ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 أدب عضد الدولة و فكره

من أخبار عضد الدولة البويهي أنه «كان عاقلاً فاضلاً، حسن السياسة كثير الإصابة، شديد الهيبة، بعيد الهمة، ثاقب الرأي، محبّاً للفضائل، باذلاً فـي مواضع العطاء مانعاً فـي أماكن الحزم، ناظراً فـي عواقب الأمور، وكان محبّاً للعلوم وأهلها، مقرباً لهم محسناً إليهم، وكان يجلس معهم يعارضهم فـي المسائل، فقصده العلماء من كل بلد، وصنفوا له الكتب منها الإيضاح فـي النحو، والحجة فـي القراءات، والملكي فـي الطب، والتاجي فـي التاريخ، إلى غير ذلك، وعمل المصالح فـي سائر البلاد كالبيمارستانات، والقناطر وغير ذلك من المصالح العامة، إلا أنه أحدث فـي آخر أيامه رسوماً جائرة» [١].

وتذكر المصادر التاريخية اهتمام عضد الدولة بمسائل الفكر، وبرجاله، وتشير إلى عنايته بالعلم وبالعلماء، وبالمؤسسات العلمية ومما يبعث على التساؤل تمكن الرجل من الانشغال بمثل هذه الأمور وهو المحارب والمقاتل الذي لم تفتر له همة، ولم يعرف الاستقرار، فتنقل فـي الآفاق وقاتل بشراسة وقوة على جبهات عديدة، ولم تخل سنة من سنوات حياته من تجيّش الجيش وتسيره إلى أماكن متفرقة، فلم تعرف حياته الاستقرار الطويل الذي هو شرط من شروط حسن علاقة المفكرين والأدباء بالسلطان، فإقامته ببغداد ومدة سلطانه فـيها كانت أقل من ست سنين ٣٦٧ - ٣٧٢ هـ، وهي ملأى بالاضطراب والفتن والاقتتال.

وقد يلتفت الفكر صوب بلاط سيف الدولة الحمداني البطل العربي المقدام الذي حمى الثغور الشمالية للإمبراطورية العربية الإسلامية من خطر الروم أكثر من عقدين من الزمن، فأخضع خصومه ودوّخ الروم وأقام فـي حلب فـي الوقت نفسه بلاطاً للعلم والأدب والفن زاخراً بالحياة والغنى والتنوع، وفـي هذه الالتفاتة قد يقارن الباحث بين بلاط سيف الدولة الحمداني، وبلاط عضد الدولة البويهي، مستذكراً علاقة الأدباء والمفكرين بكل من البلاطين.

وليس الأمر هنا بصدد المقارنة والمفاضلة، فالهم بيان الواقع والحقيقة، على أساس من الوثائق والحقائق التي لا تترك للذوق، أو للذات أو للانطباع الشخصي أثراً أساسياً. فسيف الدولة استقر بحلب سنة ٣٣٣ هـ وبقي مقيماً فـيها مسيطراً بعيداً عن أثر الفتن والاضطرابات فـي بغداد حتى وافاه الأجل سنة ٣٥٦ هـ، فقصد بلاطه الأدباء والعلماء… برماً بالاضطراب السائد فـي بقية الأمصار ووجدوا لديه كل أنس وتقدير وتشجيع، والأمر مختلف فـي بلاط عضد الدولة البويهي من حيث طول المدة، ومن حيث الاستقرار أو الاضطراب، ومن حيث الجنسية.

فعضد الدولة البويهي أعجمي الأصل ولد فـي كنف الصراع المرير على السلطة، تعدد خصومه من بني العباس، والأتراك، واليويهيين أنفسهم، الخ، إلا أنه كان يغتنم فرصاً فـي حياته ينشط فـيها للاهتمام بالأدب وبالأدباء، وبعلوم العربية وبرجالها وبكتبها، يقول الثعالبي:

«كان على ما مكّن له فـي الأرض، وجعل إليه من أزمة البسط والقبض وخص به من رفعة الشأن، وأوتي من سعة السلطان - يتفرغ للأدب ويتشاغل بالكتب، ويؤثر مجالسة الأدباء، على منادمة الأمراء، ويقول شعراً كثيراً» [٢]. وسنعرض إلى مزيد من هذا حين نصل بالبحث إلى الفصل المخصص لمسكويه.

