ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مدخل

تميزت الحضارة الإسلامية بخصائص سامية جعلت منها الحضارة الأقدر على الاستمرار والتواصل وقبول تبادل الأثر والتأثير على مر الزمن، ولعل أهم خصائص هذه الحضارة وصفها بالإنسانية.

حركة الفتوحات الإسلامية أسهمت فـيها شعوب البلدان التي فتحها المسلمون، وعملت على ترسيخ القوة والمنعة والازدهار بعد أن ساوى الإسلام بين المسلمين فـي الحقوق والواجبات إذ قرر الرسول العربي (ص) «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى»، عملاً بالآية الكريمة (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم. إن الله عليم خبير [١]. وكان لنهج الرسول العربي (ص) فضل كبير فـي تعزيز قيمة الإنسان على اختلاف قوميته وعرقه ولونه حين كان من أقدم أصحابه وأجلهم الفارسي سلمان، والحبشي بلال، والرومي صهيب.

هذا النـزوع الإنساني الكبير بأبعاده الدينية والدنيوية فـي الحضارة الإسلامية جعل المسلمين من غير العرب يتسابقون إلى المشاركة فـي صياغة مجد هذه الحضارة وإلى إعلاء شأن الإسلام ودولته، ولعل هذا يتضح عند الفرس أكثر من غيرهم إذ كان هؤلاء القوم سباقين إلى المشاركة فـي نقل شتى أنواع العلوم والمعارف والإدارة والصناعة …. إلى الدولة الجديدة وقد نشطوا فـي مختلف أوجه الحياة الروحية والسياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، ولهذا تحفل مصادرنا القديمة بالإشادة بفضلهم.

وقد بحث فـي هذا ابن خلدون فـي مقدمته، فقدم رأياً واقعياً منطقياً واضحاً بين فـيه أسباب أن حملة العلم فـي الإسلام أكثرهم من العجم، وإن كان منهم العربي فـي نسبته فهو أعجمي فـي لغته ومرباه ومشيخته، مع أن الملّة عربية، وصاحب شريعتها عربي وهو الرسول محمد (ص). وينظر ابن خلدون إلى الأمر دون عصبية، بل على أساس حضاري فـيقول:

«والسبب فـي ذلك أن الملّة فـي أولها لم يكن فـيها علم ولا صناعة لمقتضى أحوال السذاجة والبداوة …. وقد كنا قدمنا إن الصنائع من منتحل الحضر وأن العرب أبعد الناس عنها، فصارت العلوم بذلك حضرية وبعد عنها العرب وعن سوقها، والحضر لذلك العهد هم العجم…. فكان صاحب صناعة النحو سيبوبه، والفارسي من بعده، والزجاج من بعدهما وكلهم عجم فـي أنسابهم…. وكذا حملة الحديث…. وعلماء أصول الفقه…. وحملة علم الكلام…. وأكثر المفسرين…. وظهر مصداق قوله (ص). «لو تعلق العلم بأكناف السماء لناله قوم من أهل فارس»، وأما العرب الذين أدركوا هذه الحضارة وسوقها، وخرجوا إليها عن البداوة فشغلتهم الرئاسة فـي الدولة العباسية، وما دفعوا إليه من القيام بالملك عن القيام بالعلم والنظر فـيه فإنهم كانوا أهل الدولة وحاميتها، فهذا الذي قررناه هو السبب فـي أن حملة الشريعة أو عامتهم من العجم» [٢].

وبعدها يوضح ابن خلدون أسباب انتقال حملة العلم والحضارة من العجم إلى مصر. ويمكن تقسيم إسهام الفرس فـي الحضارة العربية الإسلامية إلى مراحل تتبع أنظمة الخلافة الإسلامية من راشدية، إلى أموية، إلى عباسية، وبعد سقوط بغداد بدأ نجم الحضارة العربية الإسلامية بالأفول، وصار الألق يخبو بالتدريج باستثناء قليل من الشذرات التي ما تزال مثار اعتزاز وفخر، ولسنا بصدد بحث واقع الفرس المسلمين قبل قيام دولة بني العباس، ويكاد الجاحظ يوجز الحديث ويبين الأمر فـي هذا المنحى بقوله:

«دولة بني مروان عربية أعرابية ودولة بني العباس أعجمية خراسانية» [٣] إذ نادراً ما تحفل مصادرنا التاريخية بالحديث عن أثر الفرس فـي قيام الدولة العربية الإسلامية وعن إسهامهم فـي الحياة العامة قبل قيام الخلافة العباسية، ولهذا أسباب تبين بعضها من قول الجاحظ المذكور. لكن أثرهم السياسي والعسكري بدأ ينهض مذ ضعفت الخلافة الأموية فدخل الخراسانيون ليحسموا الأمر لصالح الإسـلام حين نهضت دولته من جديد بقيام خلافـة بين العباس، فكان لأبي مسلم الخراساني كبير الأثر فـي انتصار بني العباس على بني أمية.

لقد أسهم الفرس إسهاماً كبيراً فـي قيام خلافة بني العباس وفـي استقرارها ونهضة الحياة العامة فـيها من الوجهة الاجتماعية والفكرية والإدارية والفنية والعسكرية…. الخ، ومكنوّا بني العباس من الغلبة أولاً ومن الاستمرار والاستقرار والنهوض ثانياً، وأدخلوا نظمهم وقيمهم وتقاليدهم …… إلى مركز الخلافة العربية الإسلامية فأثروا فـي مجتمع العامة ومجتمع الخاصة وتأثروا بهما، ونبغ منهم الأدباء والنقاد واللغويون والبلاغيون والنحاة والفلاسفة والسياسيون والقادة…. وأخلصوا النية والعمل للدولة الجديدة وأحبوا الحياة وأحبهم الناس، وسادت الألفة والمودة والتسامح بين الجميع، مما هيأ أسباب التقدم والرقي والازدهار فـي الحضارة العربية الإسلامية، إذ بدأ يظهر منذ النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة أعلام كبار فـي مختلف ميادين الحياة الفكرية والفنية والعلمية، وبدأ الإسهام الإسلامي فـي الحضارة الإنسانية يتميز ويتوطد ويتقدم.

ولا يمكن للباحث عن الحقيقة أن ينتصر لأثر العرب أو لأثر الفرس فـي نهوض الحضارة الإسلامية فـي ذلك الزمن، فـيفضل إسهام طرف على إسهام الطرف الآخر، إذ كثيراً ما نجد عند بعض الباحثين مثل هذا الانتصار أو التفضيل الذي يصل إلى حد التعصب، وقد كان للاستشراق وظيفة هنا لا يتاح توضيحها الآن، لقد كان معرض الحياة العامة رحباً سمحاً غنياً متفتحاً مكّن الأجناس والأقوام واتباع الديانات المتنوعة جميعهم من الإسهام فـي بناء مجد الدولة الجديدة إذا تسابق كل طرف إلى توطيد حضوره وأثره فـي وجدان الناس بأريحية وتواد ورضى وقبول، ويمكن أن ينظر إلى هذه التعددية شديدة التنوع يومها نظرة إيجابية حافزة على أساس من التميز والتفرد والاعتزاز فـي تاريخ الحضارات، إذ لم يعرف تاريخ البشرية انسجاماً فـي مثل هكذا تنوع حيث العرب والفرس والترك والهنود…. والمسلمون والمسيحيون والمجوس واليهود…. جميعا يسهمون عن طيب خاطر فـي إشادة صرح الحضارة الإسلامية التي كانت الحضارة الأهم والأبرز فـي ذلك الزمن. ولنقرأ ما أوصى به الخليفة العربي المسلم العباسي أبو جعفر المنصور ابنه يقول:

«وأوصيك بأهل خراسان خيراً فإنهم أنصارك وشيعتك الذين بذلوا أموالهم فـي دولتك، ودماءهم دونك، وهم من لا تخرج محبتك من قلوبهم…. أوصيك أن تحسن إليهم، وتتجاوز عن مسيئهم وتكافؤهم على ما كان منهم، وتخلف من مات فـي أهله وولده» [٤].

