ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مسـكويه

هو أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب، ألّف فـي الفلسفة والتاريخ والشعر والإنشاء، واشتغل بالكيمياء والطب والمنطق، عمل خازناً فـي مكتبة ابن العميد، ومن بعده فـي مكتبة عضد الدولة، فلقب بالخازن، عمّر طويلاً وتوفـي فـي سنة ٤٢١هـ، وكان قبل ذلك فـي نحوٍ من سبعين سنة يعمل فـي خدمة ابن العميد، يذكر التوحيدي فـي مثالب الوزيرين أن: «ابن عباد ورد الري سنة ثمان وخمسين مع مؤيد الدولة، وحضر مجلس ابن العميد أبي الفضل وجرى بينه وبين مسكويه كلام، ووقع تجاذب. فقال مسكويه: فدعني حتى أتكلم، ليس هذا نصفة، إذا أردت أن لا أتكلم فدع على فمي مخدّة! فقال له: أنا لا أدع على فمك مخدة، ولكن أدع فمك على المخدة، وطارت النادة، ولصقت، وشاعت، وبقيت» [١] وفـي هذا الخبر ما يرجح أن مسكويه عاش نحواً من مئة سنة، فهو يناظر ابن عباد فـي حضرة ابن العميد فـي سنة ٣٥٨هـ فمن المرجح أن يكون حينها فـي الثلاثينيات من عمره. وهو يذكر فـي شعره، هرمه، وتقدم السن به، فـيقول:

وكلَّ غربي واستأنست بالنوبِ [٢]

وقد بلغت إلى أقصى مدى عمري

ويقول أيضاً فـي خلائق عميد الملك:

بُعداً، وردت عليّ العمر من كثب

أعدن شرخ شباب لست أذكره

لحـظ المـريب ولولا أنت لم يطب [٣]

فطـاب لي هرمي والمـوت يلحظني

لاتشير المصادر بدقة إلى سنة ولادة مسكويه، وهناك ما يؤكد أنه ولد بين الفترة الممتدة من سنة ٣٢٠هـ - ٣٢٥هـ، وقد وسّع

د. محمد أركون البحث والتأويل فـي هذه المسألة [٤]. ويذكر مسكويه فـي كتاب تجارب الأمم أنه كان يجتمع منذ سنة ٣٤٠ هـ بالقاضي أبي بكر أحمد بن كامل ليتدارسا تاريخ الطبري [٥]، كما يذكر مسكويه عمله فـي خدمة الوزير أبي محمد المهلبي فـي عدة مواضع من كتابه هذا، والمهلبي ولي الوزارة سنة ٣٤٠هـ وعزل عنها سنة ٣٥٢هـ وكان فـي بغداد، وحين رحل عنها، غادرها مسكويه، والتحق بخدمة ابن العميد الوزير الذي كان مقيماً فـي الري، مع الأخذ بالحسبان أن ابن العميد غادر الري حين التحق بخدمة عضد الدولة فـي بغداد وذلك بعد سنة ٣٦٧هـ، لكن مسكويه يذكر أنه خدم ابن العميد «سبع سنوات بنهارها وليلها» [٦]. كان فـيها يحضر المجالس، ويعلم أبا الفتح ابن أبي الفضل بن العميد، ويقوم خازناً على مكتبة الأب الوزير والأديب، وهذا دليل كبير على حسن الثقة، ويذكر مسكويه فـي أحداث سنة ٣٥٥هـ حرص ابن العميد على مكتبته بعد أن تعرضت لنهب الخراسانيين وسلبهم، فتخير مسكويه لهذه المهمة الذي لاقت قبولاً فـي نفسه وطموحاً مادياً ومعنوياً، يقول مسكويه فـي شغف ابن العميد بمكتبته، وموقع مسكويه فـي هذا:

«واشتغل قلبه بدفاتره، ولم يكن شيء أعز عليه منها، وكانت كثيرة فـيها كل علم وكل نوع من أنواع الحكم والأدب يحمل على مئة وقر وزيادة. فلما رآني سألني عنها، فقلت: هي بحالها لم تمسها يد. فسريّ عنه وقال: أشهد أنك ميمون النقيبة، أما سائر الخزائن فـيوجد منها عوض، وهذه الخزانة التي لاعوض منها، ورأيته قد أسفر وجهه وقال: باكر بها فـي غدٍ إلى الموضع الفلاني، ففعلت وسَلِمَت بأجمعها من بين جميع ماله» [٧].

ونحن نذكر النص المقتبس أعلاه دلالة على قيمة شخصية مسكوية المعرفـية، وعلى ثراء الحياة المعرفـية فـي ذلك الزمان وذلك المكان، مما يسهم فـي معرفة أبعاد الحضارة الإنسانية عند المسلمين عرباً وفرس على أساس من المثاقفة، واحترام الآخر، والحوار الحر، والفكر المستنير، و «جيل مسكويه والتوحيدي» خير دليل على «نزعة الأنسنة فـي الفكر العربي» كما يرى د. أركون [٨].

ويبدو أن الفترة التي قضاها مسكويه فـي رحاب ابن العميد هي أساس تكوينه المعرفـي ونضوجه العلمي، فقد ترسخت فـيها معارفه وتطورت، مع الإشارة إلى أن مسكويه انتزع من ابن العميد اعترافاً بالتقدم والسبق ولولا هذا لما عهد إليه برعاية ابنه وتنشئته، لذلك حين مات ابن العميد الأب فـي سنة ٣٦٠ هـ بقي مسكويه فـي خدمة ابنه أبي الفتح الذي لم يقتد بفضل أبيه، ولم يفد من نباهته، وقد أخذ مسكويه عليه هذا، وذكّره فـيه، دون أن يخلع طاعته، أو أن يتنكر لمنـزلة الأب ولإحسانه، لكنه يصدق القول حين يذكر الأمر ويوضحه بقوله: «فأما ابن أبو الفتح فكان فـيه مع رجاحته وفضله وأدب الكتابة وتيقظه وفراسته، نزق الحداثة وسكر الشباب وجرأة القدرة، فتطلعت نفسه إلى إظهار الزينة الكثيرة واستخدام الديلم والأتراك…» [٩]، كما يذكر مسكويه رأي الأب فـي ابنه: «ما يهلك آل العميد ولا يمحو آثارهم من الأرض إلا هذا الصبي… وما قتلتني إلا جُرع الغيظ التي تجرعتها منه» [١٠].

