ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 أبو الطيب المتنبي

المتنبي شاعر عضد الدولة البويهي، وهو شاعر العروبة والاسلام، إنه شاعر الإنسانية عبر تاريخها الطويل، شاعر العرب والعجم، والبويهيين والإخشيديين والحمدانيين والعباسيين، وهو فـي شعره وفكره نتاج تمازج الأجناس والثقافات والأديان والأقوام والمصالح، والحديث يطول، ويكفـي أن نوجزه فنذّكر بقوله السائر والذي هو مقتضى الحال هنا:

ويسهرُ الخلقُ جراّها ويختصمُ

أنامُ ملء جفوني عن شواردها

مدح المتنبي الشجعان، وشعره فـي عضد الدولة مدح للشجعان، ولمن يقدرون الكلمة والموقف، وقصائده فـيه من غرر ديوانه، لكنها ليست فـي قيمة قصائده فـي سيف الدولة الحمداني، ولا يعرف سبب هذا بدقة وقد يكون الأمر مبعث خلاف - فلم تكن عطايا سيف الدولة الحمداني أكثر وأجزل من عطايا عضد الدولة البويهي، وكان الاثنان على قدر كبير من الشجاعة والبطولة، وحب الشعر والشعراء، والعلم والعلماء، لكن معارك سيف الدولة أغلبها كانت ضد الروم أعداء العروبة والإسلام، ولم تكن معارك عضد الدولة من هذا القبيل.

وهناك أسباب يمكن الخوض فـيها والتوسع من قبيل الظن أو التأويل، لكن ما يمكن أن يقال بدقة فـي هذا المنحى هو مايتصل بفارق الزمن فـي مدح المتنبي كلا الملكين، فسيفـياته تسبق عضدياته بأكثر من عقد من السنين، فأغلب مدائحه فـي سيف الدولة كانت حوإلى سنة ٣٤٠ هـ، ومدائحه فـي عضد الدولة كانت فـي آخر سني عمره سنة ٣٥٤ هـ بعد أن أتعبته الأيام وأرهقه الترحال، وتسرب اليأس والقلق إلى نفسه، إذ لم تجده مدحياته الكبرى السابقة الكثيرة شيئاً، ولم تلبِ طموحاته، لذلك نجد دفق العاطفة فـي آخر مدحياته فاتراً، وقد يكون هذا طبيعياً، فعمر الشاعر فـي شعره كعمر الإنسان يبدو أن فـيه قوة الشباب وفتور الشيخوخة.

كان لقاء المتنبي بعضد الدولة آخر لقاء له بسلاطين زمانه، وكانت آخر قصيدة له فـي المدح هي فـيه، وكان هذا قبل أن يدخل عضد الدولة بغداد، حين كان والي شيراز لأبيه ركن الدولة، وكان الشاعر قد أقام قليلاً فـي أرجان عند ابن العميد وزير عضد الدولة، وكانت هذه الاقامة أملاً طالما تمناه ابن العميد، والصاحب بن عباد فحظي به الأول، وحرمه الثاني على غيظ أسهم فـي تأليفه رسالته فـي الكشف عن مساوىء المتنبي. لم تدم إقامة المتنبي بأرجان عند ابن العميد أكثر من شهرين مدح الشاعر خلالهما الوزير والأديب الكبير فـي أكثر من قصيدة [١].

