ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 أبو إسحاق الصابئ

هو إبراهيم بن هلال بن هرون الصابئ الحراني توفـي سنة ٣٨٤هـ، وعاش إحدى وتسعين سنة قمرية، خدم فـي بلاط الدولة البويهية منذ وصولها بغداد، وكان قريباً من العباسيين والبويهيين والأشراف، حسن الصلة بمجتمع بغداد عامته، وخاصته تقلد أعمالاً جليلة عند الخلفاء والملوك والوزراء، منها ديوان الرسائل، ومات دون أن يدخل الإسلام، وقد طلب منه هذا كل من عمل عندهم، ويقال إن عز الدولة بختيار عرض عليه الوزارة إن أسلم، له إسهام كبير ومتقدم فـي صناعة الكتابة، وشعره كثير أيضاً مدح فـيه خاصة القوم، ومدحه الشعراء وسار ذكره فـي الآفاق، وكان الصاحب ابن عباد يقول: «كتاب الدنيا وبلغاء العصر أربعة: الأستاذ ابن العميد، وأبو القاسم عبد العزيز بن يوسف، وأبو إسحاق الصابئ، ولو شئت لذكرت الرابع، يعني نفسه» [١]. اعتقل أكثر من مرة ودخل السجن.

عمل الصابئ فـي ديوان الخلافة، وفـي ديوان الوزارة، وكان الوزير أبو محمد الحسن ابن محمد المهلبي، وزير معز الدولة ٣٣٩ - ٣٥٢هـ «لا يرى إلا به الدنيا، ويحن إلى براعته وتقدم قدمه، ويصطفـيه لنفسه ويستدعيه فـي أوقات أنسه، فلما توفـي المهلبي وأبو إسحاق يلي ديوان الرسائل والخلافة مع ديوان الوزارة، اعتقل فـي جملة عمال المهلبي» [٢]. وقال فـي ذلك الاعتقال قصيدة يذكر فـيها إسهامه فـي خدمة السلطان، وحسن تأليفه الكتب والرسائل العديدة البديعة، ويطلب العفو مشيراً إلى الهوان الذي لقيه، وإلى هوان العمل عند السلطان، يقول فـي بعض أبياتها:

أوفت رسائله على التعديد

يا أيها الرؤساء دعوة خادم

حبسي وطول تهددي ووعيدي

أيجوز فـي حكم المروءة عندكم

أعدلت فـي لفظي عن التسديد

قلدت ديوان الرسائل فانظروا

بفصول در عندكم منضود

أنسيتم كتباً شحنت فصولها

عبد الحميد بهن غير حميد

ورسائلاً نفذت إلى أطرافكم

هز النديم سماع ضرب العود

يهتز سامعهن من طرب كما

بسلاسل وجوامع وقيود

أنا بين إخوان لنا قد أوثقوا

عفواً قديم حفائظ وحقود

فتفضلوا وتعطفوا وهبوا لنا

عـاريـة لـيـسـت بـذات خلود [٣]

وتعـلـمـوا أن الـولايـة عـنـدكـم

ويخرج الصابئ من السجن ليعود إلى العمل فـي بلاط الخليفة الطائع، والملك عز الدولة بختيار، ويلقي فـي فنائهما كل اطمئنان وتقدير، ويبدع فـي رحابهما أبلغ الرسائل، وأبرع الكتب، نتخيّر منها الكتاب الذي طلب منه بختيار عز الدولة أن يسطرّه فـي الشفاعة إلى ابن عمه مؤيد الدولة لما قبض الأخير على ابن العميد، وهذا نصه:

«…… وهذا غلام أفسدته سجيّة ركن الدولة الشريفة فـي شدة الاحتمال، والصبر على الإذلال. واجتمع له إلى ذلك التقلب فـي نعمة حازها حيازة وارث لها لم يكدح فـي تأثيلها، ولامسّه النصب فـي تثميرها. ولا اهتدى إلى طريق استيفائها، ولا تحزّن من طرق دواعي انتقالها، ومن ألزم اللوازم فـي حكم الرعاية أن نحفظه من سكر نعمة نحن سقيناه بكأسها، وأن نعذره عند هفوة قد شاركناه فـي إيجاد أسبابها…… وأن يتحدث الناس بأن سيدي الأمير أصاب غرض الحزم بالقبض عليه، ثم طبق مفصل الكرم فـي التجاوز عنه» [٤].

وهذه الرسائل تدل على منـزلة أبي إسحاق الصابئ فـي النثر الفني فـي العصر العباسي، وعلى تقدم الصابئ فـي هذا الفن، وامتلاكه ناصيته بقوة وسلاسة، وبطبع وصنعة فـي وقت واحد، وقد تميّز نثره بالبلاغة والإيجاز وبالموازنة بين اللفظ والمعنى فـي وقت بدأ أعلام النثر الفني يتهالكون على اللفظ ويجعلونه مقدما على المعنى على نحو ما نجد عند معاصريه من أمثال الصاحب بن عباد، وأبي بكر الخوارزمي، وبديع الزمان الهمذاني، وقابوس بن وشمكير. ولعل النص التالي يسهم فـي تأكيد هذا، فقد ورد من قبل ذكر الخلاف الذي فتت فـي عضد الدولة البويهية، وكان الشرارة الأولى فـي موقد الفتن بين أفرادها، إنه الخلاف بين عز الدولة وابن عمه عضد الدولة، وحين يطلب عز الدولة من الصابئ إنشاء كتاب منه فـي هذا الأمر الجلل إلى عضد الدولة يحثه فـيه على تجاوز الخلاف ويبيّن فـيه ضرورة الوفاق فـي وقت ازداد فـيه أعداء البويهيين عدداً وعدة، يبدع الصابئ كتاباً طويلاً فـي محتواه غزيراً فـي معناه، قصيراً فـي لفظه موجزاً فـي مبناه هو التالي:

«وإن من أعظم محن هذا البيت أن تزول منابت فروعه عن منابت أصوله، وأن تؤتى مراسي أوتاده من ذوائب عروشه، وأن تدب بينهم عقارب المشاحنة، وتسري إليهم أراقم المناقشة، وتنبث الدواهي فـيهم من ذاتهم، وقد كانت محسومة من أضدادهم وعداتهم» [٥].