وفـي سنة ٣٦٦ يقتل أبو الفتح لجرأته فـي اللعب بسلطان آل بويه ولاسيما بين مؤيد الدولة وعضد الدولة والصاحب بن عباد.

وبعد مقتل أبي الفتح ابن العميد استقرت أمور مسكويه فـي بلاط عضد الدولة، ولاغرابة فـي الأمر ففضل أبي الفضل بن العميد يجمع بين عضد الدولة ومسكويه، فمن المعروف أن أبا الفضل بن العميد أستاذ عضد الدولة وهو الذي علمه السياسة والتدبير وسائر فنون المعرفة والحكم، وكان مسكويه من أهم الشاهدين على هذا فهو مقرب من ابن العميد ومحظي بثقته، ولهذا نجده يوضح ما ذهبنا إليه ويجلوه ويؤكده حين يقول:

«ولكن رحمه الله لما حصل بفارس علم عضد الدولة وجوه التدابير السديدة وما تقوم به الممالك، وصناعة الملك التي هي صناعة الصناعات ولقنه ذلك تلقيناً فصادف منه متعلماً لقنا وتلميذاً فهماً، حتى سمع من عضد الدولة مراراً كثيرة أن أبا الفضل بن العميد كان أستاذنا، وكان لايذكره فـي حياته إلاّ بالأستاذ الرئيس، وربما قال الأستاذ ولم يقل معه الرئيس، ولايحفظ عليه أنه ذكره قط بعد موته إلا بالأستاذ، وكان يعتدّ له بجميع ما يتم من تدابيره وسياسته ويرى أن جمع ذلك مستفاد منه ومأخوذ عن رأيه وعلمه» [١١].

وإذا كانت تلك منـزلة ابن العميد عند عضد الدولة، فلابد أن يتمكن مسكويه من الإفادة من هذه المنـزلة، ولا شك فـي براعته فـي التقرب من السلطان، وقد وجد عضد الدولة نفسه فـي حاجة إليه، فـيصطحبه معه إلى بغداد حين يدخلها سنة ٣٦٧هـ، ويتخذه نديماً وجليساً وخازناً لمكتبته، وقيّماً على بيت المال، ومستشاراً، ويذكر مسكويه ما يبيّن هذا فـي مؤلفاته، ففـي سنة ٣٦٨هـ أرسله عضد الدولة إلى طاشتم حاكم قلعة أردمشت لجرد أملاكها وثرواتها، فطلب منه طاشتم أن يساعده ليلتحق بخدمة عضد الدولة. وحين عاد مسكويه من مهمته إلى بغداد قال لعضد الدولة: «ورأيت أنا من طاشتم هذا فـي طريقي حصافة وإقبالاً على الصلوات ودعاءً كثيراً» فاعترض عليه عضد الدولة وقال: «هو كما تقول، ولكن السياسة لاتوجب اصطناعه»، فأجاب مسكويه: «إنه مناسب لسياستنا الحالية» [١٢].

ويبدو أن أيام مسكويه فـي بلاط عضد الدولة كانت من أبهى أيامه وأحسنها، فقد كان معجباً شديد الإعجاب به، وقد أهداه كتابه «تجارب الأمم»، وقد صدّر الكتاب بكلام جليل جميل فـي الإهداء، وقد ذكره بالإحسان والتقريظ فـي غير موضع من مؤلفاته، فقال فـيه: «أعظم من شاهدت من الملوك» [١٣]. ولعل مؤلفات مسكويه هي أهم مصدر فـي تاريخ بلاط عضد الدولة، وتدل هذه المؤلفات على إعجاب مسكويه. بعضد الدولة وتقديره لحسن سياسته وبراعته تدبيره من جهة كما تدل من جهة ثانية على بعض مظاهر الحياة العامة فـي ذلك الزمن، حين صلحت أمور البلاد والعباد وهدأت الفتن بين المذاهب والأقوام، وتحوّل الخراب إلى عمران، والظلم إلى عدل، والمصادرة والاضطهاد إلى عدل وانصاف، وصارت بغداد فـي زمنه ملتقى الوفاق والوئام والعلم والهدوء والنظافة والجمال والأمن والسلام، ومن المفـيد أن نقرأ ما ذكره مسكويه تأكيداً من جهة، وبياناً لأثر الاستقرار والحرية والعدل والطمأنينة فـي تقدم الشعوب، وفـي تطورها نحو تجاوز معوقات البناء والمنعة، يقول مسكويه: «فامتلأت الخرابات بالزهر والخضرة والعمارة بعد أن كانت مأوى الكلاب ومطارح الجيف والأقذار وجلبت إليها الفروس من فارس وسائر البلاد…، و

