ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 ابن نباتة السعدي

هو أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن محمد بن نباتة السعدي، تنقل بين حلب والموصل وبغداد والري، ومدح الملوك والوزراء، ففـي حلب مدح سيف الدولة الحمداني، وفـي بغداد مدح عضد الدولة البويهي، ويمكن أن يكون قد مدحه فـي شيراز، كما مدح ابن العميد حين قصده فـي الري ومدح الوزير المهلبي. ولد سنة ٣٢٧هـ، وتوفـي ببغداد سنة ٤٠٥هـ شاع ذكره، وانتشر شعره وطبع ديوانه، ذكره صاحب تاريخ بغداد، وصاحب وفـيات الأعيان، وصاحب مفتاح السعادة، كما ذكر أشعاره وأخباره التوحيدي والثعالبي فـي مؤلفاتهما، ويذكران أن اسمه عبد العزيز بن محمد.

طرق أغراض الشعر وموضوعاته جميعها، وغلبت قصائد المدح فـي ديوان شعره، ولعل أول مدائحه كانت فـي سيف الدولة الحمداني، فقد عدّ من خواص جلسائه وشعرائه، وله شعر جميل فـي العتاب والنسيب والفخر وشكوى الزمان، وهو يذكر هذا ويفاخر به، يقول:

جمعت النثر منها فـي نظامي

وكم لليّل عندي من نجوم

لخل أو حبيب أو همام

عتاباً أو نسيباً أو مديحاً

وقد فعلـت بهـا فعـل الـمـدام [١]

تفـيد بهـا العقـول نهى وصحـواً

ولو لم يكن حسن الشعر، ذائع الفضل، لما استطاع أن يتقدم فـي بلاط سيف الدولة الحمداني وفـيه كبار شعراء الزمان من أمثال المتنبي وأبي فراس الحمداني والسرّي الرفاء، والوأواء الدمشقي، والخالديين…الخ، فكانت منـزلته ومنـزلة شعره راقية مرموقة بين الخاصة والعامة، مدح سيف الدولة وتغنى ببطولاته وبأمجاده فـي صراعه مع الروم، فقال فـي بعض قصائده فـيه:

وخوفك أمضى من سيوفك فـي العدا

سيوفك أمضي فـي النفوس من الردى

كأن لذيذ النوم عن جفنه قذى

فتى يتجافى لذة النوم جفنه

يغار على عينيك من سنة الكرى

أطرفك شاكٍ أم سهادك عاشق؟

وعن طرفه فـي جوها أنجم العلا

ومن سهرت فـي المكرمات جفونه

ولا تغمد العينان والقلب منتضى [٢]

فليس ينام القلب والجفـن سـاهر

وإذا كانت تلك مدائحه فـي سيف الدولة، والشاعر فـي ريعان شبابه فمن المعروف أن سيف الدولة توفـي فـي سنة ٣٥٦ هـ، فكيف يكون شعره فـي عضد الدولة البويهي الذي دخل بغداد بعد ما يقارب عقداً من السنين، حيث يصقل مضي الأيام موهبة الشاعر؟

لقد سلك عضد الدولة البويهي فـي بغداد، وقبلها فـي شيراز، السبيل نفسه الذي سلكه من قبل سيف الدولة الحمداني، فكانا فارسي السيف والقلم، يخوضان من جهة غمار الوغى، ومن جهة أخرى ينشطان إلى مجالس الأدب والفكر، فـيقربان الأدباء والعلماء، وقد بين ابن نباتة حال عضد الدولة هذه فقال يمدحه:

ن يا عضد الدولة المنتخب

سلمت على عثرات الزما

تواضعت فـيها بهذا اللقب

ولا زلت ترفع من دولة

مِ تنعم فـيها وبين الدأب

قسمت زمانك بين الهمو

ويـومـا تمـير عُفـاةَ الأدب [٣]

فـيومـا تمـير عفـاة النسـور

وحين وصل الشاعر إلى بلاط عضد الدولة البويهي كان نجمه قد سطع وسما، وكان ذكره قد شاع وعلا، فمدح قبله الملوك والوزراء، ثم نظم فـيه شعراً جميلاً، وطدّ منـزلة شعره بين الخاصة والعامة، فاهتم النقاد بشعره، وأقر التوحيدي بسمو موهبته، وبأصالة طبعه فمدحه وقرّظه، وكم هذا صعب على التوحيدي، الذي جبل على ثلب الناس، يقول التوحيدي فـي ابن نباتة:

«وأما ابن نباتة فشاعر الوقت، لا يدفع ما أقول إلا حاسد أو جاهل أو معاند، قد لحق عصابة سيف الدولة وعد معهم ووراءهم، حسن الحذو على مثال سكان البادية، لطيف الائتمام بهم، خفـي المغاص فـي واديهم، ظاهر الإطلال على ناديهم - ويتذكر التوحيدي جبلته فـيضيف - هذا مع شعبة من الجنون، وطائف من الوسواس» [٤].