ويظهر من هذا التعبير الجميل أن الصابئ لم يكن يصدر فـيه عن موهبة فنية وحسب، ولا عن اقتدار وافتنان كبيرين فـي ميدان الصنعة وحدها، وإنما كان يصدر عن وفاء عميق، وولاء كبير، ونيّة لا نظير لها فـي الصفاء والإخلاص والمحبة للدولة البويهية، بما يفوق ما يقابله عند البويهيين أنفسهم، فأنت تنظر إلى هذا الأسلوب الجميل الذي يكاد جماله يصرفك عن أسباب جلالة معناه الهادف إلى دفع الفتنة، وحقن الدماء بين أفراد الأسرة الواحدة، والذي ستكون نتائجه وبالاً على العامة والخاصة فـي المجتمع الإسلامي سواء فـي العراق أو فارس، ولا يمكن أن يكتب الصابئ مثل هذه الكتب دون أن يكون معناها أو غرضها عميقاً فـي ذاته، جليلاً فـي نفسه، ونجده يكتب عن بختيار فـي ذكر خصامه مع عضد الدولة كتاباً لابد أنه شريك فـي المشاعر والأحاسيس التي يصدر عنها كتاب بختيار، وهذا سرّ من إسرار الإبداع حيث الصدق قرين الجمال، كتب الصابئ عن بختيار إلى عضد الدولة:

«والله عالم أني مع ما عودنيه الله من الإظهار، وأوجدنيه من الاستظهار ومنحنيه من شرف المكان، وظل السلطان وكثرة الأعوان، لأجزع فـي مناضلة عضد الدولة من أن أصيب الغرض منه، كما أجزع من أن يصيب الغرض مني، وأكره أن أظفر به كما أكره أن يظفر بي، وأشفق من أن أطرف عيني بيدي، وأعض لحمي بنابي» [٦].

وبعد أن هزم عضد الدولة عز الدولة، ودخل بغداد، فعل بأبي إسحاق الصابي كما فعل بأبي أحمد الموسوي والد الشريف الرضي، إذا قربه منه واعتمد عليه، ثم أدخله السجن.

افتن الصابئ فـي ميادين الشعر والنثر فـي بلاط عضد الدولة البويهي، وقدم نصوصاً جميلة فـي الشعر والنثر، وكان مقدما عند الخليفة والملك ووزرائه، وأعجب الناس بأدبه وبحسن تصرفه فنال احترامهم وتقديرهم على الرغم من أنه أصرّ على ألا يدخل الإسلام، ولم تكن محبة الناس للصابىء دون أسباب، ولعل فـي طليعة هذه الأسباب دماثته وأدبه وحسن سيرته…… إضافة إلى عدد من الصفات الحميدة والخصال الكريمة ستظهر فـي ذكر مراثي الشعراء له. وهذه المحبة التي نال الصابئ إجماع الناس عليها لم تجعله بمنأى عن دخول السجن مرتين على الأقل، لكن سجنه كان لا يتعلق بأسباب تعود إليه، وإنما لأسباب تتعلق باضطراب السلطة وبتقلب أهواء السلاطين.

فقد مدح الصابئ أعيان عصره، وحظي بتقدير أهل العلم جميعهم فاتفقوا على الإقرار بفضله وبعلمه وبأدبه، يذكر أبو حيان التوحيدي ما دار فـي أحد هذه المجالس التي حضرها وقد غصّت بأعلام الدنيا وبنود الآفاق فجرى حديث أبي إسحاق الصابئ فقال ذو الكفايتين ابن الوزير ابن العميد:

«ذاك رجل له فـي كل طراز نسج، وفـي كل فضاء رهج، وفـي كل فلاة ركب، ومن كل غمامة سكب، الكتابة تدعيه بأكثر مما يدعيها، والبلاغة تتحلى به بأكثر مما يتحلى هو بها، ما أحلى قوله:

طيباً تخال به فـي البيت عطارا

حمراء مصفرّة الأحشاء باعثةً

قين يضرم فـي أوراقه النارا

كأن فـي وسطها تبراً يخلصه

وقوله:

وذراعها بالقرص والإثار

مازلت فـي سكري ألمّع كفها

غرز البنفسج منه فـي الجمار

حتى تركت أديمها وكأنما

وبلغ المجلس أبا إسحاق فحضر وشكر، وطوى ونشر، وأورد وصدر، وكان كاتب زمانه لساناً وقلما وشمائل، وكان له مع ذلك يد طولى فـي العلم الرياضي» [٧].