وتؤكد الأخبار أن الرجل كان فارس السيف والقلم، وعلى ما يبدو من سيرة حياته هو أن انشغاله بمجالس العلم والأدب كان مواكباً لانصرافه إلى شؤون تنظيم الجيش والملك وتدبير أمور السياسة وكان اهتمامه بأمور اللغة والأدب يصل حد الشغف، ولا سيما النحو، وبلغ به الأمر إلى زيادة الصدقات والهبات كلما انتهى منه النظر فـي كتاب من الكتب، ولا سيما كتب اللغة العربية وآدابها، ينقل صاحب سير أعلام النبلاء أنه وُجِد له فـي تذكرة قوله:

«إذا فرغنا من حل إقليدس تصدقت بعشرين ألفاً، وإذا فرغنا من كتاب أبي علي النحوي تصدّقت بخمسين ألفاً» [٣].

ويذكر المؤلف فـي موضع آخر من كتابه قول عضد الدولة:

«أنا غلام أبي علي فـي النحو وغلام الرازي فـي النجوم» [٤].

ويذكر المصنفون أن أبا علي الفارسي صحب عضد الدولة بعد أن انتقل إلى فارس، وتقدم عنده، وكان عضد الدولة يفتخر بتلمذته عليه وقد صنف أبو علي كتابين فـي النحو لعضد الدولة هما الإيضاح، والتكملة، يذكر هذا صاحب شذرات الذهب، ويضيف إلى هذا ذكر حوار طريف ممتع بين الرجلين الشيخ وتلميذه، ففـي مجلس من المجالس سأل عضد الدولة أبا علي: «لم انتصب المستثنى فـي قولنا: قام القوم إلا زيداً، فقال الشيخ بفعل مقدّر، فقال له: كيف تقديره؟

فقال: استثني زيداً، فقال له عضد الدولة: هلا رفعته وقدرت امتنع زيد، فانقطع الشيخ، وقال: هذا الجواب ميداني، ثم أنه لما رجع إلى منـزله وضع فـي ذلك كلاماً وحمله إليه فاستحسنه» [٥].

واعتقد أن ما ذهب إليه عضد الدولة أمر مهم فـي إعادة قراءة منهج النحويين القدامى، وفـي النظر فـي علاقة النحو العربي بالمنطق الأرسطي، وقد يكون لهذا علاقة بسرعة إتقان الأعاجم للنحو، كما يمكن أن يكون له قيمة فـي تيسير النحو، وفـي تخديم اللغة العربية وعلومها تربوياً.

وأثر عضد الدولة كبير، وكثير الذكر فـي مجالس العلم والأدب، وقد كان صاحب بديهية ونظر ورأي متميز، يدني العلماء من مجلسه ويحسن مجاراتهم فـي موضوعات علمهم، بل يقدم جديداً، ففـي الوقت الذي كان يفخر فـيه بمجالسة كبار عصره من العلماء والأدباء والنحاة… فإنه كان فـي الوقت نفسه يقدم جديداً يخرج فـيه من التلمذة إلى الأستذة، ففـي مجلس من مجالسه، وقد حضره بعض الأدباء، ومنهم الأديب الكبير أبو بكر الخوارزمي، تفتقت القرائح عن ارتجال أوصاف وتشبيهات يخص بها الشعراء ألوان الطعام والشراب وآلاتها… يذكر الثعالبي هذا المجلس فـيقول:

حدثني أبو بكر الخوارزمي… فبينا هو ذات يوم معه على المائدة ينشد كعادته إذ قدّمت بهطة، فنظر عضد الدولة كالآمر إياه بأن يصفها، فأرتج عليه، وغلبه سكوت معه خجل، فارتجل عضد الدولة، فقال:

يا مدّعي الأوصاف بالزور

بهطّةٌ تعجز عن وصفها

لإلىءٌ فـي ماء كافور [٦]

كأنها فـي الجام مجلوّةً

ومقطعات شعر عضد الدولة غير قليلة، تذكر كتب الأدب بعضاً منها، ولعل أكثرها ما ذكره مصنفو عصره مثل الثعالبي، والتنوخي، والتوحيدي ومسكويه، وهي ليست قصائد، وإنما أبيات تأتي على سبيل الظرف والمنادمة ومجالس الأنس والأدب، ولا تجعل من صاحبها شاعراً فحلاً، وإن كانت فـيها بعض الصور الطريفة، والتشبيهات الجميلة، والإيقاعات العذبة، فهي ولا شك تصدر عن طبع وموهبة وذوق ودراية، ويمكن أن تجعله فـي عداد أدباء عصره وأعيانه، وإن كان بعض معاصريه أسرف فـي مدحها، فهذا يرتبط بأسباب الملك وعزته.