كذلك جرى أمر الجسر ببغداد فإنه كان لايجتاز عليه إلا المخاطر بنفسه لاسيما الراكب لشدة ضيقه وضعفه، وتزاحم الناس عليه، فاختيرت له السفن الكبار المتقنة وعرّض حتى صار كالشوارع الفسيحة، وحصّن بالدرابزينات ووكل به الحفظة والحراس… وطولب الرعيّة بالعمارة مطالبة رفـيقة واحتيط عليهم بالتتبع والإشراف، وبلغ فـي الحماية إلى أقصى حد ونهاية، وأمضت للرعية الرسوم الصحيحة، وحذفت عنها الزيادات والتأويلات، ووقف على مظالم المتظلمين، وحملوا على التعديل، ورفعت الجباية عن قوافل الحجيج، وزال ما كان يجري عليهم من القبائح وضروب العسف، وأقيمت لهم السواني فـي مناهل الطريق. وأحفرت الآبار واستفـيضت الينابيع… وأطلقت الصلاة لأهل الشرف والمقيمين بالمدينة وغيرهم من ذوي الفاقة …واشترك الناس فـي الزيارات والمصلّيات بعد عداوات كانت تنشأ بينهم إلى أن يتلاعنوا، وتواثقوا، وخرست الألسن التي كانت تجرّ الجرائر، وتشبّ النوائر بما أظلها من السلطان القامع والتدبير اللامع. وبسطت رسوم للفقراء والفقهاء والمفسرين والمتكلمين والمحدثين والنسابين والشعراء والنحويين والعروضيين والأطباء والمنجمين والحسّاب والمهندسين. وأفرد فـي دار عضد الدولة لأهل الخصوص والحكماء

من الفلاسفة موضع يقرب من مجلسه… فعاشت هذه العلوم وكانت مواتاً… ورغب الأحداث والشيوخ فـي التأدب، وانبعثت القرائح… وأخرج من بيت المال أموال عظيمة صرفت فـي هذه الأبواب وفـي غيرها من الصدقات على ذوي الحاجات من أهل الملة وتجاوز هم إلى أهل الذمة» [١٤].

وفـي سنة ٣٧٢ هـ يفارق عضد الدولة الحياة، وفضل مسكويه انتشر بين الناس عامتهم وخاصتهم، فـيبقى فـي بغداد فـي كنف أولاد عضد الدولة من بعده، ويرد ذكره فـي مؤلفات التوحيدي فـي رحاب ابن سعدان وزير صمصام الدولة «٣٧٢ـ٣٧٦هـ»، ولاسيما فـي كتابيه الإمتاع والمؤانسة، والهوامل والشوامل، ويذكر الثعالبي أن مسكويه أقام من بعد فـي خدمة بهاء الدولة الذي دام حكمه من ٣٧٩هـ إلى ٤٠٣هـ [١٥]، كما يذكر له شعراً يهجو فـيه أبا العباس الضبي وزير فخر الدولة الذي قطع عنه رسوماً كانت تجري له، فـيقول:

إلى لحوم سباع كنّ فـي الأجم

ما كان أغنى أبا العباس عن شره

لؤماً ويبذله للشاء والنعم

فليصبر الآن لي حولاً على النقم

من كثرة الهم أو من قلة الفهـم [١٦]

يسترجع القوت أمضاه سواه لنا

صبرت حولاً على مكروه نقمته

سيعلم الوغد إن لم تـؤت فطنتـه

وبعد أيام بهاء الدولة تضعف الدولة البويهية، ويضعف معها حال مسكويه إذ بدأ يتجه صوب الثمانينيات من العمر، كما بدأ بنظم أشعار يصدر فـيها عن شكوى التقدم فـي السن، وتحسر على ما مضى من شباب وعز، وقد يكون فـي هذه الفترة من عمره ترك بغداد، وعاد إلى أصفهان ومالت نفسه إلى الهدوء والراحة والزهد، بعد أن ألّف فـي الحكمة والتصوف، ولم نعثر فـي المصادر على ما يتصل بأخباره بعد وفاة بهاء الدولة سنة ٤٠٣هـ، إلا ما يؤكد خبر وفاته فـي التاسع من صفر سنة ٤٢١ فـي أصفهان [١٧].

كانت حياة مسكويه العملية تتجه فـي منحيين الأول العمل فـي بلاط بني بويه خازناً للمكتبات، والثاني تأليف الكتب فـي ميادين ثقافة عصره.

وفـي المنحى الأول أتقن مسكويه هذه الحرفة، وانتقل بها من مسألة خزانة المكتبة إلى رتبة المستشار، منذ بداءة أمره بهذا عند ابن العميد، وعند ابنه من بعده، حتى وصل به الأمر إلى خدمة عضد الدولة فـي هذا الجانب، ومن ثم بهاء الدولة من بعده أيضاً، ويوجز ياقوت هذا الجانب من تاريخ مسكويه الشخصي بتأكيد نص اقتبسه عن الثعالبي، يقول ياقوت:

«قال أبو منصور الثعالبي: كان فـي الذروة العليا من الفضل والأدب، والبلاغة والشعر، وكان فـي ريعان شبابه متصلاً بابن العميد، مختصاً به، وفـيه يقول:

فضيلة الشمس ليست فـي منازلها

لايعجبنك حسن القصر تنـزله

مـازاد ذلك شـيئاً فـي فضائـلها

لو زيدت الشمس فـي أبراجها مئـةً

ثم تنقلت به أحوال جليلة فـي خدمة بني بويه، والاختصاص ببهاء الدولة، وعظم شأنه، وارتفع مقداره، فترفع عن خدمة الصاحب، ولم ير نفسه دونه، ولم يخل من نوائب الدهر» [١٨].

ومن المعروف أن مكتبات الحضارة العربية الإسلامية فـي القرن الرابع الهجري كانت أعظم مكتبات العصر وأكثرها كتباً، وأغزرها تنوعاً…. وقد حفلت مصادر التراث بالحديث عنها، وهذا ما يضفـي على شخصية مسكويه طابع الثقافة الموسوعية، مما يفضي بنا إلى الحديث فـي المنحى الثاني وهو ما يتصل بمؤلفات الرجل.

