ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف

هو أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف الشيرازي الجكار، تقدم فـي بلاط عضد الدولة فـي الأدب شعراً ونثراً، كما تقدم فـي السياسة، وكان بارعاً عاقلاً فاضلاً، شهد له أعيان العصر بالعلم الجم والتواضع الوفـير، خاطبه وزراء بني بويه بالإجلال والتقديم، ودارت بينه وبين ابن العميد والصاحب مكاتبات تدل على احترام وثقة واطمئنان، لم تحفل به المصادر الأدبية أو التاريخية كبير الاحتفال، بل يكاد يكون مغموراً إلا من بضع أقوال ففـي كتاب الكامل فـي التاريخ لابن الأثير ورد ذكره مرتين، الأولى فـي حوادث سنة ٣٨١هـ فقد ورد مايلي: وفـيها استوزر بهاء الدولة أبا القاسم عبد العزيز بن يوسف، والثانية فـي حوادث سنة ٣٨٨هـ وجاء فـيها: وفـيها مات أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف الجكار.

وقد ذكره أبو حيان التوحيدي فـي معرض القدح والتهكم، وذلك فـي ليالي الإمتاع والمؤانسة ذكراً يرتبط فـيه الحقيقة بالخيال أو الواقع بالفن، شأن أغلب ما دار فـي ليالي الإمتاع والمؤانسة.

ويبدو أن الفصل الذي خصه فـيه الثعالبي فـي يتيمة الدهر يكاد يكون وحيداً لا قرين له فـي مصادرنا. ولكن ما أسبغه عليه من صفات ينفـي عن الثعالبي تهمة الإسراف فـي تقريظ من ترجم لهم، فالمرء عدو ما يجهل. والقارئ الذي لا يدقق، حين يقرأ ترجمة الثعالبي لأبي القاسم يظن للوهلة الأولى ألا حقيقة وراءها سوى ما عتاده بعض المصنفـين من هذا القبيل، لكنه حين يتابع قراءة متخير الثعالبي من شعر أبي القاسم ونثره، يعرف فضل الأخير وسبقه. يقول الثعالبي فـي مطلع ما كتبه فـي أبي القاسم:

(أحد صدور المشرق، وفرسان المنطق، وأفراد الكرم الكبار، الحسان الآثار والأخبار، وأعيان الممدحين المقدمين فـي الآداب والكتابة والبراعة والكفاية، وجميع أدوات الرياسة) [١].

وفـي معرض حديثنا عن الشاعر السلامي نذكر الرسالة التي كتبها الصاحب إلى أبي القاسم يرجوه فـيها أن ينظر فـي أمر السلامي الشاعر فـيقدمه إلى عضد الدولة وتبين الرسالة منزلة أبي القاسم عبد العزيز وتقدمه، وبالمقابل فقد كان جم التواضع فهو حين يكتب إلى الصاحب يبادله التفخيم والإجلال، بل يزيد عليه فـي هذا ويربو، وليس الأمر من قبيل الموازنة والمقارنة، فالرجلان فاضلان، أدبيان، متقدمان فـي النظم والنثر، وهما وزيران كل فـي طرف من أطراف مملكة آل بويه حتى آخر لحظة من لحظات العمر، لكنها أخلاق العصر، عصر الرقي والتقدم والازدهار على أساس من النـزوع الإنساني، والاتجاه الموضوعي، وتقدير الآداب والعلوم ورجالاتهما على اختلاف مشاربهم، وتدل المكاتبات التي تواصلت بين أبي القاسم عبد العزيز وآخرين خير دلالة على هذا التاريخ المشرق من قبول التعدد والتنوع الذي يفتح الآفاق أمام الأزاهير جميعها لتنشر أريجها الفواح دون حد أو قيد، ويتمنى المرء لو يسمح الحال لذكر وثائق ألوان من التواصل بين هؤلاء الأعيان من رجال الأدب والعلم، وفـي بعض أخبار أبي القاسم عبد العزيز ما يوثق هذا ولا سيما المكاتبات التي تبادلها مع الصاحب بن عباد، ومع أبي اسحاق الصابئ،

ومع ذي الكفايتين أبي الفتح.

لقد أدنى البويهيون أبا القاسم من مجالسهم، وقدروا منزلته أحسن تقدير، وكان أولهم فـي هذا عضد الدولة الذي قلده ديوان رسائله (وكان مع تقلده ديوان رسائله طول أيامه معدوداً فـي وزرائه، وخواص ندمائه. وتقلد الوزارة بعده دفعات لأولاده) [٢].