يذكر التنوخي صاحب نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة ما دار فـي مجلس من مجالس أنس عضد الدولة بنهاوند، حيث تداول الأدباء معنى من معاني الشعر فـي صفات الخمرة، وفضلوا أبياتاً على أبيات…

فقام أحدهم ينشد بيتاً لعضد الدولة فـي المعنى نفسه وقال:

«اصبر، اصبر، فها هنا مالا يلحقه شعر أحدٍ كان فـي الدنيا قط، حسناً وجودة، وهو قول مولانا الملك من أبيات:

تفـيض على الشروب يد النضار

وشرب الكأس من صهباءَ صرفٍ

يقول التنوخي: فقطعت المذاكرة، وأقبلت أعظم البيت، وأفخّم أمره، وأفرط فـي استحسانه، والاعتراف بأني لا أحفظ ما يقاربه فـي الحسن والجودة فأذاكر به» [٧].

ولا يمكن نقد شعر عضد الدولة على أساس من الدقة والتحديد، لأسباب من أهمها ضياع قسم منه، وما وصل إلينا هو أبيات متفرقة، ولا يمكن الاطمئنان إلى أحكام معاصريه، فهي لايمكن أن تخرج من سلطان الملُك وهيبته، وفـي الوقت نفسه لايحسن بنا أن نسيء الظن بهؤلاء الأدباء والنقاد، فنجعل من آرائهم كل ما يتصل بأسباب الرغبة أو الرهبة، ولعل بعض آراء الصاحب ابن عباد فـي شعر عضد الدولة توضح الحال، فالصاحب يرى فـي بعض شعر عضد الدولة ما يصدر عن عزّ وصدق وعلم، وهو فـي هذا على حق، فهذه أمور متحققة فـي ذات الرجل الحقيقية، ومن الطبيعي أن نجد لها صدى فـي ذاته الإبداعية، يصف الصاحب بعض قصائد عضد الدولة فـيقول:

«وأما قصيدة مولانا فقد جاءت ومعها عزة الملك، وعليها رداء الصدق، وفـيها سيما العلم، وعندها لسان المجد، ولها صيال الحق» [٨].

لكن الصاحب فـي أحايين كثيرة لا يكتفـي بهذه الأوصاف، وقد يراها لا تليق بعزة الملك الفارسية، وبفخامة السلطان وقوته، فـيلجأ كعادته إلى المبالغة والإطناب والتهويل، فـيسبغ على شعر عضد الدولة من صفات الإجلال والتعظيم ما يسفّ بالشعر وبالنقد، ويمكن التماس مسوغ له هنا يتصل بسحر الشعر، وبقوة مشاعر الود والصفاء والرخاء فـي مجال الأنس والإخاء، إنها سكرة الشعر، وجنون الفن وقديماً قيل: لا يعرف الشوق إلا من يكابده، يقول الصاحب فـي تقريظ شعر عضد الدولة:

» لو استحق شعر أن يعبد لعذوبة مناهله، وجلالة قائله لكانت قصيدته هي. إلاّ أني اتخذتها عند امتناع ذلك قبلة، أوجه إليها صلوات التعظيم، وأقف عليها طواف الإجلال والتكريم» [٩].