ألّف مسكويه فـي حقول معرفـية متنوعة تنوع المكتبات التي عهد إليه بخزانتها، وبهذا فهو يمثل أنموذج ثقافة عصره ومثقفـيه، ولعل ما ذكره ياقوت من أسماء مؤلفاته هو أهم ما وصلنا من الأسلاف، فـيكاد يحيط بذكر أغلبها فلا يزيد سواه عليه إلا قليلاً، وقد تكون الزيادة فـي اختلاف التسمية لمسمى واحد [١٩]. يستهل ياقوت التعريف بمسكويه بقوله: أبو علي الخازن، صاحب التجارب، ويضيف بعد أربع صفحات: وكان عارفاً بعلوم الأوائل معرفة جيدة وله فـي ذلك: كتاب الفوز الأكبر، كتاب الفوز الأصغر، وصنف كتب تجارب الأمم فـي التاريخ، إبتداؤه من بعد الطوفان، وانتهاؤه إلى سنة تسع وستين وثلثمائة. وله: كتاب أنس الفريد، وهو مجموع يتضمن أخباراً وأشعاراً، وحكماً وأمثالاً، غير مبوب، وكتاب ترتيب العادات، وكتاب المستوفـي أشعار مختارة، وكتاب الجامع، وكتاب جاوزن خرد [الحكمة الخالدة] وكتاب السير أجاده، ذكر فـيه ما يسيّر به الرجل نفسه من أمور دنياه، مزجه بالأثر والآية والحكمة والشعر» [٢٠]. ويتضح من نص ياقوت أن مؤلفات مسكويه تتصل بالتجارب، وبعلوم الأوائل، وبالتاريخ، وبالحكمة والشعر والأمثال والأخبار، ولم ينسب كتاب الهوامل والشوامل إليه على الرغم من أنه أخذ من الأم

تاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي أخبار مسكويه، فلا يعقل أن يغفل عن ذكر «الهوامل والشوامل» أو يتغافل عنه بحجة أن الكتاب حوار بين التوحيدي ومسكويه، إلا أن ياقوتاً أغفل ذكر بعض كتب مسكويه التي ذكرها آخرون، أو قد يكون فاته تذكّرها، ومنها كتابان ذكرهما القفطي فـي أخبار الحكماء، وهما: كتاب فـي الأدوية المفردة، وكتاب تركيب الباجات [٢١]. وقد ذكر ابن أبي أصيبعة كتابين لمسكويه فـي هذا الميدان هما: كتاب الطبيخ - وكتاب الأشربة [٢٢]، أما الخوانساري فهو متأخر «القرن الرابع عشر ميلادي» فـيذكر عدداً آخر من كتب مسكويه لم يذكرها أحد من قبله، كما ينسب إليه كتباً ليست له مثال كتاب أدب الدين والدنيا للماوردي، وأغلب الظن أن الخوانساري أشكل عليه الأمر فأعطى الكتاب الواحد أكثر من اسم، ومثال هذا حين ذكر «كتاب فوز السعادة» [٢٣]. أما كتب مسكويه التي وصلت إلينا فهي:

ـ ترتيب السعادات ومنازل العلوم، وقد نشر فـي القاهرة منذ عام ١٩٢٨م.

ـ كتاب الفوز الأصغر: وقد نشر فـي بيروت عام ١٣١٩هـ وفـي القاهرة ١٣٢٥هـ.

ـ كتاب الهوامل والشوامل: نشر فـي القاهرة بتحقيق أحمد أمين وأحمد صقر.

ـ رسائل فلسفـية جمعها ونشرها راغب باشا، ثم عاد وطبعها ونشرها بتصنيف وتبويب جيدين د.  محمد أركون.

ـ تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق: وقد طبع فـي الهند سنة ١٢٧١ هـ. وفـي القاهرة سنة ١٢٨٩هـ، وفـي طهران ١٣١٤هـ فـي بيروت ١٩٦٢م.

ـ الحكمة الخالدة «جاويدان خرد»: حققه ونشره فـي القاهرة د. عبد الرحمن بدوي.

ـ تجارب الأمم وتعاقب الهمم: حققه ونشره المستشرقان أميد روز، ومرجليوث، وصدر فـي لندن سنة ١٩٢٠م، وأعيد تصويره ونشره فـي بغداد سنة ١٩٦٥م.

وقد طبع بعض هذه المؤلفات طبعات متفاوتة من حيث الدقة والأمانة والجودة.

وبعد هذا يبرز تساؤل مهم يتصل بصلة مؤلفات مسكويه هذه بفنون الأدب، فهل كان مسكويه من أدباء بلاط عضد الدولة، أم هو من المصنفـين والمؤلفـين فـي مجالي الفلسفة والتاريخ؟

إن وضع مسكويه فـي هذا التساؤل يذكر بأحد أعيان بلاط سيف الدولة الحمداني، وهو الكاتب والشاعر والأديب والجواد والمصنف: كشاجم الذي مارس إضافة إلى هذا مهنة الطب فزادت حروف لقبه إلى طكشاجم. وهذه الثقافة الموسوعية هي سمة العصر، وهكذا كان أدباء عضد الدولة ومنهم مسكويه وقبله الصابئ والخوارزمي وابن العميد. إلا أننا يمكن أن نجد مخرجاً آخر فـي هذا التساؤل، فصفة الأديب يمكن أن يستحقها مسكويه إذا فهمنا الأدب بمعناه التقليدي فـي تراثنا، وهو الأخذ من كل علم بسبب وقد تأصّل هذا الفهم منذ القرن الثاني الهجري، ونجده متألقاً فـي كتابات الجاحظ ومن يليه. إضافة إلى هذا فقد قدم مسكويه نصوصاً جميلة فـي الأدب العربي شعراً ونثراً، ونجد لأسلوبه فـي مؤلفاته فـي التاريخ والفلسفة خصائص أدبية أيضاً. وسنبين هذا بعض التبيين. يذكر الثعالبي بعضاً من شعر مسكويه، ومن أهم ما ذكره قصيدته البائية فـي مدح عميد الملك وقد هنأه فـيها باجتماع عيدين عربي إسلامي: الأضحى: وفارسي المهرجان، ويبدو أن القصيدة طويلة وقد ذكر ياقوت بعض أبياتها، وأهم ما يذكره الثعالبي من شعر مسكويه هو أبيات من قصيدته الميمية الطويلة أيضاً، وهي فـي هجاء أبي العباس الضبي، والأبيات

