ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 ابن العميد

يعد ابن العميد أنموذجاً ساطعاً لإنسانية الثقافة العربية الإسلامية، ولشموليتها وازدهارها وعمقها، فهو يقدم تصوراً واضحاً لامتزاج الثقافات واللغات والأجناس فـي مظهرٍ حضاري متميز فـي تاريخ الإنسانية، وإنه لمما يدعو إلى الاعتزاز أن يكون هذا العلم الفارسي من أعلام العروبة والإسلام، وقد جمع فـي فكره معطيات الحضارتين العربية والفارسية بما فـيهما من فلسفة وأدب وهندسة وميكانيك وطبيعة… الخ، وهو يمثل صورة المثقف الكبير فـي زمنه حيث أتقن اللغتين العربية والفارسية من جهة وهكذا كان كبار مثقفـي ذلك العصر يتقنون هاتين اللغتين، ومن جهة ثانية فإن هؤلاء المثقفـين الكبار قدموا خلاصة جهودهم الإبداعية وغيرها باللغة العربية، وتركوا اللغة الفارسية لغير هذا المجال.

وابن العميد هو أبو الفضل محمد بن الحسين، فارسي من مدينة (قم)، من بيت أدب وسياسة، كان أبوه الحسين بن محمد كاتباً وسياسياً، وكذلك ابنه أبو الفتح علي ابن محمد. عمل ابن العميد وابنه فـي بلاط البوبهيين، أما أبوه أبو عبد الله الحسين بن محمد فقد عمل فـي بلاط السامانيين، وصل إلى منـزلة كبيرة فـي الكتابة، وكانت رسائله مدونة ومنشورة فـي خراسان، وأول أمره كان بصحبة ماكان بن كاكي الذي صحبه بويه جد عضد الدولة، وكان كاتباً عنده ولما قتله السامانيون أخذوا أبا عبد الله هذا أسيراً ثم أفرجوا عنه وكرموه، ثم تقلد ديوان الرسائل للملك الساماني نوح بن نصر، ولقّب بالشيخ، وبالعميد، ويذكر الصابئ أن رسائل أبي عبد الله لا تقصر فـي البلاغة عن رسائل ابنه أبي الفضل، لكن الثعالبي يرى فـي هذا الحكم حيفاً شديداً على ابن العميد، [١] وأفاد الابن من منـزله الأب، ومن رتبته فـي الأدب والسياسة، وتدرج إلى المعالي فـي زمنه، وذاع صيته، وانتشر فضله وقصده الناس ومدحه الشعراء، ونجد فـي شعر المتنبي مدحاً كثيراً لابن العميد، الذي يفرس - يغلب - الناطقين فـي فن الكتابة، لأنه أسد فـي هذا الميدان وابن أسد يقول المتنبي:

خلقْنَ له فـي القلوب الحسَدْ

إذا سمع الناس ألفاظَه

كذا يفعلُ الأسدُ ابنُ الأسْد [٢]

فقلت، وقد فرس الناطقينَ

ومن المفـيد هنا أن نستثني لمقتضى الحال فنذكر نقد الواحدي البيت الأخير فـي شرحه ديوان المتنبي، يقول الواحدي:

ولو خرس المتنبي ولم يصف كتاب أبي الفتح ابن العميد بما وصف لكان خيراً له، وكأنه لم يسمع قط وصف كلام، وأي موضع للإخراق والإبراق والفرس فـي وصف الألفاظ والكتب، هلا احتذى على مثال قول البحتري يصف كلام ابن الزيات:

ك امرؤٌ أنه نظامٌ فريدُ

فـي نظام من البلاغة ما شـ

حكُ فـي رونق الربيع الجديد

وبديع كأنه الزهَرُ الضا

ـلقه عوده على المستعيد

مشرق فـي جوانب السمع ما

هجّنت شعر جرولٍ ولبيد

يخـو معان لو فصّلَتْها القوافـي

وتجنبْنَ ظلمةَ التعقيد [٣]

حْزَن مستعملَ الكلام اختياراً

وفـي الوقت الذي بقي فـيه الأب فـي بلاط السامانيين فإن الابن بقي بعيداً عنهم، وسرعان ما التقى بالبويهيين، وأعجب به ركن الدولة فأكرمه واستوزره سنة ٣٢٨ هـ وظل ابن العميد وزير ركن الدولة، وابنه عضد الدولة حتى وفاته سنة ٣٦٠ هـ، حين قصد العراق مع عضد الدولة فحاربا بختيار، وأغضبا ركن الدولة وتهددهما وتوعدهما، وقد مر ذكر ذلك فـيما سبق، فعاد عضد الدولة عن بغداد ليعود إليها من جديد سنة ٣٦٧ دون أن يكون ابن العميد بصحبته، فقد توفـي عام ٣٦٠ حين بعث به عضد الدولة من العراق على رأس جيش لقتال زعيم الأكراد حسنويه.