ويبدو أن الصاحب بن عباد كان يحفظ شعر عضد الدولة ويقرظه ويرويه فـي المجالس، ويبالغ فـي استحسانه، وكان هذا يلقى قبولاً حسناً فـي نفس عضد الدولة بل كان يعتز به ويفتخر، فـي وقت كان بعض الشعراء ممن يحضر مجالسه يرى غير هذا، أو يتندر به أحياناً، يروي صاحب الهفوات النادرة، نادرة طريفة من هذا القبيل، حيث كان شاعران مقلاّن نديمان لعضد الدولة، يجلسان فـي مجلسه الفسيح العامر، وقد سمح لهما أن يمضيا يومها بأريحية ومودة كيفما يرغبان، يلقب أحدهما بالنابغ والآخر بالهائم، فقاما يلعبان الشطرنج، وغاص أحدهما فـي التفكير وأطال فأنشد الآخر بيتاً من الشعر، وصار يكرره كلما تريّث الآخر حتى يغيظه، والبيت من شعر عضد الدولة يفتخر فـيه بشعره، وبرواية الصاحب له، وهو:

حسنٌ ذاك ويأتي بالخبـَرْ

وأبو القاسمِ يروي شعَرنا

«فقال الآخر: أفٍّ منك ومن هذا الشعر، فأعاد ذاك إنشاد البيت على مذهب الشطرنجيين فـي مغايظة ملاعبيهم، وتكرار ما يثقل عليهم، فقال له: هذا شعرة لا شعر، فردده، وكرر ذاك السب للشعر وقائله، وعضد الدولة يسمعهما، إلى أن فرغا من دستهما، ونهض واستدعى أبا علي بن محمد أستاذ الدار وتقدم إليه بضربهما مائتي سوط، وأن يأمرهما بأن لا يتكلما بعد يومهما على الشطرنج بشيء» [١٠].

وكانت مجالس عضد الدولة الأدبية مقترنة بالغناء فـي أغلبها، كما أن الشعر عنده صنو النشيد وقرينه، فكان يطرب للإيقاعات القصيرة السريعة، ويعجب من الشعر بما يغنّى، ولاسيما فـي أوقات العشاء، وربما لهذا أسباب تتعلق بحياة المقاتلين، والحكام الأشدّاء حين يمنّون النفس بنظيم من القول، وبلحن من الغناء، يروح عن النفس ويمتعها، ينشط الهمة ويفرح القلوب. ونذكر فـيما يلي نصاً من نشوار المحاضرة يبين طبيعة مجالس أنس عضد الدولة، فالزمان عشاء، والمكان بلاطه، والأشخاص ندماؤه من أدباء القصر وأعيان العصر، والموضوع غناء وشعر، والغاية الفخر، يذكر التنوخي فـي نشوار المحاضرة ما دار فـي مجلس من تلك المجالس، فـيقول:

كنت بحضرة الملك عضد الدولة فـي عشية من العشايا فـي مجلس الأنس، وكان هذا بعد خدمتي له فـي المؤانسة بشهور يسيرة، فغّني له من وراء ستارته الخاصة وهو:

ما هممنا بالفرار

نحن قوم من قريش

وبعده أبيات بعضها ملحون وبعضها جيد، فاستملح اللحن، وقال: هو شعر ركيك جداً، فتعلمون لمن هو، ولمن اللحن؟ فقال له أبو عبد الله المنجم: بلغني أن الشعر للمطيع لله وأن اللحن له أيضاً. فقال لي: اعمل أبياتاً تنقل هذه اللحن إليها، فـي وزنها وقافـيتها، فجلست ناحية وعملت:

لعُ من دار القمارِ

أيّهذا القمرُ الطا

حسن فـي أبهى إزارِ

لابساً من خيلاء الـ

ـبعُ ذنباً باعتذارِ

والذي يجني ولايُتـ

على قربِ المزار

أنا من هجرك فـي بعدٍ

كَ على خلع العَذارِ

أوضح العذرَ عذارا

وعدت فأنشدته إياها فـي الحال، فارتضاها، وقال: لولا أنه قد هجس فـي نفسي أن أعمل فـي معناها، لأمرت بنقل اللحن إليها.

ثم أنشدنا بعد أيام لنفسه:

ـدَ على بعد المزار

نحن قومٌ نحفظ العهـ

من أكفٍّ كالبحار

ونمرّي السحب سحباً

ـفِ قدوراً من نضارِ

أبداً ننجز للضيـ

وأمر جواريه بالغناء فـيه» [١١].