ويبدو أن أبا القاسم هذا كان معروفاً قبل وصول البويهيين إلى السلطة بحسن الأدب والسياسة، وقد يكون قصد بغداد واستقر فـيها، واستكتبه الخليفة العباسي الطائع لله، لما عرف عنه من قوة الأسلوب وجماله، فها هو يأمره بأن يكتب إلى ركن الدولة البويهي مباركاً دخول ولده عضد الدولة بغداد، ومفوضاً إياه أمر العراق، فـيكتب أبو القاسم عن الخليفة الطائع لله إلى ركن الدولة، لما ورد عضد الدولة العراق كتاباً حسناً موجزاً واسع المعاني دقيق العبارة، خفـي الصنعة بهي الطلعة، تقترن فـيه البلاغة بالإيجاز، والتعبير بالإعجاز، فـيخاطب ركن الدولة:

(فأنت وعضد الدولة كلأ كما الله يدا أمير المؤمنين فـيما يأخذ ويذر، وناظراه فـيما يقرّب ويبعد، بكما افترش مهاد الملك بعد إنضاضه، ورفع منار الدين بعد انخفاضه. فأبشرا من الله تعإلى بالحسنى، إن الله لا يضيع أجر المحسنين) [٣].

ويدل هذا الكتاب على تقدم أبي القاسم فـي فن السياسة، وعلى عمق إدراكه واقع الخلافة والسلطة يومها، فقد كانت الخلافة قلقة من اضطراب أمر بغداد، والعراق عامة بعد أن تعثر بختيار فـي تثبيت دعائم الأمن والاستقرار، فاستبشر الخليفة والناس خيراً بقدوم عضد الدولة، فـي الوقت الذي أراد فـيه الخليفة أن يكون دخول عضد الدولة العراق باب اطمئنان وعز فتوجه إليه وإلى أبيه بحسن القول، ونهض أبو القاسم بالوظيفة أحسن نهوض.

ومن الممكن أن يكون دخول أبي القاسم بغداد مقترناً بدخول عضد الدولة إليها، إذ كان فـي جملة أصحابه ومرافقيه، وحين استقر الأمر إليه قدمه إلى الخليفة الطائع لله ليكتب عنه إلى أبيه ما كتب.

ولم نعثر فـيما وصل إلينا من مصادر على ما يرجح رأياً مما سبق وسواءً أكتب أبو القاسم عن الخليفة الطائع لله، أم عن عضد الدولة البويهي، فإن ما كتبه حقق له منـزلة رفـيعة عند العباسيين وعند البويهيين، كما حقق فـيما كتب وظيفة بلاغية، ووظيفة إبلاغية فأسلوبه السهل المرسل الذي يصدر فـيه عن موهبة وطبع يذكرنا برقي فن الكتابة الديوانية فـي زمنه، وبرجاحة عقل كتاب الدواوين وببعد نظرهم وحصافة رأيهم وبافتنانهم فـي أساليب تعبيرهم، فهو فـي الرسالة التي خطها إلى ركن الدولة يقرن البلاغة بالإيجاز لأن ما كتبه سيسلك سبيل البريد، فلا يطيل ولا يسترسل، ولا يقترب من المترادفات، وهذا ما لا يستخدمه حين يطلب منه عضد الدولة أن يكتب فـي وصف التقائه مع الخليفة الطائع لله فـي موضع يعرف بالجديدية قرب بغداد، فـيعكف أبو القاسم على تدبيج وصف اللقاء بزخرف القول، ويوفر لوصفه سائر فنون البلاغة والبديع دون إسراف، ويعمد إلى المترادفات فـيقول عن عضد الدولة فـي لقائه الخليفة الطائع لله:

«ولما ورد أمير المؤمنين النهروان. أنعم بالإذن لنا فـي تلقيه على الماء فامتثلناه وتقبلناه، وتلقانا من عوائد كرمه، ونفحات شيمه، والمخائل الواعدة بجميل آرائه، وعواطف إنمائه، ورعاية ما كنفنا يمنه. وشايعنا عزه، إلى أن وصلنا إلى حضرته البهية، شرفها الله تعإلى بالجديدية التي استقبلت منه بسليل النبوة، وقعيد الخلافة، وسيد الأنام، والمستنزل بوجهه درر الغمام فتكفأت علينا ظلال نوره وبشره، وغمرنا تفضله وفضله. وقرب علينا سنن خدمته، وأنالنا شرف القعود بين يده، على كرسي أمر بنصبه لنا عن يمنيه، وأمام دسته، وأوسعنا من جميل لقياه، وكريم نجواه، مايسم بالعز إغفال النعم، ويضمن الشرف فـي النفس والعقب، ويكفل من الفوز فـي الدين والدنيا بغايات الأمل، وكانت لنا فـي الوصول إليه، والقعود بين يديه، فـي مواقع ألحاظه، وموارد ألفاظه، مراتب لم يعطها أحد فـيما سلف ولم تجد الأيام بمثلها لمن تقدم. وسرنا فـي خدمته على الهيئة التي ألقى شرفها علينا، وحصل جمالها مدى الدهر لدينا، إلى أن سار إلى سدة دار الخلافة والسعود تشايعه. والميامن تواكبه. وطلائع الآمال تشرف عليه. وثغر الإسلام يبتسم إليه. فعزم علينا بالانقلاب معه على ضروب من التشريف، لامورد ب

عدها فـي جلال، ولا موقف وراءها لمذهب فـي جمال. واجتلت الأعين من محاسن ذلك المنظر، وتهادت الألسن من مناقب ذلك المشهد، ما بهر بصر الناظر، وعاد شمل الإسلام مجموعاً، ورواق العز ممدوداً، وصلاح الدهماء مأمولاً، ونور الدين والدنيا مرقوباً» [٤].

ويظهر فـي هذا الكتاب اهتمام الكاتب بصورة الحياة العامة فـي بغداد، وحرصه على تقديم جانب مشرق من جوانبها يقوم على حسن العلاقة بين الخليفة العباسي والسلطان البويهي، والعامة من الناس «الدهماء» فـي إطار من تبادل المودة والاحترام بما يؤسس لبناء مجتمع متماسك فاعل حضارياً وسياسياً وفكرياً… الخ، وخير دليل على هذا ما نجده فـي النص السابق، وفـي بقية الرسائل التي كتبها أبو القاسم إلى أعيان عصره فـي السياسة والأدب على اختلاف مشاربهم وطبقاتهم وانتماءاتهم، وهذه الروح العلمية والموضوعية بنـزوعها الإنساني والتنويري هي التي جعلت الحضارة العربية الإسلامية فـي القرن الرابع الهجري مثالاً ساطعاً على امتداد الزمان والمكان، ونزوعها هذا ما تحتاجه البشرية اليوم فـي حديثها عن حوار الحضارات، وعن الليبرالية وحقوق الإنسان… وعن مكافحة التمييز العنصري، فأنت تقرأ أخباراً طوالاً، وصفحات عديدة فـي أبي القاسم هذا، السياسي البارع والأديب المتقدم، فلا تعرف أعربي هو أم فارسي أم كردي… الخ ولا تعرف مذهبه فـي الدين، إن ما تعرفه يتمثل فـي الفكر المستنير المؤمن بالتعدد والتنوع فـي إطار من الحرص على وحدة الحضارة العربية الإسلامية، فهو يرسم صورة

مشرقة للخليفة العباسي، كما يرسم الصورة نفسها للسلطان البويهي، وللوزير الصاحب بن عباد، وللكاتب أبي إسحاق الصابئ بحيث تغدو الحياة العامة معرضاً لقبول الآخر واحترامه، وميداناً فسيحاً لفنون الأدب والسياسة والفلسفة والطبيعيات والإلهيات… وسائر العلوم، فلا تزمت، ولا تعقيد، ولا تكفـير، وها هو يكتب إلى أبي إسحاق الصابئ، الذي أصر على ألا يدخل الإسلام، شعراً يبين فـيه قيمة ما يجمعهما، فـيقول:

عليه تساقينا على ظمأٍ بردا [٥]

تلاقت بنا الآداب فـي خير منسب

وكانت له مع الصابئ مراسلات يختلط فـيها النظم بالنثر تدل إضافة إلى تقدمه فـي فن النثر على بصيرته فـي تقدير هذا الفن، وفـي نقده، فقد كتب إلى الصابئ يوماً كتاباً يلتقي فـيه النقد بالإبداع فخاطبه بالقول:

«علمت كيف تنتظم فرق البلاغة، وتلتقي طرق الخطابة، وتتراءى أشخاص البيان، وتتمايل أعطاف الحسن والإحسان. وقرأت لفظاً جليّاً، حوى معنى خفـياً، وكلاماً قريباً رمى غرضاً بعيداً. وفصولاً متبانية كساها الائتلاف صور المشاكلة. ومنحها الامتزاج صيغة المضارعة ولحمة الموافقة، فصارت لدلالة الأول منها على الثاني، وتعلق العجز بالهادي، فـيها أولاد أرحام مبرورة وذوات قربى موصولة، تتعاطف عيونها، وتتناصف أبكارها وعونها» [٦].

وبعد هذا فلا يمكن لأحد أن ينكر على أبي القاسم تقدمه فـي فن النثر، فهو لاشك من أمراء البيان، كما لايمكن لأحد أيضاً أن ينكر عليه تقدمه فـي فن النظم فهو الشاعر الموهوب الذي طالما زين كتبه ورسائله بقصائد أو مقتطفات جميلة من شعره، كما أنه نظم قصائد عديدة وفـي موضوعات متنوعة، فنجده يقول فـي رسالة كتب بها إلى الصاحب بن عباد:

«ابتدأت أطال الله بقاء مولاي الصاحب بكتابي هذا، وفـي نفس إتمامه نثراً فمال طبعي إلى النظم، وأملى خاطري على يدي منه ما كتبت، ونعم المعرب عن الضمير مضمار القريض» [٧].

وأما الأبيات التي نظمها قبل قوله هذا فهي:

وجسمي جنيب للصبا والجنائب

أقول وقلبي فـي ذراك مخيم

وقد جاذبتني عنه أيدي الشواذب

يجاذب نحو الصاحب الشوق مقودي

وتلك السجايا الغر غر السحائب

سقى الله ذاك العهد عهداً من الحيا

يقابلني بالعز من كل جانب

تذكرت أيامي بقربك والمنى

وتفتر منك عن ثنايا مناقب

وفـي ربعك الدنيا تزف محاسناً

ومن فرعك الفـينان أعلى المناسب

وقد لحظت عيناي من شخصك العلا

محياك ما لم تجره كف خاطب

ومن لفظك الدر المصون، ومن حيا

لكانت نجوماً للنجوم الثواقب

وأخلاقك الغر التي لو تجسمت

كما أسلمت عقداً أنامل كاعب

ففاضت على خدي سوابق عبرة

تحية خل عن جنابك غائب

سلام على تلك المكارم والعلا

وبالمزن لم تبلل لهاة لشارب

يكابد مالو كان بالسيف ما مضى

طوالع عتبي من طلاع العواقب

وإني وإن روعت بالبين شاتم

كتبن عليّ الرق ضربة لازب [٨]

وما أنا بالناسي صنائعك التي

ومثل هذا النثر الجميل والنظم الجميل أيضاً يدلان على قيمة المودة والثقة المتبادلتين بين الرجلين، مما يجعل من قول التوحيدي التالي والمنسوب إلى الصاحب بن عباد افتراء قاده إليه غرمه بثلب الصاحب وابن العميد، يقول التوحيدي فـي الصاحب:

«ولما عاد من همذان قيل له: … كيف وجدت عبد العزيز بن يوسف؟ قال: نكداً وخديعة» [٩].

وكان ابو القاسم عبد العزيز بن يوسف شاعراً غزير الشعر حسن الطبع، يستدل على هذا مما وصلنا من شعره فـي عضد الدولة، حيث تظهر القصائد القليلة التي نقلها الثعالبي، أن صاحبها مجرب فـي هذا الميدان، بل صاحب سبق فـيه، يسلس له قياد النظم فتفـيض بديهته بأبيات سلسة عذبة رقيقة تحاكي جمال الطبيعة وجمال الحياة السلطانية، حيث مجالس العز والإبداع عامرة بالند والنور والخمر والعطر والنرجس والشموع، يصف ابو القاسم أحد هذه المجلس فـي معرض مدحه عضد الدولة فـيقول من قصيدة:

بأقطاره والند والنور والخمر

فـيا مجلسا عز الخلاقة محدق

بساطع نشر ما يقاس به نشر

وقد أرجت أرجاؤه وتعطرت

محاجرها بيض واحداقها صفر

وفتح فـيه النرجس الغض أعيناً

ثواكل عبرى ما ينهنها الزجر

كأن الشموع المشعلات خلاله

وكان على قطع الرؤس لها بشر

إذا قطعت منها الرؤس تضاحكت

تفاخرت الدنيا وكان له الفخر

ألا يا أمير المشرقين ومن به

فهذا هو الفأل المحق لا الزجر [١٠]

ولم تخلق الدنيا لغيرك فانتظر

وكان الشاعر أبو القاسم يعرف منـزلة شعره بين معاصريه، ويعتز بهذه المنـزلة، فـيفاخر بجودة قصيدته، وبسيرورتها بين الناس حيث يتناقلها ويطرب لها السامعون، يقول فـي آخر قصيدته التي مدح بها عضد الدولة:

وتعجب كل مستمع ثناكا

وهاك تهز عطفـيها اختيالاً

وتطرب من أحبك أو قلاكا

تسير بها الرواة بكل أرض

فدى لك من يقصر عن مداكا

نظيرة تربها لفظاً ومعنى

وكل الناس زور ما خلاكا [١١]

وكل الشعر زور ما خلاه

وقد حاكى أبو القاسم فـي شعره شعر الفحول، وأفاد من حسن منهجهم فـي بناء القصيدة بناء تقليدياً، فافتتح بعض قصائده بالطلل، يقول فـي مقدمة إحدى قصائده:

واستودعتني مطايا الحل الرّحل [١٢]

ما للنوى وقفت دمعي على الطلل

ويمثل ابو القاسم فـي شعره وفـي نثره صورة المثقف الملتزم بمجتمعه، والمدرك أهمية التمسك بثوابت الحضارة العربية الإسلامية فلا يدخل طرفاً فـي الهجاء أو الفتن أو فـي الفرقة والاقتتال، وينصرف عن هذه ليمجد الإسلام والمسلمين، العرب والفرس، الخليفة العباسي والسلطان البويهي… فـي سبيل بناء مجد الأمة، وإعلاء شأنها، ويصدر فـي هذا عن موقف واع وعقل حر مستنير ليرى من خلالها أن الأمة أحوج ما تكون إلى المحبة والتسامح والحوار بين الأجناس والحضارات والعقائد، يقول فـي إحدى قصائده:

وعاد شمل العلا والمجد ملتئما

الله أكبر والإسلام قد سلما

لما غدا ببغاة الحق مدّعما

وظل ملك بني العباس معتلياً

وشد من عقده ما كان منفصماً

بآل بويه أعلى الله رايته

إلى ذرى أمد نال السهى شمما

سادوا الملوك وشادوا المجد وابتدروا

فـيها، وكلٌّ بما قد قلته علما [١٣]

هم قلادة عز أنت واسطة

وكما يمثل أبو القاسم صورة المثقف الملتزم بقضايا أمته، فإنه يمثل فـي الوقت نفسه صورة الفنان المبدع الذي وفّر لفّنه كل عناصر الجمال والمتعة والفائدة، فأتقن عناصر القول الشعري بما فـيها من عذوبة النظم والإيقاع، وسلاسة العبارة وطلاوة الألفاظ، كما أبدع فـي التصوير والتشبيه والاستعارة والمجاز، دون أن ينسيه هذا جميعه أهمية العدل والمساواة بين الرعية ورفع الظلم عنهم وضرب الظلام يقول فـي القصيدة نفسها يصف السيوف:

وحدها صافح الأعناق والقمما

بيض تصافح بالأيدي مقابضها

حتى إذا اختلفت ضرباً بكين دما

ضحكن من خلل الأغماد مصلتة

حتى كأنكما نازعتما رحما

حنت خراسان شوقاً إذ حننت لها

أطاق لاخترق القيعان والأكما

واهتز منبرها يهفو إليك، ولو

أسد نقلن على أكنافها أجما

رفعت راياتك اللاتي خفقن على

عدلاً وأجليت عنه الظلم والظلما [١٤]