التي سنتخيّرها هي التي يفاخر فـيهامسكويه بقريحيته الشعرية، وبطبعه السمح وبسبقه فـي ميدان الشعر، فتأتيه القوافـي منقادة إليه، بل تأتيه المعاني والألفاظ طواعية جاهزة فـي قالب النظم، فـيمارس هوايته فـي النظم دون عناء بل تنساب أبيات الشعر من ذهنه بسخاء وجمال وحكمة. يقول:

من ناره وأتاني الليل بالفحم

حتى يفرغها فـي قالب الحكم

كالقطر أفرغه الباني على الروم

ولا أحط لقول فاحش هممي

حر السكوت إلى الترويح بالنسم

فهن ينظمن لي من كل منتظم

ذهني فأنفضـها منه على قلمي [٢٤]

إذا اضطجعت أتاني الشعر يقدح لي

وصانع الشعر لايرضي سبيلته

يصب فـي مسمعيه ما أذيب له

إني وإن كنت لا أرضى الخنى لفمي

ليستريح إليّ القول أحوجه

إن القوافـي كفتني نظم أنفسها

تدنـو شـورادها حتى يغـص لـها

وقبل الثعالبي نجد فـي مؤلفات التوحيدي ذكراً لأدب مسكويه، وهو فـي مجال النقد، ولايقترن بنصوص من شعره مسكويه أو من نثره، وسنذكر هذا بعد قليل، وبعد الثعالبي نجد ياقوتاً الحموي يذكر شعر مسكويه ونثره، ومما يذكره قصيدته فـي مدح عميد الملك، ونتخيّر منها الأبيات التالية:

أسعد بعيديك: عيد الفرس والعرب

قل للعميد: عميد الملك والأدب

وذا يشير عشيّاً بابنة العنب

هذا يشير بشرب ابن الغمام ضحىً

فلو دعاها لغير الخير لم تجب

خلائق خيّرتْ فـي كل صالحةٍ

بعداً وردّت على العمر من كثب

أعدن شرخ شباب لست أذكره

لحظ المريب ولولا أنت لم يطب

فطاب لي هرمي والموت يلحظني

ماليس يدرك بالخطيّ والقضب

أدركت بالقلم المصنوع من قصب

أمنيتا كل نفس وكل مطلّب

ونلت بالجد والجّد اللذين هما

وإن أساء إلى الدهر أحسن بي

فإن تمرّس لي خصم تعصب لي

وجدتني نافخاً فـي جذوة اللهب

إذا تمّلأت من غيظ على زمني

وأن تعاينّ ماو لّى من الحقب

وإنْ تمنيت عيش الدهر أجمَعه

والحظْ كتابتهم من باطن الكتب

فانظرْ إلى سير القوم الذين مضوا

وإن تقاربت الأحوال فـي النسب

تجد تفاوتهم فـي الفضل مختلفاً

وذاك كالبعر الجافـي على الذنب [٢٥]

هذا كتاج على رأس يعظّمه

ونجد فـي قصيدة مسكويه هذه، وفـي كثير من شعره ما يتصل بصفات الشعر التعليمي، أو أشعار العلماء من المباشرة والوضوح والتقريرية والابتعاد عما يقدمه نشاط الخيال التصويري أو الإبداع الإستعاري إضافة إلى حقائق وآراء، أو معانٍ ليست شعرية، فمكانها النثر وليس الشعر كما يظهر فـي الأبيات الثلاثة الأخيرة. لكن المسألة تكمن فـي عادة ألفها مثقفو ذلك العصر ومؤلفوه وهي ضرورة ترصيع الحياة، وتزيين الكتب بفن النظم، فلا يستحق الرجل منـزلة فـي مجالس السياسة، أو الأدب، أو التصنيف، أو المنادمة دون أن يمارس هذا الفن الجميل، ويحفظ غير قليل من مأثوره. ومن جميل ما يؤكد هذا مراسلات بديعة جرت بين بديع الزمان الهمذاني ومسكويه فـي العتاب والصفاء والمودة بدأها البديع بنفـي تهمة ذكر مسكويه بسوء، فكتب إليه رسالة فـيها جميل النثر والشعر يعتذر فـيها من شيء بلغ مسكويه عنه بعد مودة كانت بينهما، وجاء الجواب من مسكويه يوطد المودة، ويرسخ الوفاء والاحترام بينهما، وفـيه نثر جميل وشعر حسن، فـيما يلي نصه:

نفع الواشي بما جاء يضر

وإذا الواشي أتى يسعى لها

فهمت خطاب الشيخ الفاضل، الأديب البارع، الذي لو قلت: إنه السحر الحلال، والعذب الزلال، لنقصته حظه، ولم أوفه حقه، أما البلاغات التي أومأ إليها، فوالله ما أذنت لها، ولا أذنتُ فـيها، وما أذهبني عن هذه الطريقة، وأبعدني عنها، وقد نزه الله لسانه عن الفحشاء وسمعي عن الإصغاء، وما يتخذ العدو بينهما مجالاً، وأما الأبيات فقد تكلفت الجواب عنها، لامساجلةً له، ولكن لأبلغ المجهود فـي قضاء حقه:

منه ضُروب الثَّمر الطَّيِّب

يا بارعاً فـي الأدب المجتنى

فـي بحركَ الفـياض لم أكذب

لو قلت: إن البحر مستغرق

نزلتَ إلا منزلَ الكوكب

إذا تبوأت محلاًّ فما

فـيه ولم أذمم ولم أعتب

أحمدتني الشعر وأعتبتني

فكيف يمحوه ولم يذنب

والعذرُ يمحو ذنب فعّالِهِ

مِن زلَّةٍ لم تك من مذهبي

أنا الذي آتيك مستغفراً

مالاً فهب ذنبا لمستوهب [٢٦]