ويذكر الثعالبي فـي يتيمة الدهر مقطوعات من شعر عضد الدولة عددها خمس، وهي قصار، الأولى فـي وصف البهطة، والثاني فـي أبي تغلب بن حمدان الذي خرج عليه وأراد مقاتلته بعد أن انضم إلى ابن عمه بختيار، ثم تراجع أبو تغلب وأرسل يعتذر ملتمساً الأمان، فنظم عضد الدولة شعراً فـي هذا، أنشد بنفسه منه البيتين التاليين:

يبغي الأمانَ وكان يبغي صارما

أأفاقَ حين وطئت ضيق خناقه

تاجيّةً تدع الأنوفَ رواغما [١٢]

فلأركبنّ عزيمةً عضديةً

وتتضح فـي هذين البيتين موهبة عضد الدولة، وسماحة طبعه، وقوة شعره، ومحاكاته لشعر الفروسية والفخر، ولاسيما فـي الشطر الأول من البيت الأول، فكأنك تقرأ شعر الفحول، ولكأنك تتمنى أن يهزك الإحساس بالجمال والقوة فتسمع بقية الأبيات التي لم تذكرها كتب الأدب.

أما المقطوعة الثالثة التي يذكرها الثعالبي فهي فـي وصف الخمرة ومجالسها، لكن الثعالبي يشكك فـي نسبة الأبيات إلى عضد الدولة، ثم يقول، ويتداولها القوالون، وبعد ذكر هذه الأبيات يمكن نفـي هذا الشك لأسباب ترد بعد ذكر الأبيات:

وشربِ الراح والغررٍِ الملاح

طربت إلى الصبوحِ مع الصباح

ونار عند نارنج وراحِ

وكان الثلجُ كالكافورِ نثراً

وصبح والصَّبوحُ مع الصباح

فمشموم ومشروبٌ ونار

صباحٌ فـي صباحٍ فـي صباحِ [١٣]

لهيبُّ فـي لهيبٍ فـي لهيبٍ

ومن أسباب نفـي الشك أن الأبيات متداولة فـي زمن قريب من زمن نظمها، ومنها أنها قريبة فـي معانيها من المعاني التي طالما طرقها عضد الدولة فـي شعره، ومنها أيضاً أنها تصدر عن حياة الجاه والعز والكرم ففـيها الغرر الملاح، والكافور، والنارنج، والمشموم والمشروب، وهي فارسية فـي طبيعتها حيث الثلج والنارنج والكافور، كما أن إيقاعها العذب، و نغمها الحلو، وجمالية التكرار والتقسيم فـيها: تذكر بالشعر المغنى الذي طالما أولع به الملك الشاعر عضد الدولة، وقد ذكرنا من قبل أبياته الرائية التي نظمها وأمر جواريه بالغناء فـيها، وهذا الإلحاح فـي طلب الجناس والطباق وغيره من البديع كما هو ظاهر، كان من طبيعة الحياة الأدبية فـي فني الشعر والنثر فـي بلاط عضد الدولة ولاسيما فـي صنعة الصاحب بن عباد، وسنجد مثيله فـي المقطوعة الخامسة، كما سنجد مثيله فـي نثر عضد الدولة، وكم هو مفـيد وجميل لو يتاح لنا التوقف قليلاً عند الصورة الجميلة الماثلة فـي البيت الثاني.

وفـي المقطوعة الرابعة يذكر الثعالبي أبياتاً لعضد الدولة فـي وصف الخيري وصفاً ينم عن افتنان فـي معرض الصورة الشعرية، إذ يصدر الشاعر فـيها عن خيالي خصب ابتكاري غير تقليدي يظهر فـيه أثر الدربة والمران، وسعة الإطلاع ولاسيما حين يعتمد الصورة المركبة، أو اللوحة الممتدة التي يقوم فـيها التصوير على لوحتين، أو تشبيهين، ويظهر هذا بدقة فـي الشطر الثاني من البيت الثاني، يقول الشاعر عضد الدولة:

إذا تمزق جلباب الدياجيرِ

يا طيب رائحةٍ من نفحة الخيري

فـيه دواخنُ ندٍّ عند تبخير

كأنما رش بالماورد أو عبقَتْ

صفرٌ وحمرٌ وبيضٌ من دنانير [١٤]

