ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 البويهيون الحياة السياسية و الحيـاة الفكريـة

وصل البويهيون إلى بغداد فـي وقت عمت فـيه ملامح الفوضى والاضطراب والدمار، إذ صارت الخلافة العباسية ضعيفة لاحول ولاقوة فـيها للخليفة الذي بات لايملك من أمره شيئا، فمنذ أن قتل الأتراك الخليفة المتوكل سنة ٢٤٧هـ آل أمر الخليفة إلى هوان، وتحكم به قواده الترك الذين اصطنعهم، وازداد الأمر سوءاً قبيل وصول البويهيين إلى بغداد حيث تغلب القائد التركي توزن على أمور الخليفة المتقي بالله، وصار الحل والعقد والإبرام بيده، فغدر بالخليفة وقبض عليه وخلعه وسمل عينيه سنة ٣٣٣ هـ وأحضر عبد الله ابن المكتفـي ولقبه بالمستكفـي بالله وولاوه الخلافة فـي السنة نفسها [١]، ولم يترك له من أمره شيئا، ولم يدم الامر طويلاً إذا دخل أحمد البويهي بغداد سنة ٣٣٤ ووجد الخلفـية ضعيفا لايملك من أمره إلا ماحدده له القائد توزون فاتهم البويهي الخليفة المستكفـي بالتآمر عليه، فخلعه وسمل عينيه.

وكان الخليفة القاهر بالله عندما سمع بسمل الخليفة المتقي قال: «صرنا اثنين نحتاج إلى ثالث، فكان كذلك إذ لحق بهما المستكفـي» [٢].

إذا وصل البويهيون إلى بغداد سنة ٣٣٤ هـ، فمن هم، وكيف تم لهم ذلك؟

لعل أحمد بن محمد بن يعقوب الملقب بمسكويه الفارسي الأصل هو أهم من كتب فـي تاريخ البويهيين، وسيكون كتابه تجارب الأمم وتعاقب الهمم من أهم مصادر هذا البحث للأسباب التالية:

الرجل فارسي وواكب نشوء الدولة البويهية إذ ولد بين ٣٢٠ - ٣٢٥ هـ. وله إسهام فـي كتابة التاريخ العربي، وفـي الفكر العربي.

بدأ حياته العلمية فـي بلاط معز الدولة البويهي، واتصل بابن العميد وعمل عنده خازنا لمكتبته الكبيرة.

بعد مصرع ابن العميد انتقل إلى خدمة عضد الدولة (موضوع البحث) وعمل عنده رسولاً، وخازنا لمكتبته، بل أهداه كتابه (تجارب الأمم).

اتصل الرجل بخلف عضد الدولة فعمل عند صمصام الدولة، وشرف الدولة وبهاء الدولة، وكان خازنا، ونديما فـي مجالس العلم والأدب، وألف فـي التاريخ والأدب والفلسفة والطب، وقد اتصف منهجه فـي التأليف بالموضوعية والحياد، فهو ينتقد البويهيين ويذكر أخطاءهم وأطماعهم، إضافة إلى هذا نجد المصادر التاريخية عالة على ماقدمه مسكويه فـي أخبار البويهيين.

أول من عرف الناس من البويهيين هو علي بن بويه الذي اغتنم فرصة الخلاف بين قادة الديلم، وانتقل من القتال مع ماكان بن كاكي إلى القتال مع خصمه مرداويج بن زيار، وكان فـي هذا الانتقال حسن حيلة، وسداد بصيرة، فعندما انهزم ماكان أمام مرداويج وبان ضعفه أستأذنه بنو بويه بتركه وقالوا له: «إن الاصلح لك مفارقتنا إياك لتخف عنك مؤونتنا، ويقع كلّنا على غيرك فإذا تمكنت عاودناك» [٣]. فأذن لهم، فتركوه والتحقوا بخصمه مرداويج الذي كافأ علي بن بويه لانضمامه اليه بولاية أمر الكرج (جنوب شرق همذان)، وكانت هذه المكافأة منطلق الدولة البويهية ومنبعها، وحين وصل علي إلى الكرج أحسن إلى رجالها، وتودد إلى عمالها ولاطفهم، فكتبوا إلى مرداويج يشكرونه على توليه علي ويحمدون سياسته [٤].

وبدأ علي يسوس الأمور بحنكة وكرم وبأس وسماحة طبع وسعة صدر فانحاز إليه الناس ولحقوا به، مما أخاف مردوايج فطالبه بالانصراف عن الكرج، فتأخر علي وتقاعس وتوجه إلى أصفهان فدخلها بعد أن سمع الناس بفضله وعطائه وبأسه، ثم استولى على أرجان واستخرج منها أموالاً كثيرة….