وأنت لاتمنع مستوهبا

ونتخير نصاً آخر من أدب مسكويه هو وصيته التي تمثل مرحلة تمتميزة فـي حياته، ميزها بنفسه حين أخذ عليها عهوداً ومواثيق ألزمتها بتعاليم وسجايا صالحة، وفضائل سامية، إنها مثل أخلاقية عليا، نسقّها ونظّمها فـي خمسة عشر باباً تلزمه بالصدق، واتباع الحق والخير والشريعة وجهاد النفس، وإنجاز الوعد، ومحبة الجميل، وقلّة الثقة بالناس، والصمت والتعقّل، والإقدام على الصواب، وترك الخوف من الموت والفقر، وترك الانفعال… إلخ. وهذا النص الوصية نموذج للأدب الأخلاقي فـي تراثنا، أو أدب الطباع، وقد انتشر هذا اللون من الأدب فـي ذلك العصر وامتزجت الصنعة الأدبية فـيه بالفكر الفلسفـي، ويعد التوحيدي ومسكويه أبرز أعلامه، وإن كنا نجد فـي مؤلفات ابن المقفع أساساً قديماً متميزاً لهذا النوع من الأدب الذي يقترن بالوضوح والجمال واليسر والطبع، والابتعاد على التكلف والزخرف والتصنّع، فجلال المعنى وسموه مقترنان بسلاسة المبنى وببساطته. ويقول مسكويه فـي وصيته:

«بسم الله الرحمن الرحيم»: هذا ما عاهد عليه أحمد بن محمد، وهو يؤمئذ آمن فـي سربه، معافى فـي جسمه، عنده قوت يومه، لاتدعوه إلى هذه المعاهدة، ضرورة نفسٍ ولا بدن، ولا يريد بها مراءاة مخلوق، ولا استجلاب منفعة، ولا دفع مضرة منهم، عاهده على أن يجاهد نفسه، ويتفقد أمره، فـيعف، ويشجع، ويحكم. وعلامة عفته: أن يقتصد فـي مآرب بدنه، حتى لايحمله الشره على ما يضر جسمه، أو يهتك مروءته. وعلامة شجاعته: أن يحارب دواعي نفسه الذميمة، حتى لاتقهره شهوة قبيحة، ولا غضب فـي غير موضعه. وعلامة حكمته: أن يستبصر فـي اعتقاداته، حتى لايفوته بقدر طاقته شيء من العلوم والمعارف الصالحة، ليصلح أولاد نفسه ويهذبها، ويحصل له من هذه المجاهدة ثمرتها، التي هي العدالة، وعلى أن يتمسك بهذه التذكرة، ويجتهد فـي القيام بها، والعمل بموجبها، وهي خمسة عشر باباً: إيثار الحق على الباطل فـي الاعتقادات، والصدق على الكذب فـي الأقوال، والخير على الشر فـي الأفعال، وكثرة الجهاد الدائم، لأجل الحرب الدائم، بين المرء وبين نفسه، والتمسك بالشريعة، ولزوم وظائفها وحفظ المواعيد حتى ينجزها. وأول ذلك، ما بيني وبين الله جل وعز. وقلة الثقة بالناس بترك الاسترسال. ومحبة الجميل

لأنه جميل لا لغير ذلك. والصمت فـي أوقات حركات النفس للكلام، حتى يستشار فـيه العقل. وحفظ الحال التي تحصل فـي شيء حتى تصير ملكة، ولا تفسد بالاسترسال. والإقدام على كل ما كان صواباً. والإشفاق على الزمان الذي هو العمر، ليستعمل فـي المهم دون غيره. وترك الخوف من الموت والفقر لعلم ما ينبغي. وترك التواني. وترك الاكتراث لأقوال أهل الشر والحسد، لئلا يشتغل بمقاتلتهم. وترك الانفعال لهم. وحسن احتمال الغنى والفقر، والكرامة والهوان بجهة وجهة. وذكر المرض وقت الصحة، والهم وقت السرور والرضا عند الغضب، ليقل الطغي والبغي. وقوة الأمل، وحسن الرجاء. والثقة بالله عز وجل، وصرف جميع البال إليه [٢٧].

لم يحفل القدماء بخصائص أدب مسكويه ولا المعاصرون، فقد شغل الناس بأفكاره وبعلمه أكثر مما شغلوا بأسلوبه، ولاشك فـي أن الرجل كان يعنى بأسلوبه ويوفر لمؤلفاته ما يطلبه ذوق الخاصة والعامة فهو يكتب فـي زمن تنتشر فـيه بين الناس كتابات ابن العميد والصاحب بن عباد والصابئ والخوارزمي وغيرهم من فحول النثر العربي، والأمر نفسه فـي مسألة الشعر، مما يلزمه بالاهتمام بصنعته وبتجويدها، وهذا واضح من بعض نصوص شعره ونثره التي سبق ذكرها. ولعل الثعالبي كان من أهم من ذكر منـزلة أسلوبه فقال فـي مطلع التعريف به: كان فـي الذروة العليا من الفضل والأدب، والبلاغة والشعر، لكن التوحيدي يضطرب فـي نقد أدب مسكويه، ويخلط الأسباب الشخصية بالمنهج النقدي، فـيصير رأيه انطباعاً ذاتياً لاقيمة له من الوجهة الموضوعية أو المنهجية وهو يقول فـي مسكويه: «فهو ذكي حسن الشعر نقي اللفظ» [٢٨]، لكنه فـي مطلع نقده أدب مسكويه وشخصيته وقبل صفحة يرى غير هذا إذ يصدر حديثه بقوله: «وأما مسكويه ففقير بين أغنياء، وعييّ بين أبيناء، لأنه شاد» وفـي هذا تناقض وظلم، ولايمكن الاطمئنان إلى هذا الرأي، ولا الوصول إلى نتيجة من هذا الاضطراب الذي يكاد يلف شخصية التوحيدي فـي مؤلفاته

و

فـي حياته، وهو يختم حديثه هذا برأي فـي شخصية مسكويه ذي أثر على رأيه فـي أسلوبه: يقول أبو حيان: «… مع كلفة بالكيمياء وإنفاق زمانه، وكدّ بدنه وقلبه فـي خدمة السلطان، واحتراقه فـي البخل بالدانق والقيراط والكسرة والخرقة» [٢٩].