وكان المنصور قد قال: «يا أهل خراسان أنتم شيعتنا، وأنصارنا وأهل دعوتنا» [٥] وبالنتيجة لا مفر من التوقف ثانية عند قول الجاحظ: «دولة بني العباس أعجمية خراسانية» إذ يبين هذا القول غلبة الطابع الفارسي فـي صبغة الحياة العامة، ويكفـي دليلاً هنا الإشارة إلى أثر البرامكة فـي السلطة العباسية، فبعد أول وزير للخلافة العباسية وكان الفارسي أبو سلمة الخلال، اتخذ السفاح خالد بن برمك وزيراً له واتصلت وزارته فـي عهد المنصور الذي ولّى يحيى بن خالد أذربيجان، وحين وصلت الخلافة إلى المهدي استدعى يحيى إلى بغداد واستوزره، وحين ولّي الرشيد أمر الخلافة خاطب يحيى بالأبوة إجلالاً وقال:

«يا أبتِ أنت أجلستني هذا المجلس ببركة رأيك وحسن تدبيرك، وقد قلدتك أمر الرعية وأخرجته من عنقي فاحكم بما ترى واستعمل من شئت واعزل من رأيت، وافرض لمن رأيت، وأسقط من رأيت، فإني غير ناظر معك فـي شيء» [٦].

وعلى هذا الأساس تقلّد الفضل بن يحيى المشرق كله، وجعفر بن يحيى المغرب كله، وأحسنا القيام بأمر الولاية وأحبهما الخاصة والعامة حتى ذاع بين الناس القول إن الشعراء مدحوا البرامكة بما لم يمدحوا به خلفاءهم، وفـي سنة ٤٧ هـ نكب الرشيد بالبرامكة نكبتهم المشهورة التي اختلف الناس فـي أسبابها. وحين وصل الأمر إلى المأمون كان الفضل فـيه لجند فارس حيث دخل بغداد، وقد تغلب على الأمين، واستوزر أسرة بني سهل الفارسية، وكان أول من استوزر منهم الفضل بن سهل الملقب بذي الرياستين: رياسة السيف والقلم، وللحقيقة فقد تمتع بهاتين الصفتين (الرياستين) أغلب الوزراء الفرس.

وحين ضعف اثر الفرس فـي الدولة العباسية كان هناك مجال واسع لظهور أثر عنصر أعجمي آخر تحكم بمقاليد السلطة وهو العنصر التركي الذي لم يستطع أن يضفـي طابعه إلا على الحياة العسكرية، فلم تكن مشاركة العنصر التركي فـي الحياة العامة أيام بني العباس تغني الحياة الأدبية أو الإبداعية أو الفلسفـية…. بل تركز إسهام الأتراك فـي الجيش قادة فـي قصر الخلافة وغلماناً فـي الجيش، وما تحقق لهم هذا إلا بعد أن نكب الرشيد بالبرامكة، ولعل القرن الثالث الهجري هو أبرز مثال على سيطرة العنصر التركي، إذ ظهر منذ مطلع القرن الرابع الهجري أثر النفوذ الفارسي من جديد.

وتم إقصاء العنصر التركي، وتقدم البويهيون من المشرق وسيطروا على بغداد فـي وقت كان يسيطر فـيه العرب الحمدانيون على الموصل وحلب والجزيرة حيث دياربكر وربيعة وميافارقين…. غربا حتى إنطاكية…. وجنوبا حتى حمص الذي قتل أميرها الحمداني الشاعر أبو فراس فتنة وغيلة فـيها عام ٣٥٧ هـ، وكان الأخشيديون ومن بعدهم الفاطميون يسيطرون على مصر وإفريقية وكانت الدولة البويهية هي الأقوى والأمنع والأكبر نفوذاً وامتداد سلطان والأكثر تحكماً بأمور الخلافة العباسية.

[١] سورة الحجرات الآية ٥.

[٢] ابن خلدون - المقدمة: ص (٤٣١).

[٣] الجاحظ - البيان والتبيين: ٣ / ٣٦٦.

[٤] المسعودي - مروج الذهب: ٢ / ٥٠.

[٥] الطبري - تاريخ الطبري ٢ / ٥٧.

[٦] الجهشياري - الوزراء والكتاب: ١٧٧، المسعودي مروج الذهب ٣ / ٢٧٥.



[ Web design by Abadis ]