد للمعرفة الروحية (بالفارسية)، في مجلة: دستها ونقشها، ترجمة جلال ستّارى.

(٦٥) - Coomaraswamy. Ananda; traditional Art and symbolism; P. P٤٣٣ – ٤٣٤.

(٦٦) - Coomaraswamy. Ananda; christian and oriental philosophy of atr, p. ٥٣.

(٦٧) - Ibid; P. ٥٢

(٦٨) - شريعتي علي، هنر، مجموعة آثار، ج٣ / ص١٠٢.

(٦٩) - لم يأت في القرآن سوى تعبير المصوّر.

(٧٠) - هنر مقدس (الفن المقدس) / ص١٢.

(٧١) - ن. م / ص١٣٢.

(٧٢) - هنر مقدس (الفن المقدس) / ص ١٣٣.

(٧٣) - نصر، سيد حسين، هنر ومعنويت اسلامى (الفن والمعنوية الإسلامية) / ص١٨…

(٧٤) - ن. م / ص ١٤.

(٧٥) - ن. م / ص ١٥.

(٧٦) - أعواني، غلام رضا، حكمت وهنر معنوي (الحكمة والفن المعنوي)، ص٣٥٩، ٣٦١. وهنا يشير أعواني إلى أن المقصود من الموسيقى هي تلك القائمة على أصول حقائق إلهية، خلافاً للغناء الذي يفتقر إلى الأسس والأصول الصحيحة ويقوم على أساس نفساني صرف.

(٧٧) - نفس المصدر السابق.

(٧٨) - لقد بحث غانون بالتفصيل تضاد الفردية والنظرة الدينية التقليدية في كتاب (سيطرة الحكم).

(٧٩) - انتقد بوركهارت في جميع آثاره وخصوصاً في كتاب (الفن المقدس) ومقال (دور الفنون الجميلة في التربية الإسلامية) آثار النزعة الفردية والميول الشخصية في الفن الإسلامي.



[ Web design by Abadis ]