ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 السلامي

«أبو الحسن محمد بن عبد الله المخزومي»

شاعر عربي ولد فـي كرخ بغداد سنة ٣٣٩ هـ، وحين شب عن الطوق غادر بغداد إلى الموصل وهي يومها من أعمال الدولة الحمدانية فوجد فـيها كبار شعراء بلاط سيف الدولة الحمداني ومنهم أبو عثمان الخالدي وأبو الفرج الببغاء والتلعفري، وكانوا من شيوخ شعراء زمنهم، فسمعوا منه وهو صبي واتهموه بأن الشعر ليس له، فارتجل قصيدة فـي وصف نارنج، وأجاد فـيها، فأمسكوا عنه واعترفوا له بالفضل والحذق والجودة. ولم يرى واحد منهم فـي نفسه مقدرة على مجاراته فـيما وصف.

قال فـيه الثعالبي: «من أشعر أهل العراق، قولاً بالإطلاق، وشهادة بالاستحقاق»، وذكر أنه قال الشعر وهو ابن عشر سنين، وقد كانت أمه شاعرة [١]. كان يحب الترحال وقصد مجالس السلطان والأدب فانتقل من الموصل الحمدانية إلى أصبهان البويهية حيث كنف الصاحب بن عباد، فلقيه الصاحب بحسن الاستقبال، وأعجب بشعره فأكرمه، كما مدح وزراء الدولة البويهية وكتابها ومنهم أيضاً ابن العميد وعبد العزيز بن يوسف.

وكان وزراء الدولة البويهية يعرفون حسن موقع الشعر والشعراء فـي نفس عضد الدولة، فـيوجهون بالشعراء المجيدين من الأمصار إلى بلاط عضد الدولة، وقد ذكرنا فـيما مضى كيف أرسل ابن العميد بالمتنبي إلى عضد الدولة، فإن الصاحب بن عباد بعث أيضاً بالسلامي إلى عضد الدولة حين وجد فـي شعره مايستحق التقدير بعد أن نظم الشعر الجميل فـي مدح ابن العميد ومدح الصاحب بن عباد، واتفقت رغبة الصاحب ورغبة السلامي على أن يغادر السلامي أصبهان إلى شيراز مستقر بلاط عضد الدولة، فزود الصاحب السلامي كتاباً إلى وزير عضد الدولة الكاتب والشاعر أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف، ويمكن أن نرى فـي كتاب الصاحب إلى عضد الدولة هذا رؤية نقدية ذات جناحين أولهما مايخص شعر الشاعر بما فـيه من طبع وحلاوة وطلاوة. وثانيهما مايخص نقد الصاحب للشعر بخطاب نقدي هو نص إبداعي أخر، كتب الصاحب إلى الوزير:

«قد علم مولاي أطال الله بقاءه أن باعة الشعر أكثر من عدد الشعر، ومن وثق بأن حليه التي يهديها من صوغ طبعه. وحلله التي يؤديها من نسج فكره أقل من ذلك، وممن خبرته بالامتحان فأحمدته، وقررته بالاختبار فاخترته أبو الحسن محمد بن عبد الله المخزومي السلامي أيده الله تعالى، وله بديهة قوية توفـي على الروية، ومذهب فـي الإجادة يهش السمع لوعيه، كما يرتاح الطرف لرعيه» [٢].

ووصل السلامي شيراز، وقدمه الوزير إلى عضد الدولة، فمدحه بقصيدة جميلة يقول فـيها:

ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر

فبشرت آمالي بملك هو الورى

فنـزلت القصيدة موقعاً حسناً فـي نفس عضد الدولة، وكذلك بقية شعر السلامي، فقربه وجعله من خواص مجلسه وكرمه وصار ملازما له فـي بلاطه بشيراز وفـي رحيله عنها فاختص بخدمته فـي مقامه وفـي ظعنه ونظم فـي مدحه غرر القصائد السيارة، وحظي بسببها بالصلات والخلع وبشهرة طارت فـي الآفاق. ومكث الشاعر فـي بلاط الملك إلى أن وافت الأخير منيته ٣٧٢هـ، ويبدو أن إقامته هناك كانت طويلة وعلى الأرجح أنه ترك الموصل وبغداد فـي منتصف القرن الرابع، وتوجه إلى أصفهان، ومنها إلى شيراز، فتكون صحبته مع عضد الدولة دامت أكثر من عشر سنين، وعلى مايبدو كان عضد الدولة يأنس بالشاعر ويهش ويبش له ويهز أريحيته فـيفوح عطر كرمه، لهذا نسمعه يقوله: «إذا رأيت السلامي فـي مجلس ظننت أن عطارداً نزل من الفلك ووقف بين يدي [٣]. وكان السلامي مكتفـياً بهذا ولايطمح إلى سواه، بل جعله همه وغايته، فمجالس عضد الدولة غنية عامرة بأنواع الآداب والعلوم والأنس والصلات والخلع… والسلامي أهم شعرائها، لأننا نعرف أن المتنبي مادح عضد الدولة الدولة وافاه الأجل سنة ٣٥٤ هـ قبل وصول السلامي شيراز، إذاً كان السلامي أبرز شعراء عضد الدولة سواء فـي بلاطه فـي شيراز أم فـي بلاطه فـي بغداد،

وبعد وفاة عضد الدولة ببغداد سنة ٣٧٢ هـ لم يجد الشاعر مثل الذي فقده، وأعرضت عنه الدنيا فتراجع طبعه «ورقت حاله ثم مازالت تتماسك مرة وتتداعى أخرى حتى انتقل إلى جوار ربه فـي سنة أربع وتسعين وثلاثمائة» [٤] هكذا يقول الثعالبي، ويفكر الباحث فـي أن يكون هذا القول غير دقيق فعضد الدولة فارق الحياة والسلامي فـي ريعان شباب سنه وشعره، كما أنه عاش بعد عضد الدولة أكثر من عقدين من السنين، إضافة إلى هذا فالسلامي شاعر مداح، مدح عضد الدولة وآخرين كثر من الوزراء والكتاب وأعيان عصره، ومدح الخليفة الطائع لله، كما أن من خلف عضد الدولة من بني بويه عني بالشعر والشعراء إلا إذا كان نبوغ نجم الشريف الرضي قد آذن بأفول نجم السلامي الذي نراه يمدح الرضي الذي كان على خلاف مع عضد الدولة وعلى وفاق وحسن صلات بأولاده من بعده.

ومهما يكن من أمر فإننا حين ننظر فـي شعر السلامي فإننا نجد صواب قول الثعالبي، حيث مرارة الشكوى، وضنك الحياة، وذل السؤال مما يرجح أنه لم يستقر فـي كنف سلطان بعد عضد الدولة ولذلك نجد شعره فـي الشكوى كثيراً، منه قوله.

يضيق تقلبي فـيه كزيقي

ودارأت المعيشة بعد ضيق

يبيض وجه ممتحن مضيق؟

وصرت إلى المعيشة فـي مضيق

فـإن النـاس كلـهـم صـديـقـي [٥]

لبست العدم حتى صار ذيلي

وكادحت المطالب بعد ضر

فهل فـي الناس ياللناس حر

أريد اخي إذا ما ثل عرشي

فأمـا حـين يصـلـح بعـض حـالـي

وأين حال الشاعر هنا من حاله حين كان فـي رحاب عضد الدولة حيث نقرأ أبياته التي قالها فـي الدير الذي بقنطرة النوبندجان، وقد شربوا هناك ولبسوا أكاليل الزهور ورموا البنادق، فقال:

وحور مهى لاتألف الحور غيرها

على الشرب والأشـجار تنثر طيرها [٦]