وأغلب الظن أن هذا الوصف البليغ، والبيان الحسن الذي دبجه التوحيدي على لسان ذي الكفايتين، هو من إحسان أبي حيان من جهة أسلوب التعبير لأن أبا حيان يذكر مرة أخرى فـي كتابه الإمتاع والمؤانسة فضل علم الصابئ وبراعة أدبه وأسلوبه، كما يشيد بأخلاقه وطبائعه وسجاياه ومثله، وهذا نادراً ما نجده عند التوحيدي، فقد كان مغرماً بثلب معاصريه، انتقاده لاذع، ولسانه ذرب سليط، لكن فضل الصابئ مجمع عليه، وفـيه يقول أبو حيان:

«فأما أبو إسحاق فإنه أحب الناس للطريقة المستقيمة، وأمضاهم على المحجة الوسطى، وإنما ينقم عليه قلةُ نصيبه من النحو؛ وليس ابن عباد فـي النحو بذاك، ولا كان أيضاً ابن العميد إلا ضعيفاً؛ وكان يذهب عنه الشيء اليسير. وأبو إسحاق معانيه فلسفـية، وطباعه عراقية، وعاداته محمودة، لا يثب ولا يرسب، ولا يكل ولا يكهم، ولا يلتفت وهو متوجّه، ولا يتوجه وهو متلفت» [٨].

دخل عضد الدولة بغداد وذكر الصابئ كان قد ملأ الآفاق ولاسيما أن صيته كان قد ذاع من خلال عمله عند عمه معز الدولة، وابن عمه وعدوه عز الدولة، وعند الوزير المهلبي…… فاستكتب عضد الدولة البويهي الصابئ وجعله من جملة المقربين إليه، وبدأ الصابئ ينشىء الكتب المنمقة، وينظم القصائد الجميلة فـي مدحه وتقريظه، ويبدو أنه كان قد أنشأ ما هو أفضل منها وأبدع فـي بلاط خصمه عز الدولة، ولعل مبالغات الصابئ فـي تفخيم منزلة عز الدولة، وحسن اختياره المعاني والألفاظ فـي النثر والنظم هو ما أثار حفـيظة عضد الدولة، فأضمر هذا فـي نفسه دون أن يستطيع تحمله طويلاً. على الرغم من أن الصابئ كما سيتضح لم يكن فاتر الهمة، بارد القريحة فـي مجالس عضد الدولة، فمن الكتب البديعة الكثيرة التي كتبها إليه نتخير كتاباً كتبه إليه فـي التهنئة بتحويل سنة، وفـيه يحافظ على أسلوبه المعهود سابقاً من حيث البنية ومن حيث المعنى، يقول الصابئ:

«أسأل الله تعالى مبتهلاً لديه، ماداً يدي إليه، أن يحيل على مولانا هذه السنة وما يتلوها من أخواتها بالصالحات الباقيات وبالزائدات الغامرات، ليكون كل دهر يستقبله وأمد يستأنفه موفـياً على المتقدم له، قاصراً عن المتأخر عنه، ويوفـيه من العمر أطوله وأبعده ومن العيش أعذبه وأرغده، عزيزاً منصوراً محمياً موفوراً باسطاً يده، فلا يقبضها إلا على نواصي أعداء وحساد، سامياً طرفه، فلا يغضه إلاّ على لذة غمض ورقاد، مستريحة ركابه فلا يعملها إلا لاستضافة عز وملك، فائزة قداحه فلا يجيلها إلا لحيازة مال وملك، حتى ينال أقصى ما تتوجه إليه أمنيته جامحاً، وتسمو له همته طامحاً» [٩].

وإبداع الصابئ النثري فـي بلاط عضد الدولة ثر، وكتبه إليه عديدة لعل من أهمهما ما طلبه عضد الدولة من تأليف لكتاب فـي أخبار الدولة البويهية، إضافة إلى أن شعره فـيه غزير أيضاً قبل السجن وفـيه، وكان ينظم قصائد أو مقطعات فـي مناسبات متنوعة يتوجه من خلالها إليه بالمديح منها ما هو فـي العيد، أو الصيام، أو المهرجان…… أو ما هو فـي أمور الحياة اليومية، فمن المعروف عن عضد الدولة اهتمامه بالعلوم جميعها ومنها الفلك والهندسة، وعلى ما يبدو فقد كان الصابئ على دراية واهتمام بها، فـيذكر ياقوت الحموي اهتمامه بالعلوم الأخرى، إذ اتصل فـي مطلع حياته بأصحاب الثقافة الفلسفـية، ويروي بعضهم أنه بدأ أمره بدراسة الطب ثم انصرف عنه إلى الأدب والكتابة [١٠]، فمرة اغتنم يوم المهرجان ليهنأ عضد الدولة ويهديه فـي المناسبة نفسها اصطرلاباً، فكتب يقول:

فـي مهرجان جديد أنت مبليه

أهدى إليك بنو الآمال واحتفلوا

علو قدرك عن شيء يداينه

لكن عبدك إبراهيم حين رأى

أهدى لك الفلك الأعلى بما فـيه [١١]

لم يرض بالأرض مهداة إليك فقد

وكذلك مرة كتب إليه مع زيج أهداه [١٢]. وصنّف الصابئ رسالة فـي الهندسة من استخراجه فأهداها إلى عضد الدولة فـي يوم النيروز وكتب معها خمسة أبيات من الشعر، يبيّن رابعها قيمة العلوم التطبيقية فـي بلاط عضد الدولة:

وبين مليك العرش مثل يقارنه

أيا ملك الأرض الذي ليس بينه

تروق العيون الناظرات محاسنه

رأيت ذوي الآمال أهدوا لك الذي

له منك إلا لحظ طرف يعانيه

وحولك خزان يحوزونه وما

يروق العقول الباحثات بواطنه

ولكنني أهديت علماً مهذباً

فليس سوى تامور قلبك خازنه [١٣]