كأنّ أوراقه فـي القد أجنحة

وآخر ما يذكره الثعالبي أبيات من قصيدة يبدو أنها آخر ما نظمه الرجل، هكذا يرى بعض المصنفـين، ولا دليل ثابتاً يؤكد هذا، وقد يكون سبب رأيهم هذا فخر الشاعر بنفسه فخراً لا ينسجم مع الإيمان، ويبتعد فـيه الشاعر عن كل تواضع، وهدوء وروية، مما يجعل ذوق المؤمن وإحساسه ينفران من هكذا إمعانٍ، ولا يحسن النظر إلى الشاعر فـي هذا الميدان من وجهة الحقيقة والواقع، فالشعر خيال، وكما وجد له ضرورات فـي المبنى له ضرورات فـي المعنى، ويكاد البيت الخامس يشفع للشاعر عمّا فـي الأبـيات جميعها حين يتوجه إلى الله عز وجل بالدعاء والتوسل إليه ولأولاده من بعده، يقول:

وغناء من جوارٍ فـي السحَرْ

ليس شرب الكأس إلاّ فـي المطرْ

ناغماتٍ فـي تضاعيف الوتر

غانياتٍ سالباتٍ للنهى

ساقياتِ الراحَ مَنْ فاقَ البشر

مبرزاتِ الكأسَ من مطلِعِها

ملكَ الأملاك غلاّبَ القدرْ

عضدَ الدولة وابن ركنها

فـي ملوكِ الأرض ما دار القمرْ

سهّل الله له بغيته

ليُساسَ الملك منه بالغررْ [١٥]

وأراه الخيرَ فـي أولاده

فمن المعروف أن الرجل كان تقياً ورعا صحيح الدين، مؤمناً تمام الإيمان، وهو الذي أوصى بأن يكتب على قبره الآية الكريمة «كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد» [١٦]، ويحكى أنه لما احتضر لم ينطق لسانه إلا بتلاوة قوله تعالى (ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه [١٧] وهو الذي عمّر مشاهد الأئمة من آل البيت فـي النجف وكربلاء وبغداد وسامراء، وزاد فـي عمارتها وزيّن، وعلى ما يبدو فإنه كان يحيي ذكر بعض المناسبات الدينية التي تخص آل البيت بنظم قصائد فـي عيد الغدير، أو فـي عاشوراء، ومما ذكر له من شعر فـي هذا الموضوع أبيات من قصيدة جميلة يظهر فـيه صدق العاطفة مع رقتها مقترنين باليسر والحسن والصفاء، وقد قالها تيمّناً بآل بيت رسول الله (ص).

قبورٌ بمثوى الطفّ مشتملاتِ

سقى الله قبراً بالغريّ وحولَه

سقته السحابُ الغرّ صفوَ فراتِ

ورمساً بطوسٍ لابنه وسميّهِ

عليها من الرحمن خيرُ صلاة

وفـي طيبةٍ منهم قبورٌ منيرةٌ

وفـي سرّ منَ را معدنِ البركاتِ

وفـي أرض بغدادٍ قبورٌ زكيّةٌ

وسفن نجاتي إن أردت نجاتي [١٨]

فهم عدتي للروع فـي يوم شدتي

وقليلاً ما تحفل مصادر تاريخنا الأدبي بمثل هذه الأبيات لعضد الدولة، فأغلب شعره المذكور فـي هذه المصادر يتصل بموضوعات مجالس الأنس واللهو، على نحو ما ذكرنا سابقاً من أبيات وردت فـي يتيمة الدهر للثعالبي، وقبلها أبيات فـي الموضوع نفسه ذكرها التنوخي فـي نشوار المحاضرة، وبقي مقطوعتان ذكرتا فـي الكتاب الأخير، الأولى فـي وصف بساط، وبرع الشاعر فـي الوصف الحسي، وصدق حين صدر فـي وصفه عن عالم العز والغنى فاستمدت تشبيهاته من ماعون بيته كما فعل ابن المعتز من قبل حين شبه القمر بزورق من فضة، يقول عضد الدولة:

قد ابرز أطرافاً تعد قحافا

رأيت بساطاً للزبرجد ناضراً

وممزوجة فـيه رفعن سجافا

قحافاً من البلور ملأى وفُرّغا

وتترك أحلام الحليم سخافا [١٩]

تدير رؤوساً للندامى كؤوسها

والمقطوعة الثانية، فـي موضوع الخمرة أيضاً، وفـيها يقول:

فعاد الليلُ إصباحا

نحرنا بيننا دنّاً

ـغـرابينِ إذا صاحا [٢٠]

