ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 المقدمـة

إنه الكون، كلٌّ واحد، صنع الله [١]، واحد في عين الكثرة، تنوعٌ وجمال، وجوهر هذا الإبداع الفني هو الإنسان، الإنسان الكامل [٢]، وليس غريباً أن يكون الملهم الأبدي للفنانين هو الإنسان والعالم. فالقرآن الكريم وبالإضافة إلى ما يحتويه من تعاليم دينية، عقلية، عرفانية واجتماعية، يعتبر أيضاً أثراً فنياً قد أبدعه وصوّره الله جلّ جلاله.

هبوطاً من تلك الدوحة العليا، هبوطاً من سماء إلى سماء فالإنسان خالق الفنّ الإسلامي أبدعه انطلاقاً من إيمانه الديني، ذلك الإيمان الذي شق في التاريخ طريقاً ولا أروع ولما تنجلي نهايته بعد لنا، والإيمان التوحيدي - الإسلامي الإنساني - الذي بدأ رحلته من شبه جزيرة الحجاز التقى عبر فتوحاته الأولى بأعظم حضارات ذلك الزمان حضارة الفرس وحضارة الرومان، فتعرّف عبر التواصل تأثيراً وتأثراً وإبداعاً مع هاتين الحضارتين على حضارات ما بين النهرين القديمة وحضارة مصر والهند والصين واليونان وأهدى إليها قيمه ومعتقداته هيكلاً ومضموناً. وبذلك أضحى الفن الإسلامي الوريث الوحيد لثمرة التجارب والمنجزات الثقافية والفنيّة التي ابتكرها وأوجدها أناس وأقوام غابرة، وما ذلك إلا لأنه تعامل مع الجديد من الثقافات برحابةٍ وسعة صدر ولم يكن ليسعى يوماً إلى طمس معالمها أو تخطئتها، بل على العكس، فمن خلال ارتكازه على جوهرته الإيمانية (التوحيد) اكتسب وجوهاً وعناصر جديدة من تلك الثقافات وصبغها بصبغة التوحيد.

استطاع الفن الإسلامي عبر اعتماده على الرمزية الخاصة القابعة في باطن اعتقادات هذا الدين المبين أن يقدم أشكالاً وأساليب جديدة إلى الأسلوب العرفاني الإلهي، وهذا ما أدى بدوره مع نهاية القرن الثاني الهجري وبعد مضي مدة طويلة على التفاعل مع ثقافات ذاك الزمان والتأثر بها إلى تجلّي الفنّ والثقافة الإسلامية بأصفى شكلٍ وأبدع صورة في روضة الحياة وساحة الوجود. وهكذا بدأ حياته برقة وجمال وعظمة وأمضاها على مدى ألف عام إلى أن اصطدم بسلطة الرأسمالية والغزو الثقافي الغربي الذي اجتاح بقاع العالم بما فيها العالم الإسلامي حيث انتابته حالةٌ من الجمود والتواني مُثيرة للدهشة.

على الرغم من أن الثقافة والفنّ الغربيين لم يستطيعا التغلّب على الفنّ والثقافة الإسلاميين، أو حتى الاختلاط بهما إلاّ أنهما بدءا حياتهما إلى جانبهما عبر صورٍ وأشكالٍ تعبّر عن المعرفة الجمالية للثقافة المذكورة، وهنا يمكن القول بأنّ فصلاً ثقافياً جديداً قد بدأ في الشرق الإسلامي.

فعلى امتداد الوجود الاستعماري الثقافي واجه الفن بالمعنى الأعم أزمة عظيمة يمكن تسميتها أزمة الهوية، ومع تطور هذه الأزمة قطع الفن عرى اتصاله بماضيه وتاريخه وذلك دون النظر إلى الأسس النظرية والمعرفة الجمالية المتكاملة ودون أدنى اطلاع على التشعبات والمعطيات المعرفية المعاصرة، ومع هذا الانحلال انجذم حبل اتصاله مع الناس وخصوصاً مع نخبة المثقفين وبالتالي انحجبت قابلية الإلهام عن جماليات الثقافة والأدبيات الوطنية والدينية ليحلّ محلها التأثر بالثقافة والفن العالميين.

وفي بلدنا قامت جهود متواصلة ومساع حثيثة لملء هذا الشرخ وإعادة الاتصال التاريخي والثقافي، فتقدم على هذا الصعيد فنانون كبار بجهودٍ ومساع كان لها الدور الأساس في تفتح براعم الثقافة والفن في إيران، على الرغم مما قد واجه هذه الجهود من رهبةِ وقلقِ أولي الشأن في الفنّ وما ذاك إلاّ تحرّزٌ من السقوط في قفص السلفية والرجعية التامة، ومخافةَ أن يقودنا مفهوم الهوية إلى أبراج عاجيّة ومعرفة جمالية قائمة على الماضي الثقافي والفني تمنع من تبادل التجارب مع الفنّ المعاصر، وتعتبر أن أي نوع من التجديد تبعيّة للغرب وتغرّباً عن الذات.

فعلى امتداد الرقعة الثقافية ونظراً للمساحة العظيمة التي يشغلها الفنّ الإسلامي في التراث الفني الثقافي للشرق والوطن والعالم الإسلامي، فإن له الشرف والفخار كل الفخار بأن يكون أقوى من يصنع الهوية حيثما كان الحديث عن الهوية الدينية والوطنية والثقافية.