ويخصص مسكويه فـي كتابه تجارب الأمم فصلاً كبيراً يذكر فـيه حياة ابن العميد ورتبته فـي الأدب والعلم والسياسة، وقد عمل مسكويه خازناً فـي دار كتب ابن العميد كما عمل الاثنان فـي بلاط عضد الدولة، ولابد من نقل ما وصف به مسكويه ابن العميد ليعرف القارئ أن قصائد شعراء العربية فـي مدح ابن العميد لم تكن للمبالغة، أو الرغبة أو الرهبة، فها هو المتنبي يمدحه فـي عدة قصائد يبيّن فـي كل منها صواب ما ذكر مسكويه: يقول المتنبي فـي أول قصائده فـي ابن العميد:

شاهدتُ رسطاليسَ والإسكندرا

من مُبلغ الأعرابَ أني بعدهمْ

متملّكاً متبدّياً متحضّرا

وسمعت بطليموس دارسَ كتبه

ردّ الإلهُ نفوسهُمْ والأعصرا [٤]

ولقيتُ كل الفاضلين كأنما

وقد نظم المتنبي هذه القصيدة حين توجه إلى عضد الدولة فمر بأرجان وفـيها ابن العميد فمدحه بهذه القصيدة الجميلة التي يقول فـيها الخطيب التبريزي شارح ديوان المتنبي إنها ليست فـي مدح ابن العميد، بل إن المتنبي لما قصد مصر ومدح كافوراً مدح الوزير أبا الفضل جعفر بن الفرات وزير كافور بها، فلما لم يرضه صرفها عنه ولم ينشده إياها، فلما توجه إلى عضد الدولة، ومر بأرجان وبها ابن العميد حوّل القصيدة إليه وحذف منها لفظ جعفرا وجعل ابن العميد مكان ابن الفرات [٥].

ويمكن أن نضع رأي التبريزي فـي موضع الشك لأن قارئ بقية أبيات القصيدة يجد فـي عدة مواضع ذكر ما يتصل بابن العميد مثل: كسرى - أرجان - ابن العميد - صفات ابن العميد الشائعة عنه والخاصة به - لكننا حين نقرأ القصيدة الثانية للمتنبي فـي مدح ابن العميد نجد المتنبي فـيها قلقاً من انتقاد ابن العميد لهذه القصيدة الرائية مما يثير الإشكال من جديد، فهل وصل ابن العميد شبيه رأي التبريزي فانتقد القصيدة، نقداً دفع المتنبي إلى مدح ابن العميد بقصيدة ثانية يجيد فـيها الاعتذار والمدح يقول فـيها:

ـل قبولٌ سواد عيني مدادُهْ

هل لعذري عند الهمام أبي الفضـ

مكرمات المعلّهِ عوادُهْ

أنا من شدة الحياء عليلٌ

عن علاه حتى ثناه انتقادُهْ

ما كفاني تقصيُر ما قلت فـيه

واضحاً أن يفوتَهُ تعدادُه

إن فـي الموج للغريق لعذراً

ـعر عمادي وابن العميد عماده [٦]

للندى الغلب إنه فاض والشـ

والله أعلم، والمهم أن المتنبي وصف ابن العميد بأوصاف أقرّ بها معاصروهما جميعاً، منها قوله فـي القصيدة الثانية:

رأيُه فارسيةٌ أعيادُهْ

عربيٌّ لسانُه فلسفـي

فـي بلادٍ أعرابُه أكرادُهْ

خلق الله أفصحَ الناس طرّاً

وإذا عدنا إلى ما ذكره مسكويه فـي ثقافة ابن العميد وعلومه فإننا نجد المتنبي غير مبالغ، بل مقصّرا، يقول مسكويه:

(… أما المنطق وعلوم الفلسفة والإلهيات منها خاصة فما جسر أحد فـي زمانه أن يدعيها بحضرته إلا أن يكون مستفـيداً أو قاصداً قصد التعلم… وكان يختص بغرائب من العلوم الغامضة التي لايدعيها أحد كعلوم الحيل التي يحتاج فـيها إلى أواخر علم الهندسة والطبيعة والحركات الغريبة، وجر الثقل ومعرفة مركز الأثقال وإخراج كثير مما امتنع على القدماء من القوة إلى العمل) وهذا يذكر بقيمة الحياة العلمية التطبيقية فـي بلاط عضد الدولة وبنشاطه فـي العمران والسدود والري وغيرها ويضيف مسكويه من جانب آخر:

(…… وهو أكتب أهل عصره وأجمعهم لآلات الكتابة حفظاً للغة والغريب وتوسعاً فـي النحو والعروض، واهتداء إلى الاشتقاق والاستعارات وحفظاً للدواوين من شعراء الجاهلية والإسلام، فأما القرآن وحفظ مشكله ومتشابهه والمعرفة باختلاف فقهاء الأمصار فكان منه فـي أرفع درجة وأعلى رتبة) [٧].

وكان ابن العميد حسن السياسة، حاذق الرأي فـي أمور الناس والمجتمع من حوله، استطاع بكياسته وفهمه أن يجعل من مجالسه فـي بلاط ركن الدولة وابنه عضد الدولة مجالس علم وأدب ومودة على اختلاف ما كان يطرح فـيها، وعلى اختلاف من كانوا يرتادونها، وقد أوجز محمد كردعلي الحال وبينه ببلاغته المعهودة، وبافتقار مادة كتابه إلى السند وإلى الإحالة العلمية، يقول:

(ومن سياسة ابن العميد وهو الصدر المقدم فـي الآداب والسياسة أنه كان يصون مجلسه عن الخوض فـي مسائل الخلاف فـي الدين، وقد يقاطع من يحاول المناقشة فـيه، وهو جد عارف بأهل الأثر وأهل الرأي من فقهاء الأمصار، بصير بالمحكم والمتشابه من آي القرآن، إلى معارف جمة فـي النحو والتصريف واللغة وأشعار العرب، يدرك ما يجر الخلاف من تبعات على دولة اختلفت مذاهب سكانها وأجناسهم، وتباينت أهواؤهم ودرجات ثقافتهم، خصوصاً ومذهبه غير مذهب سلطانه وهو فوق ذلك متشبع بالحكمة حتى ليتهمه بعضهم فـي دينه، شأن الناس منذ العهد القديم مع من يشتغل بهذا العلم البغيض إلى الفقهاء وأتباعهم، والناس فـي كل زمان أسرع إلى تكفـير أهل التفكير من الماء إلى المنحدرات) [٨].

وشعر ابن العميد كثير وكذلك نثره لكن ما وصلنا إلى يوم الناس هذا منه إلا أقله، ولكن المصدر الأهم فـي هذا ما نجده فـي مؤلفات الثعالبي ولاسيما فـي يتيمة الدهر. وهو فارس فـي ميدان النثر، وفـيه برز وبزّ، وسبق أقرانه، وبسببه لقب بالأستاذ، وهو فـي شعر دون هذا، فقد جمع فـي نثره البلاغة والحكمة، وقدم فصولاً قصيرة تجري مجرى الأمثال لا يستطيع أن يجاريه فـيها أحد، ففـيها من البيان والبديع والبلاغة ما يدل على صنعة صناع ماهر حاذق، وفـيها من الحكمة والتعقل والمعرفة ما يدل على ثقافة واسعة ودراية متنوعة وبصيرة نافذة، يقول فـي بعض هذه الفصول:

ـ المرء أشبه شيء بزمانه، وصفة كل زمان منتسخة من سجايا سلطانه.

ـ المزح والهزل بابان إذا فتحا لم يغلقا إلا بعد العسر، وفحلان إذا ألقحا لم ينتجا غير الشر.

ـ الرتب لا تبلغ إلا بتدرج وتدرب، ولا تدرك إلا بتجشم كلفة وتصعب [٩].