وتوالت انتصارات علي داخل فارس سنة ٣٢١ هـ، فأرسل أخاه الحسن إلى كازرون وسابور ومناطق أخرى من فارس فأخذها وهزم خصومه، وفـي سنة ٣٢٢ هـ اتفق خصومه وتعاهدوا وتعاونوا فـي سبيل هزيمته والتقى الفريقان فـي موقعة شديدة البأس فـي كرمان، وظهر فـيها باس أحمد بن بويه الأخ الأصغر ولم يكن تجاوز حينها التاسعة عشر من عمره [٥]، واستقر الأمر فـي هذه السنة لعلي بن بويه فـي فارس، وبعد أن ثبت سيطرته فـيها كتب إلى الخليفة الراضي بالله وإلى وزيره علي بن مقلة مبديا الطاعة، ومطالبا بأن يقاطع على مابيده من البلاد على أن يبذل فـي كل سنة ثمانية ملايين درهم، فتم له هذا، وبعدها جهز أخاه الحسن وسير معه العساكر إلى بلاد الجبل فاسـتولى على اصفهان، ونظـر الأخـوان

فـي أمر ولاية أخيهما الأصغر أحمد، فجهزاه وسيراه إلى كرمان فخضعت له، وبعد سنتين جهزه أخوه علي بجيش لفتح الأهواز، فهزم البريديين والقائد بجكم مرتين وأخذ الأهواز.

وتابع محاولات السيطرة على واسط، وليست هي هدفه، وإنما بغداد مركز الخلافة التي كانت تعاني يومها من عدة نزعات واضطرابات بسبب فساد نظام إمرة الأمراء الذي كان سائدا يومها، وبسبب ضعف الخليفة وطمع قادة الجيش الأتراك، فعمت الفوضى، واختلت القيم وأقتتل بجكم وتوزون والبريدي والبويهيون، وصار الخليفة فـي حيرة من أمره، من يستوزر؟ وبمن سيأتمن، وعلى سبيل المثال نذكر بعض ماجرى سنة ٣٢٧هـ.

فـي هذه السنة مات الوزير أبو الفتح بن جعفر بن الفرات، وسعى بعض القادة عند الخليفة الراضي بالله لأن تكون الوزارة للبريدي، فأرسل إليه الخليفة قاضي القضاة، فامتنع من تقلدها ثم استجاب لذلك، بعد أن تم الصلح بينه وبين بجكم، وكان البريدي قبلها قد ضمن أعمال واسط بستمائة ألف دينار، ولما تقلد البريدي الوزارة قال فـيه ابو الفرج الاصفهاني قصيدة جاء فـيها:

قد تولّى الوزارةَ ابنُ البريدي

ياسماءُ اسقطي وياأرضُ ميدي

ـكُ ومحّتْ آثارهُ فهو مودي

هدّ ركنَ الإسلام وانهتك الملْـ

محو رسم الإسلام والتوحيدِ

فـي سبيل الإسلام خير سبيلٍ

بوليدٍ لايرعوي لفقيد

لايُسرنّ غافلٌ بعد هذا

وقليلٌ أن تذرفـي وتجودي [٦]

فاستهلّي ياعينُ بالدمع سحّاً

والبريدي هذا قاتل مع أحمد البويهي بجكم أمير الأمراء، لكنه تخلى عنه وخدعه وقاتله فهزم، وفـي سنتي ٣٣١ - ٣٣٢ حاول أحمد بن بويه الاقتراب من بغداد باحتلال البصرة وواسط، فهزمه توزون أمير الأمراء، وفـي عام ٣٣٤ توفـي توزون وخلفه ابن شيرزاد الذي زاد سوء أفعاله من انتشار أعمال اللصوص ومن اضطراب أحوال العامة، ومن المصادرات والصراعات فـي وقت تفككت فـيه الأسرة البريدية وانحل سلطانها فـي البصرة والموصل، فسار أحمد بن بويه على الفور مغتنما الفرصة ودخل بغداد فـي جمادى الثانية سنة ٣٣٣ هـ، فلقي الخلفـية المستكفـي وتبايعا ولقبه بمعز الدولة، ولقب أخاه الأكبر علي بعماد الدولة، وأخاه الاوسط حسن بركن الدولة، وضربت ألقابهم على الدنانير [٧]. وعزم معز الدولة على أن يبايع أبا الحسن محمد بن يحيى الزيدي العلوي خليفة فمنعه الصميري احد مستشاريه المقربين منه من ذلك وقال له: (إذا بايعته استنفر عليك أهل خراسان، وعوام البلدان، وأطاعه الديلم ورضوه وقبلوا أمره فـيك، وبنو العباس قوم منصورون تعتل دولتهم مرة وتصحح مراراً، وتمرض تارة وتستقل أطواراً، لأن أصلها ثابت وبنيانها راسخ)، فعدل معزّ الدولة عن تعويله، وأصدر أبا القاسم الفضل بن المقتدر بالله (