وخير هدايانا الذي إن قبلته

ومدائح الصابئ كثيرة فـي عضد الدولة وهي من عيون الشعر، يسير فـيها الشاعر عن السنن المألوف فـي معاني المدح، لكنه يضيف جديداً يتصل بطبيعة الممدوح وبنـزوعه نحو مدّ سلطانه إلى أفسح الأرجاء، وبتطلعه أبداً إلى الغلبة، وإلى المجد فـي السياسة والأدب والعلم والدين، وأبيات القصيدة التالية هي فـي التهنئة بعيد الفطر سكب الشاعر معانيها وألفاظها بقوة ودقة وسلاسة فـي وقت واحد، وأفاد من المنطق والجدل والفلك ووفق بين عدد من الثنائيات بطبع وصنعة، مثل الفطر والصوم، النسك والرغد، الحاضر والماضي، المد والحدّ…. الخ، فقال:

وفوه من كل هجر صائم أبداً

يا ماجداً يده بالجود مفطرة

نسكاً ووفـيته من شهره العددا

اسعد بصومك إذ قضيت واجبه

واستقبل العيش فـي إفطاره رغدا

واسحب بذا العيد أذيالاً مجددة

عينا ومنتظر يفضي إليك غدا

وانعم بيومك من ماضٍ قررت به

طودا ونل منهما الحد الذي بعدا

وفز بعمرك ممدوداً وملكك مو

يمناك مملوءة أرجاؤها رشدا

حتى ترى كرة الأرض البسيطة فـي

أوطار نفسك لا يألوك مجتهدا [١٤]

وحولك الفلك الدوار متبعاً

لكن أيام الصفاء بين الرجلين لم تطل، إذ نكب عضد الدولة بالأديب الكبير، واعتقله وسجنه، وأمر بأن يلقى تحت أرجل الفـيلة فبادر بعض المقربين إلى عضد الدولة من الكتاب والوزراء إلى طلب الشفاعة منه «وأكبوا على الأرض يقبلونها بين يديه، ويستشفعون إليه فـي أمره، ويتلطفون فـي استيهاب دمه، إلى أن أمر باستحيائه مع القبض عليه وعلى أشيائه واستئصال أمواله، فبقى فـي ذلك الاعتقال بضع سنين إلى ان تخلص فـي آخر أيام عضد الدولة» [١٥]. وأسباب هذا غير معروفة بدقة، وإن كان الثعالبي قد ذكر منها اثنين نذكرهما نصاً للفائدة من الاطلاع على أدب الثعالبي وهو من كبار الأدباء والمؤلفـين فـي الدولة البويهية «٣٥٠ - ٤٢٩هـ» [١٦].

١ - إنشاءات له عن الخليفة الطائع فـي شأن عز الدولة بختيار «عدّوه» نقمها منه، واحتقدها عليه.

٢ - كان عضد الدولة قد «أمر أبا إسحاق بتأليف كتاب فـي أخبار الدولة الديلمية، يشتمل على ذكر قديمه وحديثه، وشرح سيره وحروبه وفتوحه، فامتثل أمره، وافتتح كتابه المترجم بالتاجي الذي تقدم ذكره، فاشتغل فـي منـزله به، وأخذ يتأنق فـي تصنيفه وترصيفه، وينفق من روحه على تقريظه وتشنيفه. فرفع إلى عضد الدولة أن صديقاً للصابىء دخل عليه يوماً فرآه فـي شغله الشاغل من التعليق والتسويد والتبديل والتبييض، فسأله عما يعمله من ذلك فقال: أباطيل أنمّقها وأكاذيب ألفقها، فانضاف تأثيره هذه الكلمة فـي قلب عضد الدولة إلى ما كان فـي قلبه من أبي إسحاق، وحرّك من ضغنه الساكن، وأثار من سخطه الكامن فأمر بأن يلقى تحت أرجل الفـيلة» [١٧].

وأما كتاب التاجي فمفقود، وقد ذكره أغلب مصنفـي العصر، وفـي عام ١٩٧٧ قام محمد حسن الزبيدي بنشر صفحات منه وصلت إليه، ووضع عنواناً لما نشره فـي بغداد - مجلة مجمع اللغة العربية - هو: «المنتزع من كتاب التاجي».

ولا يمكن الاطمئنان إلى أن ما ذكره الثعالبي كافٍ ليكون أساساً لنكبة الصابئ، فمن غير المعقول ألاّ يتنبه الصابئ إلى خطورة السبب الثاني فـيصّرح بشتم البويهيين ويصف تأريخه لهم بالتلفـيق والبطلان، كما أنه من غير المعقول ألا يقدّر عضد الدولة أن كتب الصابئ فـي عز الدولة بما فـيها من اجتهاد فـي المدح، وحسن فـي التعبير هي مهنة وعلى صانعها أن يتقنها، ولاسيما أن الثعالبي يذكر كتاباً من كتب الصابئ فـي عز الدولة، والتي أغضبت عضد الدولة فـيما بعد هذا الكتاب هو ما أنشأه الصابئ عن الخليفة فـي شأن عز الدولة، ونصّه التالي:

«…… وقد جدد له أمير المؤمنين مع هذه المساعي السوابق، والمعالي السوامق التي تلزم كل دانٍ وقاصٍ، وعام وخاص. أن يعرف له حق ما كرم به منها ويتزحزح عن رتبة المماثلة فـيها» [١٨].