والكتاب الماثل بين أيدينا لا يهدف إلى الإجابة عن الأسئلة التي أثارتها أزمة الهوية في الفنّ ولا يبتغي إنهاء مشكلة التعارض الظاهري الناتج عن الجمع بين الهوية والتجديد، وإنما هو تطلّعٌ جديدٌ نحو الفن الإسلامي، وقراءة جديدة له حتى يتيسر وضع جوهرة حياته الرقيقة في نظام شهودي - عقلي واجتماعي - ذهني. وبالتالي إظهار وجهٍ جديدٍ من قدراته وجمالياته.

إن الرجوع إلى تاريخ بحوث الفنّ الإسلامي يقدّم لنا جهداً عظيماً وسعياً حثيثاً كان قد قام به ثلّة من المفكرين والمحققين بهدف إظهار الفن الإسلامي والكشف عن أسراره ورموزه، ومن هؤلاء المفكرين الأستاذ «مرتضى مطهري»، الدكتور «علي شريعتي»، والعلامة «محمد تقي جعفري» في إيران. ومنهم «نيكلسون»، «غانون»، «شوآن»، «بوركهارت»، و «بابا دوبولو» [٣]، و «آناماري شيمل»، في الغرب حيث سعى هؤلاء كلٌ بدوره إلى الإفصاح عن الأسس النظرية للفنّ الإسلامي وخصوصاً ما يتعلّق بالجانب العرفاني، وإذا ما أردنا توضيح كيفية البحث عن هؤلاء المفكرين من خلال اللغة الرمزية - الإسلامية فإن هذا القطب السماء (السماوات) [٤]، يعتبر اتجاهاً ما ورائياً صرفاً، وهذا التلقي من قبلهم لا بدّ من أن يكون منبثقاً من بيئتهم الذهنية والاجتماعية.

والجديد في هذا الكتاب أيضاً، بالإضافة إلى ما ذُكر، هو القطب التمثيلي (الأرض) ومسألة الاتصال بين هذين القطبين (السماء والأرض) وحسب التعبير الديني القرآني (السماوات والأرض) بأسلوب تأويلي. وعليه ففي الفصل الأوّل من هذا الكتاب والذي يشكّل في الواقع الأصول الكلية المعرفية لحكمة الفنّ الإسلامي تمّ بحثُ أسس التعالي في الحكمة والفنّ الديني.

وفي الفصل الثاني وضعت أساليب دراسة الفن الإسلامي ضمن مجموعة الأسلوب التأويلي الأكثر دقة، وبناء على هذا الأسلوب تمّ بحث كل من الفن الهندي، والفن التاوي، والفن الإسلامي عبر دراسة تطبيقية مع المرور على مسألة (الخلاص) و (الطريقة) حتى تكون الأسس النظرية لقطبي التأويل (السماوات والأرض) جاهزةً لدراسات موضوعية محدّدة لتكون بعد ذلك معياراً لأبحاث لاحقة.

والفصل الثالث: الفنّ وأدبيات الثورة الإسلامية، نموذج للدراسات الموضوعية، إذ يتحد القطبان الرمزيان (السماء والأرض) بصورة جديدة يتحرّر الإنسان عبرها من قيد التراب (الطين) ويبدأ بالعروج.

وفي الفصل الرابع: هناك نوعٌ من الدراسة الموضوعية يكشف فيها عن أوّلِ خالقٍ للفنّ حيث تكتسب الآثار الفنيّة معناها، كما وتوضع تساؤلات مؤرخي الفن وإجاباتهم في بوتقة النقد لتكون نتيجة البحث في النهاية هي نظرة إلى الفنون لا ناسوتية مادية محضة ولا لاهوتية إلهية محضة، وإنّما تقدّم إثباتاً لإمكانية تحقيق الوحدة المتوخاة بعد تحقّق الاتصال فيما بين القطبين السماوات والأرض.

وفي النهاية أرى من الواجب أن أشكر الأستاذ الكريم السيد الدكتور «أحمدي» عضو اللجنة العليا للثورة الثقافية ورئيس مؤسسة «سمت» عرفاناً بجهده المبذول في قراءة هذا الكتاب وتنقيحه بدقة، كما وأشكر السيد الدكتور عالم زادة الذي وهب بعضاً من أوقاته الثمينة وخصصها لقراءة هذا الكتاب، وأشكر أيضاً الفنانة الملتزمة السيدة زيبا كاظمي حيث طالعت الكتاب برويّة اختصاصية وأدبية وذكّرت بنواقصه، وأشكر أيضاً السيدة سيمين عارفي التي نظمت الكتاب بمنتهى الظرافة الفكرية والدّقة الأدبية، وكذلك أشكر السيدة سهيلة مقدّم التي قرأت الكتاب بإمعان وأعادت صياغة بعض أقسامه.

[١] - المقولة المعروفة لصدر المتألهين صدر الدين الشيرازي.

[٢] - مستوحى من كلام ابن عربي في فصوص الحكم «الفص الآدمي».

[٣] - Alexandre papadopolo

[٤] - قدم القرآن الكريم في كثير من الآيات السماء بصيغة الجمع (السماوات) وهذا ما يدل على التدرج في المراتب القدسية.



[ Web design by Abadis ]