ثم أزمع على الرحيل عن فارس والعودة إلى بغداد قبيل أن يصل كتاب عضد الدولة إلى ابن العميد فـي طلب المتنبي، وحاول المتنبي ألا يلبي الطلب، لكن ابن العميد ألح عليه ومنّاه، فتوجه الشاعر إلى بلاط الملك بشيراز ولاقى حفاوة التكريم وحسن الاستقبال من قبل عضد الدولة الذي أغدق عليه الهبات والأموال وأحاطه بالاهتمام والرعاية، لكن الشاعر كان مصمماً على اختصار الإقامة فلم يكمل أشهر السنة ٣٥٤ هـ التي نظم خلالها فـي عضد الدولة ست قصائد، واحدة فـي التعزية والخمس الأخرى فـي المدح. ثم جهز مركبه للرحيل ونظم قصيدته الكافـية آخر مدحياته وفـيها يعلن رحيله عن بلاط عضد الدولة وشوقه إلى أهله، ثم يلمح إلى شر سيصيبه فـي الطريق، ويجعل كلمة «هلاكا» فـي آخر أبيات القصيدة، ويبدو أن حدسه كان فـي مكانه إذ كانت هذه القصيدة آخر قصائده حيث قتل بعدها.

ويبدو أن قصيدته الهائية فـي مدح عضد الدولة هي أولى قصائده فـيه إذ يذكر فـيها حنينه إلى الأحبة الذين فارقهم وقصده عضد الدولة، ومطلعها:

لمن نأتْ والبديلُ ذكراها [٢]

أوهٍ بديلٌ من قولتي واها

ويرى عبد الرحمن البرقوقي أحد شراح ديوان المتنبي أن هذه القصيدة هي فـي رثاء عمة عضد الدولة وكانت قد توفـيت ببغداد [٣]، وهذا غير صحيح إذ سنذكر بعد قليل القصيدة التي يعزّي بها الشاعر عضد الدولة فـي وفاة عمته. والقصيدة الهائية طويلة بديعة أطربت الممدوح وهزت كرمه وأريحيته، وأثارت اهتمام الشراح والنقاد شأنها شأن بقية شعر المتنبي، ومنها الأبيات التالية:

وسرتُ حتى رأيتُ مولاها

وقد رأيتُ الملوكَ قاطبةً

ـدولة فناخسرو شهنشاها

أبا شجاعٍ بفارسٍ عضد الـ

وإنما لذةٌ ذكرناها

أسامياً لم تزدهُ معرفةً

كما تقودُ السحابُ عظماها

تقود مستحسنَ الكلام لنا

أنفَسُ أمواله وأسناها

هو النفـيس الذي مواهبه

أما القصيدة التي عزى بها الشاعر عضد الدولة بعمته، فهي بائية، وفـيها يجعل الشاعر من عضد الدولة عمدة آل بويه، فـيفضله على أبيه، وعلى أبنائه، لكنه يحسن التصرف فـي هذا المعنى، ويطلبه من بعيد، بل يفتن به فـيقول:

هذا الذي أثّر فـي قلبهِ

آخرُ ما الملْكُ معزّىً به

أبوهُ والقلبُ أبو لبّهِ

ياعضدَ الدولة مَنْ ركنُها

كأنها النورُ على قُضْبهِ

ومَنْ بنوه زينُ آبائهِ

ومنجبٍ أصبحت من عقبهِ [٤]

فخراً لـدهـرٍ أنـت مـن أهلـهِ

ومدح المتنبي عضد الدولة بقصيدة ثالثة ذكر فـيها انتصاراته المتلاحقة فـي وقائعه العديدة، مبيناً أن النصر حليفه دائماً، وأن دولته يعضدها الله سبحانه به، والقصيدة طويلة تقع فـي نحو من خمسين بيتاً مطلعها:

أم عندَ مولاك أنني راقدْ [٥]

أزائرٌ يا خيال أم عائدْ

وتمضي القصيدة المدحية فـي أبياتها أغلبها على هذا السنن فـي طلب المعنى من بعيد، مما يفتح أبواب الاجتهاد فـي التفسير، شأن أكثر شعر المتنبي، والمعنى فـي الأبيات التالية من القصيدة غير جلي بل تغشوه سحابة جميلة فـيها غموض وخفاء ساحرين، وكم يتمنى المرء لو يتاح له تقليب أوجه الرأي فـي بيان مراد الشاعر، لكن الأقدمين سبقوا إلى هذا وقدموا اجتهادات جليلة ومتنوعة، فكان منها اجتهاد ابن جني، واجتهاد المعري، واجتهاد العكبري واجتهاد الواحدي، وأخيراً اجتهاد البرقوفـي ١٩٣٠ م، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لك أن تتخيل أو تتأكد من منـزلة الممدوح الثقافـية، ومن حسن درايته وسعة علمه بالشعر حتى يتوجه الشاعر إليه بهكذا خطاب، يقول المتنبي فـي بعض أبيات هذه القصيدة:

عن جحفل تحت سيفه بائدْ

تهدي له كل ساعة خبراً

يحمل فـي التاج هامة العاقدْ

وموضعاً فـي فنان ناجية

وسارياً يبعث القطا الهاجدْ

ياعضدا ربه به العاضدْ

وأنت لا بارقٌ ولا راعدْ

وممطرَ الموت والحياةِ معا

على مكانِ المَسُودِ والسائِدْ

يقارع الدهرَ من يقارعكمْ

أبـدل نـونـا بـدالـه الحـائـد

إذا المـنـايـا بـدت فـدعـوتـهـا

ومثل هذه القصائد الجميلة لابد أنها كانت تهز مشاعر عضد الدولة وتدخل إلى نفسه نشوة الفخر والنصر، ومتعة الاحساس بالفن الجميل فتدفعه إلى إكرام الشاعر، بل إلى تقديم ألوان جديدة من الإكرام شأن الشاعر فـي تقديم الجديد الطريف من المعاني، فها هو عضد الدولة ينهض من مجلسه وينثر الورد على المتنبي وعلى بقية الحضور فـي مجلسه حتى يغرقهم فـيه، فـيبادر المتنبي ثانية فـيمدح الشاعر بستة أبيات يقول فـيها:

أنك صيّرت نثره ديما

قد صدقَ الوردُ فـي الذي زعما

وكل قول يقوله حكما [٦]

ناثره ناثر السيوف دما

ومن أجمل قصائد المتنبي قصيدته التي افتتحها بوصف شعب بوان وفـيها يمدح عضد الدولة وولديه، ومقدمة القصيدة تعد تجديداً فـي مقدمة القصيدة العربية إذ هي وصف للمكان الحي، ولجمال الطبيعة فـي اللحظة الراهنة، فبعد مقدمة القصيدة، وافتتاحها بالبيت المشهور:

بمنزلةِ الربيع من الزمان [٧]

مغاني الشِّعب طيباً فـي المغاني

يبدع المتنبي فـي حسن التخلص والانتقال من جماليات الطبيعة الآسرة، إلى صفات الممدوح الآسرة أيضاً فـيقول:

سلوت عن العبادِ وذا المكان

فقلت إذا رأيت أبا شجاع

ولا الإخبارِ عنه ولا العيانِ

ولا تُحصى فضائله بظنٍّ

فكيف وقد بدت معها اثنتان

وكنت الشمسَ تبهر كل عين

يؤديه الجَنانُ إلى الجَنانِ

دعاء كالثناء بلا رئاءٍ

وقد تصرف الشاعر فـي فنون الشعر فـي بلاط عضد الدولة، فطرق أغلب موضوعاته، باستثناء الفخر الذي كنا نجده طاغياً فـي شعره فـي المراحل السابقة، إذ أن ذات الشاعر تكاد تخبو فـي بلاط عضد الدولة، وربما لهذا أسباب منها إحساس الشاعر بالنـزعة الفردية القوية عند ممدوحه، ومنها وجوده فـي غربة مكانية ونفسية فـي بلاد فارس، وبين قوم غرباء عنه إلى حد ما، ألم يقل فـي قصيدته فـي شعب بوان والتي ذكرت قبل قليل:

غريبُ الوجه واليدِ واللسان [٨]