إذن لابد أن تكون هناك أسباب أخرى إضافة إلى ما ذكره قد تكون تتصل بالميل إلى مصادرة أملاك الآخرين ولاسيما من كبار الكتاب وهذا ما كان شائعاً يومها، وهذا ما يذكرنا أيضاً بنكبة أبي أحمد الموسوي والد الشاعر الشريف الرضي وقد يكون هناك صلة بين اعتقال عضد الدولة كل من الرجلين، ولاسيما أنهما اعتقلا فـي فترتين متقاربتين، كما أن العلاقات بينهما كانت متميزة قبل أن يدخل عضد الدولة بغداد، أي مع خصمه، ونجد صدى لعمق العلاقة بين الرجلين فـي ديوان شعر الشريف الرضي حيث قصائد المدح الطويلة المتبادلة بين الصابئ والرضي، فمن الممكن ألاّ يكون دخول عضد الدولة بغداد قد لقى البشر والراحة فـي نفوس عدد من الأعيان فـي السياسة والأدب والأسر، ومن المستقر أن دخوله بغداد أقلق الأسرة البويهية، وأشعل فـيها نار الحقد والضغائن والاقتتال المستمر حتى نهايتها، وحبذا لو اكتفى بما رسمه له ولأترابه قادة الدولة الأوائل، فقد يكون هذا خيراً للبويهيين وللمجتمعات العربية والإسلامية فـي العراق وفارس، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن ما سبق ذكره يثير أهمية البحث فـي الفرق بين مجالس عضد الدولة الأدبية بين فارس وبغداد، وهذا أمر مهم ولا متسع له الآن.

وخرج الصابئ من السجن، لكن لا نعرف إذا كان هذا فـي آخر أيام عضد الدولة أم قبيل ذلك بقليل، ولا يمكن أن نميّز بين مدحيات الصابئ هل هي قبل دخوله السجن أما بعد خروجه منه، إلا أن الأيام لم تمهل عضد الدولة بعد خروج الصابئ من السجن فمن المعروف أن الأجل وافاه سنة ٣٧٢هـ، وامتد العمر بالصابئ حتى سنة ٣٨٤هـ. لكننا نجد شعراً جميلاً للصابىء فـي مدح عضد الدولة يبعث به إليه من السجن، ومعه بعض الهدايا المناسبة لواقع الحال، ويبدو أن هذا كان للاستعطاف، وإن كنا لانجد فـيه إلحاحاً على الطلب، وإنما ذكراً لضيق الحال، يقوم على حسن الحيلة، وسلامة الذوق، مما أسفر عن إطلاق سراح الصابئ، فـي حين امتد سجن أبي أحمد الموسوي إلى ما بعد وفاة عضد الدولة، فـي وقت لم يستكن فـيه الشريف الرضي ولم يهدأ له بال إذا استمر فـي تقريع وزير عضد الدولة، مشيراً إلى ظلم عضد الدولة وعسفه، لقد التمس الصابئ لمشكلته حلولا لطيفة منها على سبيل المثال إهداء درهمين مع ثلاثة أبيات من الشعر إلى عضد الدولة، مع التفاتة جد ذكية حين تخيّر كتاباً أرفقه مع الهدية وهو كتاب المسالك والممالك لأبي إسحاق الإصطخري، والكتاب فـي غاية الأهمية فـي منهجه ومادته، فهو يكاد يكون أول كتا

ب واسع فـي علم الجغرافـية فـي الحضارة العربية الإسلامية، ومؤلفه معاصر للصابىء وعضد الدولة وفـيه يقدم المؤلف معلومات غنية عن بلاد فارس بما فـيها من حدود ومدن وقرى وحصون وقلاع وزراعة وصناعة وتجارة وسكان وأجناس الخ، وقد بدأ الإصطخري فـي تأليف كتابه مع إشراق فجر الدولة البويهية واستمر يضيف إليه حتى مطلع العقد الخامس من القرن الرابع الهجري، ولابد أن هكذا كتاب يلقى اهتمام عضد الدولة فبعث به الصابئ على أنه هدية ثمينة بحسب قدر الممدوح، وأما الدرهمان فهما بحسب حال المادح الذي قال:

لي فـي الخصاصة درهمين

أهدي إليك بحسب حا

ـن هما جميع الخافقين

وبحسب قدرك دفتريـ

ـت بيان ذاك بلحظ عين [١٩]

فإذا فتحتهما رأيـ

كما ينقل إلينا صاحب اليتيمة قصيدة أخرى تقع فـي ستة عشر بيتاً أرسل بها الصابئ من الحبس إلى عضد الدولة مع درهم وجزء من كتاب، مطلعها:

وأَنشرْ بخيرٍ واطّراد سعود [٢٠]

تَصبّحْ بعز واعتلاء جدودِ

وللصابىء شعر كثير حسن فـي الشكوى من الحبس أرسله إلى أصدقائه من مثقفـي عصره، ولا نعرف إذا كان هذا الشعر فـي الفترة التي حبسه فـيها عضد الدولة أم كان قبلها، وهو فـي هذا الشعر يندب حظه ويذكر قسوة حياته، ويشير فـي بعض منه إلى الظلم الذي أصابه، وإلى الجور والغدر اللذين حلاّ به، وعلى الرغم مما فـي هذا الشعر من عذوبة ورقة وجمال، فإنه لا يرقي إلى المنـزلة التي وصل إليها شعر السجن فـي الأدب العربي القديم ولاسيما عند الشعراء الفحول من أمثال أبي فراس الحمداني فـي رومياته، يقول الصابئ وقد أجاد:

فأسهله ما جاء والعيش أنكد

إذا لم يكن للمرء بدّ من الردى

تطيف به اللذات والحظ مسعد

وأصعبه ما جاءه وهو راتع

فإني إلى خير المماتين أقصد

فإن أك شر العيشتين أعيشها

إذا كان غباً واحداً لهما الغد [٢١]