المطيع لله) من دارا بن طاهر إلى دار الخلافة وسلم عليه بالخلافة بعد أن خلع المستكفـي بالله وسمله وأحضره فسلم على المطيع لله بالخلافة وشهد على نفسه بالخلع…. وأقام معز الدولة لنفقة الخليفة فـي كل يوم ألفـي درهم [٨]. وتمكن معز الدولة من السيطرة على العراق وصار أميراً عليها، كما صار أخوه علي عماد الدولة أمير فارس، وأخوه الحسن ركن الدولة أمير إقليم الجبال وطبرستان وجرجان.

كان علي عماد الدولة يتمتع بصفات السياسي البارع ويتميز بحسن التدبير والدهاء والمكر والشجاعة وبحسن معاملته لأعدائه، ولم يكن متعصبا مذهبيا حتى قيل فـيه «إنه ترك المذاهب جانبا وطلب الغلبة والملك فأطاعه الناس» [٩]، وكان يشرف على تدريب أخويه ويسدي إليهما النصح والإرشاد ويقول فـيهما (إنهما أخواي بالنسب وابناي بالتربية وصنيعتاي بالولايات) [١٠]، وقبل أن يوافـيه الأجل طلب من أخيه الأصغر أحمد معز الدولة طاعة أخيه حسن ركن الدولة الذي تولى رئاسة الأسرة وجعله الخليفة أمير الأمراء [١١] وفـي عام هـ٣٣٧ طلب من أخيه ركن الدولة أن يرسل إليه ابنه فناخسر ليدربه ويعده ويجعله من بعده فـي فارس، ووصل فنا خسر و (عضد الدولة) واستقبله عمه عماد الدولة وحضره لخلافته وأمر الجميع بطاعته وتوفـي العم بشيراز سنة ٣٣٨هـ فخلفة ابن أخيه.

وفـي سنة ٣٥٦ هـ توفـي معز الدولة وخلفه ابنه عز الدولة بختيار على إمارة العراق، وفـي سنة ٣٦٦ توفـي ركن الدولة بعد أن أعلن تولية عضد الدولة ولاية عهده وخلافته على ممالكه وأوصى أخويه فخر الدولة (أمير همذان والدينور) ومؤيد الدولة (أمير أصفهان والري وأعمالهما) بطاعته [١٢].

وبوفاة ركن الدولة وأخويه معز الدولة وعماد الدولة قبله صار عضد الدولة زعيم الأسرة البويهية وشمل سلطانه فارس وكرمان وعمان، وكان أخواه بمثابة نائبين له فـي أعمالهما، فعاد للتفكير من جديد فـي امتلاك العراق، وتحقق له هذا سنة ٣٦٧ هـ.

[١] راجع أحداث سنة ٣٣٣هـ فـي البداية والنهاية، والكامل فـي التاريخ، ومروج الذهب.

[٢] السيوطي - تاريخ الخلفاء: ص ٣٩٨.

[٣] ما كان الديلمي: صاحب جرجان يومها قتل سنة ٣٢٩هـ، راجع تاريخ الطبري =

=١١ / ٣٢٢. مسكويه - تجارب الأمم وتعاقب الهمم ١ / ٢٧٧ - ابن الأثير - الكامل: ٦ / ٢٣١.

[٤] مسكويه - تجارب الأمم: ١ / ٢٧٨، ابن الأثير - الكامل: ٦ / ٢٣٢.

[٥] تجارب الأمم: ١ / ٢٩٨، الكامل: ٦ / ٢٣٥.

[٦] تاريخ الطبري: ١١ / ٣١٨.

[٧] تاريخ الطبري: ١١ / ٣٥٤، تجارب الأمم: ٢ / ٨٥.

[٨] تاريخ الطبري: ١١ / ٣٥٤ / ٣٥٥.

[٩] ابن الجوزي - المنتظم فـي تاريخ الملوك والأمم: ٦ / ٢٢٤.

[١٠] تجارب الأمم: ٢ / ١١٣.

[١١] تجارب الأمم: ٢ / ١٢٠، الكامل: ٦ / ١٣٢.

[١٢] تاريخ الطبري: ١١ / ٤٤٩.



[ Web design by Abadis ]