لا تنتحي بلداً إلا أفضت به

ولابد من الإشارة إلى قلة احتفال الباحثين قدامى ومعاصرين بأخبار أبي القاسم وبأدبه، ولعل الثعالبي أهم من عني به وأشاد بفضله فـي الشعر والنثر، وفـي السياسة، وبالمقابل نجد أبا حيان التوحيدي يذكر أبا القاسم مرات فـي كتبه بسوء وبظلم وبسباب وشتم، وهذا معهود فـي مؤلفات التوحيدي فقد كان الرجل سباباً شتاماً، ظلوماً غشوماً فـي أحكامه على أعيان عصره، يصدر فـي هذا عن ضيق صدر وحقد وكره متأصل فـي نفسه ليس تجاه أبي القاسم وحده بل تجاه الحياة كلها، لأنه نظر إلى نفسه وإلى علمه وإلى مواهبه على أنها أسباب بؤسه وشقائه فـي حياته، فكان ميالاً دائماً إلى التشاؤم والحسد والقلق، مع علم واسع غزير، وبديهة حاضرة، وتصنيف فـي النقد والأدب والفلسفة والتصوف… الخ وكان أكبر مثقفـي عصر شمولية وتنوعاً وغزارة معارف بالعلوم وبالفنون وبالسياسة وبرجالاتها، لكن حظ أعيان عصره منه بالمدح والتقريظ قليل، فهو يكثر من تسفـيه الآخرين، ويتزيد فـي هذا ويلتمس مسوغات يوضحها بنفسه، وخير دليل على هذا ما بينه فـي كتابه مثالب الوزيرين. والحق أن شخصية أبي حيان التوحيدي شخصية إشكالية محيرة، فلا تملك إلا أن تحترم علومه ومعارفه ومؤلفاته، ولا تملك فـي الوقت نفسه إلا

أن تتضايق من نقده اللاذع وسبابه البذيء وشتمه الصريح بما يفسد المجتمع لابتعاده عن الأريحية والتسامح والتعقل.

يذكر أبو حيان الوزير أبا القاسم فـي مواضع عدة من مؤلفاته، ولا سيما فـي كتابه الإمتاع والمؤانسة، حيث يخصص له ليلة من ليالها الأربعين، وهي الليلة الثامنة والثلاثون، فـيقول [١٥]:

«وجرى ليلة بحضرة الوزير - ابن سعدان وزير صمصام الدولة - حديث ابن يوسف وما هو عليه من غثاثته ورثاثته وعيارته وخساسته. فقلت له عندي حديث، ولا شك ان الوزير مطلع عليه عارف به. قال: ما ذاك؟ قلت: ………» ثم يذكر خبراً نورده بعد قليل، لنقدم ختام الخبر حيث يقول الوزير بعد أن ينهي التوحيدي حديثه: «ما كان هذا الحديث عندي، وإنه لمن الغريب» [١٦].

ومن يطلع على مؤلفات التوحيدي يجد كثيراً من هذا القبيل، حيث كان الرجل يخترع الأحاديث، ويبدع فـي نسج القصص والروايات حتى يظنه السامع صادقاً، ثم يقوم التوحيدي فـيفتن فـي الإشارة إلى أن هذا من باب الاختراع والخيال، وليس من باب الحقيقة والواقع، وهذا جميل لكن المشكلة هي فـيما ينال أعيان عصره من نقد لاذع وتهكم مر، وسخرية شديدة الوطأة، ومثال هذا ما نجده فـي كتابه مثالب الوزيرين حين يذكر أو يدبج رسالة كتبها والد ابن العميد إلى أحد القضاة فـي ضلالات ابنه «ابن العميد» وفـي سخفه وعقوقه [١٧]، ولا يكتفـي التوحيدي بهذا الاختراع بل يضيف إليه رسالة القاضي إلى والد ابن العميد فـي الرد والإجابة على ماذكره الأب فـي عقوق الابن ونقائصه فـيقول القاضي:

«وقد - والله - زاد عجبي من هذا الحديث كله، وشركته فـي جمعيه، وسألت الله اللطيف فـيئة هذا الغلام إلى حظه، ونظراً إلى قلب قد أضرم فـيه نار العقوق…» [١٨].

والأمر نفسه نجده فـي الإمتاع والمؤانسة مرة أخرى حين يذكر التوحيدي عز الدولة بحديث سوء يسنده إلى كتاب التاجي لأبي إسحاق الصابئ، فـيعود الوزير ويجيب التوحيدي قائلاً: قرأت ما دونه الصابئ أبو إسحاق فـي التاجي فما وجدت هذا الحديث فـيه. قلت: لعله لم يقع إليه، أو لعلعه لم يرد التطويل به، أو لعله لم يستخف ذكر عز الدولة على هذا الوجه…» [١٩].