والتوحيدي معاصر مسكويه وجليسه فـي مسامرة الوزير ابن سعدان، وشريكه فـي انتاج كتاب الهوامل والشوامل، وقد أكثر من ذكره فـي مؤلفاته، لكن لاتظفر فـي أي من هذه المؤلفات برأي سليم يقدمه التوحيدي، فهو يصدر فـي حكمه على أدب مسكويه عن اضطراب وخلط وتناقض، فهو يمدح أسلوبه ويصفه بالرقة واللطف والحسن فـي مطلع حديثه، لكنه سرعان ما يكذّب نفسه، ويتوجه إلى السفه والشتم والقدح يقول:

«وأما مسكويه فلطيف اللفظ، رطب الأطراف، رقيق الحواشي، سهل المأخذ، قليل السكب، بطيء السبك، مشهور المعاني، كثير التواني، شديد التوقي، ضعيف الترقي، يرد أكثر مما يصدر، ويتطاول جهده ثم يقصر، ويطير بعيداً ويقع قريباً، ويسقى من قبل أن يغرس، ويمتح من قبل أن يميه، وله بعد ذلك مآخذ كشدو من الفلسفة، وتأتٍ فـي الخدمة، وقيام برسوم النّدامة، وسنة فـي البخل، وغرائب من الكذب، وهو حائل العقل لشغفه بالكيمياء» [٣٠].

فعلى أي رأي يقع طالب العلم؟ وهل يأخذ بما مدحه التوحيدي، أوبما ذمه؟ أم يتعين عليه أن يقلق قلقه ويضطرب اضطرابه؟

وإذا مضينا مع التوحيدي فـي مؤلفاته فإننا نجده يوزع نفسه بين الثناء على مسكويه وأدبه، وشتم شخصية مسكويه والانتقاص من قيمة علمه وأدبه، وهو يفعل هذا مع أغلب أعيان عصره، ونحن لسنا معنيين هنا فـي الاسترسال فـي بيان أمر التوحيدي فـي شخصه، وفـي كتبه، لكننا فـيما نعرض إليه نبين وجهاً آخر من وجوه نشاط الحياة الثقافـية فـي رحاب عضد الدولة، وإن لم يكن التوحيدي من بين الذين حضروا مجالس عضد الدولة، فنحن نجد فـي مؤلفاته وجهاً آخر من أوجه الحياة العامة فـي ذلك الزمان وذلك المكان، وهو يقدم فـيما يقدمه صورة للواقع قاتمة سوداوية من جهة، وغنية جميلة رحبة من جهة أخرى، ومثال هذا ما يظهر فـي حديثه التالي الذي يمكن أن ينظر إليه من أكثر من زاوية، ففـي الوقت الذي يقدم فـيه رأياً سلبياً فـي ثقافة عصره وفـي مثقفـيه نجده يعطي ما هو جدير بالاهتمام والاحترام والاعتبار. يقول فـي الإمتاع والمؤانسة.

«فلما عدت إلى المجلس قال [الوزير ابن سعدان]: ما تحفظ فـي تفعال وتفعال، فقد اشتبها؟ وفزعت إلى ابن عبيد الكاتب فلم يكن عنده مقنع، وألقيت على مسكويه، فلم يكن له فـيها ملطع، وهذا دليل على دثور الأدب وبوار العلم والإعراض عن الكدح فـي طلبه. فقلت:

قال شيخنا أبو سعيد السيرافـي الإمام - نضّر الله وجهه - : المصادر كلها على تَفعال بفتح التاء، وإنما تجيء تِفعال فـي الأسماء، وليس بالكثير. قال: وذكر بعض أهل اللغة منها ستة عشر اسماً لايوجد غيرها. قال هاتها. قال: منها التبيان والتلقاء… الخ» [٣١].

ويكاد مسكويه يوجز بوضوح الرأي فـي منهج التوحيدي من الوجهة التي نذهب إليها، فـيرجو أبا حيان أن يرفق به، ويتلطف فـي نقده وإتهامه، رجاء العالم الذي يعرف مواطن النقص فـي علمه، ثم يستغفر الله له لأنه يعرف أن فـي نقده إثم وقبح يجازى عليه…. إلا أن الله تعالى قوي غفور. يقول مسكويه فـي الهوامل والشوامل وقد آلمه وصف التوحيدي له بالنقص والغرور:

«أرفق بنا أبا حيان - رفق الله بك - وأرخ من خناقنا، ودعنا وما نعرفه فـي أنفسنا من النقص فإنه عظيم، ومابلينا به من الشكوك فإنه كثير ولا تبكّتنا بجهل ما علمناه، وفوت ماأدركناه، فتبعثنا على تعظيم أنفسنا، وتمنعنا من طلب ما فاتنا، فإنك - والله - تأثم فـي أمرنا وتقبح فـينا، أسأل الله ألاّ يؤاخذك ولا يطالبك ولا يعاقبك، فإنك بعرض جميع ذلك إلا أن يعفو ويغفر فإنه أهل التقوى وأهل المغفرة» [٣٢].

ويبدو أن آراء التوحيدي فـي مسكويه لاقت قبولاً عند من تلاهما من النقاد والمصنفـين، فنجد ياقوتاً الحموي حين يترجم لمسكويه فـي معجم الأدباء يسلّم بآراء التوحيدي، ويقتبسها بالنص الحرفـي على عجرها وبجرها دون مناقشة أو إضافة أو تقديم أي جديد. فـي وقت يعرف الجميع قيمة ما قدمه مسكويه من فكر وأدب ونقد.