أقنطرة النوبندجان وديرها

شـربنا بهـا والروض يخلـع زهـره

ومثل هذه المعاني كثير فـي شعر السلامي الذي نظمه فـي عضد الدولة وفـي أخيه مؤيد الدولة. وفـي وزراء الدولة البويهية وفـي مجالسهم فـي فارس، ولعل حظ عضد الدولة هو الأكبر فـي شعره فـي المدح، ولذلك نجد الثعالبي يعقد فصلاً فـي اليتيمة عنوانه: «غرر من مدائحه العضدية ومايتصل بها» وقد مدحه بالكرم والشجاعة والقوة، وهي معاني المدح التقليدية، ولم نجد قصيدة مدح كاملة له، وإنما بعض أبيات من القصيدة مما لايمكّن من معرفة بنية قصيدة المدح فـي شعره، لكن ماوصلنا يوضح غزارة شعره فـي المديح، وسهولة طبعه فـيه، وإجادته فـي معانيه، فعلى الرغم من أن المعاني تقليدية لكنها أتت فـي نسيجها الخاص، وفـي أسلوبها المتميز حيث أفتن الشاعر فـي معرض المديح وقدم صوراً مبتكرة تظهر فـي أبياته، فكسى المعاني التقليدية حللاً جديدة وكان بارعاً فـي المدح ولاسيما فـي مبالغاته، قال فـي مدح عضد الدولة:

وثروة، ولبيت المال إملاق

ماء المنون بها حاشاك دفاق

بالمرهفات لهم فـي الروع أرماق

إلا على أنه فـي الحرب مطلاق

كأنه فـي صدور الخيل ألحاق

للجو عرض ولاللبحر أعماق

كمثل من شك أن الله خلاق

آفـاق من ذكـراك المحمـود آفـاق [٧]

فـي كل يوم لبيت المجد منك غنى

كم خضت فـي لجة كالبحر زاخرة

فـي فتية من ليوث الحرب قد حفظت

من كل بعل حياة لايعاقدها

أمام كل خميس كل يوم وغى

رم أين شئت من الدنيا تنله فما

من شك أنك مخلوق لتملكه

فللسـماء سـماء من عـلاك ولٍلْـ

ومثل هذا الشعر لايصدر إلا عن الفحول، والسلامي منهم من قبل أن يصل بلاط عضد الدولة، فقد ذاع صيته، وعرف الناس موهبته بعد العشر بقليل، وأقر له شعراء الموصل بالفضل والحسن والتقدم، وحين وصل الشاعر إلى فناء الصاحب وجالس من جالس ونال مانال مضى شوطاً اخر فـي سلم الصناعة فحسن شعره وتقدم من حوله، فتخيره الصاحب من بينهم، وقدمه هدية إلى عضد الدولة بعد أن كاتب فـي أمره شاعراً كبيراً وكاتباً مغلقاً ووزيراً ثقة، ورأى الوزير عبد العزيز بن يوسف فـي السلامي ماذكر الصاحب، كما رأى الشاعر فـي الوزير السياسي البارع، والسفـير المحنك، والشاعر المجيد، والكاتب البليغ، وكان الشاعر وصف هذا كله فـي أبيات من قصيدة نظمها فـي حسن سفارة عبد العزيز بن يوسف من عضد الدولة الىالخليفة الطائع لله، فنهض الوزير بأمر السفارة خير نهوض وأثبت حسن تخيره، كما وضح قيمة بيان الرسول وبلاغته. قال السلامي فـي مدح عبد العزيز بن يوسف وزير عضد الدولة:

وقلت فأطربَهُ ماسمع

على ملك الدهر فـيما اصطنعْ

فقـد كلـف الـدهـر مـالم يسـع [٨]

سفرت فتيّمه مارأى

وأثنت فضائلك الباهرات

ومن كلّـف الـدهـر أمـثـالكـم

وكان السلامي كغيره من الشعراء الفحول يعيد النظر فـي شعره، ويتأمل مبانيه ومعانيه فـيرى غرر الأفكار ودرر الألفاظ، فـينظم الشعر الجميل ويعاود الأمر مرات عدة، وفـي أغلبها كان يحاول الاقتباس من تجربة البحتري الشعرية، والاحتذاء بمنهجه فـي القصيدة، فـيذكر حسن الديباجة، وسلاسة الطبع، ويشبه مذهبه بمذهبه، فـيقول مثلاً:

فمن لي بمال البحتري وعمره

وأعطيت طبع البحتري وشعره

كما يقول:

ـار فـي نظمها أبا تمام

غرة الفكرة درة فـي النظام

شـعر أمـر مسـلم للسـلامي [٩]

لي فـيك التي ترى البحتري امتـ

فهي لفظ سهل ومعنىً بديع

كلمـا أنـشـدت شـهدت بـأن الـ

ويبدو أن عضد الدولة كان يقدم السلامي على سائر شعرائه، لكنه لم يستطع أن ينسى ماضي الأيام حين قصده المتنبي ونظم فـيه القصيدة تلو القصيدة، كما أنه لم يستطع أن ينسى قصيدة المتنبي الجميلة فـي مدحه والتي يذكر فـيها شعب بوان، وظلت هذه الذكرى تعيش فـي نفسه حتى مر ثانية بهذا الشعب بعد سنوات وبصحبته السلامي، فطلب منه أن يحيي تلك الذكرى ويجدد ذلك العهد، فلباه الشاعر، وكان حسن التصرف نبيهاً فـي تلبية الطلب، إذ نظم قصيدة ليس فـيها شيء من معارضة قصيدة المتنبي أو تضمين بعض أبياتها كما اتخذ قافـية غير قافـيتها، بل بعيدة عنها فـي الإيقاع وفـي مخارج الحروف، ولاسيما أن عضد الدولة قال له:

«قل فـي الشعب، فقد سمعت ماقال المتنبي» وفـي هذا حصر للشاعر وتحد له، فقصيدة المتنبي غاية فـي الجمال وصفاً ومدحاً، وهي ذائعة الصيت ولابد للسلامي من أن يوطد حضور بديهته، وموهبته، فـي وجدان معاصريه وخاصة عضد الدولة، فنظم القصيدة البديعة التالية التي لم يحاك فـيها المتنبي، ولم يتأثر فـيها بأسلوبه ولابألفاظه لكنه لم يتجاهل معانيه ولامواطن الفتنة والجمال فـي الشعب التي ذكرها المتنبي وطلب منه عضد الدولة أن يجدد وصفها أو يحيي شاعريتها وإيحاءها، فـيذكر الأشجار والأطيار والظلال والأفنان والشمس والفـيء والماء والحصى… إلخ ويصفها وصفاً بارعاً لكن حظ الشاعر كحظ قصيدته من الدارسين والمصنفـين، قليل ضئيل، ولنقرأ بعض أبيات قصيدته الجميلة البديعة فـي وصف شعب بوان حيث نشاط الخيال، وعذب الألفاظ، وجمال التصوير:

قد زاد فـي حسنه فازدد به شغفا

ولقن العجم من أطياره نتفا

من نازع قرطا أولابس شنفا

والريح تعقد فـي أطرافها شرفا

بنورها فترينا تحتها طرفا

درا أصادفه فـي مائِهِ صدفا

أن الصبابة شابت والهوى خرفا

فـيك المعاني وبحر اللفظ قد نزفا

يسمع ظللت عليه الدهـر معتكفا [١٠]

اشرب على الشِّعْبِ واحلل روضة أنفا

إذ ألبس الهيف من أغصانه حللاً

وأثمرتْ حسنه الأغصان مثمرة

والماء يثني على أعطافه أزرا

والشمس تخرق من أشجارها طرفا

ولست أحصي حصى الياقوت فـيه ولا

يظن من وقفت فـيه الشجون به

ماذا يقول لك المداح؟ قد نفذت

لم يبـق لي حيلة إلا الدعـاء فـإن

والقصيدة ملتقى الطبع والصنعة، اليسر والتكلف، ولم تذكر المصادر رأياً فـي مقارنتها بقصيدة المتنبي فـي شعب بوان، ولن تكون المقارنة فـي غير صالح السلامي الذي وفر لقصيدته ضروبا من المهارة والحذق واللطف، والصنعة أيضاً على نحو مانجد فـي البيت السادس مثلاً.