ولكن الفتى العربي فـيها

وفـي شيراز نظم الشاعر أرجوزة فـي الطرد حاكى فـيها منهج القدامى فـي هذا النوع من فن القصيد من حيث الغريب، ومن حيث بنية الأرجوزة الطردية وموضوعاتها، والمعروف أن المتنبي عاد ببنية القصيدة العربية وبموضوعاتها إلى أصولها القديمة الراسخة، فهو الذي يقول:

وقوفَ شحيحٍ ضاع فـي التّرب خاتمَهُ [٩]

بُليتُ بلى الأطلالِ إن لم أقفْ بها

وطردية أبي الطيب هذه هي مدحية فـي الوقت نفسه، وهي طويلة نظمها سنة ٣٥٤ هـ حين خرج عضد الدولة إلى الصيد فـي ضواحي شيراز ومعه المتنبي الذي قال فـي هذا:

بأن تقولَ ماله ومالي

ما أجدر الأيامَ والليالي

فتى بنيران الحروب صال

لا أن يكونَ هكذا مقالي

لما أصار القُفْصَ أمسِ الخالي

ساقي كؤوسَ الموت والجريالِ

حتى اتقّتْ بالفرّ والإجفال [١٠]

وقتَّل الكرد عن القتال

ثم يقول:

مرتدياتٍ بقسي الضال

وأوفتِ الفدرُ من الأوعالِ

يكدن ينفذْنَ من الآطال [١١]

نواخس الأطراف للأكفالِ

وربما كانت آخر قصائد المتنبي فـي عضد الدولة، وفـي الشعر كله تلك القصيدة التي مدحه فـيها فـي شعبان من سنة ٣٥٤ هـ، ومن المعروف أن المتنبي قتل فـي رمضان من السنة نفسها.

وفـي القصيدة يخبر الشاعر عضد الدولة بعزمه على مغادرة البلاط، ويذكر نداه المستفـيض، وكرمه الذي لا حدود له وفـي البيت الثالث من الأبيات المتخيرة من القصيدة يؤكد الشاعر أنه عقد عقد ذمة ألا ينظر إلى غير الممدوح، أو ألا ييمم وجهه شطر ملك آخر، لكنه سيرحل عنه مهما كان الأمر ومهما كانت النتائج، وربما فـي البيت الأخير المتخير تصدق المطابقة بين لقب الشاعر وذاته وواقع الأمر حين يتنبأ بأن طريقه إلى العراق محفوف بالمخاطر، وبأنه سيتعرض للأذى فإما النجاة وإما الهلاك، ويا للأسف فقد صدق حدسه إذ تعرض فـي الطريق للأذية وكانت النتيجة الهزيمة والقتل، ومطلع القصيدة وبعض أبياتها مايلي:

فلا ملك إذنْ إلاّ فداكا

فدىً لك من يقصّر عن مداكا

نداك المستفـيضُ وما كفاكا

وكيف الصبر عنك وقد كفاني

لعيني من نواي على أولاكا

أذمّتْ مكرماتُ أبي شجاعٍ

أذاةً أو نجاةً أو هلاكا [١٢]

وأيّاً شئتِ ياطرقي فكوني

وقد اختلفت الروايات فـي أسباب قتل المتنبي، وتعددت الأخبار فـي سرد اللحظات الأخيرة من حياته، والحديث فـيها يطول، وليس التدقيق فـيه شأننا هنا، لكن يمكن أن نقتبس ماذكره أبو علي التنوخي فـي نشوار المحاضرة إذ يقدم رأياً من الآراء الشائعة يومها فـي أسباب قتل المتنبي، وأظنه ضعيفاً، كما أظن أن جواب الشاعر على السؤال الموجه إليه فـي الرواية التالية لا يمكن أن يصدر عن شاعر حذق فهم مثله، لكن مع هذا فالرواية لطيفة وفـيها فائدة حين تخبر عن المتنبي وسيف الدولة وعضد الدولة، يروي التنوخي:

» …. وكان المتنبي قد وفد على عضد الدولة وهو بشيراز، ثم صحبه إلى الأهواز، فأكرمه ووصله بثلاثة آلاف دينار، وثلاث كسى فـي كل كسوة سبع قطع وثلاثة أفراس سروج محلاة، ثم دسّ عليه من سأله:

أين هذا العطاء من عطاء سيف الدولة بن حمدان؟

فقال المتنبي: هذا أجزل، إلا أنه عطاء متكلف، وكان سيف الدولة يعطي طبعاً.