وليس بخاف على مطلع أن التوحيدي يدرك قبل غيره مغزى تكرار لفظة «لعله» فـي إجابة الوزير، إن الكتاب كتاب إمتاع ومؤانسة، وليس كتاب تاريخ حقيقة أو واقع. والله أعلم، فليس فـي صالح الحضارة العربية الإسلامية أن يساء إلى التوحيدي - أيضاً - كما فعل هو بأغلب معاصريه فهو واحد من أعلامها الكبار.

ونعود إلى ذكر ما جرى فـي الليلة الثامنة والثلاثين من الامتاع والمؤانسة لنطلع على أمور ثلاثة أولها ما يتعلق بسيرة الوزير أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف، وثانيها ما يتصل بأسلوب عضد الدولة البويهي فـي إدارة دفة الحكم، وثالثها منهج أبي حيان التوحيدي فـي السرد وفـي الحكاية، فربما كان من أجود نقلة القصص، ورواة الأخبار، وسرد الحكايات فـي تراثنا العربي، ولن تجد له شبيهاً فـي حسن روايته وقائع مجالس عصره، إذا أخذت بالحسبان أولاً أن الصدق ليس ضرورة، وأن لأبي حيان فـي نثره ما للشاعر فـي شعره من ضرورات. أولها شطحات الخيال، وثانيها القيمة الأهم للانفعال والعاطفة، وثالثها أن النثر عنده كالشعر إذا دخل فـي باب الصدق والخير لان وضعف، وسنثبت رواية النص كما دونها التوحيدي بالتمام ففـي هذا فائدة لأن التوحيدي يكاد يكون من أدباء عضد الدولة البويهي، وشأن غياب فصل يخصه فـي بحثنا الأدب العربي فـي بلاط عضد الدولة كشأن غياب فصل يخص خصمه الصاحب بن عباد، فهما من أدباء البلاط البويهي، وطالما ذكرا مجالس عضد الدولة وما دار فـيها، لكن لا وثائق لدينا تثبت مشاركتهما الشخصية بها، ومع هذا فقد أوردنا ذكرهما مراراً، ويأتي النص التالي أنموذجاً م

فـيداً.

الليلة الثامنة والثلاثون

وجرى ليلة بحضرة الوزير - أعلى الله كلمته، وأدام غبطته، ووالى نعمته - أحق من دعى له، وأشرف من بوهي به، وأكمل من شوهد فـي عصره - حديث ابن يوسف وما هو عليه من غثاثته ورثاثته، وعيارته وخساسته.

فقلت له: عندي حديث، ولاشك أن الوزير مطلع عليه، عارف به.

قال: ماذاك؟ قلت: حدثني أبو علي الحسن بن علي القاضي التنوخي قال: كنت فـي الصحبة إلى همذان سنة تسع وستين، وكنا جماعة وفـينا ابن حرنبار أبو محمد، وكان فـي جنبه ابن يوسف، فاتفق أن عضد الدولة - برد الله مضجعه - قال لابن شاهويه: سر إلى ابن حرنبار وقل له: ينبغي ان تسير إلى البصرة وإنا نجعل لك فـيها معونة، فقد طال مقامك عندنا، وتوالى تبرمنا بك، وتبرمك بنا، وليس لك بحضرتنا ما تحبه وتقترحه، والسلامة لك فـي بعدك عنا قبل أن يفضي ذلك إلى تغيرنا. وكلاماً فـي هذا النوع.