وداجٍ نحره مثل الـ

وكما كان الذي وصلنا من شعر عضد الدولة قليلاً، بل أقله فإن الذي وصل من نثره هو أيضاً قليل، بل نزر يسير، وعلى قلته، فإن من المرجح أن يكون الرجل قد قدم فـي هذا الفن بعض النصوص الجميلة ولاسيما أن علمين من أعلام النثر قصدا بلاط بني بويه، وأقاما فـيه، وهما ابن العميد وابن عباد، وقد كان ولابد شغوفاً بهذا الفن مثلهما، ويقتبس صاحب أعيان الشيعة بعض كلمات كتبها عضد الدولة إلى أحد الولاة، تدل على منـزلته فـي النثر العربي، وعلى تأثر بصنعة ابن عباد، أو بتصنعه على حد تعبير د. شوقي ضيف، حيث الزخرف والتكلف والزينة والتجنيس، يذكر الأمين العاملي أن أبا منصور التركي متولي دمشق كتب إلى عضد الدولة يطلب منه المدد ليستقر بدمشق، فلم يلبه، بل عنّفه ببليغ من القول موجز جميل، جاء فـيه:

«غرّك عزّك، فصار قصار ذلك ذلّك، فاخش فاحش فعلك، بهذا تهدى» [٢١].

كما يذكر التوحيدي نصاً آخر يبدي فـيه عضد الدولة سخطه على أحد وزرائه وهو عبد العزيز بن يوسف [٢٢] الذي تقلد ديوان رسائله، وكان من خواص ندمائه، لكنه كان يظلم الناس على ما يبدو، ويرتشي، ولا يصدق مليكه القول ولا العمل، وكان عضد الدولة شديداً على ولاته، يكره الظلم والظلاّم، «وكان لا يُعوّل فـي الأمور إلا على الكفاة، ولا يجعل للشفاعات سبيلا» [٢٣]، وحين بلغه أن وزيره عبد العزيز بن يوسف لا يقضي حاجات الناس، ولا يسوس الأمور بحسن قول وعمل سأله فـي هذا فقال: يا مولانا إنما أنا أقضي الحاجة بك، فإذا لم تقضها كيف أكون؟ فإن الحوائج كلها إليك. فقال عضد الدولة: «صدقت، أنا لا أقضي حاجة لك، لأنك لا تقصد بها وجه الله، ولا تبغي بها مكرمة، ولا تحفظ بها مروءة، وإنما ترتشي عليها، وتصانع بها، وتجعلني باباً من أبواب تجارتك وأرباحك، ولو كنت أعلم أنك تقضي حاجة لله أو لمكرمة أو لرحمة ورقةٍ لكان ذلك سهلاً عليّ، وخفـيفاً عندي، لكنك معروف المذهب فـي الطمع والحيلة، وجرّ النار إلى قرصك وشَرَهك فـي جميع أحوالك، وليس الذنب لك، ولكن لمن رآك إنساناً وأنت كلب» [٢٤]. وسنفصّل القول فـي قصة عبد العزيز بن يوسف حين نصل إلى البحث فـي أدبه.

وكان لعضد الدولة اهتمام بسائر أصناف المعارف والعلوم من فلك وهندسة وطب وقد نقل اهتمامه هذا من الكتب إلى المؤسسات، فبنى مكتبة كبيرة ببغداد، وكان مسكويه خازنها، كما أنشأ البيمارستان العضدي ببغداد وأحضر إليه كبار الأطباء ووفر له صنوف الأدوية، فـي الوقت الذي بنى فـيه الجسور والقناطر والسدود، فانتقل من النظرية المعرفـية إلى التطبيق العملي. وقد حفلت مصادر التاريخ بذكر هذا، وقام عدد من المعاصرين بذكر فضل الدولة البويهية فـي الحضارة الإسلامية، فـي العلوم وفنون الأدب، وفـي العمران، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر كتاب محمود غناوي الزهيري الذي نشر فـي مصر سنة ١٩٤٩ بعنوان الأدب فـي ظل بني بويه وكتاب د. رشاد معتوق الذي نشر فـي السعودية عام ١٩٩٧ بعنوان الحياة العلمية فـي العراق خلال الدولة البويهية، إضافة إلى كتاب نشر فـي الولايات المتحدة عام ١٩٨٠ ولم يترجم وهو مهم فـي هذا الاتجاه إذ يهتم بالمنحيين العلمي والإنساني، للباحث الأكاديمي موناهيدي، عنوانه:

Loyalty and leadership in early islamic society

وفـي هذا السياق لابد من الإشادة بالبحث الذي قدمه د. محمد أركون لنيل درجة الدكتوراه، ونشر مؤخراً فـي طبعتين، وعنوانه «نزعة الأنسنة فـي الفكر العربي»، وهو محاولة جد قيمة فـي هذا الاتجاه، وتعد فريدة حتى اليوم، فـي اهتمامها الشديد بتوضيح أثر النـزعة الإنسانية فـي النشاط الفكري فـي بلاط الدولة البويهية، ثم قام الباحث نفسه، وأكد رأيه وصقل تجربته ووسع آفاقها فـي كتاب أخير نشر بالفرنسية وترجم فـي بيروت سنة ٢٠٠١ وعنوانه: «معارك من أجل الأنسنة فـي السياقات الإسلامية»، ويجعل الباحث المرموق من عصر التوحيدي ومسكويه، ومن نتاجهما شواهد حيّة على النـزوع العلمي، والإنساني العام فـي الفكر العربي الإسلامي، وهي محاولة شديدة الجرأة، والوضوح والقوة.

إلا أن حظ عضد الدولة البويهية فـي هذه الأبحاث غير واضح أبدا، ولا يكاد الباحث يظفر ببحث ينصرف إلى الاهتمام بما قدمه هذا الملك الشاعر الذي عني بالعلم والعمران وبفنون الأدب كبير عناية، بل كان يضطلع بكل علم بسبب متين، إذ أسهم فـي إذكاء روح البحث والتأليف والتطبيق، وربما كانت ترجمة السيد محسن الأمين العاملي فـي كتابه: أعيان الشيعة، هي أطول حديث فـي حياة عضد الدولة، وهي تقع فـي الجزء الثامن بين الصفحة ٤١٥ إلى ٤٢٤.

[١] الكامل: ٧ / ١٠٤.

[٢] الثعالبي، يتيمة الدهر: ٢ / ٢١٧.

[٣] الذهبي - سير أعلام النبلاء: ١٦ / ٢٥١.

[٤] المصدر نفسه: ١٦ / ٣٨٠.

[٥] ابن العماد الحنبلي - شذرات الذهب: ٢ / ٨٨.

[٦] الثعالبي - يتيمة الدهر: ٢ / ٢١٧: والبهطة: الأرز مطبوخ باللبن والسمن.

[٧] التنوخي - نشوار المحاضرة: ٤ / ٨٥.

[٨] يتيمة الدهر: ٢ / ٢١٧.

[٩] المصدر نفسه.

[١٠] غرس النعمة الصابيء الهفوات النادرة: ٥٨.

[١١] نشوار المحاضرة: ٤ / ٨٦ / ٨٧.

[١٢] يتيمة الدهر: ٢ / ٢١٧.

[١٣] يتيمة الدهر: ٢ / ٢١٨.

[١٤] المصدر نفسه.

[١٥] المصدر نفسه.

[١٦] الأمين العاملي - أعيان الشيعة ٨ / ٤٢٤، سورة الكهف الآية: ١٨.

[١٧] الخبر ورد فـي المصادر التي ذكرت سنة وفاته، جميعها، والآيتان، الحاقة: ٢٨، ٢٩.

[١٨] أعيان الشيعة ٨ / ٤٢٢.

[١٩] نشوار المحاضرة: ٣ / ١٨ والسجف: الستر والحجاب. والقحف: الإناء من الخشب. والاقتحاف: الشرب الشديد.

[٢٠] المصدر نفسه.

[٢١] أعيان الشيعة ٨ / ٤٢٢.

[٢٢] الخبر فـي الإمتاع والمؤانسة: ٣ / ١٤٧، وسيرد ذكره، والرأي فـيه حين نبحث فـي أدب أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف.

[٢٣] الكامل: ٧ / ١٠٣.

[٢٤] التوحيدي - الإمتاع والمؤانسة: ٣ / ١٤٩.



[ Web design by Abadis ]