ونجد الصنعة فـي مثل هذه الأقوال غير صادرة عن تكلف واجتهاد فـي البديع والزخرفة، وإنما هي طبع وحسن تخيّر للفظ المناسب للمعنى، فلا جناس ولا طباق ولا سائر أنواع البديع، باستثناء سجع لا تكاد تحس به للطفه، وحسن مناسبة اللفظ الجميل للمعنى الجليل.

ولابن العميد عدد من الرسائل لعل أشهرها رسالته التي بعث بها إلى ابن بلكا أحد الذين خرجوا على ركن الدولة واستعصوا عليه، ويقول الثعالبي: إن أهل البصيرة قد أجمعوا على أنها غرة كلامه وواسطة عقده وما ظنك بأجود كلام لأبلغ إمام [١٠].

وفـي هذه الرسالة نجد اهتماماً أكبر بالصنعة واشتغالاً متميزاً بها حيث العناية بالبديع والجناس والتصوير، دون أن يأتي هذا على حساب المعنى، فأدبية هذه الرسالة موظفة بدقة وإيجاز وجمال لتحقق غرضين فـي وقت واحد، الأول غرض جمالي واضح من بنية الرسالة، والثاني إقناع الخارجي بخطئه ونكرانه الجميل وتهديده ووعيده مع إعطائه فرصة ليعود إلى ما كان عليه من طاعة، فربما يسعف هذا النص الجميل فـي تدارك الاقتتال، وتقوم البلاغة بما يعجز عنه السيف: كتب ابن العميد إلى ابن بلكا:

(كتابي إليك وأنا متأرجح بين طمع فـيك، ويأس منك، وإقبال عليك وإعراض عنك، فإنك تدل بسابق حرمة، وتمتّ بسالف خدمة، أيسرهما يوجب رعاية، ويقتضي محافظة وعناية، ثم تشفعهما بحادث غلول وخيانة… فقد يغرب العقل ثم يؤوب، ويغرب اللب ثم يثوب، ويذهب الحزم ثم يعود… وكما أنك أتيت من إساءتك بما لم تحتسبه أولياؤك، فلا بدع من تأتي من إحسانك بما لا ترتقبه أعداؤك…. فإن يشأ الله يرشدك، ويأخذ بك إلى حظك ويسودك…. ) [١١].

وقد وقف النقاد القدامى والمعاصرون عند هذه الرسالة، ورأوا فـيها - كما رأوا فـي سائر نثر ابن العميد، غاية الحذق والإتقان والصنعة مما يجعلنا نرى فـي تقريظ الثعالبي لابن العميد حقيقة يسندها النص أو الواقع، وعلى الرغم من أن الثعالبي اعتاد على الإسهاب فـي استحسان أدب من ترجم لهم، إلا أنه فـي معرض ذكره حسنات أدب ابن العميد وفكره لا يسهب ولا يبالغ، ومطلع كتاب ابن العميد إلى ابن بلكا خير دليل، بل فقرات الكتاب كله، ويكفـي دليلاً ازدحام المعاني وتنوعها وتناقضها فـي وحدة من المعنى والغاية فـي السطر الأول من الرسالة حين يقول: (كتابي، وأنا متأرجح بين طمع فـيك، ويأس منك، وإقبال عليك).

إن الإبداع هنا يظهر فـي أكثر من منحى، فهو ظاهر فـي الإيجاز، وفـي غنى الأفكار وتنوع المعاني، كما هو ظاهر فـي اللفظ والأسلوب، ومثل هذا الإبداع هو الذي جعل مسكويه يبحث ملتمساً السبب أو الدافع فـيجده فـي الموهبة والفطرة والطبع، فابن العميد فنان فـي مواقف حياته جميعها، يصدر فـي أبسط أمور حياته عن نزوع فني طبيعي دون حاجة إلى تكلف أو تعمد الإتقان، ولنلاحظ عمق الربط والتحليل عند مسكويه حين ينظر فـي هذه الظاهرة فـيقول فـي معرض ذكر ابن العميد:

(…. لقد رأيته يتناول فـي مجلسه الذي يخلو فـيه بثقاته وأهل أنسته التفاحة وما يجري مجراها، فـيعبث بها ساعة ثم يدحرجها، وعليها صورة وجه، وقد خطّها بظفره، لو تعمد لها غيره بالآلات المعدّة، وفـي الأيام الكثيرة ما استوفى دقائقها ولا تأتِ له مثلها) [١٢].