فاغتاظ عضد الدولة لما نقل اليه هذا، وأذن لقوم من بني ضبة فـي قتله إذ انصرف» [١٣].

ولعل أسباب ضعف هذه الرواية عديدة، منها أن سياق القصيدة يبين أن الشاعر لم يخفِ أمر رحيله عن عضد الدولة، بل تم هذا الرحيل عن طيب خاطر ومودة، وقد جُهّز أمره أحسن تجهيز، ومنها أن بقية قصائد المتنبي فـي مدح عضد الدولة تشير إلى حسن العلاقات وصفائها بين الرجيلن ولا تبين أن جفاء أو عتباً وقع بينهما على نحو ماحدث للشاعر مع سيف الدولة، أو مع كافور. ومنها أيضاً أن قوة عضد الدولة يومها وشدة بائسة وشجاعته وكرمه… الخ كلها أمور لا تدفعه إذا أراد عقاب الشاعر إلى أن يقتله غيلة.

لقد كانت زيارة المتنبي إلى بلاط عضد الدولة فـي شيراز - على قصر مدة الزيارة - مرحلة مهمة فـي حياته، وفـي شعره، فشيراز، والري وغيرها من حواضر فارس يومها كانت فـي عصر ازدهار الحضارة العربية الاسلامية، وقد وفّر عضد الدولة لمجالسه فـي شيراز، كما وفر ابن العميد لمجالسه فـي الري وأرجان، مقومات رقي الحياة العلمية والأدبية والاجتماعية… الخ، وكان المتنبي شغوفاً بهذه المجالس، وحين قصدها زينها، ولا شك فـي أنه قوبل بالحفاوة والإجلال لأنه لم يكتفِ بتقريظ ممدوحيه، بل جعل فارس فـي شعره بطبيعتها وبعاداتها وأعيادها ومجالسها لوحة فنية فاتنة خالدة على مر العصور، فلا تنسى الأجيال المتعاقبة ما تثيره فـي النفس قصيدته فـي شعب بوان، والمتنبي شاعر العروبة الكبير احتفل بعادات الفرس ووطد حضورها فـي شعره على نحو ما نجد فـي مدحه ابن العميد حيث يقول:

وورت بالذي أراد زناده [١٤]

جاء نيروزنا وأنت مراده

ويقترب المتنبي فـي هذه القصيدة مما يعرف اليوم بحوار الحضارات، إذ يبتعد عن العصبية القومية المقترنة بنزوع غير انساني، ويجد فـي شخصية ممدوحه بعداً حضارياً عربياً فارسياً اسلامياً منفتحاً على معطيات العقل الإنساني فـيقول فـيه:

رأيه، فارسية أعياده

عربي لسانه، فلسفـي

وقد كان للتواصل الحضاري العربي الفارسي يومها أثر كبير فـي رقي الحضارة الإنسانية وتقدمها، فقد قدمت الحضارة الإسلامية بقواها المستمدة من أمجاد العرب وأمجاد فارس إسهام كبيراً فـي تقدم الفكر الإنساني، ويتمنى المرء الآن لو يحتذي المسلمون على أختلاف أجناسهم حذو أسلافهم لينهضوا من جديد ويتغلبوا على التحديات وتزداد قوتهم ومنعتهم وتسطع حضارتهم.