وسيّان يوماً شقوة وسعادة

لقد كانت حياة الصابئ فـي بلاط عضد الدولة ببغداد قاسية، مرّة وأيام الصفاء فـيها يسيرة قصيرة، يذكر الصابئ فـي إحدى قصائده إلى عضد الدولة سنوات الضنك الأربع التي قضاها فـي فترة حكمه بغداد، وهي الفترة التي تمتد بين سنة ٣٦٧ و ٣٧٢هـ، وإذا كان الصابئ قد ولد فـي العقد الأخير من القرن الثالث للهجرة فإن دخوله سجن عضد الدولة يكون مع تجاوزه السبعين من عمره. ومما سبق يظهر أن السنوات التي قضاها الصابئ فـي السجن هي بين ٣٦٧ - ٣٧١، ويبين ياقوت هذا فـيقول: بقي فـي السجن بضع سنين إلى أن تخلص منه عام ٣٧١هـ [٢٢]. لأنه خرج من السجن فـي حياة عضد الدولة المتوفى سنة ٣٧٢هـ. يقول الصابئ فـي ختام قصيدته تلك مستنجزاً عفواً ومغفرة، وعاقداً النية على الولاء والطاعة:

فإن جياد الخيل تعثر إذ تخدي

فلا تبعدني عنك من أجل عثرة

إذا لعمَمْتَ الناس بالنفـي والطرد

ولو كنت تنفـي كل من جاء مخطئاً

لها أربع كالسلك سلّ من العقد

توالت سني أربع ومدامعي

حيام العطاش الناظرات إلى الورد

أحوم إلى رؤياك كيما أنالها

إليه أما تشتاق يوماً إلى العبد

فـيا أيها المولى الذي اشتاق عبده

فبلغه فـيما قبلها رتبة الوعد

فإن كان لم يبلغ إلى رتبة الرضا

وتخفـيف ما يلقى من البؤس والجهد

ومر أمرك العالي بتغيير حاله

فـيغدو بوجه أبيض بعد مسود

لعلك ترضى عودة بعد بدأةٍ

تزايد بعد الجبر شدة مشتد [٢٣]

فقد يجبر العظم الكسير وربما

والقصيدة طويلة، وكما يظهر تتحقق فـيها وظيفة الفن الجمالية، كما تتحقق فـيها الوظيفة المعرفة، وهذه سمة أدب الصابئ فـي شعره وفـي نثره حيث تقترن القيمة البلاغية للنص الأدبي بالقيمة الإبلاغية، ويضاف إلى هذا غزارة الإنتاج وتنوعه، فنجد له نصوصاً أدبية كثيرة شعراً ونثراً تتصل بعلاقاته بوزراء البويهيين وبأدباء عصرهم، وهي جديرة بالاهتمام، ولعل علاقة الصابئ بالرضي هي من أهم علاقات الصابئ بمحيطه العام، ويظهر هذا من القصائد الحسنة الطوال المتبادلة بين الرجلين والموجودة فـي ديوان شعر الشريف الرضي [٢٤]، ومن الرسائل البليغة المتبادلة بينهما، وقد تم جمعها وتحقيقها وطباعتها بعنوان «رسائل الصابئ والشريف الرضي» [٢٥]، وهي جميعها تشير إلى أواصر الود والأدب والثقة والمحنة، وسراب الوعد، وألم الواقع جرّاء دخول عضد الدولة بغداد، حيث صارت آمال الرضي سراباً، وحياة الصابئ حبساً، فتجرعاً كأسس المرارة وتبادل الوعود والآمال «وكان أبو إسحاق على علم بما يجول فـي نفس الرضي من مطامع وأهواء وآمال، فكان يمنيه ويؤمله بقرب نيل المراد فـيسعد الرضي، وتعصف الحماسة فـي نفسه فـيستعد للمعالي ويعد الصابئ بأن حين يصل إلى ما يصبو إليه فإنه لن ينساه وسيرفع

م

ن منـزلته وقدره» [٢٦].

ففـي يوم من الأيام كتب الصابئ إلى الرضي مقطوعة مطلعها:

تعودت منها أن تقول فتصدقا

أبا حسن لي فـي الرجال فراسة

سترقى من العلياء أبعد مرتقى [٢٧]

وقد خبرتني عنك أنك ماجد

وطالما سلك الصابئ السبيل نفسه على الرغم من الفرق فـي السن بين الرجلين فحين ولد الرضي كان الصابئ قد شارف على السبعين من العمر، لكن الرضي سرعان ما اشتد ساعده وقوي عوده فـي الحياة وفـي الأدب. وحين وصلت الأبيات إلى الرضي أجاب الصابئ بقصيدة جميلة يقول فـي بعض أبياتها مخاطباً الصابئ:

يسرّك محصوراً ويرضيك مطلقا

فإن راشني دهري أكن لك بازياً

بصفقة راضٍ إن غنيت وأملقا [٢٨]

أشاطرك العز الذي أستفـيده

ولا تحقق الأيام للرجلين مطامحهما، فـيخرج الصابئ من السجن منهكاً وبعدها بقليل يتوفى عضد الدولة سنة ٣٧٢هـ، ويمتد العمر عجزاً وضعفاً بالصابئ حتى سنة ٣٨٤هـ فـيوافـيه الأجل ويحزن الرضي عليه حزناً شديداً، وينظم فـي رثائه قصيدة هي من غرر قصائده الجميلة تزيد عن ثمانين بيتاً ملأى بالحزن والأسى وبوصف الخطب العظيم والحدث الجلل، وبذكر مآثر فقيد الفصاحة والبلاغة والبيان، يقول فـيها:

أرأيت كيف خبا ضياء النادي

أعلمت من حملوا على الأعواد

من وقعه متتابع الإزباد

جبل هوى لو خر فـي البحر اغتدى

وعدت على ذاك الجلال عوادي

طاحت بتلك المكرمات طوائح

ذاك الغمام وعبّ ذاك الوادي

من للبلاغة والفصاحة إن همى

بظباً من القول البليغ حداد

من للملوك يحزّ فـي أعناقها

فلأنت أعلقهم يداً بودادي [٢٩]

إن لم تكنْ من أسرتي وعشيرتي

ويتضح من البيت الأخير عمق الصلة بين الرجلين، حتى أن بعض معاصري الرضي لامه على هذا الرثاء المفجع لرجل غير مسلم، فأجاب: إنما أرثي قيمه وسجاياه وفضله، ولذلك أعاد رثاءه بعد سنة حين مر يوماً بقبره وهو بالجنينة من أرض كرخايا بقصيدة طويلة جميلة مطلعها:

أقمنا به نبغي الندى والمعاليا [٣٠]

أيعلم قبر بالجنينة أننا

ويمثّل الصابئ صورة مشرقة للثقافة الإنسانية والموسوعية فـي الحضارة العربية الإسلامية إبان القرن الرابع الهجري، وفـي بلاط البويهيين، وفـي رحاب بلاط عضد الدولة البويهي، فعلى الرغم من مرارة معاناتة فـي الحبس، إلا أنه استمر يقدم أجمل نصوص الأدب شعراً ونثراً، وتوضح نصوص أدبه النزوع الإنساني فـي الحضارة العربية الإسلامية حيث قامت الصلات بين الأجناس والأديان العديدة المتنوعة على التسامح والمحبة والسلام، فهو الصابئ الذي يتبادل المودة والوفاء مع العرب والمسلمين والفرس والنصارى والصابئة…… إلخ، ويذكر ياقوت صلات الصابئ بكبار عصره من الأدباء والعلماء والسياسيين على اختلاف دينهم وجنسهم، فهم متوادون متحابون «مع اختلاف الملل، وتباين النحل، وإنما كان ينظمهم سلك الأدب مع تبدد الدين والنسب» [٣١]، ويظهر سمو القيم والمثل فـي إطار من التعدد والتنوع والتوحد فـي نص شعري جميل نظمه فـي الغزل يذكر فـيه اتفاق المسلمين والنصارى واليهود والمجوس والصابئون فـي قيمة جمال المتغزل به، وينقل نص الصابئ التالي إلينا جماليات الحياة حين يسود الحب بين أبناء البشر جميعاً فـيعبر الشاعر بحرية عن معتقدات هؤلاء وحالهم فـي معرض الحب والخير والجمال فـيذك

ر التوحيد والتثليث والنور والظلام والأفلاك والركوع والسجود، ويقول:

للدين منه فـيك أعدل شاهد

كل الورى من مسلم ومعاهد

حور الجنان لدى النعيم الخالد

فإذا رآك المسلمون تيقنوا

تعطو ببدر فوق غصن مائد

وإذا رأى منك النصارى ظبيةً

بك إذا جمعت ثلاثة فـي واحد

أثنوا على تثليثهم واستشهدوا

قالوا لدافع دينهم والجاحد

وإذا اليهود رأوا جبينك لامعا

لكليمه موسى النبي العابد

هذا سنا الرحمن حين أبانه

مسود فرع كالظلام الراكد

وترى المجوس ضياء وجهك فوقه

حجج أعدوها لكل معاند

فتقوم بين ظلام ذاك ونور ذا

من راكع عند الظلام وساجد

أصبحت شمسهم فكم لك فـيهم

فـي الحسن إقراراً لفردٍ ماجد

والصابئون يرون أنك مفرد

مسعودة بالمشتري وعطارد

كالزهرة الزهراء أنت لديهم

فـي الدين من غاوي السبيل وراشد

فعلى يديك جميعهم مستبصر

من بينهم أسعى بدين فاسد [٣٢]

أصلحتهم وفتنتني وتركتني

وما وصل إلينا من شعر الصابئ يبيّن أن الشاعر لم يتقيد بالبنية التقليدية للقصيدة العربية بما فـيها من مقدمة ورحلة وغرض، على الرغم من وجود قصائد طويلة فـي شعره، فقد كان يطرق الغرض من شعره منذ البيت الأول، دون مقدمة تقليدية، ويتميز شعره بالعذوبة وبالسلاسة وبصدوره عن طبع سمح، ونفس طويل، ولغة تقريرة واضحة لاتعقيد ولا إغراب فـيها، وكذلك لغة نثره، وهو لا يتصّنع ولايزخرف ولا يلهو بالمحسنات البديعية.

وقد أكثر من شعره من النظم على المجزوء، ومن استخدام الأوزان القصيرة، وهذا يظهر فـي المقطعات أكثر من ظهوره فـي القصائد. ولايمكن أن نعد الصابئ من أعلام الشعر العربي الكبار فـي القرن الرابع الهجري، فلم يكن همه أن يقدم جديداً يميزه فـي هذا الفن الذي أثبت مقدرته وعلو همته فـيه، وعلى ما يبدو فإن الصابئ صرف افتنانه الأدبي صوب فن النثر، هذا الفن الذي لم يكن قدم العهد به كقدم العهد بفن الشعر، واستطاع الصابئ أن يضفـي طابعاً خاصاً على فن النثر، وأن يكن علماً من أعلامه وواحداً من رواده الكبار، وقد يكون لهذا أسباب منها اشتغال الصابئ بالطب والفلسفة والمنطق والهندسة، وهذه أمور تتصل بفن النثر الذي يحاكي نضوج الحياة العقلية، أكثر من اتصالها بفن الشعر الذي يحتاج إلى لغة العواطف والانفعالات، فاشتغال الصابئ بالعلم وبفروعه الكثيرة تطلب منه إتقان التعبير النثري، فكان شعره السمح السهل تعويضاً جمالياً عن الاشتغال بمنطق العلم، ولقسوة حياته وبهجتها فـي الوقت نفسه.