وليست هذه أجمل قصائد السلامي، إنها من أجملها فحسب، فله شعر كثير فـي جودتها، وله شعر كثير ايضاً افتن فـي معرض صوره وألفاظه ومعانيه افتناناً أكثر، وقد تأثّر على مايبدو بضروب الصنعة فـي الأدب التي كانت سائدة فـي بلاد فارس ومطلوبة ومرغوبة من الأدباء والسلاطين حتى غدت زيا لقي فـي نفوس الناس هوى وتقديراً، لكن السلامي لم يتهالك فـي صنعته، ولم يتكلف، بل قدم صورة ومعانيه بطبع وإتقان فـي وقت واحد، إن مذهبه يكاد يشبه مايسمى فـي يوم الناس هذا بالسهل الممتنع وحين نقرأ مثلاً أبياته فـي الغزل فإن الفكر والروح ينسابان طواعية وأريحية من بيت إلى أخر دون أن ينشغلا بتفكيك الصور، أو بصعوبة الإستعارة أو بغريب الألفاظ إنها أبيات تحاكي ربيع الطبيعة، وهدوء الجمال وروعته. يقول السلامي:

ووجهها للصبا والحسن خاتام

لهن فـي ثغرها الفضي أتوام

وحشيتان وعذب الريق بسام

والماء للحبب الدري نظام

كأننـا فـي حجـور الروض أيتام [١١]

وظبية من بنات الإنس فـي يدها

قد حللت لؤلؤ الأزرار عن درر

وزارت الروض منها مقلتان لها

بتنا نكفكف بالكاسات صائغة

والكأس للمسـكر التبري أدمعـنا

وعقب الثعالبي على البيت الأخير فقال: هذا البيت من إحسانه المشهور فـي ابتداع الإستعارة.

وقد حفلت مصادر التراث الأدبي والنقدي بمقطعات كثيرة من شعر السلامي وازينت بها، لما فـيها من رقة وعذوبة وحسن فنجد كثيراً منها فـي كتب الثعالبي، والتوحيدي، وابن خلكان، وكذلك عند صاحب البداية والنهاية، وصاحب مرآة الجنان. وفـي تاريخ بغداد يذكر المؤلف أبياتاً جميلة له فـي الغزل منها:

يطرق بالهم قلب من طرقَهْ

وكل من رام وصله رشقَهْ

وأنفس العاشقين متفقهْ

هـذا ملـيح وحـق من خلـقه [١٢]

ظبي إذا لاح فـي عشيرته

سهام ألحاظه مفرقة

بدائع الحسن فـيه مفترقَهْ

قـد كتـب الحـسن فوق عارضـه

ويبدو أن السلامي كان ينتصر لفن الشعر على فن النثر، ويرى فـي الأول فضائل تربو على فضائل الثاني، ولعل رأيه هذا يتصل بسماحة طبعه وبجود قريحته فـي ميدان الشعر، فلا نجد له نصاً نثرياً فـي زمن جمع فـيه أغلب الأدباء بين فضيلتي الشعر والنثر، على نحو ماشاهدناه فـي أدباء بلاط عضد الدولة.