ومن جهة أخرى فإن مدائحه فـي عضد الدولة هي مدائح للدولة البويهية ولإسهام رجال العلم والأدب والسياسة والجيش فـيها، فـي إعلاء صروح الحضارة العربية الاسلامية فـي القرن الرابع الهجري، وهذه الصروح لاتزال حتى يوم الناس هذا موطن اعتزاز وأصالة، ومثالاً ساطعاً على الفكر المستنير والمتفتح والحي البناء. ومدائح المتنبي هنا ليست فـي سبيل مطمح شخصي منبت عن مجد الأمة وعن هدف نهوضها وتقدمها وغلبتها على التحديات التي كانت تجابهها يومها، لقد امتزج هم المتنبي الذاتي بهموم أمته فمدح أبطالها العرب والفرس ممجداً قيم البطولة والتحرر والبناء، ومن هذا القبيل نجد حاجة إلى إتمام رأي د. طه حسين فـي أثر زيارة المتنبي فارس فـي شعره إذ يقول:

«إن نفس الشاعر لم تمتلىء بالأمل فـي وقت من الأوقات كما امتلأت به فـي هذا الوقت، وما استبعد أن يكون الشاعر قد وثق بالفوز آخر الأمر واطمأن إلى أنه بعد اتصاله بعضد الدولة قد أصبح شاعر الدولة الإسلامية غير مدافع، لا شاعر أمير فـي شمال الشام أو فـي مصر، بل شاعر السلطان الأعظم». [١٥]

وتمام الحقيقة هو أن فوز المتنبي واطمئنانه مكلل باقتران مجده بمجد الأمة، وخير دليل على هذا قصر زيارته فارس على مالقي فـيها من تقدير وتكريم.

لكن المهم فـي ما أثاره د. طه حسين فـي هذا السياق هو حفز الباحثين على الاهتمام بأثر فارس فـي شعر المتنبي إذ يرى أن إقامة المتنبي هناك لو طالت لأدت إلى تغير قوي فـي مذهبه الشعري، ولجاز أن يحدث فـي الشعر العربي فناً جديداً لم يسبق إليه.

وقد بحث د. محمد علي أذرشب فـي هذه المسألة بحثاً مفـيداً تحت عنوان:

أثر زيارة إيران فـي شعر المتنبي، ورأى تجلي هذا الأثر فـي نشاط موهبة المتنبي إذ نظم عدداً من القصائد المتميزة فـي فترة وجيزة، وكانت كثرة الانتاج مقترنة بالتنوع والاختلاف ولا سيما وصف الطبيعة كما تجلى هذا الأثر فـي بعض التحرر من قواعد اللغة والنحو والعروض ثم يختتم د. آذرشب بحثه بالحديث القيم عن ديوان المتنبي فـي إيران [١٦].

وأخيراً لا شك فـي أن التقصير سمة عامة فـي أي بحث توخى الإحاطة بشخصية المتنبي أو بشعره.

[١] راجع د. محمد علي آذرشب - العلاقات الثقافـية الإيرانية العربية: ١١٤

[٢] ديوان المتنبي - شرح البرقوقي: ٤ / ٤٠٤.

[٣] مقدمة الديوان: ١ / ٦٤

[٤] الديوان ١ / ٣٣٥

[٥] الديوان: ٢ / ١٧٣

[٦] الديوان: ٤ / ٢٩٧.

[٧] الديوان: ٤ / ٣٨٣.

[٨] الديوان: ٤ / ٣٨٤.

[٩] الديوان ٤ / ٤٦.

[١٠] الديوان: ٤ / ٢٧

[١١] الديوان: ٤ / ٣٣

[١٢] الديوان: ٣ / ١٢٣

[١٣] نشوار المحاضرة: ٤ / ٢٥٠

[١٤] الديوان: ٢ / ١٦١

[١٥] د. طه حسين - من تاريخ الأدب العربي ص ٣٤٥

[١٦] د. محمد علي آذرشب - العلاقات الثقافـية الإيرانية العربية ص ١٠٩ وما بعد.



[ Web design by Abadis ]