ولم يعن القدامى بشعره عنايتهم بنثره، فالقفطي يجعله من حكمائه فـي كتابه أخبار الحكماء ويذكر أنه «كان عالماً بالهندسة والهيئة والرياضيات» [٣٣]، وياقوت الحموي يقول فـيه إنه «كان أوحد الدنيا فـي إنشاء الرسائل» [٣٤]، وابن الأثير يقدمه فـي كتابه المثل السائر فـي أدب الكاتب والشاعر، ويجعله من أئمة فن النثر فـيقول: «كيف أضع من الصابئ وعلم الكتابة قد رفعه، وهو إمام هذا الفن والواحد فـيه» [٣٥].

وقد عني به عدد من الباحثين المعاصرين فـي معرض عنايتهم بكتاب الدواوين والرسائل، وإن لم نجد من خصه بالتأليف منهم، من بينهم د. شوقي ضيف الذي يعده «من الذين رفعوا الحواجز التي كانت تفصل بين أسلوب الشعر وأسلوب النثر…… فأحالوا نثرهم إلى موسيقى خالصة فكأنه ألحان وأنغام» [٣٦]، والواقع إن كتابات الصابئ ورسائله لم تنل العناية اللازمة، وما ذكره د. شوقي ضيف فـي الفن ومذاهبه كلام جميل يلفت النظر، فـيه كثير من التعميم والبعد عن التحديد والتدقيق، ويمكن أن يرى الباحث فـيها تناقضاً لامخرج منه إلا بالدراسة المفصلة المتأنية يقول د. ضيف فـيه:

«…… يعنى عناية شديدة بانتخاب ألفاظه… وكان لايزال فـي تسويد وتبييض وتنميق حتى تخرج الرسائل مرصعة بكل ما يمكن من حلي ووشي، ولم يكن يأتي بحلي ووشي جديدين، بل كان يخضع فـي ذلك لما اصطلح عليه أصحاب مذهب التصنيع من السجع والتصوير والتجنيس وألوان البديع……» [٣٧].

[١] - يتيمة الدهر: ٢ / ٢٤٥.

[٢] يتيمة الدهر: ٢ / ٢٤٣.

[٣] المصدر نفسه.

[٤] يتيمة الدهر: ٢ / ٢٤٧.

[٥] يتيمة الدهر: ٢ / ٢٥٠.

[٦] يتيمة الدهر: ٢ / ٢٥٢.

[٧] مثالب الوزيرين: ٢٧٣.

[٨] الإمتاع والمؤانسة: ١ / ٦٧.

[٩] يتيمة الدهر: ٢ / ٢٤٦.

[١٠] الحموي - ياقوت، معجم الأدباء: ٢ / ٥٥.

[١١] يتيمة الدهر: ٢ / ٢٧٩…

[١٢] المصدر نفسه.

[١٣] يتيمة الدهر: ٢ / ٢٨٠.

[١٤] - يتيمة الدهر: ٢ / ٢٧٦.

[١٥] يتيمة الدهر: ٢ / ٢٤٤.

[١٦] لأهمية الثعالبي فـيما نقصد إليه يسـتحسن العودة إلى بحث الماجستير الذي قدمه د. حسن أحمد فـي جامعة دمشق بإشراف: أ. د. عبد اللطيف عمران، وعنوانه: «نص الثعالبي بين الإبداع والنقد».

[١٧] يتيمة الدهر: ٢ / ٢٤٤.

[١٨] يتيمة الدهر: ٢ / ٢٤٤.

[١٩] يتيمة الدهر: ٢ / ٢٨٠.

[٢٠] المصدر نفسه.

[٢١] يتيمة الدهر: ٢ / ٢٩٥.

[٢٢] معجم الأدباء: ٢ / ٣٥.

[٢٣] يتيمة الدهر: ٢ / ٢٩٦…

[٢٤] ديوان الشريف الرضي: ١ / ٣٨٤ - ٢ / ٨٩ - ٢ / ٩١.

[٢٥] د. نجم، محمد يوسف - رسائل الصابئ والشريف الرضي: الكويت ١٩٦١.

[٢٦] د. عمران، عبد اللطيف - شعر الشريف الرضي ومنطلقاته الفكرية: ص٨٠.

[٢٧] - ديوان الشريف الرضي: ٢ / ٨٩.

[٢٨] ديوان الشريف الرضي: ٢ / ٩١.

[٢٩] ديوان الشريف الرضي: ١ / ٣٨٤ يتيمة الدهر: ٢ / ٣٠٩.

[٣٠] ديوان الشريف الرضي، يتيمة الدهر: ٢ / ٣١٠.

[٣١] معجم الأدباء: ٢ / ٢٣.

[٣٢] يتيمة الدهر: ٢ / ٢٥٩.

[٣٣] القفطي ٥٤.

[٣٤] معجم الأدباء: ٢ / ٢٠.

[٣٥] ابن الأثير - المثل السائر: ١٤٨.

[٣٦] الفن ومذاهبه فـي النثر العربي ٢٢١.

[٣٧] - المصدر نفسه ٢٩١.



[ Web design by Abadis ]