لقد ابتعد مسكويه فـي نثره وفـي شعره عن استخدام فنون البديع، وكانت البلاغة فـي أدبه مقترنة بالوضوح وبالطبع السمح، وهذا واضح فـي فكره وفـي مؤلفاته حيث البراعة فـي تقديم نتاج فكره بسهولة وبساطة دون حاجة إلى غريب الألفاظ، أو محسّنات البديع، أو رخارف المفردات وما يتصل بهذا من سجع وجناس….، فقد كان موهوباً وبارعاً فـي بث فكره وأدبه بين الناس بيسر وجمال، وقد ذكرنا بعض أبيات قصديته الميمية التي يفخر فـيها بأن شعره كالقطر، وكالنسيم، فإذا اضطجع أتاه الشعر طواعية، والقول يستريح إليه، إضافة إلى أن القوافـي كفته نظم أنفسها، وتلك هي خصائص مدرسته الأسلوبية التي يدافع عن اتجاهه فـيها، فعلى الرغم من اضطلاعه بعلوم الكلام وبمذاهب الفلسفة، وبأساليب المناطقة إلا أنه كان حريصاً على أن يجنب الشعر أثر هذا، فصناعة الشعرـ كما يرى - تقوم على الطبع والبديهة والقريحة، وليس للشاعر أن يحملها ما يمكن أن ينهض النثر الفلسفـي أو التاريخي به، لأن النثر الأدبي عند مسكويه - كما لاحظنا فـي رسالته مثلاً إلى بديع الزمان الهمذاني أيضاً يقوم على الطبع والبديهة والسهولة ويبتعد عن التكلف والصنعة والتعقيد، وهو يؤكد هذا فـي حوار له مع التوحيدي حين يناقش

الفرق بين المعاني الشعرية والمعاني الفلسفـية، فـيرى مسكويه أن للقول الشعري طبيعة خاصة يجب ألا تثقل بوظائف الفلسفة والمنطق، وعلى ما يبدو فإن الشعر عنده ليس أكثر من إيقاع منظّم، يقول فـي المعاني الشعرية وفـي صناعة الشعر:

«… فأما قول الشاعر: «والظلم من شيم النفوس» فمعنى شعري لايحتمل من النقد إلا قدر ما يليق بصناعة الشعر. ولو حملنا معاني الشعر على تصحيح الفلسفة وتنقيح المنطق لقل سليمه، وانتهك حريمه، وكنا مع ذلك ظالمين له بأكثر مما ظلم الشاعر النفوس التي زعم أن الظلم فـي خلقها» [٣٣].

ومسكويه حر فـي رأيه، بغض النظر عن مسألة الصواب والخطأ، فهو يطرق مسألة خلافـية فـي نظرية الشعر طالما افترق فـي شأنها الأدباء والنقاد والجمهور، ولعل أبرز تجلٍّ لها ما نجده فـي كتاب الموازنة للآمدي.

[١] أبو حيان - مثالب الوزيرين: ص ٢٩٩.

[٢] ياقوت - معجم الأدباء: ٥ / ٩

[٣] المصدر نفسه.

[٤] أركون، د. محمد - نزعة الأنسنة فـي الفكر العربي: ص ١٤٠ وما بعد.

[٥] مسكويه - تجارب الأمم: ٢ / ١٨٤

[٦] تجارب الأمم ٢٠ / ٢٧٦.

[٧] تجارب الأمم: ٢ / ٢٢٤، والوقر. البغل.

[٨] المقبوسان الثاني والأول يشكلان عنوان كتاب د. محمد أركون الصادر عن دار السافـي فـي بيروت ١٩٩٧ ط١، وهو بحثه لنيل درجة الدكتوراه فـي فرنسا.

[٩] تجارب الأمم: ٢ / ٢٠٢.

[١٠] تجارب الأمم: ٢ / ٢٧٣.

[١١] تجارب الأمم: ٢ / ٢٨١.

[١٢] تجارب الأمم: ٢ / ٣٩٣.

[١٣] تهذيب الأخلاق: ٢١١.

[١٤] تجارب الأمم: ٢ / ٤٠٥ وما بعد.

[١٥] تتمة يتيمة الدهر: ٩٩.

[١٦] المصدر نفسه.

[١٧] معجم الأدباء: ٥ / ٥.

[١٨] معجم الأدباء: ٥ / ٧، وراجع الخبر فـي تتمة يتيمة الدهر

[١٩] راجع الجدولين الذين نظمهما د. أركون فـي كتابه نزعة الأنسـنة ص ٢٠٥ - ٢٠٦ ثبتا بمؤلفات مسكويه كما ذكرها القدماء.

[٢٠] معجم الأدباء: ٥ / ١٠.

[٢١] القفطي: أخبار الحكماء: ٣٣١.

[٢٢] ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء: ٣١٢.

[٢٣] الخوانساري، روضات الجنات: ٧٠ـ٧١.

[٢٤] تتمة اليتيمية: ٩٩.

[٢٥] معجم الأدباء: ٥ / ٨.

[٢٦] معجم الأدباء: ٥ / ١٥.

[٢٧] معجم الأدباء: ٥ / ١٧.

[٢٨] الإمتاع والمؤانسة: ١ / ٣٦.

[٢٩] الإمتاع والمؤانسة: ١ / ٣٥.

[٣٠] الإمتاع والمؤانسة: ١ / ١٣٦. والشدو القليل من كل كثير.

[٣١] الامتاع والمؤانسة: ٢ / ٢.

[٣٢] مسكويه - الهوامل والشوامل: ٢٧.

[٣٣] الهوامل والشوامل: ٨٥.



[ Web design by Abadis ]