لقد أدنى عضد الدولة ابن نباتة من مجلسه، وعده من خواصه، كما فعل سيف الدولة من قبل، وكان ابن نباتة صادق العهد والمودة، صافـي المشاعر نبيل الأحاسيس تجاه عضد الدولة فنظم فـيه جميل الشعر فـي قوته وفـي ضعفه، فقال وقد كثر الإرجاف بعلة عضد الدولة التي مات فـيها:

يرتاع قلبي وما ألفى بمرتاع

فما يضرك لو أبقيت أطماعي

ويظهر العجز والتقصير فـي باعـي [٥]

إذا سمعت حديثاً عنك أحسبه

أرضى وأقنع بالأطماع كاذبة

قد كاد يعرف وجه الذل فـي نـظري

كان ابن نباتة يقدم الشعر على سائر الفنون، ويرى فـيه فضلاً على غيره، وقد أيده فـي هذا بعض شعراء زمانه ومنهم السلامي، وخالفهم فـي هذا أدباء آخرون ذكر التوحيدي بعض هؤلاء وبعض هؤلاء فـي الليلة الخامسة والعشرين من الإمتاع والمؤانسة حيث روى كلاماً فـي مراتب النظم والنثر… وأيهما أجمع للفائدة وأرجع بالعائدة وأدخل فـي الصناعة وأولى بالبراعة؟

وكان ابن نباتة من أنصار الشعر، فمنه تستمد شواهد النحويين واللغويين والفقهاء والحكماء، فالحجج لا تؤخذ إلا منه، يروي التوحيدي قول ابن نباتة:

«من فضل النظم أن الشواهد لا توجد إلا فـيه، والحجج لا تؤخذ إلا منه، أعني أن العلماء والحكماء والفقهاء والنحويين واللغويين يقولون: قال الشاعر، وهذا كثير فـي الشعر، والشعر قد أتى به فعلى هذا الشاعر هو صاحب الحجة، والشعر هو الحجة» [٦].

وليس رأي ابن نباتة هذا بمستغرب، فهو شاعر مفلق، وصناع ماهر، وفر لصناعته طروب الإتقان والافتنان، وقد أعجب معاصروه بشعره وعدّوه من فحول شعراء العصر وآحادهم، وصدور مجيديهم، وأفرادهم الذين أخذوا برقاب القوافـي، وملكوا رق المعاني، وشعره مع لفظه بعيد المرام، مستمر النظام يشتمل على غرر من حرّ الكلام، كقطع الروض غبّ القطر [٧] …

ولا مبالغة فـي هذا، فجيّد شعره كثير، وقد تناقله الناس فـي الأمصار، وحملوا معهم نسخ ديوانه فـي حلهم وترحالهم بين حواضر الدولة العربية الإسلامية، فتأمل قيمة معاينه، وحسن مباينه فـي قوله:

وطول الأماني للنفوس عشيق

تعشْ ماجداً أو تعتلقك علوق

وما الناس إلا للغني صديق

به العلم جهل والعفاف فسوق

فماذا إلى طول الحياة نتوق

وخوف الفتى سيف عليه ذلوق

تحليـت طعم المـوت حين تـذوق [٨]

طلاب المعان للبنون صديق

تسربلْ ثياب الموت أو حلل الغنى

وما الفقر إلاّ للمذلة صاحب

وأصغر عيب فـي زمانك أنه

إذا لم تكن هذه الحياة عزيزة

ألا أن خوف الموت مر كطعمه

وإنك لو تستشعر العيش فـي الردى

[١] يتيمة الدهر: ٢ / ٣٧٩

[٢] يتيمة الدهر: ٢ / ٣٨٨

[٣] يتيمة الدهر: ٢ / ٣٩١

[٤] الإمتاع والمؤانسة: ١ / ١٣٦

[٥] يتيمة الدهر: ٢ / ٣٩١

[٦] الإمتاع والمؤانسة: ٢ / ١٣٦

[٧] يتيمة الدهر: ٢ / ٣٧٩

[٨] يتيمة الدهر: ٢ / ٣٨٣.



[ Web design by Abadis ]