يذكر التوحيدي فـي الليلة الخامس والعشرين من الامتاع والمؤانسة فضائل النظم، وفضائل النثر ويبين رأي أعيان عصره فـي الانتصار لكل من منهما، ويفصّل الرأي فـي هذا ويجتهد فـي عرض حجج كل من الفريقين، مع الأخذ بالحسبان قيمة نشاط الخيال الحكائي أو السردي عند التوحيدي، لكن مايقدمه التوحيدي مهم جداً هنا ولاسيما فـي الرد على من يجهل أو يتجاهل وجود نظرية للأدب فـي تراثنا الأدبي والنقدي، والحديث مهم ويطول لتوضيح قيمة ماذهب إليه التوحيدي فلابد من العوده إليه بتمامه، وسنكتفـي هنا بما قدمه التوحيدي فـي الانتصار لفن النظم على لسان السلامي، ففـيه دلالة على مذهب السلامي الشعري:

«قال السلامي: من فضائل النظم أن صار لنا صناعة برأسها، وتكلم الناس فـي قوافـيها، وتوسعوا فـي تصاريفها وأعاريضها، وتصرفوا فـي بحورها، واطلعوا على عجائب مااستخرن فـيها من آثار الطبيعة الشريفة، وشواهد القدرة الصادقة، وماهكذا النثر، فإنه قصر عن هذه الذروة الشامخة، والقلة العالية، فصار بذلك بذلة لكافة الناطقين من الخاصة والعامة والنساء والصبيان.

وقال أيضاً: من فضائل النظم أنه لايغنى ولايحدى إلا بجيده ولايؤهل للحن الطنطنة، ولايحلى بالإيقاع الصحيح غيره، لأن الطنطنات والنقرات، والحركات والسكنات لاتتناسب إلا بعد اشتمال الوزن والنظم عليها، ولو كان فعل هذا بالنثر كان منقوصاً، كما لو لم يفعل هذا بالنظم لكان محسوساً، والغناء معروف الشرف، عجيب الأثر، عزيز القدر، ظاهر النفع فـي معاينة الروح، ومناغاة العقل، وتنبيه النفس، واجتلاب الطرب وتفريج الكرب، وإثارة الهزة، وإعادة العزة، وإذكار العهد، وإظهار النجدة، واكتساب السلوة ومالا يحصى عدده.

ويقال: ماأحسن هذه الرسالة لو كان فـيها بيت من الشعر، ولايقال: ماأحسن هذا الشعر لو كان فـيه شيء من النثر، لأن صورة المنظوم محفوظة، وصورة المنثور ضائعة» [١٣].

كان السلامي كثير الحل والترحال بنفسه وبشعره، فهو السلامي نسبة إلى دار السلام «بغداد» قصد الموصل وهو فـي مطلع العقد الثاني من عمره وجالس شعراءها وحاورهم وبعد قليل بزهم، ثم تنقل فـي بلاد فارس بين اصبهان وشيراز حيث مجالس الصاحب، وعضد الدولة، وكان هناك الشاعر المقدم، ثم عاد إلى بغداد وكانت يومها قبلة الدنيا فـي الآداب والعلوم والفنون، وفـيها كانت حياته متقلبة متلونة بين رخاء وشدة، يسر وقهر، وقد ذكرنا بعض قصائده فـي الشكوى، ويبدو أنه نظمها قبيل وفاته ت ٣٩٣ هـ - لكننا نجد له فـي بغداد قبيل هذه الفترة شعراً فـيه كثير من حضور البديهة وقوة النفس وسلامة الطبع يصدر فـيه عن همة ونشاط وسرور، مثال هذا قصيدته الطويلة الجميلة التي بعث بها إلى الشريف الرضي وكان خرج من داره فـي المطر فأعطاه كساء استتر به فمدحه، وفخر بشعره، وذكر أن هذه القصيدة كانت فـي زمن خط فـيه الشيب فوديه، وعلى ما يبدو من تاريخ ولادة الشريف الرضي ٣٥٩ هـ - فإن مناسبة القصيدة كانت بعد ٣٨٠ هـ، وعلى أية حال فالقصيدة غاية فـي الجمال، أبدع الشاعر فـي وصف ما أصابه من الغيثين: المطر والشريف الرضي، كما أبدع فـي وصف فريدته وفـي وصف ملكة النقد والإبداع عند الرضي، و

من هذه القصيدة نذكر الأبيات التالية:

بيد الغمام فلا أرى بك ما بي

دراعتي وعمامتي وجبابي

وولى أخوك الغيث بلّ ثيابي

خلق السحاب وذا سليل سحاب

ـغيثين مابهما من التسكاب

ما بين ألفاظ شرفن عذاب

وقف الحياء بها دُويْنَ الباب

أفكار محصد مرة الآداب

إعراب حين يفوه والإغراب

وأعـره سـمع مسـامح وهـاب [١٤]

ودّعت دارك والسماء تجودني

وحمى كساؤك لا عدمت معيره

فوليت يا بحر السماحة كسوتي

غيثان هذا ابن الذي من أجله

فوصلت أشكو ذا وأشكر ذا وبالْـ

وفريدة عذراء رحت أزفها

جاءتك يحملها الجمال وربما

أهديتها خجلاً إلى متغلغل الْـ

لأبي القريض ابن المعالي بل أخي الـ

انظـرْ بعين رضـاً إلى مـا صغتـه

وتبين هذه القصيدة - وغيرها من قصائد السلامي - غزارة الطبع فـي شعره وسلالة النظم، وصدور الشاعر عن قريحة سمحة، وموهبة معطاء دون تكلف وعناء، تجود وتجود، فلا نرى فـي قصائد الشاعر قصر النفس، ولا خشونة البناء، ولا ثقل النظم، ولهذا كان صاحب مطولات هذا من جهة، ومن جهة أخرى نلاحظ اقتران أغلب أوصافه وتشبيهاته بالطبيعة فـيكثر من ذكر الغيث والروض والبدر…الخ وقد ذكر معاصرو السلامي من أدباء ونقاد فضل أدبه وحسنه، ويكفـي أن يقرظه التوحيدي ويثني عليه، ولو لم يكن السلامي واسع الحيلة، خفـي السرقة لطيف المأخذ لما استطاع أن يحوذ إعجاب التوحيدي الذي قال فـيه:

(أما السلامي فهو حلو الكلام، متسق النظام، كأنما يبسم عن ثغر الغمام، خفـي السرقة، لطيف المأخذ، واسع المذهب، لطيف المغارس، جميل الملابس، لكلامه ليطة بالقلب، وعبث بالروح، وبرد على الكبد) [١٥].

ومسك الختام أبيات من قصيدته فـي مدح الوزير أبي نصر سابور بن ازدشير وقد أعيد إلى الوزارة وخلع عليه، فقال سلامي:

وأوضحت فلق الملك التباشير

وكل قلب بما خولت مسرور

ذيل على أنجم الجوزاء مجرور

غيث فرونقها بالحسن مغمور

والجود فـي سرجه والمجد والخير [١٦]

اليوم طبق أفق الدولة النور

فكل عين إليك اليوم طامحة

أقبلت فـي خلع السلطان زينها

كأنما نسجتها فـي الرياض يدا

ورحت فوق جواد كالعقاب جرى

[١] يتيمة الدهر: ٢ / ٣٩٦

[٢] يتمية الدهر ٢ / ٤٠١.

[٣] المصدر نفسه.

[٤] المصدر نفسه.

[٥] يتيمة الدهر: ٢ / ٤٢٦.

[٦] يتيمة الدهر: ٢ / ٤٠٨.

[٧] يتيمة الدهر: ٢ / ٤٢٠.

[٨] يتيمة الدهر: ٢ / ٤٢٤.

[٩] - يتيمة الدهر: ٢ / ٤٢٩.

[١٠] يتيمة الدهر: ٢ / ٤١٢.

[١١] يتمية الدهر ٢ / ٤١٠.

[١٢] الخطيب البغدادي - تاريخ بغداد: ٢ / ٣٣٥.

[١٣] الإمتاع والمؤانسة: ٢ / ١٣٥

[١٤] يتيمة الدهر: ٢ / ٤١٤…

[١٥] الإمتاع والمؤانسة: ١ / ١٣٤

[١٦] يتيمة الدهر: ٣ / ١٢٤.



[ Web design by Abadis ]