ولعل رأي مسكويه هذا، وأدب ابن العميد هما اللذان دفعا بشوقي ضيف إلى ذكر أثر النـزعة التصويرية فـي نثر ابن العميد حيث جعلت نثره مصّوراً يهتم صاحبه بصنع الصور والرسوم فـي كتاباته فإذا أساليبه وكأنها ثروة زخرفـية هائلة… (وأكبر الظن أنه تأثر فـي صناعته بصناعة السجاد فـي إقليمه، فهو يعاني فـي كل لفظة ما يعانيه صانع السجاد فـي كل خيط، ثم هو بعد ذلك يعنى بالوشي الذي تعبّر عنه ألفاظه كما يعنى صانع السجاد بالوشي الذي تعبر عنه خيوطه، وعلى هذا النمط تحولت صناعة الكتابة عند ابن العميد إلى تطريز خالص) [١٣]. ويتضح من كلام د. ضيف اهتمامه المتميز بظاهر اللفظ أكثر من اهتمامه بدفـين المعاني، إن الإعجاز هنا ماثل فـي المعنى كما هو ماثل فـي اللفظ، ويعذر أستاذنا د. ضيف إذ أخذ منه جمال الأسلوب كل مأخذ، فهذا الجمال السهل الممتنع - إن صحت التسمية - هو الذي دفع بالثعالبي كما ذكرنا من قبل إلى أن يقول فـي ابن العميد: «أوحد العصر فـي الكتابة، والضارب فـي الآداب بالسهام الفائزة، والآخذ من العلوم بالأطراف القوية، يدعى الجاحظ الأخير، والأستاذ، والرئيس. يضرب به المثل فـي البلاغة، وينتهي إليه فـي الإشارة بالفصاحة والبراعة، مع حسن الترسل وجزا

لة الألفاظ وسلاستها. إلى براعة المعاني ونفاستها، وما أحسن وأصدق ما قال له الصاحب، وقد سأله عند منصرفه عنها «بغداد فـي البلاد كالأستاذ فـي العباد» وكان يقال: بدئت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد [١٤] ».

ولعل أهم ما يميز نص الثعالبي السابق إشادته بحسن الترسل فـي نثر ابن العميد، وهو فـي هذا ينظر إلى المسألة من وجهة نظر الطبع أكثر مما ينظر إليها د. ضيف الذي أسرف فـي النظر إلى نثر ابن العميد على أنه صنعة وتكلف وزخرفة واهتمام كبير بالتصوير والطباق والجناس، ومهما يكن من أمر فكلا الرجلين يرى فـي نثر ابن العميد مسوغاً لما يذهب إليه، والسبب فـي هذا أولاً وآخراً يعود إلى غنى النص النثري عند ابن العميد على مستوى الشكل وعلى مستوى المضمون.

هذا الغنى هو الذي جعل محمد كردعلي يخالف رأي ابن سنان فـي نثر ابن العميد، فـيذكر محمد كردعلي رأي ابن سنان - دون أن يذكر المصدر الذي أخذ عنه، وهذا شأنه فـي كتابه أمراء البيان.

«كان ابن العميد يترك السجع ويتجنبه، وطريقته استعماله مرة ورفضه أخرى، بحسب ما يوجد من السهولة والتيسير، أو الإكراه والتكلف» ويتابع كردعلي فـيقول: «أما نحن فإن ما وصلنا من كتاباته يضطرنا إلى أن نحكم عليه حكماً يخالف حكم ابن سنان، ذلك لأن ما رأيناه كان إلى التسجيع والمزاوجة أقرب» [١٥].

ونحن إذا أعدنا النظر فـيما وصل إلينا من نثر ابن العميد وجدنا رأي ابن سنان هو الصائب، وأن مخالفة كردعلي له ليست فـي محلها وإن كان ختام قوله: «كان إلى التسجيع والمزاوجة أقرب» صواباً فابن العميد قريب إلى التسجيع والمزاوجة وإن كان أحياناً يستعمل ذلك ويرفضه أحياناً أخرى.

