ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 شعر بعض بني بويه

ورد فـي الصفحات السابقة ما يثبت أن عضد الدولة كان صاحب موهبة فـي فنون الشعر والنثر، مع الإشارة إلى أن مصادر التراث لم تذكر أن أحداً قام بجمع شعره، فـي وقت نجد فـيه ذكراً لمجموع شعر ابنه تاج الدولة أبو الحسين أحمد، يقول الثعالبي فـي يتمية الدهر: «ووجدت مجموعاً من شعر تاج الدولة أبي الحسين بخط أبي الحسن علي ابن أحمد بن عبدان، فاخترت منه قوله رحمه الله تعالى ……» [١].

والبويهيون أسرة عرفت بموهبة الشعر وبحفظه ونظمه ونشره فـي المجالس، كما عرفت بعزة الملك، فكان البويهيون كالحمدانيين شعراء وملوك أجادوا فـي فنون الشعر والقتال، وقد شاع شعر رجال بني بويه بين الناس، وذكره الأقدمون كما ذكره أعلام الأدب فـي بلاطهم، فكما ذكر هؤلاء شعر عضد الدولة فقد ذكروا شعر ابن عمه وخصمه عز الدولة بختيار بن معز الدولة، ويحيل الثعالبي على كتاب هارون بن أحمد الصميري «حديقة الحدق» وفـيه أبيات من شعر عز الدولة، كما يذكر الثعالبي بعض أشعار عز الدولة منها قوله:

وحبك غايتي والشوق زادي

وفاؤكَ لازمٌ مكنونَ سري

سوادٌ فـي سوادٍ فـي سوادِ [٢]

وخالُك فـي عذارك فـي الليالي

والشطر الأخير يذكر الجناس فـيه بأبيات عضد الدولة الحائية التي شك الثعالبي فـي نسبتها إليه.

وقد عرف الناس فـي زمن عز الدولة البويهي منزلته فـي ميدان الشعر وميدان النثر، وكما تناقلوا بعض أشعاره، فإن بعضهم كان يستحسن فصاحته وبلاغته، وافتنانه فـي أساليب الحديث والخطاب، وقد تذاكروا فـي هذا فـي مجالسهم، فهذا أبو الوفاء المهندس صديق أبي حيان التوحيدي وصاحبه فـي ليالي الإمتاع والمؤانسة يقول فـي ألفاظ عز الدولة ومعانيه ونظمه التي شاعت بين الناس:

«… أيها الأمير، ما ظننت أنك إذا خلعت رداءك، ونزعت حذاءك تقول ذلك المقال، وتجول ذلك المجال، وتنال ذلك المنال، لقد انصرف ذلك الرهط على هيبة لك شديدة، وتعظيم بالغ، ولقد تداولوا لفظك، وتتبعوا معانيك، وتشاحّوا على نظمك…» [٣].

وقد كان فـي المجلس أعيان بغداد فـي الأدب والمجتمع والسياسة، وقد تألف منهم وفد قصد عز الدولة يشكو إليه خوف الناس وقلقهم بعد أن سارت الروم بجمع عظيم إلى الثغور الشمالية للدولة الإسلامية فخاف الناس بالموصل وانحدروا عنها إلى بغداد التي اضطربت وهاجت فـيها العامة والخاصة وذلك سنة ٣٦٢هـ، وقام أعيانهم ووصفوا الحال وعرضوا الأمر والشكوى فـي حضرة عز الدولة على أساس من التقريع والهلع والتقصير، ببليغ العبارة، وناصع البيان، ودقيق الوصف وحسنه، فأجابه عز الدولة بنص رواه التوحيدي، فـيه من سحر البلاغة ما يستحق الاهتمام والتقدير، والتساؤل أيضاً عن أثر رواية التوحيدي فـي نسبة بلاغة النص وبيان الخطاب إلى عز الدولة، لكن ختام الخبر يؤكد إجماع الحضور على تمكن عز الدولة من فنون البلاغة والبيان، ونص إجابة عز الدولة هو التالي:

«ما زوى عني ما طرق هذه البلاد، وقد أشرفت عليه وفكرت فـيه وما أحببت تجشم هذه الطائفة على هذا الوجه وما أعجبني هذا التقريع مِنَ الصغير والكبير، وما كان يجوز لي أن أنعس على هذه الكارثة، وأنعم بالعيش معها، ولعمري إن الغفلة [علينا] أغلب، والسهو فـينا أعمل، ولكن فـيما ركبتموه مني تهجين شديد، وتوبيخ فاحش، وإن هذا المجلس لمما يتهادى حديثه بالزائد والناقص، والحسن والقبيح، وإنكم لتظنون أنكم مظلومون بسلطاني عليكم، وولايتي لأموركم، كلا، ولكن كما تكونون يولى عليكم، هكذا قول صاحب الشريعة فـينا وفـيكم، والله لو لم تكونوا أشباهي لما وليتكم، ولولا أني كواحد منكم، لما جعلت قيماً عليكم، ولو خلا كل واحد منّا بعيب نفسه لعلم أنه لا يسعه وعظ غيره، وتهجينُ سلطانه، أيظن هذا الشيخ أبو بكر الرازي أنني غير عالمٍ بنفاقه، ولا عارف بما يشتمل عليه من خيره وشره، يلقاني بوجه صلب، ولسان هدّار يرى مِنْ نفسه أنه الحسن البصري يعظ الحجّاج بن يوسف، أو واصل بن عطاء يأمر بالمعروف، أو ابن السماك يُرهب الفجّار، هذا قبيح، ولو سكتُّ عن هذا لكان عِيَّا وعجزا، جزى الله أبا عبد الله شيخنا خيراً حين جلس، وكذلك أحسن الله عنا مكافأة أبي سعيد السرافـي، فإنه ل

و علم أن فـي مساعدتكم رُشداً لما توقف، وأما أن يا أبا الحسن - يريد علي بن عيسى - فوحق أبي إني لأحب لقاءك، وأوثر قربك، ولولا ما يبلغني من ملازمتك لمجلسك، وتدريسك لمختلفتك، وإكبابك على كتابك فـي القرآن، لغلبتك على زمانك، ولا استكثرت مما قلّ حظّي منه فـي هذه الحال التي أنا مدفوع إليها فإنها وازعة على هوى النفس، وطاعة الشيطان، ومنازعة الأكفاء، وجمع المال، وأخذه من حيث يجب أولا يجب، وتفرقته فـيمن يستحق ومن لا يستحق، وإلى الله أفزع فـي قليل أمري وكثيرة، إذا شئتم.

قال لي أبو الوفاء - وهو الذي شرح لي المجلس من أوّله إلى آخره ـ:

لقد شاهدت من عزّ الدولة فـي ذلك المجلس المنصور فـي جدّه وشهامته، وثبات قلبه وقوة لسانه، مع بحح لذيذ ولثغة حلوة [٤].

كما يذكر الأقدمون شعراً لأبي العباس خسرو بن فـيروز بن ركن الدولة، وهو ابن أخي عضد الدولة، وهي قصيدة خمرية فـي غاية الجودة والحسن والإيقاع العذب والصورة الجميلة والخيال النشيط، وتدل على أن صاحبها ثقف صناعة الشعر وتمرس بها زمناً، وكان فارساً فـي مجالسها، ومجالس الأنس والطرب، يقـول أبو العباس خسرو من مجزوء الرمل:

أيّها الساقي لنطربْ

أدرِ الكأسَ علينا

فـي فم الندمانِ تغرُبْ

من شمُولٍ مثلِ شمسٍ

قمراً يلثمُ كوكبْ

فحكتْ حينَ تجلتْ

لكِنِ النّاطورَ عقربْ

وردُ خديه جنىً

ـرّيقُ ترياقٌ مجربْ

فإذا مالدغتْ فالـ

وحين يذكر الثعالبي هذه الأبيات يستنتج من حسن صنعتها، ومن قوة الطبع فـيها أن لصاحبها باعاً طويلاً فـي هذا المضمار فـيقول: «أنشدت له أبياتاً تدل على فضل مستكثر من مثله» [٥] أما البويهي الذي يبدو أنه أكثر انصرافاً إلى صناعة الشعر فلعله ابن عضد الدولة، تاج الدولة أبو الحسين أحمد فقد جمع شعره وسار فـي الآفاق وأنشده الناس وتداوله المصنفون والأدباء من أمثال بديع الزمان الهمذاني، والثعالبي… وآخرين، كما كان هو ينشد شعره فـي مجالسه بفخر واعتزاز، وقد تصرف فـي فنون الشعر، فنظم فـي الفخر والغزل والخمر والطرديات، وتعد أشعاره سجلاً واقعياً وإبداعياً لحياة بني بويه، فهو يفخر بنفسه وبمناقب أسرته ويذكر كيف نقشت أسماء ملوك بني بويه على الدراهم، كما يذكر كيف أقيمت الخطب لهم على المنابر، فـيقول:

جِ الدولةِ الموجودِ ذو المناقبْ

أنا ابن تاجِ الملةِ المنصورِ تا

وفوق كل منبر لخاطبْ [٦]

أسماؤنا فـي وجه كل درهم

وقد تحققت فـي شعره وظيفتا الفن الجمالية والمعرفـية، فنراه ينظم شعراً جميلاً يلجأ فـيه إلى الصورة الحسنة، وإلى الخيال الابتكاري، وإلى الإيقاع العذب، ليقدم لنا صفحة من تاريخ آل بويه حيث الانقسام والنـزاع والاقتتال بين أفراد البيت البويهي، هذا النـزاع الذي أرهق الشاعر وأوهنه وأرقّه، فبيّن وأحسن حين قال:

من العداةِ بالّتي

ألا شفـيت علّتي

ماضٍ رقيقِ الشفرة

وصارمٍ مهندٍ

منوطةٍ بليلة

وليلةٍ أحييتها

يّا فـي الدجى ومقلتي

كأنما نجم الثر

نحرِ فتاةٍ طفلة

جوهرتا عقدٍ على

وفعلِ بعض إخوتي [٧]

أَفْكرُ فـي بني أبي

وفـي هذه إشارة إلى ما سبق ذكره من اقتتال زعماء البيت البويهي وكان أشده إيلاماً الاقتتال بين عضد الدولة والد الشاعر وابن عمه بختيار، هذا الاقتتال الذي أرهق ركن الدولة جد الشاعر وأودى بحياته، فحين قبض عضد الدولة على بختيار، توعده أبوه ركن الدولة وهدده بالمسير إليه وجيش الجيوش، فأطلق عضد الدولة بختيار، لكنه عاد فقبض عليه «فلما سمع بذلك ركن الدولة وهو بالري ألقى نفسه عن سريره إلى الأرض وتمرغ عليها وامتنع من الأكل والشرب عدة أيام ومرض مرضاً لم يشف منه باقي بحياته» [٨].

فقد ذكرنا فـي معرض السرد التاريخي النـزاع بين أبناء عضد الدولة بعد وفاته، وكان الشاعر يلي الأهواز فنشب نزاع بينه وبين أخيه أبي الفوارس شرف الدولة الذي تولى الأمور بعد وفاة أبيه عضد الدولة فأكثر من الخلاف والاقتتال بين اخوته وسار عام / ٣٧٥ / هـ فانتزع بغداد من أخيه صمصام الدولة، ثم سار باتجاه الأهواز وانتزعها من يد أخيه الآخر تاج الدولة واعتقله وسجنه، كما انتزع فـي العام نفسه البصرة من أخيه الآخر ضياء الدولة واعتقله [٩] فنظم تاج الدولة أبياتاً يتأسى فـيها، ويذكر ما أضناه من صروف الدهر حيث لاقى الحبس والأسر فـي أحلى أيام عمره أيام الشباب، فقال:

وأعقبَ بالحسنى من الحبسِ والأسْرِ

هبِ الدهر أرضاني وأعتب صرفه

ومَنْ لي بما أنفقتُ فـي الحبسِ من عمري [١٠]

فمنْ لي بأياّمِ الشبابِ التي مضَتْ

ولتاج الدولة شعر جميل غير هذا فـي خلاف بني بويه واقتتالهم، وفـي ما أصابه هو من ضنك وأذى وحبس، كما له شعر جميل فـي الطيف يستحسن ذكره يقول:

وأبدى شعاعَ الشمس لما تكلما

سلامٌ على طيفٍ أَلَمّ فسلّما

لدى الروض يستعلي قضيباً منعّما

بَدا فبدا من وجههِ البدرُ طالعاً

عذاراً من الكافور والمسكِ اسحما

وقد أرسلتْ أيدي العذارى بخده

فعلّمهُ من سحرهِ فتعلّما

وأحسبُ هاروتاً أطافَ بطرفه

فلما انثنى عنا وودّعَ أظلما [١١]

ألمّ بنا فـي دامسٍ الليل فانجلى

هذا الشعر الجميل هو الذي جعل صاحب اليتيمة يفرد فصلاً له فـي كتابه، يتصدره الحكم النقدي التالي: «هو أدب آل بويه وأشعرهم وأكرمهم» [١٢].