قال: ونفذ أبو بكر ومعه آخر من المجلس يشهد التبليغ والأداء، ويسمع الجواب والابتداء - على رسم كان معهوداً فـي مثل هذا الباب - فلقي ابن حرنبار وشافهه بالرسالة على التمام فقال أبو محمد لما سمع: الأمر للملك، ولا خلاف عليه، ولعمري أن الناس بجدودهم ينالون حظوظهم، وبحظوظهم يستديمون جدودهم، ولو وفّقت ما كان عجيباً، فقد نال من هو أنقص مني، وبلغ المنى من أنا أشرف منه، ولكن المقادير غالبة، وليس للإنسان عنها مرتحل، وقد قيل: من ساور الدهر غلب، ولكن أيها الشيخ لي حاجة: أحب أن تبلغ الملك كلمة عني. قال: هاتها، قال: تقول له: أنا صائر إلى مارسمت، وممتثل ما أمرت، بعد أن تقضى لي وطراً فـي نفسي، قد تقطع عليه نفسي، وذاك أن تتقدم فـيقام عبد العزيز بن يوسف بين اثنين فـيصفعانه مائتين، ويقولان له: إذا لم تبذل جاهك لمتلهف، ولاعندك فرج لمكروب، ولا بر لضعيف، ولا عطاء لسائل، ولا جائزة لشاعر، ولا مرعى لمنتجع، ولا مأوى لضيف، فلم تخاطب بسيدنا، وتقبّل لك اليد، ويقام لك إذا طلعت؟ ؟ قال ابن شاهويه: فقبل أن لقيت الملك أفصح له الذي كان معي مشرفاً علي. فلما دخلت الدار عرف، فقال: عليَّ به، فحضرته وابن يوسف قاعد بين يديه على رسمه. فقال لي: هات ال

جواب عما نفذت فـيه، فقلت: الجواب عندك، فقال: ما أعجب هذا! أنت حملت الرسالة وأطالب غيرك بالجواب؟ قال: فتلويت حياء من ابن يوسف، فقال: هات ياهذا الحديث بفصّه، فوالله لا اقنع إلا به، ما هذا التواني والتكاسل، فكرهت اللجاج، فسردته على وجهه، ولم أغادر منه حرفاً، وابن يوسف يتقدد فـي إهابه، ويتغير وجهه عند كل لفظة تمر به، فأقبل عليه الملك وقال: كيف ترى يا أبا القاسم الكيّس؟ فقال: يامولانا، إنما أنا أقضي الحاجة بك، فإذا لم تقضها كيف أكون؟ فإن الحوائج كلها إليك.

قال: صدقت، أنا لا أقضي حاجة لك، لأنك لاتقصد بها وجه الله، ولا تبغي بها مكرمة، ولا تحفظ بها مروءة، وإنما ترتشي عليها، وتصانع بها، وتجعلني باباً من أبواب تجارتك وأرباحك، ولو كنت أعلم أنك تقضي حاجة لله أو لمكرمة أو لرحمة ورقة لكان ذلك سهلاً علي، وخفـيفاً عندي، لكنك معروف المذهب فـي الطمع والحيلة، وجر الناس إلى قرصك، وشرهك فـي جميع أحوالك، وليس الذنب لك، ولكن لمن رآك إنساناً وأنت كلب.

وصدق - صدق الله قوله - فإنه كان أخس خلق الله، وأنتن الناس، وأقذر الناس، لا منظر ولا مخبر.

وكانت أمه مغنية من أهل البيضاء، وأبوه من أسقاط الناس، ونشأ مع أشكاله، وكان فـي مكتب الربضى على أحوال فاحشة، وورّق زماناً، ثم إن الزمان نوه به، ونبه عليه، ومثل هذا يكون، والأيام ظهور وبطون، وكما يسقط الفاضل إذا عانده الجد، كذلك يرتفع السّاقط إذا ساعده الجد فهذا لهذا [٢٠].

[١] يتيمة الدهر: ٢ / ٣١٢

[٢] المصدر نفسه.

[٣] المصدر نفسه.

[٤] - يتيمة الدهر: ٢ / ٣١٣.

[٥] - يتيمة الدهر: ٢ / ٣٢٢.

[٦] يتمية الدهر: ٢ / ٣٢١.

[٧] يتيمة الدهر: ٢ / ٣١٧.

[٨] المصدر نفسه.

[٩] مثالب الوزيرين: ٢١٥.

[١٠] يتيمة الدهر: ٢ / ٣٢٤

[١١] يتيمة الدهر: ٢ / ٣٢٣.

[١٢] المصدر نفسه.

[١٣] المصدر نفسه.

[١٤] المصدر نفسه.

[١٥] الامتاع والمؤانسة: ٣ / ١٤٧.

[١٦] الامتاع والمؤانسة: ٣ / ١٥٠.

[١٧] مثالب الوزيرين: رسالته إلى قاضي اصفهان بالتبرؤ من ولده - ص ٢٣٧.

[١٨] مثالب الوزيرين: ٢٤٠.

[١٩] الامتاع والمؤانسة: ٣ / ١٥٩.

[٢٠] الامتاع والمؤانسة: ٣ / ١٤٧.



[ Web design by Abadis ]