إن اهتمام الفرس بالبيان العربي أمر يستحق التقدير، فهم يصدرون فـي هذا عن إدراك عميق لقيمة الكلمة ولأثر معناه فـي النفس، وعلى طريقها ساروا، وبهديها اهتدوا…. فدخلوا الإسلام، وأعزهم وأعزوه وكذلك الحضارة العربية، وهذا لا يعارض الإقرار بأن شرف البيان وسموه سمة عربية عريقة بدأت تتجلى فـي آي الذكر الحكيم، ثم فـي الحديث الشريف ومن بعد فـي منهج البلاغة، وهل يغيب عن البال قول الإمام علي (ع): «الكلمة أسيرة فـي وثاق الرجل فإذا أطلقها صار أسيراً فـي وثاقها».

لقد كان تاريخ الاهتمام بالكلمة هو تاريخ حضارة شعبها وقديماً قيل: فـي البدء كانت الكلمة، ولعل أدباء بلاط عضد الدولة وعضد الدولة نفسه كانوا يعرفون هذا بداهة ويقرون به ويتصرفون فـي أمور حياتهم على أساسه، فالكلمة الطيبة صنو التصرف الحكيم تدرأ النـزاع وترأب الصدع وتحقن الدماء، وقد أحسن عضد الدولة من الإفادة منها أيما إحسان، لذلك نجده يدفع بابن العميد من رتبة أرباب القلم إلى رتبة أرباب السيف، أو على الأصح يجمع بينهما - فإضافة إلى صحبته له فـي فارس، فإنه حين يقصد بغداد أول مرة ليأخذها من بختيار يصطحبه معه ويسند إليه قيادة الجيش الجرار كما أسند إليه سياسة الألفاظ الجياشة، وإذا أعدنا النظر فـي الرسالة التي كتبها ابن العميد إلى ابن بلكا فإننا نجدها تقوم مقام تجريد الجيش وتجهيزه وتسييره لمحاصرة الخصم فإما الطاعة وإما القتال. وقد أصاب وأحسن المتنبي فـي وصف هذه الحال أيما إحسان حين خاطب ابن العميد مبّيناً قيمة كتبه فـي معرض النـزاع والاقتتال، فقال:

ثمن تباعُ به القلوبُ وتشترى

بأبي وأمي ناطق فـي لفظهِ

قبل الجيوش ثنى الجيوش حيرا [١٦]

يا من إذا ورد البلادَ كتابُه

ونختم الحديث فـي نثر ابن العميد فـيما وجدناه من كتاب قد وجهه إلى عضد الدولة، يذكر فـيه أسباب انقراض العلوم، ثم يقول:

«……. وليس عندي الخطب فـي جميع ذلك يقارب ما يولدّه تسلط ملك جاهل تطول مدته، وتتسع قدرته، فإن البلاء به لا يعدله بلاء، …… وتعظم النعمة فـي تملك سلطان عالم عادل كالأمير الجليل الذي أحلّه الله من الفضائل بملتقى طرقها، ومجتمع فرقها، وهي نوافر ممن لاقت حتى تصير إليه، وشرّد نوازع حيث حلت حتى تقع عليه. تتلفت إليه تلفت الوامق وتتشوق نحوه تشوق الصب العاشق، قد ملكتها وحشة المضاع، وحيرة المرتاع» [١٧].

وهذا النص يعود بنا ثانية ليؤكد أن صاحبه من أمراء البيان العربي، ومن حكماء الحضارة العربية الإسلامية وعلمائها.

وشعر ابن العميد عذب جميل يدل على أن صاحبه ذو طبع وبديهة حاضرة لكنه لم يوفر له ما يلزمه من صنعة وحذق وإتقان على نحو ما وفر لنثره.

وما وصل إلينا من شعره أغلبه فـي الإخوانيات، وليس فـيه من أغراض الشعر التقليدية شيء، ولا يشير إلى رغبته فـي أن يكون من بين الشعراء، لكنه يشير فـي الوقت نفسه إلى خبرته الطويلة فـي هذا الفن وإلى مقدرته على ارتياد ميدانه، فهو يستطيع أن يجعل أحداث يومياته قصائد، وحواره مع جلسائه شعراً يسيراً جميلاً، فمرة أهدى إليه صديقه ابن خلاد كتاباً فـي الأطعمة، وكان ابن العميد ناقهاً من علة كانت به، فكتب إلى ابن خلاد قصيدة طويلة فـي هذا الأمر نقل إلينا الثعالبي منها نحواً من خمسين بيتاً مطلعها:

وما كان نَولَي أن أفهمَهْ

فهمت كتابك فـي الأطعمه

وأوضحَ من شهوةٍ مبهمه

فكم هاج من قرمٍ ساكنٍ

من الجوع نيرانها مضرمه

وأرّثَ فـي كبدي غلةً

جوانحه للطّوى مسلمه [١٨]

فكيف عمدت به ناقَهَ

ومثل هذا كثيراً ما كان يجري بين ابن العميد وجلسائه، وكان فـي بعضه يسترسل على سجيته دون تجويد وإتقان على نحو ما كان يوفر لنثره، وكان فـي بعضه الآخر يتجه نحو الهدوء والتروي والاتقان، فـيحاكي فحول الشعراء فـيه، فـيعمد إلى الصنعة والصورة ومعجم الشعر القديم، وبنية القصيدة التقليدية، وإن كان موضوع الشعر فـي الإخوانيات، فها هو يكتب إلى بعض إخوانه قصيدة يذكر الثعالبي أنها سائرة فـي الآفاق وكأنه جمع فـيها أكثر إحسانه: يقول:

ما بين حر هوى وحر هواء

قد ذبت غير حشاشة وذماء

خلواً من الأشجان والبرحاء

لا أستفـيق من الغرام ولا أرى

بنوى الخليط وفرقة القرناء

وصروف أيام أقمن قيامتي

فـيما خباه مهيج الهيجاء

ومثير هيج لا يشق غباره

عوني على السراء والضراء

وجفاء خل كنت أحسب أنه

عجباً كحاضر ضحكه وبكائي

أبكي ويضحكه الفراق ولن ترى

نشوان من أكرومة وحياء

نفسي فداؤك يا محمد من فتى

درك العلا عار من العوراء

كأس من الشيم التي فـي ضمنها

وقدحتَ نار الشوق فـي أحشائي [١٩]

أنت الذي شتت شمل مسرتي

والقصيدة طويلة عامرة بنشاط التصوير، وبالخيال الابتكاري، وكم هو جميل لو يتاح النظر فـي بنية الصورة فـيها، وفـي وظيفة الصورة وأنماطها.

ويوميات ابن العميد وإخوانياته فـي شعره كثيرة، وجميلة، استطاع من خلالها أن يحوّل الحياة إلى قصيدة، بل إلى لوحة جميلة فتّانة، وهذا يوضح لنا قيمة إحساسه بالجمال، وميله إليه، فالفن تعويض، ومعادل جمالي يلجأ الفنان إليه ليخفف من وطأة الحياة، ويجعل من أعبائها ومن قسوتها متعة وجلالاً وجمالاً، ولعل ابن العميد قصد إلى هذا، ولاسيما أنه كان مريضاً مرضاً مزمناً يكاد لا يفارقه، وقد نجد فـي المقطوعة الشعرية قبل السابقة ما يثبت هذا، وربما لهذا السبب أهداه صديقه ابن خلاد كتاباً فـي الأطعمة، وقد لاقت الهدية قبولاً حسناً فـي نفس ابن العميد فنظم تلك القصيدة الطويلة، إضافة إلى هذا يذكر محمد كرد علي على أن «القولنج كان يعتاد ابن العميد تارة والنقرس أخرى، تسلمه هذه إلى هذه» [٢٠]، لذلك نجد له قصيدة يذكرها الثعالبي وتسمى الهريّة وفـيها ترويح عن النفس، والعقل، ولعب بالشعر علّه يخفف من وطأة الجدو الالتزام، وفـيها يقول:

عمّتْ جميعَ النفوس بالثكل [٢١]

يا هرّ فارقتنا مفارقةً

ولا يمكن تفسير لعب ابن العميد بالشعر، وسيره فـيه على سجيته على أنه سبب من أسباب تعويض الألم، والصبر على المرض فحسب، بل إن الأمر يتعلق بحسه الإنساني الجميل، وبصدق الإحساس لديه بالحياة، وبعمق هذا الإحساس، فلننظر فـي المعاني اللطيفة البسيطة الماثلة فـي قصيدة نظمها وبعث بها إلى صديق له صبيحة عرسه حيث تتجلى فـيها الأفكار التقليدية التي تخطر ببال الإنسان وهو يترقب مسروراً أمور بداية دخول صديق له فـي عش الزوجية ولاسيما أول صباحه بعد الزفاف، حيث يلامس ابن العميد هذه الأفكار ملامسة إنسانية جميلة تنقل إلينا واقع بعض التقاليد الاجتماعية السائدة يومها تجاه هذه الظاهرة، كتب ابن العميد إلى أخيه أبي الحسن بن هندو صبيحة عرسه:

وازدَدْ بزوجتك ارتياحا

أنعمْ أبا حسنٍ صباحا

فهَلِ استلنتَ له جَمَاحا

قد رضْتَ طرفك خالياً

فهل استبنتَ له انقداحا

وقدحت زندك جاهداً

سنّى الإلهُ له انفتاحا

وطرقتَ منغلقاً فهل

نَ صباحَ يومك والرواحا

قد كنتُ أرسلتُ العيو

ـت لديك ترتقب النجاحا

وبعثت مصغية تبيـ

لم تولني إلا افتضاحا

فغدت علي بجملة

خرسا وأوشحةً فصاحا

وشكت إليّ خلاخلا

معَ أن تحسّ لكم صياحا [٢٢]

منعت وساوسُها المسا

وقد كانت مجالس ابن العميد فـي رحاب عضد الدولة وأبيه ركن الدولة مجالس إبداع ثرّ يجتمع فـيها أدباء ذلك العصر وأعيانه على اختلاف مشاربهم اجتماع مودة وصفاء يتداولون فـيه أصناف الأدب، وأنواع العلوم، وتنقل إلينا تلك المجالس صورة الحياة العامرة المزدهرة الغنية بأنواع المعارف والآداب والفنون والعلوم…. الخ، ففـي يوم من الأيام اجتمع عند ابن العميد أبو محمد بن هندو، وأبو القاسم بن الحسين بن سعد، وأبو الحسين بن فارس، وأبو عبد الله الطبري، وأبو الحسن البديهي، فحيّاه بعض الزائرين بأترجة حسنة، فقال لهم: تعالوا نتجاذب أهداب وصفها، فقالوا: إن رأى سيدنا أن يبتدئ فعل، فابتدأ وقال: وأترجّة فـيها طبائع أربع.

فقال أبو محمد: وفـيها فنون اللهو للشرب أجمع

فقال أبو القاسم: يشبّهها الرائي سبيكة عجسدٍ

فقال أبو الحسين بن فارس: على أنها من فأرة المسك أضوعُ

فقال أبو عبد الله الطبري: وما اصفر منها اللون للعشق والهوى

فقال أبو الحسن البديهي: ولكنْ أراها للمحبين تجمع [٢٣]

ومثل ذلك كثير فـي مجالس ابن العميد وقد أورد الثعالبي بعضاً منه، مما يدل على ازدهار هذا اللون من الشعر مقابل اضمحلال الألوان التقليدية من القصيدة العربية التي تحاكي بنية شعر الفحول.

[١] يتيمة الدهر: ٣ / ١٠٠

[٢] ديوان المتنبي - وشرح البرقوقي: ٢ / ١٥٩

[٣] المصدر نفسه.

[٤] ديوان المتنبي: ٢ / ٢٦٧

[٥] المصدر نفسه.

[٦] ديوان المتنبي: ٢ / ١٥٤

[٧] تجارب الأمم: ٢ / ٢٧١ - ٢٨٢

[٨] محمد كرد علي - أمراء البيان - ٢ / ٥٥٣.

[٩] يتيمة الدهر: ٣ / ١٦٦

[١٠] المصدر نفسه: ٣ / ١٦٢

[١١] المصدر نفسه: ٣ / ١٦٣

[١٢] تجارب الأمم: ٢ / ٢٧٥

[١٣] - د. شوقي ضيف - الفن ومذاهبه فـي النثر العربي: ٢٠٩ - ٢١٠

[١٤] يتيمة الدهر: ٣ / ١٥٥

[١٥] أمراء البيان: ٥٥٦

[١٦] ديوان المتنبي: ٢ / ٢٧١

[١٧] يتيمة الدهر: ٣ / ١٦٥

[١٨] المصدر نفسه: ٣ / ١٦٨

[١٩] المصدر نفسه: ٣ / ١٧٢

[٢٠] أمراء البيان: ٥٤٩

[٢١] يتيمة الدهر ٣ / ١٦٩

[٢٢] يتيمة الدهر: ٣ / ١٧٠

[٢٣] يتيمة الدهر: ٤ / ١٧٦



[ Web design by Abadis ]