وفـي الصفحات القادمة سنذكر عدداً من الشعراء والكتاب الذين قصدوا بلاط عضد الدولة البويهي فـي فارس، أو فـي بغداد، وسطروا فـي هذا البلاط نصوصاً أدبية خالدة نال بعضها حظاً من التدوين والدراسة، ولم ينل بعضها الآخر هذا الحظ لأسباب….، ولن تتم الإشارة إلى عدد من الأدباء الكبار الذين عاصروا عضد الدولة وجرت بينهما مكاتبات إذا لم تكن هذه المكاتبات. فـي بلاط عضد الدولة، ومن هذا القبيل فلن نفرد بحثاً لأدب الصاحب بن عباد مثلاً لأنه لم يقم فـي بلاط عضد الدولة وينتج فـي رحابه نصوصاً أدبية، على الرغم من وجود مراسلات بين الرجلين فـي النظم والنثر، ووثائق عديدة تثبت دوام التواصل وحسنه بينهما، إلاّ أننا لا يمكن أن نعد الصاحب من أدباء بلاط عضد الدولة، مثلما يمكن أن نعد المتنبي وغيره من أعلام الأدب الذين سيرد ذكرهم فـي الصفحات القادمة.

وقد تم ترتيب توالي ذكر الأدباء وفق معيار الزمن، حيث كان قدم سنة الوفاة هو الذي يقدم ذكر الأديب على من يليه، وكانت البداية مع المتنبي «ت: ٣٥٤هـ»، والختام مع مسكويه «ت: ٤٢١هـ».

ولن يخفى على المتلقي الكريم إيجاز البحث عند ذكر عدد من الأعلام الكبار، واختصار معرض النظر فـي عدد من نصوص الأدب الجميلة، وهذا ليس من قبيل الإغفال أو السرعة، وإنما الغاية الإشارة إلى قيمة من قيم الحضارة العربية الإسلامية، مبعث العز والمجد والنصر، وتتجلى هذه القيمة فـي قبول هذه الحضارة التعدد والتنوع والحوار على اختلاف الجنس واللغة والدين، ومن هذا المنحى يمكن أن يعد بلاط عضد الدولة البويهي مثالاً ساطعاً لتجلي هذه القيم، ولإسهام سلطان السياسة فـي الحياة الفكرية العربية الإسلامية، فـي وقت نجد فـيه مصادر تاريخنا تركز الاهتمام على الاقتتال والاضطراب والفتن فـي ماضينا فـيظن المطلع أن هذا التاريخ مبعث لمزيد من الخصومة والخلاف، وواقع الماضي غير هذا إذا أسهم العرب والفرس والترك والروم والمسلمون والمسيحيون والصابئة والمجوس… وغيرهم فـي صياغة مجد حضارتنا الإنسانية العريقة.

[١] يتيمة الدهر: ٢ / ٢٢٠.

[٢] المصدر نفسه: ٢ / ٢١٩.

[٣] الإمتاع والمؤانسة: ٣ / ١٥٩.

[٤] الإمتاع والمؤانسة: ٣ / ١٥٧

[٥] المصدر نفسه: ٢ / ٢٢٢

[٦] المصدر نفسه: ٢ / ٢٢١.

[٧] المصدر نفسه: ٢ / ٢٢٠.

[٨] أعيان الشيعة: ٨ / ٤١٧.

[٩] ذيل تجارب الأمم: ١٢٣ـ الكامل: ٧ / ١٢٧.

[١٠] يتيمة الدهر: ٢ / ٢٢٠.

[١١] المصدر نفسه:

[١٢] المصدر نفسه: ٢ / ٢١٩.



[ Web design by Abadis ]